Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 122

حتى بزغ الفجر (1)

حتى بزغ الفجر (1)

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“المجنّد الذي كان هنا قبل قليل شماليّ بدوره. رتبته متواضعة، لكنه على الأقل لا يضطر إلى أن يعيش خائفًا، محاذرًا كل خطوة.” قال تاليس بفتور، “أمّا النبلاء والأسياد… ألا يشعرون بأن طريقتهم في الحياة شديدة البؤس؟”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

كان الإخوة واحدًا، توحّدت أجسادهم.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

قوة الثلاثة تكافئ قوة الملك. واتّحاد الإخوة يقاتل الموت.

Arisu-san

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

لم يأتِ الفجر، وتلطّخ الأفق بالدم.”

الفصل 122: حتى بزغ الفجر (الجزء الأول)

والشجاعة نفذت إلى العظام، والرجاء دفع أجسادهم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“يا صاحب السمو، اللورد بيوتراي طلب مني أن أزوّدكم بالحطب.” حمل المجنّد الجديد، ويلو كين، حزمةً من الحطب وجلس باحترامٍ إلى جانب تاليس الذي كان قاعدًا عند نار المخيّم شاردًا.

حتى جاء الفجر.

بعيونٍ لامعة الطرف، أومأ تاليس. لم يستطع كفّ تفكيره عن اقتراح الملك نوڤين.

فوضى، وحزن، ويأس، وكارثة.

كان هذا آخرَ موقعٍ يتوقفون عنده قبل دخولهم مدينة غيوم التنانين.

سيفٌ وفأس، وعصاٌ ومصباح، وثقةٌ وعهود، وفضيلةٌ وامتنان.

خلفه، كان وايا، ورالف، وقدامى محاربي الكوكبة يفحصون عتادهم بقلق تحت إشراف بيوتراي.

أدار تاليس المعاني في ذهنه. خلاصة الأغنية أنّ ثلاثة أصدقاء مقرّبين تقاسَموا مغامراتٍ عديدة وأساطير كثيرة.

أما جنود إقليم الرمال السوداء فكانوا منشغلين بإقامة معسكرٍ ميدانيّ، بينما راقبهم حرّاس النصل الأبيض بوجوهٍ متجهّمة ويقظة، كأن بينهم عداوةٌ عميقة.

نفث بيوتراي دخانًا كثيفًا. “أنتم تشغلون مواضع أكثر تأثيرًا من العامة. كل حركة منكم ترتبط بأحداثٍ واسعة، ولها أثرٌ بعيد المدى. وهذا ثمنٌ تدفعونه وتضحيةٌ لا بد منها لأجل السلطة.”

ولمّا همّ المجنّد بالمغادرة والعودة إلى جماعته، قال الأمير الثاني بصوتٍ خافت، “يا ويلو، منذ بدأنا رحلتنا هذه، هل شعرتَ بالخوف قط؟ أو بالقلق… على الأقل؟”

سنواتٍ عرف بعضهم بعضًا فيها، وقلوبهم كانت موصولة.

كان ويلو يضع حزمة الحطب على الأرض باحترام حين سمع كلمات تاليس، فارتبك لوهلة.

قطّب تاليس. “الملك نوڤين، والأرشيدوق لامبارد، والخمسة الذين سألتقيهم قريبًا… أليسوا هم أيضًا شماليين؟”

“تعلم…” قال تاليس ببطء، “أن تقضي أيامك تكابد أخطارًا غامضة، وتقلق من البرد، ومن المعارك، ومن الأعداء… ومن كل شيء.”

“وفي النهاية قالت أختي إنها تشتهي السمك. ولكن حين عدتُ…”

تحيّر ويلو لحظةً، كأنه لم يتوقع من الأمير هذا السؤال.

من غير تردّد، ومن غير التفات إلى الوراء.

ثم التفتَ المجنّد الجديد وفكّر مليًّا قبل أن يجيب، “لقد شعرتُ بقلقٍ شديد قبل بداية المعارك. فأنا لستُ مثل العم جينارد الذي يبقى هادئًا حتى حين تهوي الشفرة نحو عنقه.”

وفي تلك اللحظة، تغيّر إيقاع بيوتراي ونبرته فجأة، ليصبحا هابطين عميقين، مفعَمَين بالاضطراب.

“لكنني لا أشعر بالخوف.” قطّب ويلو حاجبيه وفكّر مليًّا، حتى إنه نسي استخدام نبرة الاحترام. “مع أنه أمرٌ بالغ الخطورة، أشعر أنه أبسط بكثير…”

استعاد تاليس هذا الرقم. وقال ببطء: “إذن، كان ذلك بسبب…”

“أبسط؟” سأل تاليس.

ثم ابتسم بحزن. “بالطبع، آمل أن أحظى بفرصة لرؤية العالم، وأن أخالط شعوبه، سواء في شبه الجزيرتين، أو في الجزر التي لا تُحصى.”

“أقصد أنّ كل شيء يجري بسرعة في ساحة القتال. وبعد أن أطعن بالرماح، فللأمر نتيجتان لا ثالث لهما: إمّا أن أنجو، أو أموت. وهذا أفضل.” غامت نظرة ويلو، وارتسمت على وجهه كآبةٌ طفيفة. “على الأقل يُكافأ جهدك، وتعلم ما ستكون عليه النتيجة. وهكذا، لا داعي للخوف.”

تحيّر ويلو لحظةً، كأنه لم يتوقع من الأمير هذا السؤال.

تمعّن تاليس مطوّلًا في وجه المجنّد.

كابلان قبض على عصاه ومشى مبتسمًا.

“يا ويلو، من علمك القتال برمحين؟ والداك؟ كبار عائلتك؟” دفئ تاليس يديه فوق النار وسأل بملامح يصعب تأويلها، “أم أحد المحاربين المخضرمين؟”

“نعم. لا بد أنك رأيت صورته في قاعة مينديس.” تنفّس بيوتراي بعمق، ساحبًا جرعة من غليونه، وابتسم.

مرّر ويلو يده فوق الرمحين المربوطين على ظهره، وحكّ وجهه بحيرة.

انتشرت الأخبار في كل مكان. وثارت الثقة من جديد، فتجمّع الناس تحت رايات الحرب.

“لم يعلّمني أحد، يا صاحب السمو.” ولما تأكّد أن الأمير مجردُ محادثٍ له، هز رأسه ببطء. “أمّا والداي… فقد ماتا منذ إحدى عشرة أو اثنتي عشرة سنة.”

ومع ذلك، حتى في مدينة النجم الأبدي، لم يرَ تاليس أمثالهم إلا مرتين، وكلتاهما في السوق الكبير.

(اثنتا عشرة سنة.)

“المجنّد الذي كان هنا قبل قليل شماليّ بدوره. رتبته متواضعة، لكنه على الأقل لا يضطر إلى أن يعيش خائفًا، محاذرًا كل خطوة.” قال تاليس بفتور، “أمّا النبلاء والأسياد… ألا يشعرون بأن طريقتهم في الحياة شديدة البؤس؟”

استعاد تاليس هذا الرقم. وقال ببطء: “إذن، كان ذلك بسبب…”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

هزّ ويلو كتفيه بلا تعبير. “تعلم… تلك الكارثة التي سبّبتها الحرب في الشمال. لم يبقَ طعامٌ في القرية. فذهب والداي مع أهل القرية إلى أقرب قرية ليبادلا آخر ما يملكانه لقاء بعض الطعام، لكنهما لم يعودا قط.”

وفي ذهنه ظهر مشهدُ السيف والترس، والمحارب المهيب المتوَّج، الواقف تحت شجرة شاهقة. ذاك المحارب كان في أقصى يسار لوحة “ملوك الكوكبة الثلاثة” في قاعة مينديس.

رفع تاليس بصره.

الريح الشمالية، باردةٌ موحشة.

“بحسب شيوخ القرية، لم يكن مصيرهم ليكون جيدًا سواء صادفوا جنود إكستيدت أو جنود الكوكبة. فالطرف المنتصر يطلب الجزية، وأما الخاسر فينهبهم مباشرة.” قال ويلو بأسى، “كان وقتًا بالغ الفوضى.”

“ثم فكّر مجددًا في ما قلتَه.”

ساد الصمت بينهما برهة.

قوة الثلاثة تكافئ قوة الملك. واتّحاد الإخوة يقاتل الموت.

“فكيف نجوتَ أنت؟” سأل تاليس بهدوء.

تنفّس تاليس. “لكنكما نجوتما.”

“قرابينُ الجبال.” تنهد ويلو. “مع أن جميع البالغين كانوا يقولون إنّها قرابين للتجسُدات، ولا يأكلها إلا المسافرون…”

كان الإخوة واحدًا، توحّدت أجسادهم.

“لكن أختي وأنا كنّا جائعَين حدَّ الجنون.” أشرق وجه المجنّد بنظرةٍ متحسّرة. “وفوق ذلك… لسنا الوحيدين الذين فعلوا ذلك. ولما مرّ الشتاء، سُرقت حتى القرابين الموضوعة على أعلى أغصان الأشجار.”

المُنشدون. أولئك الناس الذين يجوبون الطرقات، يكسبون رزقهم بالغناء وبعض الحرف الصغيرة.

(المجاعة التي تلت الحرب في الشمال…) استعاد تاليس نوبة الغضب الهستيرية لدوق آروند في قصر النهضة.

كان ويلو يضع حزمة الحطب على الأرض باحترام حين سمع كلمات تاليس، فارتبك لوهلة.

“لكن الطعام لم يكفِ حتى حين جاء الربيع، يا صاحب السمو. وكانت أختي الصغيرة من شدّة الجوع تقضم أصابعها…” شرد ويلو نحو النار. “لحسن الحظ، كان النهر الرعوي يمرّ بقريتنا. فتبعتُ أهل القرية، وبذلت جهدي لاصطياد السمك.”

وفي تلك اللحظة، تغيّر إيقاع بيوتراي ونبرته فجأة، ليصبحا هابطين عميقين، مفعَمَين بالاضطراب.

“لم نكن نعرف كيف نصنع شباكًا، ولا نستطيع استعارة أي منها. ولم نكن نجد الأماكن التي يكثر فيها السمك.”

وعلى الجانب الآخر، لمّا التقط تاليس بضع كلمات، أدرك فجأة شيئًا ما: لقد عرف الآن أيّ مشهد تُصوّره الأغنية.

“فلم أملك إلا الطريقة التي كنتُ أستخدمها حين كنتُ صغيرًا لأصطاد بها السمك؛ كنتُ أرابط قرب النهر كل يوم… في البداية، كنتُ أفشل دائمًا، ولم أعثر على أي سربٍ من الأسماك. وكان البالغون الآخرون هم من يعطوننا بعض ما يصطادونه. وفي كل مرة أصل فيها إلى البيت ومعي سمكة، كانت أختي الصغيرة تفرح…”

“ومع تقدمي في السن، لم يعد يكفي مجرد إطعام نفسي وأختي. كان عليّ الإمساك بالمزيد لأبادلها ببضائع في السوق. وأحيانًا أحصل على نقودٍ نحاسية.”

“رؤية ابتسامتها كل صباح وأنا أغادر، وأنا لا أدري إن كنت سأجلب ما يكفي من السمك…” اتشح صوت ويلو بقتامة. “غالبًا لا ينفع الجهد مهما بذلت.”

سرت قشعريرة في ظهر تاليس.

تنفّس تاليس. “لكنكما نجوتما.”

هام مترنّحًا، ضائعًا، والمصباح المشرق بيده.

“بعد ذلك، أصبحتُ أكثر مهارة، وبدأت أجد أسراب السمك.” خفّض ويلو بصره إلى يديه وقطّب. “وفي الشتاء، حين يتجمد سطح النهر، كنتُ أحصل على المزيد. فالأسماك تتجمّع بسبب البرد…”

قطّب تاليس. “الملك نوڤين، والأرشيدوق لامبارد، والخمسة الذين سألتقيهم قريبًا… أليسوا هم أيضًا شماليين؟”

“ومع تقدمي في السن، لم يعد يكفي مجرد إطعام نفسي وأختي. كان عليّ الإمساك بالمزيد لأبادلها ببضائع في السوق. وأحيانًا أحصل على نقودٍ نحاسية.”

تجمّع أكثر فأكثر من الجنود حول بيوتراي وتاليس. حتى آيدا الجنية مشت إليهم ببطء.

“فبدأتُ أحاول اصطياد السمك بكلتا يديّ. ومع مرور الزمن، صرتُ أستطيع حتى أن أطعن عبر طبقة الجليد بيدٍ واحدة. ولهذا أحب دائمًا حمل رمحٍ إضافي في ساحة القتال.”

من غير تردّد، ومن غير التفات إلى الوراء.

(الآن فهمت.) تنفس تاليس نفسًا طويلًا.

وحتى آيدا الهادئة بطبيعتها خفضت رأسها في صمت.

قال الأمير الثاني بخفوت، “لكن تطوّعك في هذا الوقت… ماذا عن أختك؟ أهي في البيت؟”

مرّت ثوانٍ، ولم يسمعا إلا أصوات الناس في الجوار، وفرقعة الحطب.

تعابير وجه ويلو اصبحت باهتة.

“نعم. لا بد أنك رأيت صورته في قاعة مينديس.” تنفّس بيوتراي بعمق، ساحبًا جرعة من غليونه، وابتسم.

“لا.” حاول المجنّد أن يبتسم، لكن لم يخرج منه إلا مرارة.

حتى بزغ الفجر.

“أصابتها الحمى التيفية العام الماضي. لم يكن لدينا مال. ولم يكن هناك مكان نجد فيه دواء — الأدوية لا تتوفر إلا في المدن الكبيرة.” ارتجف صوت ويلو. “كل ما استطعت فعله هو أن أسقيها ماءً دافئًا مرارًا.”

… ثم قال ويلو بأسى، “دفنتُها قرب النهر.”

قطّب تاليس جبينه.

رمق نيكولاس شيليس بنظرة امتعاض.

(كوريا.) خُيّل إليه وجه الفتاة الصغيرة المصابة بالحمّى التيفية.

تمعّن تاليس مطوّلًا في وجه المجنّد.

“وفي النهاية قالت أختي إنها تشتهي السمك. ولكن حين عدتُ…”

استعاد تاليس هذا الرقم. وقال ببطء: “إذن، كان ذلك بسبب…”

سكت ويلو، وحدّق في النار. ولم يقل تاليس شيئًا.

“أبسط؟” سأل تاليس.

مرّت ثوانٍ، ولم يسمعا إلا أصوات الناس في الجوار، وفرقعة الحطب.

(سأستطيع… أن أعتاد؟)

… ثم قال ويلو بأسى، “دفنتُها قرب النهر.”

Arisu-san

رمش المجنّد الجديد مرارًا، كأن شيئًا ما دخل عينيه. وقال بصوتٍ واهن: “يا صاحب السمو، حقًا أتمنى أن يكون في نهر الجحيم بعض السمك.”

تذكر مكانة الطفل الجالس أمامه.

أدى ويلو تحيّة غير متقنة لتاليس، ثم استدار ليغادر.

“نعم. الأجيال اللاحقة كانت تسعد بذكر صداقتهم المتينة وحيواتهم الباذخة.” تنفّس بيوتراي بإحساس، وقال: “شَارا يُعدّ ’بطلًا’ في نظر أهل شبه الجزيرة الغربية. وفي ألف عام مضت، لم يُمنح هذا الشرف إلا لمؤسس إكستيدت، رايكارو إكستيدت.

عندها ناداه تاليس.

وعندها، وقد اقتربت في لحظة ما، وقفت آيدا أمام تاليس.

“يا ويلو، في نهر الجحيم سمك.” قال الأمير الثاني وهو ينظر إلى ويلو الذي التفت، وابتسم. “قرأتُ ذلك في كتاب.”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

…..

“إذن عليك أن تستعد، فبعض تلك الأماكن تحتاج إلى…” هزّ بيوتراي رأسه، ثم توقف عن الكلام فجأة.

“أتفكر فيما سيأتي؟” وقف بيوتراي إلى جانب تاليس يراقب ابتعاد المجنّد.

“الملوك أيضًا يمكنهم أن يحظوا بحياة ممتعة للغاية.” قال بيوتراي ببطء وهو يراقب ملامحه. “كل واحد من ملوك الكوكبة التسعة والثلاثين كان فريدًا. وواحدٌ منهم عاش أكثر التجارب غرابة… ربما كان أكثر ملوك الكوكبة أسطوريةً وفرادَة منذ تورموند الأول.”

رفع تاليس رأسه وهو جالس عند النار.

زفر بيوتراي زفيرًا خافتًا.

“يا بيوتراي، هل تعلم أنّ المجنّد الذي كان هنا للتو يشعر أنّ حياته الآن بسيطة جدًا.” قال تاليس شاردًا.

كان هذا آخرَ موقعٍ يتوقفون عنده قبل دخولهم مدينة غيوم التنانين.

رفع بيوتراي حاجبيه.

(المجاعة التي تلت الحرب في الشمال…) استعاد تاليس نوبة الغضب الهستيرية لدوق آروند في قصر النهضة.

“قال: ‘بعد أن أطعن بالرماح، إما أن أنجو أو أموت. وهذا أفضل.’” التفت تاليس وهو يتحدث.

سكت ويلو، وحدّق في النار. ولم يقل تاليس شيئًا.

“لكن حياتي معقّدة للغاية، حتى إنها تُتعب قلبي.” توهجت نظرة تاليس بشيءٍ من الحزن. “ظننت أنّ السياسة في الكوكبة وحدها معقّدة بما يكفي. ولم أعلم أنّ إكستيدت — المشهورة بخشونتها وجرأتها — هي كذلك أيضًا.”

“ليس وحده. رغم عظمته، فإن صائن القَسَم واحد من الثلاثة فحسب.” ذكّر المركيز شيليس مبتسمًا.

آرشيدوق ينوي الشر، وملكٌ لا يتحرك إلا بروح الانتقام، وتوابعُ لا يتورعون عن التحقير.

“فقط أهل الشمال بهذه الخشونة والجرأة.” جلس بيوتراي وأخرج غليونه. وهزّ رأسه. “لكن الذين تواجههم الآن هم النبلاء، والحكام، والذين يمسكون بزمام السلطة.”

كل ذلك لم يتوافق مع الصورة التي رسمها في ذهنه عن الشمال وإكستيدت — المملكة الصادقة التي تقف شامخة وسط الثلوج والبرد القارس.

…..

“فقط أهل الشمال بهذه الخشونة والجرأة.” جلس بيوتراي وأخرج غليونه. وهزّ رأسه. “لكن الذين تواجههم الآن هم النبلاء، والحكام، والذين يمسكون بزمام السلطة.”

(أخشى أنّك، بوصفك وريث العرش في الكوكبة، أنت…) اطلق في قلبه تنهيدة خافتة.

قطّب تاليس. “الملك نوڤين، والأرشيدوق لامبارد، والخمسة الذين سألتقيهم قريبًا… أليسوا هم أيضًا شماليين؟”

آرشيدوق ينوي الشر، وملكٌ لا يتحرك إلا بروح الانتقام، وتوابعُ لا يتورعون عن التحقير.

“إنهم من فصيلة أخرى.” أشعل بيوتراي غليونه وقال بخفوت، “الناس العاديون يعيشون على الطعام والهواء. أمّا هم… فيعيشون على السلطة.”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

“المجنّد الذي كان هنا قبل قليل شماليّ بدوره. رتبته متواضعة، لكنه على الأقل لا يضطر إلى أن يعيش خائفًا، محاذرًا كل خطوة.” قال تاليس بفتور، “أمّا النبلاء والأسياد… ألا يشعرون بأن طريقتهم في الحياة شديدة البؤس؟”

أدرك تاليس خطأه أيضًا.

نفث بيوتراي دخانًا كثيفًا. “أنتم تشغلون مواضع أكثر تأثيرًا من العامة. كل حركة منكم ترتبط بأحداثٍ واسعة، ولها أثرٌ بعيد المدى. وهذا ثمنٌ تدفعونه وتضحيةٌ لا بد منها لأجل السلطة.”

“بحسب شيوخ القرية، لم يكن مصيرهم ليكون جيدًا سواء صادفوا جنود إكستيدت أو جنود الكوكبة. فالطرف المنتصر يطلب الجزية، وأما الخاسر فينهبهم مباشرة.” قال ويلو بأسى، “كان وقتًا بالغ الفوضى.”

“يا إلهي، بعد أن استعدتُ هويّتي كأمير لوقتٍ قصير فقط، ها أنا أضجر من هذه الحياة.” تنهد الأمير ذو السنوات السبع وتحدث كالكبار.

ضحك بيوتراي قليلًا. “حسنًا.” ثم تابع، تحت نظرات تاليس المتطلعة: “قبل أن يصبح ملكًا، قضى الأمير ميدير عشر سنوات مغامرًا في الخارج مع صديقيه — شارا من إكستيدت، وكابلان من اتحاد كاموس.”

(ربما لستُ معتادًا بعد… ربما إن عشتُ هكذا أكثر، ومررتُ بمثل هذه الأمور…)

“إنهم من فصيلة أخرى.” أشعل بيوتراي غليونه وقال بخفوت، “الناس العاديون يعيشون على الطعام والهواء. أمّا هم… فيعيشون على السلطة.”

(سأستطيع… أن أعتاد؟)

حين جاء الفجر، وطلعت شمس الصباح من جديد.

“هذه الحياة التي تضجر منها هي حلم يراود الكثيرين.” قطّب بيوتراي، وعاد إلى مخاطبته بلا ألقاب. “أيها الأمير الصغير، اذهب وانظر إلى حياة المدنيين… الذين يكافحون ليحصلوا على ثلاث وجبات فقط. فكّر في القرية التي زرناها قبل دخول أراضي الشمال… ذلك البارون المتصنّع، وأهل إقطاعيته.”

بعد أن أفلتوا من الموت، ونجوا من الكوارث، وحدّقوا في وجه الرعب؛ لم ييأسوا.

“ثم فكّر مجددًا في ما قلتَه.”

“يا صاحب السمو، اللورد بيوتراي طلب مني أن أزوّدكم بالحطب.” حمل المجنّد الجديد، ويلو كين، حزمةً من الحطب وجلس باحترامٍ إلى جانب تاليس الذي كان قاعدًا عند نار المخيّم شاردًا.

استعاد تاليس ذكريات ويلو، فزفر ساخرًا.

والليل المظلم شوّش بصيرة النبي.

ثم ابتسم بحزن. “بالطبع، آمل أن أحظى بفرصة لرؤية العالم، وأن أخالط شعوبه، سواء في شبه الجزيرتين، أو في الجزر التي لا تُحصى.”

وبدأ لحن بيوتراي يرقّ من جديد.

“إذن عليك أن تستعد، فبعض تلك الأماكن تحتاج إلى…” هزّ بيوتراي رأسه، ثم توقف عن الكلام فجأة.

ملوك الكوكبة الثلاثة.

تذكر مكانة الطفل الجالس أمامه.

“وأما صائن القَسَم’، ميدير جيدستار، فكان أميرًا نبيلاً شجاعًا، ومثالًا يُقتدى به، مستعدًا لأن يتخلى عن عرشه في سبيل الصداقة ووفائه بالعهد.”

(أخشى أنّك، بوصفك وريث العرش في الكوكبة، أنت…) اطلق في قلبه تنهيدة خافتة.

ملوك الكوكبة الثلاثة.

أدرك تاليس خطأه أيضًا.

“المجنّد الذي كان هنا قبل قليل شماليّ بدوره. رتبته متواضعة، لكنه على الأقل لا يضطر إلى أن يعيش خائفًا، محاذرًا كل خطوة.” قال تاليس بفتور، “أمّا النبلاء والأسياد… ألا يشعرون بأن طريقتهم في الحياة شديدة البؤس؟”

“ها، السفر حول العالم… أخشى أنني على الأرجح لن أحظى بمثل هذه الفرصة في حياتي.” ضحك بمرارة.

(جناح الليل… الشرق… الريح الشمالية… الجبال… التنّين العظيم… الكوكبة… هذه المصطلحات… لكلٍ منها أصلٌ ما.) ضاق بعينيه، يوزّع المعاني في ذهنه واحدًا واحدًا.

(القتال من أجل الكوكبة. الموت من أجل الكوكبة. العيش من أجل الكوكبة.)

هزّ ويلو كتفيه بلا تعبير. “تعلم… تلك الكارثة التي سبّبتها الحرب في الشمال. لم يبقَ طعامٌ في القرية. فذهب والداي مع أهل القرية إلى أقرب قرية ليبادلا آخر ما يملكانه لقاء بعض الطعام، لكنهما لم يعودا قط.”

بجوار الموقد، لاذ الاثنان بالصمت لحظة.

انتشرت الأخبار في كل مكان. وثارت الثقة من جديد، فتجمّع الناس تحت رايات الحرب.

“تعلم، كان الملك كيسل دومًا مسرورًا حين يتحدث عن عمّه جون.” تمتم تاليس بهدوء. “والآن أدرك السبب.”

ملوك الكوكبة الثلاثة.

نفخ تاليس نفحة من الهواء الحار على كفّيه وقال: “لقد صار جون عينيه، يزور الأماكن التي لا يستطيع هو الذهاب إليها، ويجوب العالم.”

ميدير لوّح بسيفه وترسه.

زفر بيوتراي زفيرًا خافتًا.

والشجاعة نفذت إلى العظام، والرجاء دفع أجسادهم.

“لا حاجة لأن يخيّم الإحباط عليك. ستصبح ملكًا يومًا ما.” قال نائب الدبلوماسي الهزيل بصوت خافت. “وحينها، ستستطيع رؤية العالم الفسيح من زاويةٍ أخرى، زاويةٍ لا نستطيع نحن جميعًا تخيّلها.”

“معركة الفجر.”

لم يقل تاليس شيئًا، بل ظلّ يحدّق في النار. ثم ضحك فجأة.

حدّق بيوتراي بتاليس طويلًا دون أن يشيح بنظره.

“يبدو أنّ كون المرء ملكًا أمر مملّ للغاية. كيف صمد جدّي لهذه المدّة؟” هزّ الأمير رأسه.

في عملة الكوكبة، نُقشت صورة رأس مؤسس المملكة، تورموند الأول، على ظهر قطع الذهب. أما صورة “الملك الصالح”، مينديس الثالث، فكانت على ظهر الفضة؛ وصورة ميدير الرابع على النحاس.

حدّق بيوتراي بتاليس طويلًا دون أن يشيح بنظره.

“لكنني لا أشعر بالخوف.” قطّب ويلو حاجبيه وفكّر مليًّا، حتى إنه نسي استخدام نبرة الاحترام. “مع أنه أمرٌ بالغ الخطورة، أشعر أنه أبسط بكثير…”

“الملوك أيضًا يمكنهم أن يحظوا بحياة ممتعة للغاية.” قال بيوتراي ببطء وهو يراقب ملامحه. “كل واحد من ملوك الكوكبة التسعة والثلاثين كان فريدًا. وواحدٌ منهم عاش أكثر التجارب غرابة… ربما كان أكثر ملوك الكوكبة أسطوريةً وفرادَة منذ تورموند الأول.”

وفي تلك اللحظة، تغيّر إيقاع بيوتراي ونبرته فجأة، ليصبحا هابطين عميقين، مفعَمَين بالاضطراب.

“أوه، ومن يكون ذلك؟” ازداد فضول تاليس.

“فقط أهل الشمال بهذه الخشونة والجرأة.” جلس بيوتراي وأخرج غليونه. وهزّ رأسه. “لكن الذين تواجههم الآن هم النبلاء، والحكام، والذين يمسكون بزمام السلطة.”

“يا صاحب السمو، هل تودّ أن تسمعني أُنشِد أغنية؟” سأل بيوتراي ببطء، ثم سحب نفسًا من غليونه.

“فلم أملك إلا الطريقة التي كنتُ أستخدمها حين كنتُ صغيرًا لأصطاد بها السمك؛ كنتُ أرابط قرب النهر كل يوم… في البداية، كنتُ أفشل دائمًا، ولم أعثر على أي سربٍ من الأسماك. وكان البالغون الآخرون هم من يعطوننا بعض ما يصطادونه. وفي كل مرة أصل فيها إلى البيت ومعي سمكة، كانت أختي الصغيرة تفرح…”

“بالطبع.” أشرق بريق في عيني تاليس. “غيلبرت ذكر أنك كنت مُنشِدًا، وسافرت إلى أماكن كثيرة؟”

“قال: ‘بعد أن أطعن بالرماح، إما أن أنجو أو أموت. وهذا أفضل.’” التفت تاليس وهو يتحدث.

المُنشدون. أولئك الناس الذين يجوبون الطرقات، يكسبون رزقهم بالغناء وبعض الحرف الصغيرة.

“المجنّد الذي كان هنا قبل قليل شماليّ بدوره. رتبته متواضعة، لكنه على الأقل لا يضطر إلى أن يعيش خائفًا، محاذرًا كل خطوة.” قال تاليس بفتور، “أمّا النبلاء والأسياد… ألا يشعرون بأن طريقتهم في الحياة شديدة البؤس؟”

ومع ذلك، حتى في مدينة النجم الأبدي، لم يرَ تاليس أمثالهم إلا مرتين، وكلتاهما في السوق الكبير.

حتى طلعت شمس الصباح من جديد.

“آه، الغناء… إنّه أحد المهارات التي أفتخر بها أكثر من غيرها.” نقر بيوتراي على غليونه وقال بنبرة خافتة: “والآن، سأُنشِد (حين جاء الفجر)، وهي حكايةٌ عن ثلاثة أصدقاءٍ طيبين خاضوا مغامرة معًا.”

ولمّا همّ المجنّد بالمغادرة والعودة إلى جماعته، قال الأمير الثاني بصوتٍ خافت، “يا ويلو، منذ بدأنا رحلتنا هذه، هل شعرتَ بالخوف قط؟ أو بالقلق… على الأقل؟”

أشار له تاليس أن يمضي.

“مغامرات؟” قال تاليس في دهشة.

أوّلًا، تنحنح بيوتراي، ودندَن ببضع نغمات قصيرة يبحث بها عن الطبقة المناسبة. ثم بدأ نائب الدبلوماسي يُنشِد بلحن رخيمٍ رشيق، يضرب الإيقاع بأصابعه.

ولم يفُته أنه عند سماع هذه الأسماء الثلاثة، خفت صوت المركيز شيليس. حتى نيكولاس اتخذ هيئة متجهّمة.

حين جاء الفجر، وطلعت شمس الصباح من جديد.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

ثلاثة رجال ساروا جنبًا إلى جنب.

والليل المظلم شوّش بصيرة النبي.

سنواتٍ عرف بعضهم بعضًا فيها، وقلوبهم كانت موصولة.

حين كانت تلك اللحظات الجميلة توشك أن تتلاشى، وحين لم يعد المستقبل مشرقًا،

سيفٌ وفأس، وعصاٌ ومصباح، وثقةٌ وعهود، وفضيلةٌ وامتنان.

“ها، السفر حول العالم… أخشى أنني على الأرجح لن أحظى بمثل هذه الفرصة في حياتي.” ضحك بمرارة.

كان الإخوة واحدًا، توحّدت أجسادهم.

أدى ويلو تحيّة غير متقنة لتاليس، ثم استدار ليغادر.

عبروا القرى، واستحمّوا بضوء القمر، وولجوا القلاع العتيقة، وتخطّوا الجبال.

“قال: ‘بعد أن أطعن بالرماح، إما أن أنجو أو أموت. وهذا أفضل.’” التفت تاليس وهو يتحدث.

أرضُ الخفاء للجان، موطن الأقزام، عشُّ الشياطين، وعرين الوحوش.

كان الإخوة واحدًا، توحّدت أجسادهم.

بعد أن أفلتوا من الموت، ونجوا من الكوارث، وحدّقوا في وجه الرعب؛ لم ييأسوا.

“رؤية ابتسامتها كل صباح وأنا أغادر، وأنا لا أدري إن كنت سأجلب ما يكفي من السمك…” اتشح صوت ويلو بقتامة. “غالبًا لا ينفع الجهد مهما بذلت.”

مغامرات كثيرة كانت بانتظارهم، وحكاياتٌ وُجِب أن تُروى.

ولم تَعُد شمس الصباح تطلع، وابتلع الظلام العالم.

حتى طلعت شمس الصباح من جديد.

“الملوك أيضًا يمكنهم أن يحظوا بحياة ممتعة للغاية.” قال بيوتراي ببطء وهو يراقب ملامحه. “كل واحد من ملوك الكوكبة التسعة والثلاثين كان فريدًا. وواحدٌ منهم عاش أكثر التجارب غرابة… ربما كان أكثر ملوك الكوكبة أسطوريةً وفرادَة منذ تورموند الأول.”

حتى جاء الفجر.

“الملوك أيضًا يمكنهم أن يحظوا بحياة ممتعة للغاية.” قال بيوتراي ببطء وهو يراقب ملامحه. “كل واحد من ملوك الكوكبة التسعة والثلاثين كان فريدًا. وواحدٌ منهم عاش أكثر التجارب غرابة… ربما كان أكثر ملوك الكوكبة أسطوريةً وفرادَة منذ تورموند الأول.”

جرت نبرة بيوتراي الغنائية رخيةً بطيئة، فاستوقفَت الكثير من الجنود الذين أخذوا يحدّقون. وتقدّم الماركيز شيليس بخطى هادئة نحوهم، بينما عقد نيكولاس حاجبيْه وهو يراقب النار من بعيد. حتى آيدا رفعت رأسها.

“ومع تقدمي في السن، لم يعد يكفي مجرد إطعام نفسي وأختي. كان عليّ الإمساك بالمزيد لأبادلها ببضائع في السوق. وأحيانًا أحصل على نقودٍ نحاسية.”

أدار تاليس المعاني في ذهنه. خلاصة الأغنية أنّ ثلاثة أصدقاء مقرّبين تقاسَموا مغامراتٍ عديدة وأساطير كثيرة.

ضحك بيوتراي قليلًا. “حسنًا.” ثم تابع، تحت نظرات تاليس المتطلعة: “قبل أن يصبح ملكًا، قضى الأمير ميدير عشر سنوات مغامرًا في الخارج مع صديقيه — شارا من إكستيدت، وكابلان من اتحاد كاموس.”

وفي تلك اللحظة، تغيّر إيقاع بيوتراي ونبرته فجأة، ليصبحا هابطين عميقين، مفعَمَين بالاضطراب.

(جناح الليل… الشرق… الريح الشمالية… الجبال… التنّين العظيم… الكوكبة… هذه المصطلحات… لكلٍ منها أصلٌ ما.) ضاق بعينيه، يوزّع المعاني في ذهنه واحدًا واحدًا.

في ليلةٍ داميةٍ كالدم، هدر البحر، واختبأ الأعداء بين الأمواج الهائجة.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

هناك، ملكٌ دمويٌ شره، وجنراله الذي لا يُهزَم، وجناح الليل الذي شقّ السماء بجيشه الخالد، وجحافل تزحف فوق امتداد الأرض بعيون جائعة.

والشجاعة نفذت إلى العظام، والرجاء دفع أجسادهم.

ظلالٌ مشؤومةٌ غشّت الشمس والسماء.

ومع ذلك، حتى في مدينة النجم الأبدي، لم يرَ تاليس أمثالهم إلا مرتين، وكلتاهما في السوق الكبير.

أشباح الأعداء تتربّص بلا انقطاع.

زفر بيوتراي زفيرًا خافتًا.

خصومٌ فاجعون من الشرق، يزلزلون الأرض ويهدمون المدن حيثما مضوا.

“مغامرات؟” قال تاليس في دهشة.

واحدًا تلو الآخر، نهضت خيل شبه الجزيرة الغربية للقتال.

(ربما لستُ معتادًا بعد… ربما إن عشتُ هكذا أكثر، ومررتُ بمثل هذه الأمور…)

وحين حلّ الليل، خمد صوت الميدان.

“أقصد أنّ كل شيء يجري بسرعة في ساحة القتال. وبعد أن أطعن بالرماح، فللأمر نتيجتان لا ثالث لهما: إمّا أن أنجو، أو أموت. وهذا أفضل.” غامت نظرة ويلو، وارتسمت على وجهه كآبةٌ طفيفة. “على الأقل يُكافأ جهدك، وتعلم ما ستكون عليه النتيجة. وهكذا، لا داعي للخوف.”

الريح الشمالية، باردةٌ موحشة.

وحين حلّ الليل، خمد صوت الميدان.

سيف الملك، تحطّم إربًا.

استعاد تاليس هذا الرقم. وقال ببطء: “إذن، كان ذلك بسبب…”

نوحَت الجبال، وانكسرت رماح الفرسان.

وفي ظلّ نظرة الملك الدموية، كان أعداء الليل في كل مكان.

شظايا السيوف، وتروسٌ محطّمة، تنوحُ التنّين العظيم، وتخبو الكوكبة.

أدار تاليس المعاني في ذهنه. خلاصة الأغنية أنّ ثلاثة أصدقاء مقرّبين تقاسَموا مغامراتٍ عديدة وأساطير كثيرة.

فوضى، وحزن، ويأس، وكارثة.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

رعبٌ لا ينقطع، ورجفانٌ مسعورٌ لا يُضبَط، وموتٌ لا نهاية له.

(أخشى أنّك، بوصفك وريث العرش في الكوكبة، أنت…) اطلق في قلبه تنهيدة خافتة.

ضاعت الآمال جميعها، وخبا الضوء.

في ليلةٍ داميةٍ كالدم، هدر البحر، واختبأ الأعداء بين الأمواج الهائجة.

ومن بقي عاش تعيسًا.

حتى وافى الفجر.

ولم تَعُد شمس الصباح تطلع، وابتلع الظلام العالم.

فوضى، وحزن، ويأس، وكارثة.

لم يأتِ الفجر، وتلطّخ الأفق بالدم.”

“الملوك أيضًا يمكنهم أن يحظوا بحياة ممتعة للغاية.” قال بيوتراي ببطء وهو يراقب ملامحه. “كل واحد من ملوك الكوكبة التسعة والثلاثين كان فريدًا. وواحدٌ منهم عاش أكثر التجارب غرابة… ربما كان أكثر ملوك الكوكبة أسطوريةً وفرادَة منذ تورموند الأول.”

بلغ لحن بيوتراي قرارتِه الأعمق، ومعه هبط مزاج السامعين. أما تاليس فقد انشغل باستنباط المعاني.

والتضحيات التي لا تنتهي صقلت روح البطل. وصنعَت هيئته الوحيدة قسمًا بالدم.

(جناح الليل… الشرق… الريح الشمالية… الجبال… التنّين العظيم… الكوكبة… هذه المصطلحات… لكلٍ منها أصلٌ ما.) ضاق بعينيه، يوزّع المعاني في ذهنه واحدًا واحدًا.

تنفّس تاليس. “لكنكما نجوتما.”

وبدأ لحن بيوتراي يرقّ من جديد.

ثم قطعهم صوتٌ غير مناسب للمشهد: “عودوا إلى مواقعكم!”

حين كانت تلك اللحظات الجميلة توشك أن تتلاشى، وحين لم يعد المستقبل مشرقًا،

حين جاء الفجر، وطلعت شمس الصباح من جديد.

عند أحلك ساعة، حين انتصف الليل.

وعلى الجانب الآخر، لمّا التقط تاليس بضع كلمات، أدرك فجأة شيئًا ما: لقد عرف الآن أيّ مشهد تُصوّره الأغنية.

بدأ الأصدقاء الثلاثة أخيرًا رحلتهم.

“يا صاحب السمو، اللورد بيوتراي طلب مني أن أزوّدكم بالحطب.” حمل المجنّد الجديد، ويلو كين، حزمةً من الحطب وجلس باحترامٍ إلى جانب تاليس الذي كان قاعدًا عند نار المخيّم شاردًا.

وصنعت مغامراتهم تاريخًا، وآن أوان ملاحمهم البطولية.

“تعلم، كان الملك كيسل دومًا مسرورًا حين يتحدث عن عمّه جون.” تمتم تاليس بهدوء. “والآن أدرك السبب.”

من غير تردّد، ومن غير التفات إلى الوراء.

رمش المجنّد الجديد مرارًا، كأن شيئًا ما دخل عينيه. وقال بصوتٍ واهن: “يا صاحب السمو، حقًا أتمنى أن يكون في نهر الجحيم بعض السمك.”

حتى أشرق شمس الصباح من جديد. حتى بزغ الفجر.

تجمّع أكثر فأكثر من الجنود حول بيوتراي وتاليس. حتى آيدا الجنية مشت إليهم ببطء.

ثمّ امتلأت نغمة بيوتراي فجأة بالحمية والحماسة، كأنّ مشهدًا جديدًا انفتح داخل الأغنية.

سيفٌ وفأس، وعصاٌ ومصباح، وثقةٌ وعهود، وفضيلةٌ وامتنان.

غمر الدم الأرض وطهّر تاج الأمير، صانعًا وعدًا كريمًا صادقًا.

أما جنود إقليم الرمال السوداء فكانوا منشغلين بإقامة معسكرٍ ميدانيّ، بينما راقبهم حرّاس النصل الأبيض بوجوهٍ متجهّمة ويقظة، كأن بينهم عداوةٌ عميقة.

ميدير لوّح بسيفه وترسه.

انحنى بيوتراي قليلًا إظهارًا للشكر.

والليل المظلم شوّش بصيرة النبي.

تمعّن تاليس مطوّلًا في وجه المجنّد.

هام مترنّحًا، ضائعًا، والمصباح المشرق بيده.

فوضى، وحزن، ويأس، وكارثة.

كابلان قبض على عصاه ومشى مبتسمًا.

انتشرت الأخبار في كل مكان. وثارت الثقة من جديد، فتجمّع الناس تحت رايات الحرب.

والتضحيات التي لا تنتهي صقلت روح البطل. وصنعَت هيئته الوحيدة قسمًا بالدم.

قطّب تاليس. “الملك نوڤين، والأرشيدوق لامبارد، والخمسة الذين سألتقيهم قريبًا… أليسوا هم أيضًا شماليين؟”

وصيحة شارا دوّت في الليل.

“أصابتها الحمى التيفية العام الماضي. لم يكن لدينا مال. ولم يكن هناك مكان نجد فيه دواء — الأدوية لا تتوفر إلا في المدن الكبيرة.” ارتجف صوت ويلو. “كل ما استطعت فعله هو أن أسقيها ماءً دافئًا مرارًا.”

حتى أشرقت شمس الصباح.

“المجنّد الذي كان هنا قبل قليل شماليّ بدوره. رتبته متواضعة، لكنه على الأقل لا يضطر إلى أن يعيش خائفًا، محاذرًا كل خطوة.” قال تاليس بفتور، “أمّا النبلاء والأسياد… ألا يشعرون بأن طريقتهم في الحياة شديدة البؤس؟”

حتى بزغ الفجر.

“ليس وحده. رغم عظمته، فإن صائن القَسَم واحد من الثلاثة فحسب.” ذكّر المركيز شيليس مبتسمًا.

تجمّع أكثر فأكثر من الجنود حول بيوتراي وتاليس. حتى آيدا الجنية مشت إليهم ببطء.

تقدّم نيكولاس خطوةً نحوهم بفظاظة.

وعلى الجانب الآخر، لمّا التقط تاليس بضع كلمات، أدرك فجأة شيئًا ما: لقد عرف الآن أيّ مشهد تُصوّره الأغنية.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تابع بيوتراي الغناء.

أدرك تاليس فجأة. “العملة النحاسية… تشير إليه؟”

قوة الثلاثة تكافئ قوة الملك. واتّحاد الإخوة يقاتل الموت.

سكت ويلو، وحدّق في النار. ولم يقل تاليس شيئًا.

انتشرت الأخبار في كل مكان. وثارت الثقة من جديد، فتجمّع الناس تحت رايات الحرب.

سيف الملك، تحطّم إربًا.

والشجاعة نفذت إلى العظام، والرجاء دفع أجسادهم.

ساد الصمت بينهما برهة.

متّحدين عقلًا وجسدًا.

عبروا القرى، واستحمّوا بضوء القمر، وولجوا القلاع العتيقة، وتخطّوا الجبال.

فأس شارا الضخم شقّ الطريق للمستقبل، وسيف ميدير وترسه حميا الناس.

والشجاعة نفذت إلى العظام، والرجاء دفع أجسادهم.

ونظرة كابلان اخترقت كل شيء، وقادتهم إلى ساحة الوغى الأخيرة.

واحدًا تلو الآخر، نهضت خيل شبه الجزيرة الغربية للقتال.

وفي ظلّ نظرة الملك الدموية، كان أعداء الليل في كل مكان.

“بعد ذلك، أصبحتُ أكثر مهارة، وبدأت أجد أسراب السمك.” خفّض ويلو بصره إلى يديه وقطّب. “وفي الشتاء، حين يتجمد سطح النهر، كنتُ أحصل على المزيد. فالأسماك تتجمّع بسبب البرد…”

نيران الحرب ملتهبة، وصيحات القتال مدوّية. وبدأت المعركة الأخيرة.

واحدًا تلو الآخر، نهضت خيل شبه الجزيرة الغربية للقتال.

حتى أشرقت شمس الصباح.

“لا.” حاول المجنّد أن يبتسم، لكن لم يخرج منه إلا مرارة.

حتى وافى الفجر.

رمش المجنّد الجديد مرارًا، كأن شيئًا ما دخل عينيه. وقال بصوتٍ واهن: “يا صاحب السمو، حقًا أتمنى أن يكون في نهر الجحيم بعض السمك.”

توقّف الغناء فجأة. أغلق بيوتراي فمه ببطء.

أدرك تاليس خطأه أيضًا.

رفع تاليس رأسه على نحو حاد.

وبعد أن تفرّق الجنود، رمقهم نيكولاس بنظرة كريهة. “أعليكم حقًا أن تثيروا هذا القدر من الانتباه قبل أن تبدأ الأمور؟”

“لِمَ توقفت؟” سأل، وقد بدا عليه شيء من التيه.

“يا ويلو، من علمك القتال برمحين؟ والداك؟ كبار عائلتك؟” دفئ تاليس يديه فوق النار وسأل بملامح يصعب تأويلها، “أم أحد المحاربين المخضرمين؟”

“الجزء التالي طويل جدًا، وحلقي لم يعد كما كان.” هزّ بيوتراي رأسه أسفًا وأعاد إشعال غليونه المنطفئ.

“معركة الفجر.”

(والجزء التالي من الحكاية ليس سارًّا)، فكّر بيوتراي.

ظلالٌ مشؤومةٌ غشّت الشمس والسماء.

وبينما ظهر إلى جانبهم من حيث لا يعلمون، بدأ المركيز شيليس بالتصفيق. ثم تبعه الجنود الذين توقّفوا للاستماع كذلك.

حدّق بيوتراي بتاليس طويلًا دون أن يشيح بنظره.

“كان عرضًا رائعًا. صوتك جميل. أخشى ألا يوجد أمثالُك كثيرون حتى في أكاديمية قبلة التنّين في دوقية آنلينزو!” قال شيليس مبتسمًا.

رعبٌ لا ينقطع، ورجفانٌ مسعورٌ لا يُضبَط، وموتٌ لا نهاية له.

انحنى بيوتراي قليلًا إظهارًا للشكر.

“المجنّد الذي كان هنا قبل قليل شماليّ بدوره. رتبته متواضعة، لكنه على الأقل لا يضطر إلى أن يعيش خائفًا، محاذرًا كل خطوة.” قال تاليس بفتور، “أمّا النبلاء والأسياد… ألا يشعرون بأن طريقتهم في الحياة شديدة البؤس؟”

ثم قطعهم صوتٌ غير مناسب للمشهد: “عودوا إلى مواقعكم!”

حدّق بيوتراي بتاليس طويلًا دون أن يشيح بنظره.

اندفع نيكولاس، قاتل النجوم، نحوهم مؤنّبًا الجنود بنبرة مُنفّرة: “هل يُغَنّي ذاك الكوكبي بهذا الجمال؟ أهذا مقدار اهتمام أهل منطقة الرمال السوداء بالفنون؟”

(ربما لستُ معتادًا بعد… ربما إن عشتُ هكذا أكثر، ومررتُ بمثل هذه الأمور…)

أطلق كثير من الجنود هتافات مستاءة، لكن معظمهم تفرّق.

في ليلةٍ داميةٍ كالدم، هدر البحر، واختبأ الأعداء بين الأمواج الهائجة.

وبعد أن تفرّق الجنود، رمقهم نيكولاس بنظرة كريهة. “أعليكم حقًا أن تثيروا هذا القدر من الانتباه قبل أن تبدأ الأمور؟”

سنواتٍ عرف بعضهم بعضًا فيها، وقلوبهم كانت موصولة.

“أليس هذا ما تريدونه جميعًا؟” هزّ تاليس رأسه. “ألا يجدر بكم أن تبدوا كأنكم على وشك قتلنا جميعًا؟”

بجوار الموقد، لاذ الاثنان بالصمت لحظة.

تقدّم نيكولاس خطوةً نحوهم بفظاظة.

حتى بزغ الفجر.

وعندها، وقد اقتربت في لحظة ما، وقفت آيدا أمام تاليس.

(كوريا.) خُيّل إليه وجه الفتاة الصغيرة المصابة بالحمّى التيفية.

“لا تفعل هذا، أيها الصغير. لا رغبة لي في ضربك.” قالت الجنية بخمول.

“المجنّد الذي كان هنا قبل قليل شماليّ بدوره. رتبته متواضعة، لكنه على الأقل لا يضطر إلى أن يعيش خائفًا، محاذرًا كل خطوة.” قال تاليس بفتور، “أمّا النبلاء والأسياد… ألا يشعرون بأن طريقتهم في الحياة شديدة البؤس؟”

“حسنًا، حسنًا.” وقف المركيز شيليس بينهما مبتسمًا. ومن بعيد، بدا كأن مبعوث اتحاد كاموس قد منع صراعًا آخر. “إنها مجرد أغنية… ثم إنه كان يغنّي عن أسطورة تفخر بها ممالكنا الثلاث جميعًا، أليس كذلك؟”

بجوار الموقد، لاذ الاثنان بالصمت لحظة.

رمق نيكولاس شيليس بنظرة امتعاض.

“فلم أملك إلا الطريقة التي كنتُ أستخدمها حين كنتُ صغيرًا لأصطاد بها السمك؛ كنتُ أرابط قرب النهر كل يوم… في البداية، كنتُ أفشل دائمًا، ولم أعثر على أي سربٍ من الأسماك. وكان البالغون الآخرون هم من يعطوننا بعض ما يصطادونه. وفي كل مرة أصل فيها إلى البيت ومعي سمكة، كانت أختي الصغيرة تفرح…”

“أسطورة تفخر بها ممالكنا الثلاث جميعًا؟” أشرق بصر تاليس. “بيوتراي، أحد الرجال الثلاثة الذين غنّيت عنهم كان أحد أسلافي، أليس كذلك؟” وتلألأت عيناه.

حتى أشرقت شمس الصباح.

“نعم. لا بد أنك رأيت صورته في قاعة مينديس.” تنفّس بيوتراي بعمق، ساحبًا جرعة من غليونه، وابتسم.

حين جاء الفجر، وطلعت شمس الصباح من جديد.

ضيّق تاليس عينيه.

“فقط أهل الشمال بهذه الخشونة والجرأة.” جلس بيوتراي وأخرج غليونه. وهزّ رأسه. “لكن الذين تواجههم الآن هم النبلاء، والحكام، والذين يمسكون بزمام السلطة.”

وفي ذهنه ظهر مشهدُ السيف والترس، والمحارب المهيب المتوَّج، الواقف تحت شجرة شاهقة. ذاك المحارب كان في أقصى يسار لوحة “ملوك الكوكبة الثلاثة” في قاعة مينديس.

وبدأ لحن بيوتراي يرقّ من جديد.

قال بيوتراي بنبرة خافتة: “صائن القَسَم في الكوكبة، الملك الأعلى الثالث والعشرون، ميدير جيدستار، الملك ميدير الرابع في أسرتكم.”

بعد أن أفلتوا من الموت، ونجوا من الكوارث، وحدّقوا في وجه الرعب؛ لم ييأسوا.

أدرك تاليس فجأة. “العملة النحاسية… تشير إليه؟”

“يا ويلو، من علمك القتال برمحين؟ والداك؟ كبار عائلتك؟” دفئ تاليس يديه فوق النار وسأل بملامح يصعب تأويلها، “أم أحد المحاربين المخضرمين؟”

في عملة الكوكبة، نُقشت صورة رأس مؤسس المملكة، تورموند الأول، على ظهر قطع الذهب. أما صورة “الملك الصالح”، مينديس الثالث، فكانت على ظهر الفضة؛ وصورة ميدير الرابع على النحاس.

“يا صاحب السمو، هل تودّ أن تسمعني أُنشِد أغنية؟” سأل بيوتراي ببطء، ثم سحب نفسًا من غليونه.

ملوك الكوكبة الثلاثة.

“لكن أختي وأنا كنّا جائعَين حدَّ الجنون.” أشرق وجه المجنّد بنظرةٍ متحسّرة. “وفوق ذلك… لسنا الوحيدين الذين فعلوا ذلك. ولما مرّ الشتاء، سُرقت حتى القرابين الموضوعة على أعلى أغصان الأشجار.”

أومأ بيوتراي. “أسطورته مذكورة في الأغنية.”

المُنشدون. أولئك الناس الذين يجوبون الطرقات، يكسبون رزقهم بالغناء وبعض الحرف الصغيرة.

“ليس وحده. رغم عظمته، فإن صائن القَسَم واحد من الثلاثة فحسب.” ذكّر المركيز شيليس مبتسمًا.

ومع ذلك، حتى في مدينة النجم الأبدي، لم يرَ تاليس أمثالهم إلا مرتين، وكلتاهما في السوق الكبير.

ضحك بيوتراي قليلًا. “حسنًا.” ثم تابع، تحت نظرات تاليس المتطلعة: “قبل أن يصبح ملكًا، قضى الأمير ميدير عشر سنوات مغامرًا في الخارج مع صديقيه — شارا من إكستيدت، وكابلان من اتحاد كاموس.”

انتشرت الأخبار في كل مكان. وثارت الثقة من جديد، فتجمّع الناس تحت رايات الحرب.

“مغامرات؟” قال تاليس في دهشة.

قال بيوتراي بنبرة خافتة: “صائن القَسَم في الكوكبة، الملك الأعلى الثالث والعشرون، ميدير جيدستار، الملك ميدير الرابع في أسرتكم.”

(ملكٌ مستقبليٌّ يغامر في الخارج؟)

“الملوك أيضًا يمكنهم أن يحظوا بحياة ممتعة للغاية.” قال بيوتراي ببطء وهو يراقب ملامحه. “كل واحد من ملوك الكوكبة التسعة والثلاثين كان فريدًا. وواحدٌ منهم عاش أكثر التجارب غرابة… ربما كان أكثر ملوك الكوكبة أسطوريةً وفرادَة منذ تورموند الأول.”

“نعم. الأجيال اللاحقة كانت تسعد بذكر صداقتهم المتينة وحيواتهم الباذخة.” تنفّس بيوتراي بإحساس، وقال: “شَارا يُعدّ ’بطلًا’ في نظر أهل شبه الجزيرة الغربية. وفي ألف عام مضت، لم يُمنح هذا الشرف إلا لمؤسس إكستيدت، رايكارو إكستيدت.

حتى أشرقت شمس الصباح.

“وأما ’النبي’، كابلان نيكولا، فكان مستشارًا عسكريًا يتنبأ بالأمور بدقةٍ تكاد تكون مقدسة. وقيل إن التجسُدات نفسها غارت من حكمته. وكان يستطيع قراءة عقول البشر.

لم يأتِ الفجر، وتلطّخ الأفق بالدم.”

“وأما صائن القَسَم’، ميدير جيدستار، فكان أميرًا نبيلاً شجاعًا، ومثالًا يُقتدى به، مستعدًا لأن يتخلى عن عرشه في سبيل الصداقة ووفائه بالعهد.”

نوحَت الجبال، وانكسرت رماح الفرسان.

سرت قشعريرة في ظهر تاليس.

فأس شارا الضخم شقّ الطريق للمستقبل، وسيف ميدير وترسه حميا الناس.

ولم يفُته أنه عند سماع هذه الأسماء الثلاثة، خفت صوت المركيز شيليس. حتى نيكولاس اتخذ هيئة متجهّمة.

ثم التفتَ المجنّد الجديد وفكّر مليًّا قبل أن يجيب، “لقد شعرتُ بقلقٍ شديد قبل بداية المعارك. فأنا لستُ مثل العم جينارد الذي يبقى هادئًا حتى حين تهوي الشفرة نحو عنقه.”

وحتى آيدا الهادئة بطبيعتها خفضت رأسها في صمت.

“آه، الغناء… إنّه أحد المهارات التي أفتخر بها أكثر من غيرها.” نقر بيوتراي على غليونه وقال بنبرة خافتة: “والآن، سأُنشِد (حين جاء الفجر)، وهي حكايةٌ عن ثلاثة أصدقاءٍ طيبين خاضوا مغامرة معًا.”

تنفّس بيوتراي بأنفاس هادئة. “هذه حكاية أبطال شبه الجزيرة الغربية الأسطوريين الثلاثة… ولحظتهم الأبهى…

وصنعت مغامراتهم تاريخًا، وآن أوان ملاحمهم البطولية.

“معركة الفجر.”

“مغامرات؟” قال تاليس في دهشة.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 122: حتى بزغ الفجر (الجزء الأول)

🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 5 يوم متبقي
13,500 شعلة الهدف: 66,666
20.3%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 12,000
🥈Fares saeed🔥 1,000
🥉Hamood Mahemed🔥 500

نفث بيوتراي دخانًا كثيفًا. “أنتم تشغلون مواضع أكثر تأثيرًا من العامة. كل حركة منكم ترتبط بأحداثٍ واسعة، ولها أثرٌ بعيد المدى. وهذا ثمنٌ تدفعونه وتضحيةٌ لا بد منها لأجل السلطة.”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط