الهيئة الحقيقة
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“ستكون المعركة عاتية. من الطبيعي أن تشعر بالتوتر أو الخوف، وأن تحسّ بتصلّبٍ في أطرافك. هذا أمر مألوف لدى المجنّدين الجدد.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“أها. كنت أتساءل لماذا لم تستطع كيليكا العثور عليك…” تمتمت الصوفيّة بصوت ناعم كالمخمل.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
واصل التقدّم بالسرعة نفسها.
Arisu-san
لكن الرجل انحنى بجسده، ثم استدار استدارة حادة مبتعدًا عن مئات المجسّات التي بدت كألسنةً مشقوقة لثعابين.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
حين شرع السيف الأسود بالجري حاملاً تاليس على ذراعه، غشى البياض عقل الأمير. كان المشهد أشبه بما اختبره حين سقط من جرف السماء الشاهق مئات الأمتار.
الفصل 178: الهيئة الحقيقية
اندفعا إلى كوخ منهار، وانحنيا خلف جدارٍ طيني.
…
لكن السيف الأسود لم يُبدِ أي التفات إلى جراحه. كان وجهه شاحبًا، لكنه لم يفعل سوى إحكام ضمّ تاليس إلى صدره دون أدنى ردّ فعل آخر تجاه إصاباته المتزايدة.
“ستكون المعركة عاتية. من الطبيعي أن تشعر بالتوتر أو الخوف، وأن تحسّ بتصلّبٍ في أطرافك. هذا أمر مألوف لدى المجنّدين الجدد.”
لمحت “جيزا” الصبيّ في ذراع السيف الأسود.
“وحين يحين الوقت، ليس عليك سوى فعل أمرٍ واحد، استدعِ في ذهنك ما أكرّره عليك دائمًا كي تُبقي تركيزك حيًّا.”
ارتجّ رأس تاليس من الذعر، وبدأت الدنيا تدور أمام عينيه.
اندفع السيف الأسود مخترقًا عوائق كثيرة وهو يتجه نحو صوفية الدم بسرعة مذهلة. كانت حركة سيفه تُشبه على نحوٍ خافت أسلوب السيف العسكري الشمالي.
هسسس…
كان تاليس مضمومًا إلى صدر الرجل بيدٍ واحدة. رفع بصره بينما يمرّ تيار الهواء صافرًا قرب أذنيه. قابضًا على نصل التطهير غريب الشكل، اندفع تاليس مع السيف الأسود بسرعة الريح نفسها.
والآن… يبدو أن وسيلتها فعّالة جدًا.)
“مع أن هذين الرجلين من قلائل فرسان الفئة الفائقة الذين يمكن العثور عليهم، أشعر بأنهما سيخسران القتال رغم عتادهما المضادّ للصوفيين.”
حوّل بصره البارد إلى جهة أخرى.
“صوفية الدم، على الرغم من مظهرها كفتاة غير مؤذية، خصمٌ مرعب. على مدى اثني عشر عامًا، لم ألقَ عدوًا يبعث في نفسي الخوف والقلق—حتى ظهرت هي.”
دوّى صوت حادّ يشقّ الريح.
في خضمّ صفير الرياح الباردة، لم يستطع الأمير فتح عينيه. أبقى فمه مشرعًا، ينهل الهواء ليحافظ على وتيرة تنفّسه.
شدّ السيف الأسود قبضته على يد تاليس اليمنى.
ولم يسعه إلا أن يسترجع كلمات السيف الأسود قبل انطلاقهما نحو جيزا.
ارتجف تاليس وهو يحدّق في هذا المشهد الفظيع، وشعر بجلده يقشعرّ.
“ما يجعلها جبارة ليس سحرها الممسوخ ولا قدرتها اللامحدودة، بل كونها تمتلك بحقّ—ما أحب أن أسمّيه—قلب المقاتل القويّ. قوية بقدر ما هي حذرة وحاسمة. لا تفوّت فرصة، ولا تزدري خصمًا، وتبادر دائمًا إلى الردّ، وتتهيأ لكل تغيّر في الخطة.”
وفي النهاية، وقد انتشرت القشعريرة في جسده كلّه، لم يستطع إلا أن يمدّ إصبعه ليضغط على صدر السيف الأسود.
“وعلى الرغم من أن بعض أفعالها تبدو قريبة من الجنون، إلا أنها لا تعيق قدراتها ولا التزامها بالقتال.”
هسسس…
“ذلك الوحش ذو بصيرة عميقة في شؤون المعركة. تستوعب كل جوانبها، وتمتلك خبرة واسعة. لم ألتقِ سوى قلّة يملكون مثل تلك الدراية التكتيكية.”
وتوسّعت حدقتاه، ودخل الضوء إليهما أكثر فأكثر.
حين شرع السيف الأسود بالجري حاملاً تاليس على ذراعه، غشى البياض عقل الأمير. كان المشهد أشبه بما اختبره حين سقط من جرف السماء الشاهق مئات الأمتار.
فووووش!
ظهر أول مجسّ من الهيدرا أمامهما، وسمع تاليس فحيح الأنسجة البشرية وهي تُحتكّ بعضها ببعض.
وقبل أن يطعن أول وحش اشواكه العظمية برأس السيف الأسود…
أمسك السيف الأسود بيد الأمير وهوى بنصل التطهير.
شعر تاليس بالخوف يتسلّل إلى قلبه.
هسسس!
تدفّق البرد الذي كان محيطاً به نحو قلب تاليس كما لو كان ذا كتلة، فارتجّ جسده.
انفلق المجسّ وتحولت إلى رماد.
تحطُّم!
استعاد تاليس قدرته على التنفّس. غمر قلبه مزيج عاصف من المشاعر—القلق، والخوف، والاضطراب، والإثارة.
نظر تاليس إلى السيف الأسود بقلبٍ مضطرب، وهو لا يزال يتمسّك به ويتقدّم بصعوبة وسط الوحوش.
“أول ما ينبغي علينا إدراكه هو أن صوفية الدم لم تظهر قطّ بهيئتها الحقيقية أمامنا.”
غرست قدما السيف الأسود في الأرض. وبحركة تلقائية، اتخذ وضعية مائلة بشدة كأنه يوشك على السقوط. وبزاوية حادّة مع الأرض… اندفع إلى الأمام!
تذكّر تاليس هذا، فعضّ على أسنانه قليلًا.
تعثّر أحيانًا بوحش، واصطدم أحيانًا بآخر بكتفه، بل وكانت جراح جديدة تتفتّح على جسده، لكنه ظل ممسكًا بتاليس وشق طريقه عبر السرب بأمان.
استعرض في ذهنه ما قاله السيف الأسود، مستوعبًا الصدمة رويدًا رويدًا.
شدّ أسنانه، مسترجعًا كل كلمة قالها السيف الأسود آنفًا.
(ما نراه ليس سوى جسد بديل مصنوع من لحم الآخرين.)
حدّق تاليس في الأشواك العظمية على ظهور الوحوش—التي تراوحت بين شوكة إلى ثلاث—وهي تصدر أصوات التشقّق، كأنها على وشك الانكسار قبل أن تتحوّل إلى أطرافٍ رقيقةٍ طرية ترتفع منتصبة في الهواء…
(هذا ما تعلمته من مواجهتها مرتين—معلومة بادلتها بدمائي وأنا أمشي على حبلٍ مشدود بين الحياة والموت.)
هبطت الوحوش، وفي ارتعاشة عنيفة، نبتت من جلودها أشواك عظمية.
“بمعنى آخر، الاعتقاد بأن العتاد الأسطوري المضادّ للصوفيين لا يستطيع ختم ذلك الوحش اعتقادٌ خاطئ، تمامًا كما قلت.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“السبب الحقيقي هو أن الذين حاولوا ختمها لم يستطيعوا تمييز هيئتها الحقيقية وسط محيط اللحم والدم.”
هبطت الوحوش، وفي ارتعاشة عنيفة، نبتت من جلودها أشواك عظمية.
قطّب تاليس جبينه قليلًا، محدّقًا في الفتاة ذات المظهر الرقيق عن بُعد.
(إنه مهارةٌ تتيح له إخماد كل أثرٍ للحياة في جسده مدةً وجيزة، فيختفي عن حواسّ عدوه.)
(ليست هيئتها الحقيقية؟)
لم يعد هناك خيار. ما من أحد يمكن الاتكال عليه… سوى السيف الأسود.
من بعيد، رفعت “جيزا” رأسها تنظر إليهما بنظرة غريبة.
استعاد تاليس قدرته على التنفّس. غمر قلبه مزيج عاصف من المشاعر—القلق، والخوف، والاضطراب، والإثارة.
(هل يعني هذا أن… هذه “جيزا” التي هزمت عتادًا أسطوريًا مضادًا للصوفيين ليست سوى زائفة؟)
المسافة بينهما وبين “جيزا” أخذت تتقلّص تدريجياً، حتى غدت أقل من عشرين متراً.
(لهذا السبب، حتى حين سحقتها سونيا بدرع السيادة… استطاعت الخروج بلا خدش؟)
وما إن ارتفعت الصفيحة في الهواء، حتى توقّف تدحرج السيف الأسود فجأة!
سوش!
وبالمقارنة، بدا طول نصل التطهير ضئيلاً للغاية أمام هذا السيل.
دوّى صوت حادّ يشقّ الريح.
كان تاليس مستعدًا لهذا. سيشُقّ السيف الأسود طريقه، ويفتح الممر بسيف التطهير.
طار نحوهما مجسان متوسطا الحجم؛ احدهم من الأعلى، والآخر من الأسفل.
(صحيح. هناك سلاح مضادّ للصوفيين آخر… غير نصل قاطع الأرواح ورمح قاتل الأرواح. يا لها من ليلةٍ حافلة بالمفاجآت.)
“حين نواجهها، علينا أن نستكشف كل احتمال، ونفتش عن كل فرصة لنكسب ميزة، ونراهن على كل ورقة نملكها—وسنبدأ بالعثور على هيئتها الحقيقية.”
“حين نقدّر كل فرصة في القتال—كما يقدّر المسافرون في الصحراء كل قطرة ماء—عندها نستطيع جمع الاحتمالات التي تصبّ في مصلحتنا. فالنصر والبقاء يعتمدان في جوهرهما على التركيز على أدق التفاصيل، لاسيّما حين نواجه خصماً كصوفية الدم.”
شعر تاليس بطاقة تتخمر داخل جسد السيف الأسود. ثم خطا الأخير خطوة وهو يطأ صخرة بخفة.
كانت تبدو كعاصفة من الجراد الأسود، بالآلاف والملايين، تتدفق نحوه.
ارتفعا شبرًا فوق الأرض.
دويّ!
استدار السيف الأسود في الهواء، وانزلق بين المجسّين.
كأعشاش اليرقات الجائعة، انشقّت جذوع الوحوش لتكشف عن ثقوب شبيهة بالأفواه، ينبعث منها فحيح مقشعرّ.
“أولًا، التوقيت—حين يفشل هذان الرجلان، وتشرع هي في القضاء عليهما، يكون ذاك وقت دخولنا ساحة المعركة.”
“بمعنى آخر، الاعتقاد بأن العتاد الأسطوري المضادّ للصوفيين لا يستطيع ختم ذلك الوحش اعتقادٌ خاطئ، تمامًا كما قلت.”
“حينها ستكون مترددة، مشتتة، أو تركيزها غير كامل. سيكون ذلك أفضل فرصنا. سنوفّر قليلًا من الجهد والوقت على ’الاندفاع’ للاقتراب من الجسد البديل.”
وشعر تاليس بأن جسد السيف الأسود صار ضبابيًا، وإن لم يعرف أهو خيال أم حقيقة.
معلّقًا في الهواء، واجه تاليس السماء ورأى مجسّ يطير بسرعة قربه.
كان عددها لا يُحصى، فضلاً عن بشاعتها المروّعة، مما ولّد في نفسه نفوراً بارداً.
وأبصر أيضًا نيكولاس من بعيد. كانت هيئته المكافحة تغوص شيئًا فشيئًا في مستنقع اللحم والدم.
وبينما احتشدت أصوات التحطّم والتصادم، وتناثرت قِطع من اللوح الحجريّ ومن الأشواك العظمية، ضمّ السيف الأسود تاليس بذراعه، ثم انحنى برأسه إلى اللوح الحجري وهو يشق طريقه بجنون.
كانت هناك قطعة نسيج تُشبه نصف لسان مغروسة في المجسّ، لامست أنف تاليس، تفوح منها رائحة دمٍ وروائح عطنٍ فاسدة.
كانت حركات السيف الأسود متصلّبة كالشيخ الطاعن بالسن، لكنه في تلك اللحظة… تحرّك!
قمع تاليس ما نهض في حلقه ومعدته من نفور، وما دفع جفونه إلى أن تنغلق—إذ أراد رؤية خصمه بوضوح.
حوّل بصره البارد إلى جهة أخرى.
(كل احتمال. كل فرصة. كل ورقة ضغط.)
“وسيُوجّه ذلك انتباهها إليّ.”
شدّ أسنانه، مسترجعًا كل كلمة قالها السيف الأسود آنفًا.
شعر تاليس بطاقة تتخمر داخل جسد السيف الأسود. ثم خطا الأخير خطوة وهو يطأ صخرة بخفة.
“الأمر الثاني المهمّ هو الطريقة التي نُظهِر بها أنفسنا أمام الخصم—فما إن يبدأ القتال، من الأفضل أن نُبرز ما يخشاه الصوفي بطبيعته—السلاح المضادّ للصوفيين. فإلى جانب أننا سنبدو أشدّ تهديدًا لها، كلما طال ذهولها وارتباكها، ولو لثانية، ازدادت الثغرات التي تُظهرها.”
في المسافة البعيدة، توقّفت “جيزا” عن الحركة لحظةً، وتحركت شفتا صوفية الدم بخفوت.
“وسيُوجّه ذلك انتباهها إليّ.”
فووووش!
قبض السيف الأسود على يد تاليس التي تشدّ على نصل التطهير. قاد يده التي تمسك السيف، واندفع النصل يشقّ مجسين، تاركًا فيهما شقين غائرين.
لكن الرجل انحنى بجسده، ثم استدار استدارة حادة مبتعدًا عن مئات المجسّات التي بدت كألسنةً مشقوقة لثعابين.
تحولت المجسّات إلى سوادٍ كالفحم المحترق، ثم تفتت إلى رماد.
عضّ تاليس على أسنانه، مُتحمّلاً عذاب البرد والسرعة الهائلة.
لم يعد يفصلهم عن “جيزا” سوى ثلاثين مترًا.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
لاحظتهم صوفية الدم من بعيد، وهمّت بإصدار همهمة فضولية.
عضّ تاليس على أسنانه، مُتحمّلاً عذاب البرد والسرعة الهائلة.
(صحيح. هناك سلاح مضادّ للصوفيين آخر… غير نصل قاطع الأرواح ورمح قاتل الأرواح. يا لها من ليلةٍ حافلة بالمفاجآت.)
عضّ شفته، محاولاً التركيز بينما يستعيد كلمات السيف الأسود.
تساقط رمادٌ متناثر على وجه تاليس، ممتزجًا بالثلج الذائب.
فهو في قلب أخطر معركة شهدها في حياته.
ارتجّ جسده بقوة حين هبط السيف الأسود على قدميه. دفع الأرض بخفة بيده اليسرى ليستعيد توازنه في الحال.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
واصل التقدّم بالسرعة نفسها.
توافدت المجسّات اللحميّة من كل اتجاه. تسللت بعض المجسّات الصغيرة فوق الجدار الطيني.
حوّلت الريح الباردة الماء على وجه تاليس إلى رقائق من الثلج والجليد. اضطرّ الأمير الصغير إلى تحريك وجنتيه، قاضمًا أسنانه ومكشّرًا ليُزحزح الجليد الذي كاد يجمّد ملامحه.
هــــــــيييييييسسس…!
كان مجسّ هائل يتأرجح نحوهم. وانشطر إلى عدد لا يُحصى من المجسّات الصغيرة التي هاجمت السيف الأسود من كل صوب. أقسمت أن تطرح فريستها أرضًا بأي ثمن، وألا تدع له مهربًا.
“أها. كنت أتساءل لماذا لم تستطع كيليكا العثور عليك…” تمتمت الصوفيّة بصوت ناعم كالمخمل.
كان تاليس مستعدًا لهذا. سيشُقّ السيف الأسود طريقه، ويفتح الممر بسيف التطهير.
ضغط تاليس جفنيه، شاعراً بذرات الغبار والرمل تنثال على وجنتيه.
لكن الرجل انحنى بجسده، ثم استدار استدارة حادة مبتعدًا عن مئات المجسّات التي بدت كألسنةً مشقوقة لثعابين.
نظر تاليس إلى السيف الأسود بقلبٍ مضطرب، وهو لا يزال يتمسّك به ويتقدّم بصعوبة وسط الوحوش.
ارتجّ رأس تاليس من الذعر، وبدأت الدنيا تدور أمام عينيه.
هل سينجحان؟
“نقطة الدخول أمر يجب التفكير فيه أيضًا—علينا أن نعثر على مسار مغطى بالخرائب والعوائق. سيمنحنا أفضل رؤية وأفضل نقاط للاختباء، حتى لو كان ما يحمينا مجرد ساترٍ جزئي.”
وبقوّته النادرة والفريدة، قوة الإبادة، تمكن السيف الأسود من تفادي هجمات متعدّدة من الهيدرا، واخترق الحواجز مستخدماً نصل التطهير. وتحت الثلج المتساقط ارتفع الغبار من تحت قدميه، فأصبح الطريق أمامهما ضبابياً.
اختار السيف الأسود ممرًّا ممتلئًا بالصخور والطين، حيث انهارت البيوت على الجانبين جراء قتال الصوفيين.
دويّ!
اندفعا إلى كوخ منهار، وانحنيا خلف جدارٍ طيني.
وفي اللحظة التالية، أطلق السيف الأسود زئيراً خافتاً في وجه الأمواج السوداء العاتية. وضمّ تاليس بقوة إلى صدره، بينما احتضن تاليس نصل التطهير إلى صدره.
توافدت المجسّات اللحميّة من كل اتجاه. تسللت بعض المجسّات الصغيرة فوق الجدار الطيني.
شعر تاليس بالغثيان، ورأى نجوم الليل تتراقص أمام عينيه، وكاد يتقيّأ.
باخ!
هسسسس…
ضرب مجسّ في منتصف الجدار الطيني بضراوة وسحقه!
اندفعا إلى كوخ منهار، وانحنيا خلف جدارٍ طيني.
تناثرت الشظايا نحو وجه تاليس، لكن السيف الأسود صدّ بعضها بيده.
عضّ شفته، محاولاً التركيز بينما يستعيد كلمات السيف الأسود.
وحالما تحطم الجدار الطيني وتباطأت المجسّات، انطلق السيف الأسود مجددًا.
استعاد تاليس قدرته على التنفّس. غمر قلبه مزيج عاصف من المشاعر—القلق، والخوف، والاضطراب، والإثارة.
اندفع بطاقة غريبة تجيش في جسده، فزاد من سرعته!
شعر تاليس بطاقة تتخمر داخل جسد السيف الأسود. ثم خطا الأخير خطوة وهو يطأ صخرة بخفة.
تحطّم!
(هل يعني هذا أن… هذه “جيزا” التي هزمت عتادًا أسطوريًا مضادًا للصوفيين ليست سوى زائفة؟)
اندفع السيف الأسود نحو الجدار المحطم، وانزلق عبر شقّ ضيق. سقطت قطع من الحصى وجرحت جلده مخلفة خدوشًا وجروحًا.
اندفعا إلى كوخ منهار، وانحنيا خلف جدارٍ طيني.
ضغط تاليس جفنيه، شاعراً بذرات الغبار والرمل تنثال على وجنتيه.
وشعر تاليس بأن جسد السيف الأسود صار ضبابيًا، وإن لم يعرف أهو خيال أم حقيقة.
وبينما كانت قطع الطين والحصى تهوي عليهم، قبض السيف الأسود على يد تاليس ولوّح بـ نصل التطهير، قاطعاً ستّة مجسّات صغيرة أمام جدار الطين.
وغرسَت الثانيةُ شوكتَها في فخذِه الأيسر.
فاحت رائحة الدم المحترق في أنف تاليس، وتناثر رمادُ الأجساد البشرية حولهما.
قمع تاليس ما نهض في حلقه ومعدته من نفور، وما دفع جفونه إلى أن تنغلق—إذ أراد رؤية خصمه بوضوح.
اخترق السيف الأسود جدار الطين وتقدّم مسافة خمسة أمتار أخرى.
وغرسَت الثانيةُ شوكتَها في فخذِه الأيسر.
“حين نقدّر كل فرصة في القتال—كما يقدّر المسافرون في الصحراء كل قطرة ماء—عندها نستطيع جمع الاحتمالات التي تصبّ في مصلحتنا. فالنصر والبقاء يعتمدان في جوهرهما على التركيز على أدق التفاصيل، لاسيّما حين نواجه خصماً كصوفية الدم.”
“بمعنى آخر، الاعتقاد بأن العتاد الأسطوري المضادّ للصوفيين لا يستطيع ختم ذلك الوحش اعتقادٌ خاطئ، تمامًا كما قلت.”
وبقوّته النادرة والفريدة، قوة الإبادة، تمكن السيف الأسود من تفادي هجمات متعدّدة من الهيدرا، واخترق الحواجز مستخدماً نصل التطهير. وتحت الثلج المتساقط ارتفع الغبار من تحت قدميه، فأصبح الطريق أمامهما ضبابياً.
…
عضّ تاليس على أسنانه، مُتحمّلاً عذاب البرد والسرعة الهائلة.
واصلوا التدحرج.
وشعر بذراع السيف الأسود اليمنى تشدّ حول خصره، كأنها تهدّد بشطره نصفين.
ضمّ تاليس سيف التطهير بين ذراعيه وحدّق في الوحوش الصغيرة التي رفعت قرون استشعارها نحوهما. كان قلبه يخفق خفقاتٍ عنيفة.
المسافة بينهما وبين “جيزا” أخذت تتقلّص تدريجياً، حتى غدت أقل من عشرين متراً.
“حين نقدّر كل فرصة في القتال—كما يقدّر المسافرون في الصحراء كل قطرة ماء—عندها نستطيع جمع الاحتمالات التي تصبّ في مصلحتنا. فالنصر والبقاء يعتمدان في جوهرهما على التركيز على أدق التفاصيل، لاسيّما حين نواجه خصماً كصوفية الدم.”
“وحين نخترق العوائق، ستدخل مجال رؤيتها.”
طع!
لمحت “جيزا” الصبيّ في ذراع السيف الأسود.
وحالما تحطم الجدار الطيني وتباطأت المجسّات، انطلق السيف الأسود مجددًا.
ابتسمت.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“أها. كنت أتساءل لماذا لم تستطع كيليكا العثور عليك…” تمتمت الصوفيّة بصوت ناعم كالمخمل.
معلّقًا في الهواء، واجه تاليس السماء ورأى مجسّ يطير بسرعة قربه.
وبينما كان السيف الأسود يتقدّم، ويتفادى الهجمات، ويكسر الحواجز، ويقاتل أعداءه بسرعة الرصاص، كان تاليس، الملتصق به، يرى من بعيد ملامح صوفية الدم المرعبة.
عضّ تاليس على أسنانه، مُتحمّلاً عذاب البرد والسرعة الهائلة.
“حالي ليس بخير، ولا يسمح لي بالبقاء طويلاً في حالة ’الاقتحام‘. لكن لحسن الحظ لدينا نصل التطهير، الذي سيبقينا بمنأى عن قواها، أو على الأقل يمنعنا من الوقوع في مخالب دُماها اللحمية.”
ثم توقّفت جميعها تقريبًا، وبدأت ترتجف على نحوٍ جنونيّ. مثل أطفالٍ تائهين، أخذت “تنظر” حولها باطراد.
“يبدو أنّك وجدت لنفسك حارساً جديداً. يا لك من طفل ذكي…”
كان مجسّ هائل يتأرجح نحوهم. وانشطر إلى عدد لا يُحصى من المجسّات الصغيرة التي هاجمت السيف الأسود من كل صوب. أقسمت أن تطرح فريستها أرضًا بأي ثمن، وألا تدع له مهربًا.
نظرت جيزا نظرة خاطفة إلى السيف الأسود، تراقب اقترابهما المستمر.
حدّق تاليس في الأشواك العظمية على ظهور الوحوش—التي تراوحت بين شوكة إلى ثلاث—وهي تصدر أصوات التشقّق، كأنها على وشك الانكسار قبل أن تتحوّل إلى أطرافٍ رقيقةٍ طرية ترتفع منتصبة في الهواء…
“لا تقلق.” تفرّعت العروق الحمراء على وجنتيها وتوغّلت أبعد، فجعلت ابتسامتها تبدو شنيعة على نحو غريب. “كل شيء سيصل إلى نهايته قريباً.”
دويّ!
ارتجّ صدر تاليس.
المسافة بينهما وبين “جيزا” أخذت تتقلّص تدريجياً، حتى غدت أقل من عشرين متراً.
“إن كانت غايتها أنت—ومع هذا القرب الشديد بيننا—فالأرجح أنها ستبقى في مكانها وهي تصوّب نحو فريسة ضعيفة، وبما أنها ’لا يمكن ختمها‘، فستخطّط لقتلي خلال لحظات… ولإمساكك.”
ارتجفت الأشواك العظمية على جسده، مؤذنة بحدّتها المتزايدة. وخلفه آلاف من أمثاله، بنفس الضراوة والرعب. ومع صرخاتهم، تردّد صوتهم في السماء والأرض، منقلبين نحو الثنائي مثل أمواج هادرة.
رفعت جيزا ذراعيها!
وشعر بذراع السيف الأسود اليمنى تشدّ حول خصره، كأنها تهدّد بشطره نصفين.
فووووش!
وبينما كانت قطع الطين والحصى تهوي عليهم، قبض السيف الأسود على يد تاليس ولوّح بـ نصل التطهير، قاطعاً ستّة مجسّات صغيرة أمام جدار الطين.
وراءها، زأرت الهيدرا كيليكا. ستّة مجسّات عملاقة اندفعت من جسدها.
وفي الوقت نفسه، تذكّر تاليس تحذيرَه:
وسط الأرض المرتجفة والضجيج، هاجمت المجسّات العملاقة الثنائي. بعضها انبثق من الأرض، وبعضها هبط من السماء.
وبينما كان السيف الأسود يتقدّم، ويتفادى الهجمات، ويكسر الحواجز، ويقاتل أعداءه بسرعة الرصاص، كان تاليس، الملتصق به، يرى من بعيد ملامح صوفية الدم المرعبة.
“هذه ستكون فرصتنا.”
“وعلى الرغم من أن بعض أفعالها تبدو قريبة من الجنون، إلا أنها لا تعيق قدراتها ولا التزامها بالقتال.”
تمدّدت المجسّات العملاقة عبر الشارع، حاجزةً طريقهما.
كأن إحساسه قد انطفأ، وواصل اندفاعه خاليًا من أي شعور.
شدّ السيف الأسود قبضته على يد تاليس اليمنى.
لم يعد هناك خيار. ما من أحد يمكن الاتكال عليه… سوى السيف الأسود.
حوّل بصره البارد إلى جهة أخرى.
ظهر أول مجسّ من الهيدرا أمامهما، وسمع تاليس فحيح الأنسجة البشرية وهي تُحتكّ بعضها ببعض.
كروووك…
طعنة!
انشقّ المجسّ، وخرج منه وحوش سوداء لا تُحصى من الشقّ الفاغر في النسيج المؤلّف من الأطراف المبتورة والجثث. كان حجم كل واحد منها بحجم طفل بشري، بأطراف طويلة وجذع أشبه بالعنكبوت.
(وحينها… سيكون موضعُ تقاطعِ النقطتين اللتين ظهر فيهما التموج… هو موضعُ هيئتها الحقيقيّة!)
هبطت الوحوش، وفي ارتعاشة عنيفة، نبتت من جلودها أشواك عظمية.
وبينما غمرت الأرضَ والسماءَ هسهسات مرعبة، انقلبت الوحوش التي كانت كالموج الجارف إلى فوضى عارمة. وكأن حجرًا قد أُلقي في بحيرة ساكنة.
“هيئتها الحقيقية مختبئة في أحد مخلوقاتها اللحمية المقزّزة: قد تكون تحت الأرض، داخل تلك المجسّات، داخل ذلك الوحش الكبير، أو في أي شيء مصنوع من اللحم والدم—كقطرة ماء في محيط، أو شجرة في غابة.
اندفعت الوحوش العنكبوتية كسيل أسود كثيف، كأنها على وشك إغراق تلك السفينة الصغيرة الضعيفة… السيف الأسود.
علينا أن نعثر على هيئتها الحقيقية بين هذا البحر من الدم واللحم.”
عضّ شفته، محاولاً التركيز بينما يستعيد كلمات السيف الأسود.
هسسس…
ضرب مجسّ في منتصف الجدار الطيني بضراوة وسحقه!
كأعشاش اليرقات الجائعة، انشقّت جذوع الوحوش لتكشف عن ثقوب شبيهة بالأفواه، ينبعث منها فحيح مقشعرّ.
“في المرة الثانية، تفوّقت علي خلال ثوانٍ قليلة. وكدت أن أموت بتلك الوحوش الصغيرة.”
وفي اللحظة التالية، مثل أطفال شحّاذين رأوا ثرياً في الطريق، رفعت الوحوش السوداء ’رؤوسها‘ ولوّحت بأطرافها. بعضها ركض، وبعضها قفز، وبعضها تدحرج أو زحف، وحتى قلة منها خفقت أجنحتها القبيحة في الهواء، مندفعين جميعاً نحو تاليس والسيف الأسود!
ضغط السيف الأسود بذراعه اليمنى المنتفخة على الصفيحة الحجرية الضخمة. فاستقرت أمامه فوراً، ودفعها أمامه وهو يندفع.
وسرعان ما حجبت المشهد عن “جيزا”.
لقد أدرك… هذه هي خطيئة نهر الجحيم.
هسس… هسسس…
(إنها هنـــــــــ—)
ارتجف تاليس وهو يحدّق في هذا المشهد الفظيع، وشعر بجلده يقشعرّ.
وحالما تحطم الجدار الطيني وتباطأت المجسّات، انطلق السيف الأسود مجددًا.
“صوفية الدم تتقن التعلّم من كل مواجهة، وتعالج المعلومات بسرعة، وتبتكر حلولاً لمواجهة تكتيكات أعدائها. خذني مثلاً. في كل مرة نلتقي بعد معركتنا السابقة، يكون لديها أسلوب جديد للتعامل معي.”
لم يعد هناك خيار. ما من أحد يمكن الاتكال عليه… سوى السيف الأسود.
(وهذا يعني… أن تكتيك الخطوبة نفسه لن ينجح أبداً على محبي العزوبية مرتين—)
“ستكون المعركة عاتية. من الطبيعي أن تشعر بالتوتر أو الخوف، وأن تحسّ بتصلّبٍ في أطرافك. هذا أمر مألوف لدى المجنّدين الجدد.”
هز تاليس رأسه، طارحاً تلك الأفكار العبثية.
“في المرة الثانية، تفوّقت علي خلال ثوانٍ قليلة. وكدت أن أموت بتلك الوحوش الصغيرة.”
فهو في قلب أخطر معركة شهدها في حياته.
“صوفية الدم، على الرغم من مظهرها كفتاة غير مؤذية، خصمٌ مرعب. على مدى اثني عشر عامًا، لم ألقَ عدوًا يبعث في نفسي الخوف والقلق—حتى ظهرت هي.”
ولا مجال لفقدان التركيز.
“وعلى الرغم من أن بعض أفعالها تبدو قريبة من الجنون، إلا أنها لا تعيق قدراتها ولا التزامها بالقتال.”
والريح الباردة تصفع وجهه، أبقى تاليس عينيه نصف مغمضتين. وبينما كان يندفع بسرعة هائلة، شعر بقلبه يكاد يقتلع من صدره.
اندفع السيف الأسود نحو الجدار المحطم، وانزلق عبر شقّ ضيق. سقطت قطع من الحصى وجرحت جلده مخلفة خدوشًا وجروحًا.
عضّ شفته، محاولاً التركيز بينما يستعيد كلمات السيف الأسود.
قمع تاليس ما نهض في حلقه ومعدته من نفور، وما دفع جفونه إلى أن تنغلق—إذ أراد رؤية خصمه بوضوح.
“في المرة الأولى التي قاتلنا فيها، تفاديت هجمات مجسّاتها بمساعدة ’المرتجف‘—وهي حركة تعلمتها من مغتال من الفئة الفائقة، وعدّلتها قليلاً.”
هــــــــيييييييسسس…!
لكن في المرة الثانية، في ذلك الزقاق، حين استخدمت المرتجف مرة أخرى، اتبعت استراتيجية جديدة—تحوّلت الوحوش، وغطّت نفسها بأشواك عظمية لتواجه قوتي.”
(حينها اضطررت لتفعيل “الموت الفوري” بين تلك الوحوش، لأخمد كل علامة على حياتي، وأتجنب حواسها. أعتقد أنه في لقائنا الثالث… ستكون قد وجدت طريقة لمواجهة ‘الموت الفوري’.)
“أترى؟ الوحوش ذات الأشواك العظمية.” وسط هدير الرياح، وصلت كلمات السيف الأسود إلى تاليس متقطّعة. “لقد صُنعت خصيصاً لمواجهة قوتي—قوة المرتجف.”
سوش!
تنفّس تاليس بعمق، ناظراً إلى الوحوش السوداء.
والوحوش السوداء التي تخص صوفية الدم بدأت تدور أمام عينيه أيضاً.
كان عددها لا يُحصى، فضلاً عن بشاعتها المروّعة، مما ولّد في نفسه نفوراً بارداً.
“إن كانت غايتها أنت—ومع هذا القرب الشديد بيننا—فالأرجح أنها ستبقى في مكانها وهي تصوّب نحو فريسة ضعيفة، وبما أنها ’لا يمكن ختمها‘، فستخطّط لقتلي خلال لحظات… ولإمساكك.”
كانت تبدو كعاصفة من الجراد الأسود، بالآلاف والملايين، تتدفق نحوه.
كانت هناك قطعة نسيج تُشبه نصف لسان مغروسة في المجسّ، لامست أنف تاليس، تفوح منها رائحة دمٍ وروائح عطنٍ فاسدة.
اندفع السيف الأسود نحو القطيع دون تردّد. كأنما ما يواجهه ليس خطراً قاتلاً، بل سراً من أسرار النعيم.
بدأت الوحوش تقفز وتتحرك في ارتباك، لكنها لم تلحظ السيف الأسود مطلقًا، الذي كانت خطواته المتباطئة تشبه خطوات شيخٍ يعبر النهر.
“في المرة الثانية، تفوّقت علي خلال ثوانٍ قليلة. وكدت أن أموت بتلك الوحوش الصغيرة.”
اندفع السيف الأسود مخترقًا عوائق كثيرة وهو يتجه نحو صوفية الدم بسرعة مذهلة. كانت حركة سيفه تُشبه على نحوٍ خافت أسلوب السيف العسكري الشمالي.
لكن هذه المرة، لم يُبقِ السيف الأسود شيئاً في جعبته. لم يستخدم طرقاً مختصرة، ولم يوفر جهداً.
أمسك السيف الأسود بيد الأمير وهوى بنصل التطهير.
أحس تاليس بالارتعاش الذي اجتاح جسد السيف الأسود كله. إحساس نابض، كأنه شيء ذو قوام، تفجّر من أعماقه.
وفي الوقت نفسه، تذكّر تاليس تحذيرَه:
لقد أدرك… هذه هي خطيئة نهر الجحيم.
وفي اللحظة التالية، مثل أطفال شحّاذين رأوا ثرياً في الطريق، رفعت الوحوش السوداء ’رؤوسها‘ ولوّحت بأطرافها. بعضها ركض، وبعضها قفز، وبعضها تدحرج أو زحف، وحتى قلة منها خفقت أجنحتها القبيحة في الهواء، مندفعين جميعاً نحو تاليس والسيف الأسود!
الخطيئة التي تخصّ السيف الأسود بشكل فريد… وكانت أقوى، وأرسخ، وأكثر فاعلية بآلاف المرات من خطيئة تاليس.
والوحوش السوداء التي تخص صوفية الدم بدأت تدور أمام عينيه أيضاً.
تدفّق البرد الذي كان محيطاً به نحو قلب تاليس كما لو كان ذا كتلة، فارتجّ جسده.
كانت حركات السيف الأسود متصلّبة كالشيخ الطاعن بالسن، لكنه في تلك اللحظة… تحرّك!
شعر كأن الرجل بجواره قد غدا شخصاً آخر.
شعر تاليس بطاقة تتخمر داخل جسد السيف الأسود. ثم خطا الأخير خطوة وهو يطأ صخرة بخفة.
امتلأت ملامح السيف الأسود بصرامة وعتمة.
وكان دواره يزداد.
وبدأ حضوره الخافت يتحوّل إلى حضور شرس ووحشي. وانتفخت عضلاته قليلاً.
ثم توقّفت جميعها تقريبًا، وبدأت ترتجف على نحوٍ جنونيّ. مثل أطفالٍ تائهين، أخذت “تنظر” حولها باطراد.
وتوسّعت حدقتاه، ودخل الضوء إليهما أكثر فأكثر.
ومع حماية اللوح، واصل السيف الأسود اندفاعه.
في تلك اللحظة، بدا السيف الأسود كوحش مفترس يفتح عينيه ببطء، كاشفاً مخالبه وأنيابه.
شعر تاليس بالخوف يتسلّل إلى قلبه.
وفي اللحظة التي اندفع فيها أول وحش أسود من السماء، ولم يعد يفصله عن رأس السيف الأسود سوى قدم واحدة…
تعثّر أحيانًا بوحش، واصطدم أحيانًا بآخر بكتفه، بل وكانت جراح جديدة تتفتّح على جسده، لكنه ظل ممسكًا بتاليس وشق طريقه عبر السرب بأمان.
ارتجفت الأشواك العظمية على جسده، مؤذنة بحدّتها المتزايدة. وخلفه آلاف من أمثاله، بنفس الضراوة والرعب. ومع صرخاتهم، تردّد صوتهم في السماء والأرض، منقلبين نحو الثنائي مثل أمواج هادرة.
وبينما احتشدت أصوات التحطّم والتصادم، وتناثرت قِطع من اللوح الحجريّ ومن الأشواك العظمية، ضمّ السيف الأسود تاليس بذراعه، ثم انحنى برأسه إلى اللوح الحجري وهو يشق طريقه بجنون.
وبالمقارنة، بدا طول نصل التطهير ضئيلاً للغاية أمام هذا السيل.
“حين نواجهها، علينا أن نستكشف كل احتمال، ونفتش عن كل فرصة لنكسب ميزة، ونراهن على كل ورقة نملكها—وسنبدأ بالعثور على هيئتها الحقيقية.”
(حينها اضطررت لتفعيل “الموت الفوري” بين تلك الوحوش، لأخمد كل علامة على حياتي، وأتجنب حواسها. أعتقد أنه في لقائنا الثالث… ستكون قد وجدت طريقة لمواجهة ‘الموت الفوري’.)
شعر تاليس بقشعريرة تجتاح جسده!
هسسسس…
تمـــزّق!
اندفعت الوحوش العنكبوتية كسيل أسود كثيف، كأنها على وشك إغراق تلك السفينة الصغيرة الضعيفة… السيف الأسود.
“في المرة الأولى التي قاتلنا فيها، تفاديت هجمات مجسّاتها بمساعدة ’المرتجف‘—وهي حركة تعلمتها من مغتال من الفئة الفائقة، وعدّلتها قليلاً.”
شهق تاليس نفساً حادّاً، ثم حبسه، ضاغطاً على ذراعه اليسرى المرتجفة تحت إبطه الأيمن.
ارتفعا شبرًا فوق الأرض.
لم يعد هناك خيار. ما من أحد يمكن الاتكال عليه… سوى السيف الأسود.
(هذا ما تعلمته من مواجهتها مرتين—معلومة بادلتها بدمائي وأنا أمشي على حبلٍ مشدود بين الحياة والموت.)
(إلا أن تلك اللحظة التي غيّرت فيها الصوفيّة مجسّاتها، وحوّلتها إلى حشود من الوحوش ذات الأشواك… جعلتني أشعر…)
(إنها هنـــــــــ—)
وفي اللحظة التالية، أطلق السيف الأسود زئيراً خافتاً في وجه الأمواج السوداء العاتية. وضمّ تاليس بقوة إلى صدره، بينما احتضن تاليس نصل التطهير إلى صدره.
“بمعنى آخر، الاعتقاد بأن العتاد الأسطوري المضادّ للصوفيين لا يستطيع ختم ذلك الوحش اعتقادٌ خاطئ، تمامًا كما قلت.”
وقبل أن يطعن أول وحش اشواكه العظمية برأس السيف الأسود…
وراءها، زأرت الهيدرا كيليكا. ستّة مجسّات عملاقة اندفعت من جسدها.
انحنى السيف الأسود دفعة واحدة. وتقدّم جسده كله إلى الأمام… نحو الوحوش!
حدّق تاليس في الأشواك العظمية على ظهور الوحوش—التي تراوحت بين شوكة إلى ثلاث—وهي تصدر أصوات التشقّق، كأنها على وشك الانكسار قبل أن تتحوّل إلى أطرافٍ رقيقةٍ طرية ترتفع منتصبة في الهواء…
كان أشبه بسفينة صغيرة تنقلب في موجة هائلة.
طار نحوهما مجسان متوسطا الحجم؛ احدهم من الأعلى، والآخر من الأسفل.
شعر تاليس بأن كل شيء حوله بدأ يدور.
ارتجف تاليس وهو يحدّق في هذا المشهد الفظيع، وشعر بجلده يقشعرّ.
والوحوش السوداء التي تخص صوفية الدم بدأت تدور أمام عينيه أيضاً.
“نقطة الدخول أمر يجب التفكير فيه أيضًا—علينا أن نعثر على مسار مغطى بالخرائب والعوائق. سيمنحنا أفضل رؤية وأفضل نقاط للاختباء، حتى لو كان ما يحمينا مجرد ساترٍ جزئي.”
كانت تقترب.
وفي اللحظة التالية، أطلق السيف الأسود زئيراً خافتاً في وجه الأمواج السوداء العاتية. وضمّ تاليس بقوة إلى صدره، بينما احتضن تاليس نصل التطهير إلى صدره.
وكان دواره يزداد.
(ولهذا، فإن ما ينبغي علينا فعله تالياً هو الصمود تحت ضرباتها… وعندما نتقدّم مسافةً كافية… سنُجبر تلك التموجات الغريبة على الظهور مرّةً ثانية!)
وفي اللحظة الحاسمة، تدفقت التموجات خاصته إلى ذهنه، فخفّفت دواره.
“صوفية الدم تتقن التعلّم من كل مواجهة، وتعالج المعلومات بسرعة، وتبتكر حلولاً لمواجهة تكتيكات أعدائها. خذني مثلاً. في كل مرة نلتقي بعد معركتنا السابقة، يكون لديها أسلوب جديد للتعامل معي.”
(أستطيع رؤية تموجات قوية آتية من باطن الأرض… مختبئة بين اللحم والدم…)
ارتجفت الأشواك العظمية على جسده، مؤذنة بحدّتها المتزايدة. وخلفه آلاف من أمثاله، بنفس الضراوة والرعب. ومع صرخاتهم، تردّد صوتهم في السماء والأرض، منقلبين نحو الثنائي مثل أمواج هادرة.
كان السيف الأسود قد ضمّ جسده كله مثل كرة، وراح يتدحرج نحو الوحوش السوداء الشرسة، ذات الأشواك البارزة.
وأبصر أيضًا نيكولاس من بعيد. كانت هيئته المكافحة تغوص شيئًا فشيئًا في مستنقع اللحم والدم.
واصلوا التدحرج.
استعاد تاليس قدرته على التنفّس. غمر قلبه مزيج عاصف من المشاعر—القلق، والخوف، والاضطراب، والإثارة.
(بحسب إحساسي… تلك التموجات شديدة الوضوح. يستحيل تقريباً إخفاؤها.)
“أول ما ينبغي علينا إدراكه هو أن صوفية الدم لم تظهر قطّ بهيئتها الحقيقية أمامنا.”
ضرب السيف الأسود الأرض بمرفقه الأيمن!
استدار السيف الأسود في الهواء، وانزلق بين المجسّين.
طع!
الوحش الثاني مدّ شوكةً عظميةً مكسوّة بزوائد معقوفة، مستهدفًا شقَّ بطن السيف الأسود، حيث كان تاليس.
اصطدم بمقعد حجري منخفض.
وفي اللحظة التالية، أطلق السيف الأسود زئيراً خافتاً في وجه الأمواج السوداء العاتية. وضمّ تاليس بقوة إلى صدره، بينما احتضن تاليس نصل التطهير إلى صدره.
(أعتقد… أنها هذه. هذه هي هيئتها الحقيقية! أنا واثق!)
حوّلت الريح الباردة الماء على وجه تاليس إلى رقائق من الثلج والجليد. اضطرّ الأمير الصغير إلى تحريك وجنتيه، قاضمًا أسنانه ومكشّرًا ليُزحزح الجليد الذي كاد يجمّد ملامحه.
وفي اللحظة التالية، شعر تاليس باهتزاز شديد من ذراع السيف الأسود اليمنى الملفوفة حوله.
“لا تقلق.” تفرّعت العروق الحمراء على وجنتيها وتوغّلت أبعد، فجعلت ابتسامتها تبدو شنيعة على نحو غريب. “كل شيء سيصل إلى نهايته قريباً.”
بانغ!
شعر تاليس بالخوف يتسلّل إلى قلبه.
ارتفعت أصوات مكتومة… كأشياء تتشقق تحت الأرض.
تمامًا مثل… قرون الاستشعار؟
بدت كصوت قدر يغلي ماؤه بشدة.
اندفعت الوحوش العنكبوتية كسيل أسود كثيف، كأنها على وشك إغراق تلك السفينة الصغيرة الضعيفة… السيف الأسود.
ثم انفجر المقعد الحجري. وانطلقت صفيحة حجرية ضخمة من الأرض بطريقة عجيبة!
هبطت الوحوش، وفي ارتعاشة عنيفة، نبتت من جلودها أشواك عظمية.
وما إن ارتفعت الصفيحة في الهواء، حتى توقّف تدحرج السيف الأسود فجأة!
في تلك اللحظة، بدا السيف الأسود كوحش مفترس يفتح عينيه ببطء، كاشفاً مخالبه وأنيابه.
شعر تاليس بالغثيان، ورأى نجوم الليل تتراقص أمام عينيه، وكاد يتقيّأ.
“ذلك الوحش ذو بصيرة عميقة في شؤون المعركة. تستوعب كل جوانبها، وتمتلك خبرة واسعة. لم ألتقِ سوى قلّة يملكون مثل تلك الدراية التكتيكية.”
غرست قدما السيف الأسود في الأرض. وبحركة تلقائية، اتخذ وضعية مائلة بشدة كأنه يوشك على السقوط. وبزاوية حادّة مع الأرض… اندفع إلى الأمام!
هسسس…
ضغط السيف الأسود بذراعه اليمنى المنتفخة على الصفيحة الحجرية الضخمة. فاستقرت أمامه فوراً، ودفعها أمامه وهو يندفع.
بدت كصوت قدر يغلي ماؤه بشدة.
وقد خفّض هذا من سرعته… لكنه منحهم درعاً.
لكن هذه المرة، لم يُبقِ السيف الأسود شيئاً في جعبته. لم يستخدم طرقاً مختصرة، ولم يوفر جهداً.
(هذه هي أعظمُ قدراتِنا… القدرةُ على الاستدلال على الهيئة الحقيقيّة للوحش!)
وكأنّه يأخذ أول نفسٍ في حياته، شهق السيف الأسود بشهقة عميقة. ثم ارتجّ جسده كله فجأة كأنه استيقظ من كابوس!
(لكن في تلك اللمحة القصيرة التي تمكّنتُ فيها من استشعارها، لم أستطع سوى الحصول على اتّجاهٍ تقريبيّ لموضعها. إن اندفعنا على غير هدى، فلن نجلب سوى انتباهها مسبقًا، وعندها ستتهيّأ للهروب قبل أن نكتشفها.)
(وحينها… سيكون موضعُ تقاطعِ النقطتين اللتين ظهر فيهما التموج… هو موضعُ هيئتها الحقيقيّة!)
(ولهذا، فإن ما ينبغي علينا فعله تالياً هو الصمود تحت ضرباتها… وعندما نتقدّم مسافةً كافية… سنُجبر تلك التموجات الغريبة على الظهور مرّةً ثانية!)
واصل التقدّم بالسرعة نفسها.
(وحينها… سيكون موضعُ تقاطعِ النقطتين اللتين ظهر فيهما التموج… هو موضعُ هيئتها الحقيقيّة!)
حوّلت الريح الباردة الماء على وجه تاليس إلى رقائق من الثلج والجليد. اضطرّ الأمير الصغير إلى تحريك وجنتيه، قاضمًا أسنانه ومكشّرًا ليُزحزح الجليد الذي كاد يجمّد ملامحه.
في اللحظة التالية، اندفع السيف الأسود داخل سرب الوحوش وهو يسند اللوح الحجريّ السميك.
هسسس…
أظلم كلُّ ما حولهما. الوحوش التي ملأت السماء والأرض حجبت رؤيتهما بالكامل.
شعر تاليس بالخوف يتسلّل إلى قلبه.
هــــــــيييييييسسس…
شعر تاليس بالخوف يتسلّل إلى قلبه.
ملأت آلافُ الهسهسات أذنَي تاليس، فزادته اضطرابًا وتوتّرًا.
وراءها، زأرت الهيدرا كيليكا. ستّة مجسّات عملاقة اندفعت من جسدها.
هل سينجحان؟
واصلوا التدحرج.
ربما؟
وشعر تاليس بأن جسد السيف الأسود صار ضبابيًا، وإن لم يعرف أهو خيال أم حقيقة.
أوّل وحشٍ انقضّ عليهما غرس شوكةً من عظامه في وجه السيف الأسود.
هسسس!
خفض السيف الأسود رأسه قليلًا، ودسّ وجهه خلف اللوح الحجري.
“هيئتها الحقيقية مختبئة في أحد مخلوقاتها اللحمية المقزّزة: قد تكون تحت الأرض، داخل تلك المجسّات، داخل ذلك الوحش الكبير، أو في أي شيء مصنوع من اللحم والدم—كقطرة ماء في محيط، أو شجرة في غابة.
تحطُّم!
علينا أن نعثر على هيئتها الحقيقية بين هذا البحر من الدم واللحم.”
انغرست شوكةُ الوحش في اللوح الحجري وأطلقت شررًا متلألئًا في الهواء، لكنها لم تنَل شعرةً واحدة من رأس السيف الأسود، الذي اندفع متجاوزًا الوحش.
هبطت الوحوش، وفي ارتعاشة عنيفة، نبتت من جلودها أشواك عظمية.
الوحش الثاني مدّ شوكةً عظميةً مكسوّة بزوائد معقوفة، مستهدفًا شقَّ بطن السيف الأسود، حيث كان تاليس.
وفي اللحظة التالية، أطلق السيف الأسود زئيراً خافتاً في وجه الأمواج السوداء العاتية. وضمّ تاليس بقوة إلى صدره، بينما احتضن تاليس نصل التطهير إلى صدره.
حدّق تاليس في الشوكة المقبلة، يصغي إلى أزيزها، وقد خلا رأسه تمامًا من التفكير.
طار نحوهما مجسان متوسطا الحجم؛ احدهم من الأعلى، والآخر من الأسفل.
غير أن اللوح الحجري انزاح بحركةٍ خفيفة من السيف الأسود، فدُفع ليغدو أمام بطنه، صادًّا هجمة الوحش.
وفي اللحظة التي اندفع فيها أول وحش أسود من السماء، ولم يعد يفصله عن رأس السيف الأسود سوى قدم واحدة…
دويّ!
(هذا ما تعلمته من مواجهتها مرتين—معلومة بادلتها بدمائي وأنا أمشي على حبلٍ مشدود بين الحياة والموت.)
ومع حماية اللوح، واصل السيف الأسود اندفاعه.
هسس… هسسس…
تدفّقت أعداد لا تُحصى من الوحوش السوداء الشبيهة بالعناكب إلى جانبيه، كأنها سرب جرادٍ لا ينتهي.
“أولًا، التوقيت—حين يفشل هذان الرجلان، وتشرع هي في القضاء عليهما، يكون ذاك وقت دخولنا ساحة المعركة.”
وبينما احتشدت أصوات التحطّم والتصادم، وتناثرت قِطع من اللوح الحجريّ ومن الأشواك العظمية، ضمّ السيف الأسود تاليس بذراعه، ثم انحنى برأسه إلى اللوح الحجري وهو يشق طريقه بجنون.
(بحسب إحساسي… تلك التموجات شديدة الوضوح. يستحيل تقريباً إخفاؤها.)
وكان بين الحين والآخر يتسرّب وحشٌ أو اثنان من خلال تشققات اللوح؛ يمرّ أحدهم ليجرح بطن السيف الأسود أو فخذَه الجانبي أو كتفه أو مواضع أخرى من جسده، لكنّه كان إمّا يتحوّل إلى رماد تحت حدّ نصل التطهير الذي كان تاليس يضمه، أو يُقذَف بعيدًا بسرعة هائلة.
المسافة بينهما وبين “جيزا” أخذت تتقلّص تدريجياً، حتى غدت أقل من عشرين متراً.
أبقى تاليس عينَيه مفتوحتين بكل صعوبة. لم يرَ في مجاله البصري سوى أطراف سوداء لا تُعد ولا تُحصى من الأشواك والعظام، تنساب مبتعدة عن نظره كجريان الماء.
شهق تاليس نفساً حادّاً، ثم حبسه، ضاغطاً على ذراعه اليسرى المرتجفة تحت إبطه الأيمن.
(سنجبرها على “التحوّل” للمرّة الثانية، وسنجبرها على إطلاق ذلك التموج مجددًا. والفرصة التي تظهر فيها هيئتها الحقيقيّة ستكون…)
(سنجبرها على “التحوّل” للمرّة الثانية، وسنجبرها على إطلاق ذلك التموج مجددًا. والفرصة التي تظهر فيها هيئتها الحقيقيّة ستكون…)
بعد عدّة ثوانٍ، بدأ اللوح الحجري المستخدم للدفاع يتفتّت شبرًا بعد شبر تحت وطأة الضربات التي انهالت عليه.
“حينها ستكون مترددة، مشتتة، أو تركيزها غير كامل. سيكون ذلك أفضل فرصنا. سنوفّر قليلًا من الجهد والوقت على ’الاندفاع’ للاقتراب من الجسد البديل.”
تساقطت الحجارة المتكسّرة والدماء من جسد السيف الأسود في اللحظة ذاتها.
حوّل بصره البارد إلى جهة أخرى.
وفي اللحظة نفسها، ارتجف السيف الأسود.
ضغط تاليس جفنيه، شاعراً بذرات الغبار والرمل تنثال على وجنتيه.
(إنها هنـــــــــ—)
أمسك السيف الأسود بيد الأمير وهوى بنصل التطهير.
تمـــزّق!
انفلق المجسّ وتحولت إلى رماد.
جرحت شوكةٌ حادّة من أحد الوحوش كتفَه تاركةً خلفها خطًا من الدم.
“وسيُوجّه ذلك انتباهها إليّ.”
طعنة!
وانفتحت عينا السيف الأسود!
وغرسَت الثانيةُ شوكتَها في فخذِه الأيسر.
أخذت قرون الاستشعار تلك ترتعش ببطء كأن فيها حياة، وبدأت تكنس الهواء نحو السيف الأسود وتاليس.
(إنها في الموضع الذي قاتلتُها فيه للمرة الثانية… الموضع الذي استخدمتُ فيه الموت الفوري!)
تذكّر تاليس هذا، فعضّ على أسنانه قليلًا.
لكن السيف الأسود لم يُبدِ أي التفات إلى جراحه. كان وجهه شاحبًا، لكنه لم يفعل سوى إحكام ضمّ تاليس إلى صدره دون أدنى ردّ فعل آخر تجاه إصاباته المتزايدة.
وبينما غمرت الأرضَ والسماءَ هسهسات مرعبة، انقلبت الوحوش التي كانت كالموج الجارف إلى فوضى عارمة. وكأن حجرًا قد أُلقي في بحيرة ساكنة.
كأن إحساسه قد انطفأ، وواصل اندفاعه خاليًا من أي شعور.
وكأنّه يأخذ أول نفسٍ في حياته، شهق السيف الأسود بشهقة عميقة. ثم ارتجّ جسده كله فجأة كأنه استيقظ من كابوس!
(إنه مهارةٌ تتيح له إخماد كل أثرٍ للحياة في جسده مدةً وجيزة، فيختفي عن حواسّ عدوه.)
لكن الأمر كان… كأنه وخز خلية نحل!
في لحظةٍ خاطفة، شعر تاليس بأن عضلات الرجل بجواره بدأت تتصلّب.
قمع تاليس ما نهض في حلقه ومعدته من نفور، وما دفع جفونه إلى أن تنغلق—إذ أراد رؤية خصمه بوضوح.
ظل يتحرك إلى الأمام، لكن كأن طاقة جسده قد تلاشت. توقّف تنفّسه، وتصلّبت بشرته، وهدأت حركاته، بل حتى عيناه فقدتا بريقهما.
انحنى السيف الأسود دفعة واحدة. وتقدّم جسده كله إلى الأمام… نحو الوحوش!
وشعر تاليس بأن جسد السيف الأسود صار ضبابيًا، وإن لم يعرف أهو خيال أم حقيقة.
اختار السيف الأسود ممرًّا ممتلئًا بالصخور والطين، حيث انهارت البيوت على الجانبين جراء قتال الصوفيين.
لكن تاليس كان يعلم أنّ السيف الأسود قد فعّل الموت الفوري.
والريح الباردة تصفع وجهه، أبقى تاليس عينيه نصف مغمضتين. وبينما كان يندفع بسرعة هائلة، شعر بقلبه يكاد يقتلع من صدره.
وبينما امتلأ قلبه بالقلق، كان ينظر إلى الوحوش السوداء القادمة بصيحاتها الحادّة.
أبقى تاليس عينَيه مفتوحتين بكل صعوبة. لم يرَ في مجاله البصري سوى أطراف سوداء لا تُعد ولا تُحصى من الأشواك والعظام، تنساب مبتعدة عن نظره كجريان الماء.
غير أن تاليس لم يحتج إلى القلق طويلًا.
فهو في قلب أخطر معركة شهدها في حياته.
فقد اندفعت جموع الوحوش السوداء بجنون، ثم فجأة—مثل ذبابٍ بلا رؤوس—اندفعت متجاوزةً الرجلَين.
“في المرة الثانية، تفوّقت علي خلال ثوانٍ قليلة. وكدت أن أموت بتلك الوحوش الصغيرة.”
وبينما غمرت الأرضَ والسماءَ هسهسات مرعبة، انقلبت الوحوش التي كانت كالموج الجارف إلى فوضى عارمة. وكأن حجرًا قد أُلقي في بحيرة ساكنة.
“وحين نخترق العوائق، ستدخل مجال رؤيتها.”
ثم توقّفت جميعها تقريبًا، وبدأت ترتجف على نحوٍ جنونيّ. مثل أطفالٍ تائهين، أخذت “تنظر” حولها باطراد.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
بدأت الوحوش تقفز وتتحرك في ارتباك، لكنها لم تلحظ السيف الأسود مطلقًا، الذي كانت خطواته المتباطئة تشبه خطوات شيخٍ يعبر النهر.
كانت حركات السيف الأسود متصلّبة كالشيخ الطاعن بالسن، لكنه في تلك اللحظة… تحرّك!
تعثّر أحيانًا بوحش، واصطدم أحيانًا بآخر بكتفه، بل وكانت جراح جديدة تتفتّح على جسده، لكنه ظل ممسكًا بتاليس وشق طريقه عبر السرب بأمان.
تساقط رمادٌ متناثر على وجه تاليس، ممتزجًا بالثلج الذائب.
واصل تقدّمه.
وتوسّعت حدقتاه، ودخل الضوء إليهما أكثر فأكثر.
لم يتنفّس تاليس الصعداء إلا حينئذ. لقد اختفى أثر السيف الأسود، ومعه أثر تاليس، من حواس الوحوش.
لم يعد هناك خيار. ما من أحد يمكن الاتكال عليه… سوى السيف الأسود.
وفي الوقت نفسه، تذكّر تاليس تحذيرَه:
خفض السيف الأسود رأسه قليلًا، ودسّ وجهه خلف اللوح الحجري.
(“لقد رأت الموت الفوري من قبل، ولا بد أنها أعدّت طريقةً لمواجهتي، سواء عبر التحوّل، أو الانفلات، أو التضخيم، أو التنامي، أو عبر إصدار أمر للوحوش كي تتحوّل.”)
وكأنّه يأخذ أول نفسٍ في حياته، شهق السيف الأسود بشهقة عميقة. ثم ارتجّ جسده كله فجأة كأنه استيقظ من كابوس!
في المسافة البعيدة، توقّفت “جيزا” عن الحركة لحظةً، وتحركت شفتا صوفية الدم بخفوت.
“لا تقلق.” تفرّعت العروق الحمراء على وجنتيها وتوغّلت أبعد، فجعلت ابتسامتها تبدو شنيعة على نحو غريب. “كل شيء سيصل إلى نهايته قريباً.”
في اللحظة التالية، عوى الهيدرا كيليكا خلفها!
ارتجّ رأس تاليس من الذعر، وبدأت الدنيا تدور أمام عينيه.
وفي لحظة، تحوّلت جميع الوحوش السوداء حول السيف الأسود.
كان تاليس مستعدًا لهذا. سيشُقّ السيف الأسود طريقه، ويفتح الممر بسيف التطهير.
حدّق تاليس في الأشواك العظمية على ظهور الوحوش—التي تراوحت بين شوكة إلى ثلاث—وهي تصدر أصوات التشقّق، كأنها على وشك الانكسار قبل أن تتحوّل إلى أطرافٍ رقيقةٍ طرية ترتفع منتصبة في الهواء…
انفلق المجسّ وتحولت إلى رماد.
تقلّصت الأطراف… ازدادت حدّة… ازدادت ليونة.
Arisu-san
تمامًا مثل… قرون الاستشعار؟
ارتجّ صدر تاليس.
وبقرون الاستشعار تلك، غدت الوحوش وكأن نورًا خفيفًا قد سُلّط عليها وسط الظلام. لم تعد ترتجّ وتدور كذبابٍ بلا هدف، بل ارتفعت قرونها وبدأت تدور ببطء.
واصل التقدّم بالسرعة نفسها.
أخذت قرون الاستشعار تلك ترتعش ببطء كأن فيها حياة، وبدأت تكنس الهواء نحو السيف الأسود وتاليس.
حدّق تاليس في الأشواك العظمية على ظهور الوحوش—التي تراوحت بين شوكة إلى ثلاث—وهي تصدر أصوات التشقّق، كأنها على وشك الانكسار قبل أن تتحوّل إلى أطرافٍ رقيقةٍ طرية ترتفع منتصبة في الهواء…
ثم توقّفت… كأنها قد حدّدت موضع السيف الأسود بدقّة…
(أعتقد… أنها هذه. هذه هي هيئتها الحقيقية! أنا واثق!)
كأنها تُجري اللمسة الأخيرة للتأكيد.
هــــــــيييييييسسس…!
(هذا سيّئ.)
حوّلت الريح الباردة الماء على وجه تاليس إلى رقائق من الثلج والجليد. اضطرّ الأمير الصغير إلى تحريك وجنتيه، قاضمًا أسنانه ومكشّرًا ليُزحزح الجليد الذي كاد يجمّد ملامحه.
شعر تاليس بالخوف يتسلّل إلى قلبه.
تذكّر تاليس هذا، فعضّ على أسنانه قليلًا.
(كما توقّعت… حتى لو لم يدم قتالُهما السابق أكثر من ربع ساعة، كانت جيزا قد أعدّت منذ ذلك الحين وسيلةً لمواجهة الموت الفوري.
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 5 يوم متبقي 13,500 شعلة الهدف: 66,666 20.3% 🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 12,000🥈Fares saeed🔥 1,000🥉Hamood Mahemed🔥 500 🥇M. K💎 12,000🥈Fares saeed💎 1,000🥉ibrahim shazly💎 5004Hamood Mahemed💎 5005الخال!💎 100
والآن… يبدو أن وسيلتها فعّالة جدًا.)
(سنجبرها على “التحوّل” للمرّة الثانية، وسنجبرها على إطلاق ذلك التموج مجددًا. والفرصة التي تظهر فيها هيئتها الحقيقيّة ستكون…)
نظر تاليس إلى السيف الأسود بقلبٍ مضطرب، وهو لا يزال يتمسّك به ويتقدّم بصعوبة وسط الوحوش.
جرحت شوكةٌ حادّة من أحد الوحوش كتفَه تاركةً خلفها خطًا من الدم.
أما السيف الأسود فظلّ مغمض العينين، يتحرك ببطء كجذع شجرة يابسة.
ضغط تاليس جفنيه، شاعراً بذرات الغبار والرمل تنثال على وجنتيه.
اشتدّ قلق تاليس.
حدّق تاليس في الأشواك العظمية على ظهور الوحوش—التي تراوحت بين شوكة إلى ثلاث—وهي تصدر أصوات التشقّق، كأنها على وشك الانكسار قبل أن تتحوّل إلى أطرافٍ رقيقةٍ طرية ترتفع منتصبة في الهواء…
(لقد تحرّكت جيزا بالفعل… إمّا تحوّلت، أو فعلت شيئًا آخر…ايها السيف الأسود… ألا ينبغي لك أن تستيقظ الآن؟)
لكن الرجل انحنى بجسده، ثم استدار استدارة حادة مبتعدًا عن مئات المجسّات التي بدت كألسنةً مشقوقة لثعابين.
(لقد تمكّنت من استشعار موضع هيئتها الحقيقيّة للمرة الثانية… ويمكنني الآن تأكيد مكانها تمامًا!)
استعاد تاليس قدرته على التنفّس. غمر قلبه مزيج عاصف من المشاعر—القلق، والخوف، والاضطراب، والإثارة.
ضمّ تاليس سيف التطهير بين ذراعيه وحدّق في الوحوش الصغيرة التي رفعت قرون استشعارها نحوهما. كان قلبه يخفق خفقاتٍ عنيفة.
تعثّر أحيانًا بوحش، واصطدم أحيانًا بآخر بكتفه، بل وكانت جراح جديدة تتفتّح على جسده، لكنه ظل ممسكًا بتاليس وشق طريقه عبر السرب بأمان.
وفي النهاية، وقد انتشرت القشعريرة في جسده كلّه، لم يستطع إلا أن يمدّ إصبعه ليضغط على صدر السيف الأسود.
“ما يجعلها جبارة ليس سحرها الممسوخ ولا قدرتها اللامحدودة، بل كونها تمتلك بحقّ—ما أحب أن أسمّيه—قلب المقاتل القويّ. قوية بقدر ما هي حذرة وحاسمة. لا تفوّت فرصة، ولا تزدري خصمًا، وتبادر دائمًا إلى الردّ، وتتهيأ لكل تغيّر في الخطة.”
لكن الأمر كان… كأنه وخز خلية نحل!
هل سينجحان؟
في طرفة عين، استيقظت الوحوش السوداء دفعة واحدة كما لو أنها أفاقت من سبات. وبقرون الاستشعار المرتعشة على ظهورها، وبأشواكها العظمية التي استعادت وحشيّتها، أطلقت هسهسات مخيفة، ودفعت بأرجلها الخلفية الأرض دفعة واحدة لتنقضّ على السيف الأسود وتاليس.
وشعر تاليس بأن جسد السيف الأسود صار ضبابيًا، وإن لم يعرف أهو خيال أم حقيقة.
هــــــــيييييييسسس…!
شهق تاليس نفساً حادّاً، ثم حبسه، ضاغطاً على ذراعه اليسرى المرتجفة تحت إبطه الأيمن.
شعر تاليس بقشعريرة تجتاح جسده!
الوحش الثاني مدّ شوكةً عظميةً مكسوّة بزوائد معقوفة، مستهدفًا شقَّ بطن السيف الأسود، حيث كان تاليس.
كانت حركات السيف الأسود متصلّبة كالشيخ الطاعن بالسن، لكنه في تلك اللحظة… تحرّك!
أخذت قرون الاستشعار تلك ترتعش ببطء كأن فيها حياة، وبدأت تكنس الهواء نحو السيف الأسود وتاليس.
وكأنّه يأخذ أول نفسٍ في حياته، شهق السيف الأسود بشهقة عميقة. ثم ارتجّ جسده كله فجأة كأنه استيقظ من كابوس!
(لقد تمكّنت من استشعار موضع هيئتها الحقيقيّة للمرة الثانية… ويمكنني الآن تأكيد مكانها تمامًا!)
وانفتحت عينا السيف الأسود!
اخترق السيف الأسود جدار الطين وتقدّم مسافة خمسة أمتار أخرى.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“هذه ستكون فرصتنا.”
شعر تاليس بأن كل شيء حوله بدأ يدور.
