Switch Mode

يسرّنا أن نعلمكم بأن ملوك الروايات يوفر أيضًا موقعًا مجانيًا تمامًا يمكن للجميع القراءة من خلاله، مع وجود بعض الإعلانات التي تساهم في دعم استمرار تقديم المحتوى مجانًا.

يمكنكم زيارة الموقع المجاني عبر النقر هنا.

شكرًا لكم على متابعتكم ودعمكم الدائم.

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 177

دخولٌ مفاجئ إلى ساحة القتال!

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 177: دخولٌ مفاجئ إلى ساحة القتال!

السادسة صباحًا، مدينة سحب التنين، في قلب منطقة الدرع.

غاب القمر، وحلّ عليهم أحلكُ ساعاتِ الليل.

بدا الهيدرا كيليكا شاردًا هاذيًا. وجسده الهائل يرنّ بصوتٍ مقشعرّ كطحنِ اللحم، يذكّر بصوت رحى تدقّ لحم الخنزير. أطرافه ومجساته كانت تتمايل بجنون، مطلقةً موجةً تلو أخرى من الناس الذين سدّوا الطريق أمام نيكولاس وغليوارد.

كان المحاربانِ النخبة من الفئة الفائقة، يلوّحان بمعدّاتٍ أسطورية مضادّة للصوفيين، يقاتلان كتفًا إلى كتفٍ وسط الحشود الخاضعة لسيطرة الصوفيّة، شاقّين طريقهما بصعوبة بالغة نحو الأمام.

وبعزمٍ شديد، احتملا عويلَ سكان المنطقة وصرخاتهم وهم يشقّان بحدّ الحديد الجموعَ البشرية؛ فقط ليقتربا قليلًا من الصوفيّة بعد كل ذلك الجهد.

غير أنّ الفتاة الشابة ذات الابتسامة المشرقة حرّكت رأسها بخفوت. فامتدّت من خلفها مجسّ عملاق وقذفها عشرين مترًا إلى الخلف.

وانطلقت أعدادٌ أخرى من الناس الخاضعين لسيطرتها من الشقّ الذي أحدثته مجسّاتها. أحاطوا بالمحاربَين الفائقَين وحجبوا كل المساحة التي أخلتها المجسّات.

على بُعد عشرة أمتار فقط، تحت جدار منخفض لا يلفت النظر، كان تاليس يصغي بذهولٍ ودهشة لشرح السيف الأسود.

“إنّ قوة الإبادة تنشأ من قابلية كامنة غير مطوّرة في الجسد البشري. ومن خلال أساليب خاصّة، على سبيل المثال، يمكننا استخدام طرقٍ محددة للمصارعة وأنماطٍ معيّنة للقتال بالسيف لإشعال هذه القوى المتاحة.”

كانت كلمات السيف الأسود مشبعة بنبرةٍ آمرة خفيفة، تجعل كل من حوله يشحذ السمع بلا وعي. “إنّها قادرة على زيادة قدرة الفرد، وصفاته الجوهرية، أو قابليته للتكيّف مع بعض الأجواء؛ بدرجاتٍ كبيرة أو صغيرة، ولفتراتٍ متفاوتة.”

حدّق في تاليس بصرامةٍ وجديّة.

“تأخذ قوة الإبادة أشكالًا مختلفة من شخص لآخر. هناك أنواع كثيرة. بعضُها يظهر على هيئة أشعة ضوئية مرئية، وبعضها يندمج مع أنسجة الأعضاء، وبعضها يدور في الجسد بلا انقطاع على مدار الساعة؛ بعضها يستهدف أجزاءً محددة، وأخرى تغمر الجسد كلّه.”

“وحتى إن كانت قوة الإبادة من النوع نفسه، فإنها تكون مختلفة ومتنوّعة عند استعمالها من قبل أشخاصٍ مختلفين.”

قطّب تاليس حاجبيه.

(إن كانت متنوعة ومختلفة، فكيف سيُعلّمني إذًا؟)

بدا وكأن السيف الأسود سمع أفكاره. وبينما كان الهيدرا يطلق صوت عويل من أعماق جسده، قال بثبات: “مع ذلك، هناك خصائص مشتركة يمكن الاستفادة منها.”

“فغالبية قوى الإبادة لها أشكال ووظائف محددة عند استيقاظها.” زفر السيف الأسود، وارتجفت كل عضلاته كما لو أنها تجري إحماءً أخيرًا.

قال: “تمامًا مثل مجد النجوم الذي يطيل الإثارة الذهنية وقدرة الجسد على التحمّل بشكل كبير؛ ومثل ذوبان الأنهار الجليدية الذي يقوّي مقاومة الضغط والرؤية باستمرار؛ ومثل موسيقى بيغاسوس التي تعزّز الانسجام مع البيئة الخارجية لأقصى حد؛ ومثل هلاك سيف المعمودية الذي ينهار معه نظام الدفاع النفسي للإنسان في لحظة…”

“فأولئك الذين يستيقظون على مثل هذه القوى، تتشكّل أساليب قتالهم واستعمالهم لقدراتهم وفق ميلٍ فرديٍ خاص، تبعًا للشكل الذي تتخذه قوة الإبادة.”

ثم غيّر السيف الأسود الموضوع فجأة.

“لكن، خطيئة نهر الجحيم ليست كذلك.”

وقد بدأ التعبير على وجهه يبرد تدريجيًا.

“إنها واحدة من أقلّ قوى الإبادة توثيقًا. وبناءً على تجارب بعض أسلافنا وتجربتي أنا، فهي تنبع من أعجبِ ما يختزنه الكائن الحي من طاقة خفية.” قال ببطء.

“الإرادة على البقاء.”

تقلّص قلب تاليس.

وتذكّر تلك التجربة المريرة في غابة البتولا حين خنقته سيرينا وهو معلّق في الهواء.

“لذا، فوجود خطيئة نهر الجحيم أساسه إطالة حياة من هو على وشك الموت.” استنشق السيف الأسود بعمق وضبط أنفاسه. “إنه النضال الأخير، حين يكون كل شيء على المحك.”

وألقى على الأمير نظرة ذات مغزى. “وهذا أيضًا هو الشرط الذي لا غنى عنه قبل أن نوقظ خطيئة نهر الجحيم.”

“إنها تستيقظ في لحظات الاحتضار، وتستحثّ كل جوهر الحياة وتستنفد كل احتمالٍ قد يُبقي الإنسان حيًّا.”

“وبسبب هذا، فهي تختلف عن أغلب قوى الإبادة. فخطيئة نهر الجحيم لا تمتلك شكلًا محددًا.”

“وبعبارة أخرى، يمكن أن تتخذ أيّ شكل…”

“وتمارس وظيفتها.”

ضيّق تاليس حدقتيه. “أيّ شكل؟ يمكنها أن تتخذ أيًّا من الأشكال التي قد تتخذها قوى الإبادة الأخرى؟”

وبدأ يعي قصد السيف الأسود.

“هذا صحيح…” قال السيف الأسود مبتسمًا. وأومأ وهو ينظر نحو كيليكا في البعيد. “ولهذا…”

ضيّق السيف الأسود عينيه، وثبّت بصره على المعركة البعيدة.

“خطيئة نهر الجحيم…”

“يمكن اعتبارها قوة الإبادة الشاملة.”

وبينما كانا يتحدثان، كان نيكولاس وغليوارد يكافحان للبقاء.

“لا يمكننا الاستمرار على هذا الشكل.”

وبوجهٍ بارد، بتر نيكولاس رأس امرأة بنصل قاطع الأرواح. والهلع الذي ارتسم في عينيها قبل موتها أثقل قلب المحارب المخضرم، فيما كان يواجه الرجل العجوز التالي بنظرته الشاردة.

حرّك نيكولاس كتفه المتصلّب قليلًا بينما تتناثر الجثث حولهما. ولم يستطع إلا أن يعقد حاجبيه. “برغم اعتمادنا على المعدّات الأسطورية المضادّة للصوفيّة لنحمي أنفسنا…”

“سنلقى حتفنا من الإرهاق عاجلًا أو آجلًا!”

وألقى قاتل النجوم نظرة على التعب الجنوني والغضب المتأجج في عيني غليوارد. وتفكّر في صمت.

(ربما، حين يقتل غليوارد عددًا كافيًا ويبلغ حدًا حرجًا، سينهار عقليًا في لحظته؟)

زمجر غليوارد وهو يلوّح بحربته. وانغرس رأس الرمح في ثلاثة أشخاص، بينما خدشته فتاة من الخلف على كتفه الأيسر.

وقد سقط سكان منطقة الدرع الذين أصيبوا صرعى تحت أثر الإقصاء. حاول غليوارد جاهدًا ألا يرى تعابير وجوههم عند موتهم، لكن جسده كان يرتجف بعنف.

“هل لديك أي طريقة للعبور؟!” زمجر غليوارد بأسنانه، متراجعًا خطوة. كان في غاية الضيق. “لا تقل لي إنك غضب المملكة بالفعل!”

“لا يمكننا العبور.” حدّق نيكولاس بثبات في السيدة التي تقف أمام الهيدرا. وبريقُ سيفه يظهر وهو يسحبه من غمده. وقال: “لكن يمكننا أن نجعل تراجعها مستحيلًا!”

تغيّر وجه غليوارد.

وفي اللحظة التالية، تبدّل سلوك قاتل النجوم!

احمرّ وجه نيكولاس الشاحب. استعاد ذراعَيه ولم يَعُد يهاجم الحشود الكثيفة من الناس أمام ناظريه.

ولمس أصبعه شفرة ن قاطع الأرواح.

وفي جزءٍ من الثانية، دوّى صوتُ انكسار. فانشطر نصل قاطع الأرواح ذو الانحناءين إلى نصفين من الطرف البارز على ظهر الشفرة!

رفعت صوفية الدم التي شهدت كل هذا حاجبَيها، إذ أحسّت غريزيًا بأنّ ثمّة خطبًا ما. وارتجفت البقع الدموية على وجهها.

كان كسرُ النصل منسجمًا على نحوٍ لافت. وقد أمسك قاتل النجوم بالنصل المكسور في يدٍ، وبالنصف المتبقّي من نصل قاطع الأرواح في اليد الأخرى. وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ غامضة.

قال بهدوء: “الحدّ يبدأ من هنا.”

وفي اللحظة التالية، تبدّلت هيئة نيكولاس. وبدأت قوة الإبادة داخله تهتزّ.

وعلى جانبٍ من جسده، دفع ثلاثةً من المدنيين الذين تسيطر عليهم الصوفيّة بحركةٍ لا تُعقَل. وبين صرخاتهم، وطئ بخفّة على أكتافهم وقفز عاليًا في الهواء!

ولو كانت آيدا حاضرة، لعرفت فورًا أنّها خطواته الرشيقة الكاملة، التي لا تُتجنَّب، وهو يشقّ طريقه بين الجموع يوم التقيا لأول مرة.

تغيّر وجه جيزا. وعلى الفور، انثنى عددٌ من المدنيين الخاضعين لسيطرتها على رُكبهم، ثم أطلقوا قفزةً وحشيةً بساقٍ واحدة نحو نيكولاس في الهواء.

وفي تلك اللحظة، رسم رمح قاتل الأرواح في يد غليوارد دائرةً واسعة نادرة، وشقّت السماء!

فوووش!

ومتحمّلًا جراح ظهره من الحصار، زمجر غليوارد وهو يزيح المدنيين الذين حاولوا اعتراض نيكولاس، محوّلًا إيّاهم إلى جثثٍ بلا حياة.

ثم قفز نيكولاس في الهواء بلا عائق. وفي تلك اللحظة ذاتها، حدّق بعمق نحو جيزا البعيدة.

وعبر عشرات الأجساد المتلاصقة، مدّ قاتل النجوم ذراعه.

وانطلق النصل المكسور مصفرًّا وهو يشقّ الريح، متجهًا مباشرةً نحو وجه الصوفيّة!

تبدّل وجه جيزا تبدّلًا حادًا.

وفي خضمّ الرياح الصارخة، مدّت بحذرٍ مجسّين من جسدها. فضربا الأرض ودفَعاها إلى الوراء.

دمدمة!

وانغرس النصل في الأرض بثبات على بُعد أمتار قليلة من صوفية الدم.

ولم يتغيّر وجه نيكولاس وهو يهبط من الهواء. وانحرف النصل المكسور ليصدّ خصمًا هاجمه من الخلف.

ضيّقت جيزا عينيها. حدّقت في النصل المغروس في الأرض ولم تنطق.

لكن بعد ثانية واحدة فقط، لوّح نيكولاس بنصله بخفّة. واشتعلت عيناه ببريقٍ حاد وهو يقول ببرود: “وينتهي الحدّ هنا.”

ولم يتغيّر تعبير الصوفيّة. فلم يظهر عليها أثرُ شكٍّ مهما كان ضئيلًا.

لكن في تلك اللحظة، صرخ نيكولاس بأشدّ هتافٍ عاطفيّ منذ بدء المعركة: “هجوم!”

وكأنهما تلقّيا أمرًا سياديًا، فتح غليوارد فمه ولوّح برمحه المرتعش بتعبيرٍ وحشي. فطعن اثنين من “خصومه” الأبرياء أمامه، وشقّ طريقه بالقتل والدموع تلمع في عينيه!

“آاااه!”

ولم يكن نيكولاس ليقف أدنى من هدير غليوارد. فالنصل نصف المكسور في يده اشتعل بضوءٍ خاطفٍ لا يُرى، وشقّ عنق فتىً يصرخ، قبل أن يندفع ناحية الصوفيّة.

“لديك فرصة واحدة فقط! اخترق!”

في عيني صوفية الدم، لم يُبدِ هذان المحاربان الفائقان أيّ اكتراثٍ للعواقب أو الجراح، ولا لكون جسديهما بلا حماية، إذ شقّا طريقهما عبر الجموع الكثيفة بالهجوم!

ومع إيماءة خفيفة من رأسها، خرج مزيدٌ من الناس من بين مجسّاتها ليطوّقوا المهاجمَين.

غير أنّ هجوم نيكولاس وغليوارد لم يتوقّف. وجسدا كلٍّ منهما يغصّان بالخدوش والقطوع، ومع ذلك استحضرا أشدَّ حالاتهما ضراوة، مندفعين جنبًا إلى جنبٍ نحوها!

لقد أصبحا أقرب إلى الصوفيّة.

أغمضت جيزا عينيها أخيرًا. وكما في السابق، امتدّ مجسّ عملاق من وراء كيليكا. فأمسك بخصرها وبدأ يسحبها إلى الخلف.

لكن ما لم يُتوقّع حدث آنذاك.

فبعد بضعة أمتار فقط من انسحاب الصوفيّة فوق المجسّ، لمع فجأةً نصل قاطع الأرواح المغروس في الأرض!

وأطلق النصل المكسور أشدّ خيوط الضوء الأصفر سطوعًا.

كان المجسّ يجرّ جيزا إلى الخلف، غير أنّ الخيوط الصفراء ذاتها انبثقت فجأةً خلفها!

وتغيّر وجه جيزا.

كان المجسّ يواصل الانسحاب، لكن بدا وكأنّ يدًا هائلة غير مرئية كبحت جيزا عن الحركة، فأُوقفت قسرًا أمام حاجزٍ صنعته تلك الخيوط الصفراء.

زاد المجسّ قوة السحب، لكنه عجز تمامًا عن إخراج جيزا من نطاق الضوء الأصفر!

وكأنّه ارتطم بشيء وانحشر فيه.

رفعت جيزا رأسها بحدة نحو الأرض أمامها، حيث النصل الذي انفصل عن نصل قاطع الأرواح.

(إنه ذلك النصل! ذلك هو الخلل بعينه!)

لم يكن لديها وقت للتفكير. وبعد لحظات، اخترق المحاربان الفائقان الجموع. ملوّثَين بالدماء، اندفعا بشراسة لمهاجمة الصوفيّة العاجزة عن التراجع ولو خطوة!

عشرة أمتار… خمسة… أربعة… ثلاثة… كانا يقتربان أكثر فأكثر من جيزا!

“افعلها!” زأر نيكولاس وهو يزيح خصمًا عن يساره بكوعه، ثم دار بعزمٍ حاسم وقطع بنصله. وفي خضمّ الإعصار الدموي، قتل ثلاثةً أو أربعة بينما يغطّي ظهر غليوارد مهما كلّف الأمر.

وبخطوط دموعٍ رطبة وقلبٍ يشتعل بالضغينة، لوّح غليوارد برمح قاتل الأرواح القاتل وهو يخطو ضمن ثلاثة أمتار من الصوفيّة، وانقضّ عليها!

وازداد وميض الأشعة الصفراء خلف صوفية الدم إلحاحًا.

كانت لا تزال تمنعها من التراجع.

وكان رأس الرمح على وشك أن يصيب جيزا بين عينيها.

طنين معدني!

وفي اللحظة الحاسمة، ظهر محاربٌ مخضرم فجأة بالقرب منها. كان طالحزام الجلدي الكبير يمسك برمح قاتل الأرواح بقوة.

كان رأس الرمح على بُعد شبر واحد فقط من وجه جيزا.

والاختلاف عن المرة السابقة أنّ الفراغ خلف جيزا كان يومض بضوءٍ غريب، يحول دون تراجعها ولو مقدارًا يسيرًا!

فلم تستطع سوى البقاء محشورة بين رمح قاتل الأرواح وتلك الأشعة.

لم يكن لها مجالٌ للحركة، ووضعها كان فائق الخطورة.

قال الحزام الجلدي الكبير، ووجهه مبلّل بالدموع: “القائد غليوارد… آسف.”

تحرّكت هيئة نيكولاس مجددًا. ودار النصل المكسور وهو يصطدم بالحديد، وفي لحظة قصيرة، صار غليوارد محميًا من كل الجهات.

قال غليوارد وهو يضغط على أسنانه: “لا بأس.” وحدّق بعينين مليئتين بالكراهية في الحزام الجلدي الكبير الذي وقف من غير قصد بين الصوفيّة وبين رمح قاتل الأرواح. “معركةٌ تعيسة أخرى لا أكثر.”

وبات الثلاثة في جمودٍ قاتل.

وتجمّدت الجموع من حولهم فجأة، وتراجعت للخلف تحت أنينٍ مذعور من المتحكّمة بهم.

وحصل نيكولاس أخيرًا على فرصة لالتقاط أنفاسه. فتراجع خطوة، وهو يقف مع غليوارد الذي يوجّه الرمح إلى الصوفيّة، وقد التصق ظهرهما ببعض.

أطرقت جيزا رأسها. وتحركت شفتاها قليلًا، ودوّى صوتها في أذنَي المحاربَين الفائقَين.

سألت الصوفيّة ببساطة: “ما هذا؟”

قال نيكولاس وهو يقبض على صدره، ناظرًا إلى النصل المغروس، ثم إلى الحزام الجلدي الكبير الذي يعترض الرمح، وقد بدا على ملامحه الضيق: “إنها قدرة نصل قاطع الأرواح… مع جعل النصل المكسور مركزًا، يفصل تمامًا منطقةً بأكملها عن العالم الخارجي لفترةٍ قصيرة.

“يمكن الدخول إليها، لكن لا يمكن الخروج منها.” وزفر نيكولاس نفسًا دافئًا ظاهرًا.

قال غليوارد وهو يضغط على أسنانه، ولا تزال عينيه ملتهبتين بالكراهية: “كافٍ لحبسك هنا، أيتها الـ…”

ضيّقت جيزا عينيها. وكانت الأشعة الصفراء خلفها لا تزال راسخة، تحجب طريق التراجع عن ظهرها. لكنها بدت غير مكترثة.

لم تتحرّك شفتاها إلا بالكاد وهي تسأل: “ما أندرَه، قطعةُ عتادٍ أخرى لم أرَ مثلها من قبل”.

“إنه لأمرٌ طريف، بما أنّه ذُكِر الآن. لهذه القدرة اسمٌ مزعجٌ للغاية.” ارتعش وجه نيكولاس. وفي النهاية، تنفّس بعمق وقال بجمودٍ خافت: “إنّها تُدعى: ’لن تفلت أبدًا’”.

هبّت نسمة باردة من حولهم. شدّت الهيدرا كيليكا جيزا عبثًا، لكنّ الأخيرة كانت موثوقة بالأشعة الصفراء بإحكام، عاجزةً عن الحركة.

“همف.” زفرت صوفية الدم ببرود. “لا بدّ أنّه صنيع تلك العاهرة، شوكة الدم.”

راقب نيكولاس حشود الناس من حولهم بيقظة. ومن دون أن يرمش، دفع شريكه قليلًا خلفه. “لقد صنعت الإمبراطورة شوكة الدم هذا السيف أصلًا لمقاومة الصوفي الافتراضي—ذلك الوجود الخادع غير القابل للرصد.”

أطلقت كيليكا عواءً غاضبًا من لحمها ودمها، على أنّ معناه لم يُفهَم.

“فقط لهزيمة زاركل؟” هزّت صوفية الدم رأسها ببطء. “يا لها من مسكينة حين يسمع ذلك الأحمق ما قلتَه.”

استدار نيكولاس وحدّق في جيزا. “بالطبع، لم ندرك إلا لاحقًا أنّ نصل قاطع الأرواح قد ي يكون نافعًا جدًّا ضدّ معظم الكوارث إذا اقترنت بعتادٍ آخر.”

“فكما هو الآن… لن تفلتي بعد الآن.”

ثبّتت صوفية الدم بصرها عليهما وقد تجمّد تعبيرها.

“انتهت اللعبة، أيتها العاهرة.” بدا غليوارد مهيبًا وهو يرفع رمح قاتل الأرواح، وكأنّه يودّ تمزيق الصوفيّة بنظراته وحدها.

“لنهاجم.” حضّ نيكولاس شريكه ببرود. “لنُنْهِ الأمر.”

“أمستعدٌّ أنت، يا حزام الجلد الكبير؟” أومأ غليوارد. ومع نظرته إلى زميله السابق الواقع تحت السيطرة، لمع في عينيه غضبٌ وقهر.

“بالطبع، يا رئيس.” ابتسم حزام الجلد الكبير بمرارة، ثم تجمّد وجهه وقال بأسى خافت: “لديّ ابنة…”

قطّب غليوارد حاجبيه لدى سماع تلك الكلمات.

(منطقة الدرع تكاد تكون خرابًا تامًّا. ولم يُجْلَ إلا نسبة يسيرة من السكّان خارج المدينة. أخشى أنّ ابنته قد…)

ومع ذلك، أخذ غليوارد نفسًا عميقًا وعضّ على أسنانه. “سأتولّى أمرها بدلًا منك.”

تألّق بريقٌ رقيق في عيني حزام الجلد الكبير. وفي تلك اللحظة، ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة. “شكرًا لك.”

وفي اللحظة التالية، دوّى في جسد غليوارد صوتٌ انفجاريّ.

كأنّ قوّة هائلة سرّت عبر رمح قاتل الأرواح في يديه، فاهتزّ بعدما تحرّر من قبضتي حزام الجلد الكبير، واندفع إلى الأمام طاعنًا!

تمزّق!

اخترق رمح قاتل الأرواح صدرَ حزام الجلد الكبير. وارتجّ معه صوتٌ مكتوم لاحتكاك المعدن بعظم القصّ.

ظلّت ابتسامة الارتياح مجمّدة على وجه حزام الجلد الكبير فيما تحوّل إلى جثّةٍ ذابلة.

وأخذت أشعّة النور خلف الصوفيّة تتوهّج على نحوٍ أشدّ إلحاحًا!

ولا تزال تمنعها من التراجع.

شِك!

توغّل الرمح عبر ظهر حزام الجلد الكبير.

ثم اخترق الصوفيّة، بين عينيها تمامًا…

وعبر مؤخرّة رأسها.

في تلك اللحظة، شهقت الصوفيّة فاغرةً فمها على اتّساعه. ارتجفت، غير أنّها لم تستطع أن تنبس ببنت شفة.

بدت وكأنّها ترزح تحت عذابٍ لا نهاية له.

وخلفها، أطلقت كيليكا صوتًا رطبًا مرعبًا، وقد بدأ جسدها الضخم ينهار ببطء.

وتوقّفت الحشود المحيطة بهم عن الحركة.

وشرع وجه جيزا يسوّد ويتهشّم. كخشبٍ ميّتٍ متشقّق، راحت شظاياه تتساقط.

زفر نيكولاس.

كان يلهث وهو يترنّح خطوتين إلى الأمام. التقط النصل المغروس في الأرض وربطه ببطء بطرف نصل قاطع الأرواح المكسور.

تلألأ الطرف المكسور بأشعة صفراء صارخة فيما اندمج المعدنان بسلاسة من جديد.

أضاء، وصار كالجديد، كأنّه لم يُكْسَر قط.

أغمض غليوارد عينيه. أسند رمحه إلى الأرض وركع على ركبة واحدة وقد أنهكه الإعياء.

لقد انتهى.

استدار نيكولاس ونظر إلى الهيدرا التي كانت تنهار.

“لحظة!”

انفجر صراخ غليوارد في هذه اللحظة!

أسرع نيكولاس يحدّق فيه بدهشة.

(كيف يكون هذا؟)

“رمح قاتل الأرواح… لا يزال يهتزّ!” شهق المحارب المخضرم وهو ينظر إلى جيزا التي تهشّمت كقطع الفخار. جذب الرمح بكل عناء وانتزعه.

“هذه ليست هي!” صاح غليوارد بحزن. “ليست العاهرة!”

ارتجف نيكولاس!

وتحت أنظارهما المذعورة، تساقطت الشظايا من وجه ’جيزا’. فكشفت وجهًا رقيقًا، قد صمت منذ زمن بعيد.

وحين تقشّرت الهيئة الخارجية للصوفيّة، تجلّت فتاة بريئة أمام أعينهما.

ضيّق غليوارد حدقتيه فورًا!

(لا.)

ارتجف مع الرمح في يده.

وكأنّه يشاهد أفظع مأساة في العالم.

(لا.)

وانهمرت الدموع من وجه المحارب العجوز دون إرادة.

(لا…)

(هذه…)

حدّق في وجه الفتاة بذهول.

(هذه…)

(هذه ابنة حزام الجلد الكبير!)

(تلك الفتاة التي كانت تبتسم كل يوم؛ تلك التي كانت تجوب منطقة الدرع ذهابًا وإيابًا تجمع الثياب القديمة لتصنع منها ثيابًا جديدة…)

“لا!”

التوى وجه غليوارد إلى أقصى حدّ. وباليأس المطلق، عوى بحسرة،

“عـــاهــرة!”

تصلّب وجه نيكولاس المتمرّس بالحرب. ومدّ ذراعيه بسرعة البرق وهو يستدير نحو الحشود من حوله!

لكنّ الوقت كان قد فات.

فقد اندفع جمع لا يُحصى من البشر فجأة نحو نيكولاس الذي خفّض حذره.

وابتلعَته كتلةٌ بشرية كثيفة.

وفي اللحظة التالية، انطلق مجسّ من بين الحشود في طرفة عين.

بانغ!

وبعد بطءٍ في ردّ الفعل، أصابت غليوارد إصابةً محكمة!

وبفضل قوّتها اللامتناهية، قُذف المحارب الأعرج عشرات الأمتار بعيدًا.

وَمْب!

ككيسٍ ممزّق، ارتطم غليوارد بكومةٍ من الخراب. تدحرج جسده مرارًا فيما تطاير التراب والحجارة في الهواء، ثم استلقى على الأرض بلا حراك.

بدا وكأنّه فقد وعيه تمامًا.

وارتدّ رمح قاتل الأرواح بعيدًا في اتجاهٍ آخر. تدحرج على الأرض محدثًا صوتًا مكتومًا.

“لا!”

شقّ صراخ نيكولاس الغاضب صفوف الحشود.

والجراح السوداء والكدمات تغطّي جسده، كان يشقّ طريقه عبر الناس الذين امتلكوا قوّة لا تنضب، وسرعة فائقة، وردود فعل مذهلة.

تناثر الدم فيما تدحرج قاتل النجوم بضعة أمتار. وأسند يده إلى الأرض رافعًا رأسه بضعف وهو ينظر إلى غليوارد، غير عالمٍ أكان حيًّا أم ميتًا.

وكيليكا، التي كانت تترنّح، هبّت للحياة مجدّدًا وقد انشقت إحدى مجسّاتها. وظهرت فوقها امرأة رقيقة، مشرقة، جميلة—صوفية الدم الحقيقية—تسطع بابتسامة ساحرة.

وبتعابير شاحبة، حدّق نيكولاس في جيزا، ثم في البديلة التي سقطت تحت رمح قاتل الأرواح.

“لا… أنتِ… متى بدّلتِ الأجساد؟” ارتجف نيكولاس بعدم تصديق.

نظرت إليه جيزا مبتسمة، كأنّها تنظر إلى طفلٍ مشاغب.

أغمض نيكولاس عينيه وضرب الأرض بقبضته وهو يصرخ نحو السماء بأسى.

(إنّه ذنبي.)

(كان ينبغي لي أن أدرك.)

(من البداية، تلك الصوفيّة لم تبتسم، ولم تحرّك شفتيها، ولم تبدِ أيّ تعبيرٍ صاخب!)

(وبعد التفكير… لقد كانت بديلة طوال الوقت!)

جاء صوت صوفية الدم العذب من بعيد.

“أرأيت؟ ليس من الصعب تغيير مظهر شخصٍ ما بقليلٍ من الجلد الميّت، أليس كذلك؟” أمالت جيزا رأسها بمكر. “وهكذا حفظتُ مخلوقاتي اللطيفة من رمح قاتل الأرواح، وحفظتُ نفسي من المخاطر أيضًا…”

“بل حظيتُ بفرصة الاستمتاع بعرضكما المثير وأنتما تنخدعان.”

قهقهت جيزا وهي تنظر إلى تعبير نيكولاس المتحسّر. ولوّحت بيدها.

“وكلّ ما كان عليّ فعله هو الوقوف في الخطّ نفسه مع بديلتي. حتى رمح قاتل الأرواح القادر على تحديد موقع الصوفيّة لا يستطيع التمييز بين البديلة والحقيقية.”

“رمح قاتل الأرواح خرج من اللعبة الآن.” ضيّقت الصوفيّة عينيها وهي تنظر إلى غليوارد البعيد. “فاسمعا جيّدًا. هذا درس من العاهرة.”

وفي تلك اللحظة، غدا تعبير جيزا جليديًّا لا يُحتمل. “لا تُسقطا حذركما أبدًا.”

“آآرغ!” صرخ نيكولاس ألمًا وقهرًا.

وفي اللحظة التالية، كفيضٍ جامحٍ يكسر السدود، يطغى على السماء والأرض، اندفعت مجسّات لا تُحصى، وحشود من الناس الواقعين تحت السيطرة، نحو غليوارد المغمى عليه، ونيكولاس الممزّق بالجراح!

لقد سقط حاملَا العتاد الأسطوريّ المضادّ للصوفيّين أخيرًا على يد الصوفيّة.

عضّ نيكولاس على أسنانه، وقبضته تشدّ شفرة السيف وهو يرتجف بغضب.

ترنّح واقفًا ونظر إلى أعدائه القادمين من كلّ صوب. ورفع نصلَه بضعف.

شقّ النصل إحدى المجسّات وحوّلها إلى رماد.

وارتطم مقبضه بطفلٍ ينوح وقد انقضّ عليه كصقرٍ ينقضّ على فريسته. وسقط إلى الأرض.

(لا، غليوارد.)

شعر نيكولاس بالدم المتقطّر من جبينه وهو يكابد اليأس.

(لقد…)

(خسرنا.)

وفي تلك اللحظة، تبدّل تعبير صوفية الدم!

استدارت فجأة ونظرت إلى جهة أخرى.

هناك، ارتجّ اثنان من مجسّات كيليكا الضخمة في اللحظة نفسها تقريبًا!

وتحوّلا إلى رمادٍ متصاعد واحدًا تلو الآخر.

لقد شقّ شخصٌ ما نطاق الهيدرا، فاضطربت الأخيرة بقلق.

ضيّقت جيزا عينيها تحدّق في قطع اللحم المتناثرة في الهواء.

(عتاد أسطوريّ مضادّ للصوفيّين؟)

(ثالث؟)

وسرعان ما تعرّفت الصوفيّة على القادم.

“أنت؟” ارتجف حاجبا جيزا. كان معرفةً قديمة.

على بعد أقلّ من عشرين مترًا منها، تجلّت هيئة السيف الأسود وسط حصار المجسّات الكثيفة.

لكن أينما وطئت قدماه، تحوّلت مخلوقات صوفية الدم إلى رمادٍ يتصاعد.

تقدّم السيف الأسود بشجاعة نحو جيزا في وضعية هجوم. وهمس لِتاليس، الذي احتضن نصل التطهير: “انتبه لما أقول، لدينا فرصة واحدة فقط.”

“ونحن نقترب منها الآن.”

تنفّس تاليس بعمق. وبعزمٍ في عينيه، أومأ ببطء.

وفي هذه اللحظة، اقتحم السيف الأسود وتاليس ساحة المعركة.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط