Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 183

ثمنُ النصر

ثمنُ النصر

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تشبّثت به الشقية، تبكي وتبلّل كتفه.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

(لا… لا!)

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

“هل أنت… تاليس؟”

Arisu-san

كانت الشقية الصغيرة قد بدأت تستعيد تماسكها. أغمضت عينيها الخضراوين شديدتي قِصر النظر قليلًا وهزّت رأسها بارتجاف.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

في تلك اللحظة، توقف نيكولاس عن المشي.

الفصل 183: ثمن النصر

رفع الصوفي حاجبيه.

تطايرت مشاعر غامضة في عيني آسدا، قبل أن يجتاحها ضوء أزرق بلّوري. خفّض تاليس نصل التطهير وانتظر بصمت جواب الصوفي.

تناثر الرماد في السماء في الساعة التي بلغت فيها العتمة أشدّها.

“قوي؟ لا.” توقّف غليوارد. تلألأت عيناه بقلق وجديّة. “إنّه مُفزِع.”

استعاد الناس الذين كانت جيزا تسيطر عليهم وعيهم شيئًا فشيئًا. بعضهم استعادوا أيضًا سلطة التحكم بأجسادهم. تعانقوا والذعر لا يزال عالقًا في أعماقهم، وانفجروا بالبكاء.

بعد ثوانٍ، أفلت تاليس الفتاة. ومدّ يده نحو خصره، وقبض على ذلك الشيء الذي بلا اسم.

غير أنّ معظمهم تبدّلت بُنى أجسادهم تبدّلًا دائمًا بفعل صوفيّة الدم. وما إن أدركوا ذلك حتى ولولوا وماتوا تحت السماء المغطاة بالرماد.

وأخيرًا قال آسدا: “كثيرون راودهم نفس التصور—أن يعيش الصوفيون وباقي الأجناس بسلام، ويتعاونوا حتى.” كان في صوته تشاؤم يرفض الاعتراف به.

“أنا نيكولاس من حرس النصل الأبيض. لا تفزعوا!”

“انظر إلى هذه الفوضى… عمّا قريب ستتجمّع تلك الأشياء الفضولية هنا. فظهور صوفيّ جديد ليس حدثًا هيّنًا.”

رجل شاحب مضرّج بالدماء شقّ طريقه بين الجموع، ممسكًا نصل غريبة.

“… يا تلميذي الممتع.”

دفع بعنف شيخًا مذعورًا كان يصرخ في وجه الآخرين، وتقدّم بخطوات واسعة.

تقدّم تاليس خطوة بلا تردّد.

“ليبقَ الجميع حيث هم! الحكومة ستُرسِل المساعدة باسم الملك!”

كان بعضهم لا يزال عنيدًا للغاية. واضطرّ نيكولاس إلى إرغامهم على الهدوء بإشهار شفـرته في وجوههم.

أربك لقب “قاتل النجوم” العامّة في مقاطعة الدرع. ورغم الشك، فالكثير منهم لزم الصمت.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

كان بعضهم لا يزال عنيدًا للغاية. واضطرّ نيكولاس إلى إرغامهم على الهدوء بإشهار شفـرته في وجوههم.

وأخيرًا قال آسدا: “كثيرون راودهم نفس التصور—أن يعيش الصوفيون وباقي الأجناس بسلام، ويتعاونوا حتى.” كان في صوته تشاؤم يرفض الاعتراف به.

لهاثًا، مشى نيكولاس نحو ركامٍ ما، وأمسك ذراعًا سميكة تحت لافتة متجر منهارة، ثم جرّ رجلاً إلى الخارج.

“كان هنا قبل دقائق.” مضغ غليوارد شيئًا في فمه الملطّخ بالدم، ثم بصق سنًّا مكسورًا، وتمتم: “اللعنة… ذاك الرجل صمد أمام هجماتي وهجمات تلك الوحوش.”

“ظننت أنّك هلكت.” قال قاتل النجوم وهو يجرّ الرجل الجريح بصعوبة. “تلك الكارثة تركتك حيًّا؟”

كان…

غليوارد، صاحب الذراع السميكة، والسيّاف الثقيل السابق الأعرج، نفض التراب والرماد عن جسده، وقد بدا كأنّ الموت قد مرّ به. وبقوة نيكولاس، زحف خارج اللافتة المنهارة.

“قوي؟ لا.” توقّف غليوارد. تلألأت عيناه بقلق وجديّة. “إنّه مُفزِع.”

“لا.” سعل غليوارد. اتكأ على نيكولاس، ورفع يده يلمس جبينه النازف. “الرجل الذي كان يحمل الطفل…”

الفصل 183: ثمن النصر

اكتسى وجه المحارب القديم صرامةً عميقة وهو يقطّب جبينه.

كان…

“أبدى لي رحمة… حين كنت تحت سيطرة ذلك الوحش.”

“أنا نيكولاس من حرس النصل الأبيض. لا تفزعوا!”

ارتبك نيكولاس.

وتحت نظرة آسدا المندهشة، قال ببرود،

“رجل؟ مع طفل؟” رفع قاتل النجوم غليوارد، وقد اتّسع الشك في عينيه. “شخص تمكّن من التحرّك بحرية قبل الكارثة… أكان يملك عتادًا اسطوريًا مضادًا للصوفيين؟”

ظلّ واقفًا لثوانٍ، قابضًا على نصل التطهير. ولما تأكّد من رحيل آسدا، أطلق زفرة. وتراخت أعصابه المشدودة.

ترنّح غليوارد، وهزّ رأسه. “لا أعلم. ربما.”

ناداه تاليس بلقبه برفق: “حسنًا يا سيد ساكيرن، بشأن أمر الصوفيّين… لقد اتخذت قراري…”

ضيّق نيكولاس عينيه. سأل مباشرة: “أين هو الآن؟”

كانت الشقية الصغيرة، بشعرها المبعثر المتّسخ، تعانق نفسها وترتعش خلفه. وضيّقت عينيها محاولة أن ترى من أمامها بجلاء.

“كان هنا قبل دقائق.” مضغ غليوارد شيئًا في فمه الملطّخ بالدم، ثم بصق سنًّا مكسورًا، وتمتم: “اللعنة… ذاك الرجل صمد أمام هجماتي وهجمات تلك الوحوش.”

عدّل تاليس أنفاسه، ابتسم، وأكمل، “على الأقل لن يعلّقني على أسوار المدينة بتهمة خطف فتاة صغيرة.”

أزاح نيكولاس لوحًا خشبيًّا. “هو قوي إذن؟”

“لا.” سعل غليوارد. اتكأ على نيكولاس، ورفع يده يلمس جبينه النازف. “الرجل الذي كان يحمل الطفل…”

“قوي؟ لا.” توقّف غليوارد. تلألأت عيناه بقلق وجديّة. “إنّه مُفزِع.”

(حنين… ومرارة؟) لم يرَ هذا الوجه منه إلا حين تكلّم عن برج السحر.

زمّ المخضرم شفتيه، وفرك أنفه المُحمَرّ من البرد. “وأسلوب قتاله… أظنّ أنّنا التقينا في مكانٍ ما من قبل.”

لم يتغيّر وجه آسدا الوسيم. تبادلا النظرات صامتَين. وبعد لحظة، أغمض الصوفي عينيه وزفر.

تغيّر وجه قاتل النجوم. “أتعرفه؟”

تنفّس تاليس في سره: (ومن تظنّ أنّه ساهم في هذه الفوضى؟)

حاول غليوارد استحضار ذكرى لثوانٍ، ثم هزّ رأسه. “لا أعرف. لقد بارزتُ رجالًا كثيرين.”

لم يتغيّر وجه آسدا الوسيم. تبادلا النظرات صامتَين. وبعد لحظة، أغمض الصوفي عينيه وزفر.

تلألأ بريق مكر في عيني نيكولاس. أعاد نصل قاطع الأرواح إلى غمده. “إذن، ذلك الرجل هو من ختم الكارثة؟”

كانت الشقية الصغيرة قد بدأت تستعيد تماسكها. أغمضت عينيها الخضراوين شديدتي قِصر النظر قليلًا وهزّت رأسها بارتجاف.

“لا أعلم.” هزّ غليوارد رأسه ووجهه شاحبٌ كالرماد. “هل تتوقّف عن طرح أسئلة لا أعرف لها جوابًا؟”

وحين سمعت جوابًا قاطعًا، شهقت الشقية الصغيرة وضمّت شفتيها. وانهمرت الدموع في عينيها.

في تلك اللحظة، توقف نيكولاس عن المشي.

تطايرت مشاعر غامضة في عيني آسدا، قبل أن يجتاحها ضوء أزرق بلّوري. خفّض تاليس نصل التطهير وانتظر بصمت جواب الصوفي.

“ماذا الآن؟” سأل غليوارد بنفاد صبر. “يا رجل، أنت لا تزال تحمل مصابًا!”

ابتلع تاليس ريقه. وارتجفت راحته.

نظر نيكولاس إلى الرماد البعيد بوجه متجهّم. “أتعلم… كارثة الدم أمرها مريب.”

حدّق تاليس فيها مدهوشًا.

“وماذا في ذلك؟” شخر غليوارد. “أليست قد انتهت الآن؟”

(هي…)

هزّ نيكولاس رأسه، شاخصًا في العتمة نحو مجسّ هيدرا ذابل. “هذا يذكّرني…

ظلّ الصوفيّ يحدّق إليه بنظرة هادئة.

“في كتاب أسطورة حرس النصل الأبيض، هناك سرد آخر عن البطل رايكارو، وعن معركته مع كارثة الدم والهيدرا كيليكا…”

تغيّر وجه قاتل النجوم. “أتعرفه؟”

…..

(سلاحي—) خفض رأسه، يحدّق بذهول في نصل التطهير. (كيف اخترقها بهذه السهولة؟)

استراح تاليس وهو ما يزال في شبه غيبوبة. تساقطت قطع من الرماد الأسود على وجنتيه وتفتّتت. استعاد إحساسه تدريجيًّا.

“ليبقَ الجميع حيث هم! الحكومة ستُرسِل المساعدة باسم الملك!”

(ما-ماذا حدث للتو؟)

وبينما يمسك نصل التطهير، مسح تاليس دموعه بظهر يده. “على الأقل الملك نوڤين—”

(سلاحي—) خفض رأسه، يحدّق بذهول في نصل التطهير. (كيف اخترقها بهذه السهولة؟)

“وأيضًا،” قال تاليس وهو يزفر، مشيرًا إلى الخراب المحيط به، “ألستَ متأخرًا قليلًا؟”

(وهل… انتهى الأمر؟)

ارتجفت أذنا تاليس، كأنهما التقطتا شيئًا. استدار، وتجمد.

رفع رأسه، ولا يزال الضباب يغشى ذهنه، يتأمل الرماد في السماء والخراب من حوله.

“انظر إلى هذه الفوضى… عمّا قريب ستتجمّع تلك الأشياء الفضولية هنا. فظهور صوفيّ جديد ليس حدثًا هيّنًا.”

لم يستطع تاليس أن يعرف أين هو. لقد جرى بعيدًا جدًا هاربًا من جيزا.

لهاثًا، مشى نيكولاس نحو ركامٍ ما، وأمسك ذراعًا سميكة تحت لافتة متجر منهارة، ثم جرّ رجلاً إلى الخارج.

رأى الجثث في الطرقات. وكان عند قدميه شيخٌ أبيض الشعر، ممدود الذراع كأنه يحاول بلوغ آخر خيط للنجاة.

زفر آسدا. “لكن، بعد أن تهدأ الضوضاء، سأتواصل عبر الطريقة القديمة نفسها. انتبه إلى الدعوة.”

ارتجفت أذنا تاليس، كأنهما التقطتا شيئًا. استدار، وتجمد.

“إن-إنه أنا! أيتها الشقية الصغيرة!”

بلا خدش، وقف آسدا خلفه، أنيقًا كعادته تحت مرمى الرماد.

حدّقت مندهشة في تاليس؛ ذلك الفتى الملطّخ بالدم والتراب، المبعثر الشعر، ذو الكدمة الحمراء على جبينه.

حدّق صوفي الهواء في نصل التطهير بيده بنظرة معقّدة.

وفي اللحظة التالية، اتسعت عينا الفتاة في هلع. فزمّ تاليس حاجبيه، ولاحظ أمرًا غريبًا.

تنفّس تاليس بعمق مهدّئًا نفسه. “أيمكنك أن تُرسل تنبيهًا في المرة القادمة؟ أو بطاقة دعوة؟”

رأى الجثث في الطرقات. وكان عند قدميه شيخٌ أبيض الشعر، ممدود الذراع كأنه يحاول بلوغ آخر خيط للنجاة.

لم يتكلم آسدا، بل اكتفى بالتحديق فيه.

عادت تلك الابتسامة المجمِّدة للعظام إلى شفتي آسدا. “تعلم… لستَ الوحيد…’

“وأيضًا،” قال تاليس وهو يزفر، مشيرًا إلى الخراب المحيط به، “ألستَ متأخرًا قليلًا؟”

ترنّح غليوارد، وهزّ رأسه. “لا أعلم. ربما.”

رفع آسدا رأسه، ينظر إلى الرماد المتطاير بعاطفة غريبة.

“لا.” سعل غليوارد. اتكأ على نيكولاس، ورفع يده يلمس جبينه النازف. “الرجل الذي كان يحمل الطفل…”

تكلم الصوفي ببطء، دون أن يتغيّر وجهه. “العودة من تحت الأرض… تحتاج وقتًا.”

كان ألمٌ مفجع يعتصره، كأنه يمزق روحه.

شخر تاليس. وبعد ما خاضه في معركة جيزا، وبعد نصيحة السيف الأسود، أدرك فجأة حقيقة.

ترنّح غليوارد، وهزّ رأسه. “لا أعلم. ربما.”

الخوف المكظوم والخانق الذي كان يعتري قلبه حين يواجه صوفي الهواء بدأ يخبو.

انقبض حاجبا تاليس. وانزاحت نظرة آسدا إلى نصل التطهير. وحدث توقّف خفيّ في صوته.

(الصوفيّون؟)

وفي تلك اللحظة، خطرت للشقية ملامح أليكس قبل موتها. فوضعت يدها على فمها، مختنقة.

مقارنةً بجيزا، كان الرجل أمامه… مجرد خصم أقوى قليلًا.

“ليبقَ الجميع حيث هم! الحكومة ستُرسِل المساعدة باسم الملك!”

ناداه تاليس بلقبه برفق: “حسنًا يا سيد ساكيرن، بشأن أمر الصوفيّين… لقد اتخذت قراري…”

لم يتغيّر وجه آسدا الوسيم. تبادلا النظرات صامتَين. وبعد لحظة، أغمض الصوفي عينيه وزفر.

رفع الصوفي حاجبيه.

“ثم إنك تعلم جيدًا وضعك الحالي.” استدار تاليس نحو الجثث والخراب في الشارع. “العالم لا يكره الصوفيين بلا سبب، حتى لو فعلت هذا لتحميني.”

رفع تاليس رأسه، يحدّق فيه بعزم.

دفع بعنف شيخًا مذعورًا كان يصرخ في وجه الآخرين، وتقدّم بخطوات واسعة.

“لستُ مستعدًا.” واجه تاليس نظرة الصوفي الحادة. نطق كل كلمة بوضوح: “هذا هو جوابي… وقراري.”

وقع نصل التطهير من يده، وارتطم بالأرض.

لم يتغيّر وجه آسدا الوسيم. تبادلا النظرات صامتَين. وبعد لحظة، أغمض الصوفي عينيه وزفر.

بعد ثوانٍ، أفلت تاليس الفتاة. ومدّ يده نحو خصره، وقبض على ذلك الشيء الذي بلا اسم.

تابع تاليس: “لكن… لستُ رافضًا لك، ولن أقاوم أن أصبح…”

وقفت أمامه وهي تضمّ شفتيها. ونظر إليها تاليس—تلك الفتاة الرثّة—وأغمض عينيه وشهق بعمق.

وتحت نظرة آسدا المندهشة، قال تاليس بنبرة عادية: “فقط أحتاج وقتًا لأتعلم، لأفهم، لأحصل على المعرفة عن الصوفيّة، وربما حتى السحر. سأحتاج مساعدتك.”

“الصوفيون، البشر، وحتى الجان… مع محاولات كثيرة وجهد عظيم. كلهم فشلوا.” قال بصوت خافت.

(وربما… حقيقة العام الدموي…)

“هذا لك.”

تلألأ ضوء أزرق غامض في عيني آسدا.

غير أنّ معظمهم تبدّلت بُنى أجسادهم تبدّلًا دائمًا بفعل صوفيّة الدم. وما إن أدركوا ذلك حتى ولولوا وماتوا تحت السماء المغطاة بالرماد.

“ثم إنك تعلم جيدًا وضعك الحالي.” استدار تاليس نحو الجثث والخراب في الشارع. “العالم لا يكره الصوفيين بلا سبب، حتى لو فعلت هذا لتحميني.”

وتحت نظرة آسدا المندهشة، قال تاليس بنبرة عادية: “فقط أحتاج وقتًا لأتعلم، لأفهم، لأحصل على المعرفة عن الصوفيّة، وربما حتى السحر. سأحتاج مساعدتك.”

اختنق تاليس لحظة وهو يشعر بجثامة المشاعر.

“أوه…” خرج أنين مكتومٌ موجع من تاليس.

(كل هذه الأرواح… وكل هذا بسبب…)

كان…

تنفّس بعمق، رافضًا المشاعر التي تهاجمه، محاولًا ألّا يتذكر أن الرجل أمامه قاتل بلا رحمة.

طَنْ!

هذّب أفكاره، وقال ببطء: “ربما أستطيع مساعدتك، بوصفي أميرًا… بل كملك قادم للكوكبة.”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

رفع آسدا ذقنه قليلًا. ارتفعت زوايا شفتيه، ولمعت عاطفة غريبة في عينيه. “تقصد…”

أربك لقب “قاتل النجوم” العامّة في مقاطعة الدرع. ورغم الشك، فالكثير منهم لزم الصمت.

“بعد أن أعلم كل شيء عنكم، ربما أستطيع إيجاد طريق، طريق يسمح للعالم ولكم أن تعيشوا بلا خوف ولا صراع.” رفع تاليس نصل التطهير لا إراديًا وقال بثبات: “لا يمكن للصوفيين أن يستمروا على هذا النحو.”

خفض تاليس رأسه وحدّق شرودًا إلى يديه. خنجر «ج.ت» في يده اليمنى، والسيف الأحمر الصغير في يده اليسرى.

في رياح الرماد الأسود، نظر آسدا إلى السيف الأحمر الصغير بيده بحذر.

أرخى رأسه وعَضّ شفتيه. وارتفعت في صدره كآبة لا يستطيع وصفها.

“وإن أصبحتُ صوفيًا حقًا في النهاية، فسأحتاج إلى هذا… لأجلي أنا.” أومأ تاليس.

“لا أعلم.” هزّ غليوارد رأسه ووجهه شاحبٌ كالرماد. “هل تتوقّف عن طرح أسئلة لا أعرف لها جوابًا؟”

“وفوق ذلك، ملك بشري يملك السلطة وجيشًا سيكون أكثر فائدة من كارثة لا تُقهَر.”

كان بعضهم لا يزال عنيدًا للغاية. واضطرّ نيكولاس إلى إرغامهم على الهدوء بإشهار شفـرته في وجوههم.

طال صمت آسدا كثيرًا هذه المرة. انتظر تاليس إجابته بصبر.

“ثم إنك تعلم جيدًا وضعك الحالي.” استدار تاليس نحو الجثث والخراب في الشارع. “العالم لا يكره الصوفيين بلا سبب، حتى لو فعلت هذا لتحميني.”

لثانية أو اثنتين، أقسم تاليس أنه رأى على وجه آسدا سلسلةً غير مألوفة من المشاعر.

خفض رأسه بوجه شاحب. قطرة دم على الأرض… ثم الثانية… ثم الثالثة…

(حنين… ومرارة؟) لم يرَ هذا الوجه منه إلا حين تكلّم عن برج السحر.

(أيّها الصوفيّون… ما معنى وجودكم حقًا؟ كيف تبدو لكم هذه الدنيا؟)

وأخيرًا قال آسدا: “كثيرون راودهم نفس التصور—أن يعيش الصوفيون وباقي الأجناس بسلام، ويتعاونوا حتى.” كان في صوته تشاؤم يرفض الاعتراف به.

ارتبك نيكولاس.

“الصوفيون، البشر، وحتى الجان… مع محاولات كثيرة وجهد عظيم. كلهم فشلوا.” قال بصوت خافت.

(ما-ماذا حدث للتو؟)

وقف الاثنان، مختلفا القامة، وسط الخراب. فقابل تاليس نظرة الصوفي بنظرة حازمة لا تَخِف.

تابع تاليس: “لكن… لستُ رافضًا لك، ولن أقاوم أن أصبح…”

تقدّم تاليس خطوة بلا تردّد.

وقفت أمامه وهي تضمّ شفتيها. ونظر إليها تاليس—تلك الفتاة الرثّة—وأغمض عينيه وشهق بعمق.

“أولًا، لم يحاولوا بما يكفي.” دوّى صوته في الهواء. “ثانيًا…

رفع آسدا رأسه، ينظر إلى الرماد المتطاير بعاطفة غريبة.

أنا لستُ هم، ولستُ من أولئك الفاشلين.”

“نعم، لن أُجبِرك على القدوم معي، ولا سأحثّك على أن تصبح صوفيًا.” ومع رؤيته لردّة فعله، ابتسم آسدا ابتسامة خفيفة. “غير أنّك، ما دمتَ تنوي فهم الطاقة الصوفية والسحر…”

شعر تاليس ببرودة الهواء. انقبضت حدقتاه قليلًا، وخرج صوته ثابتًا، عميقًا.

وفي تلك اللحظة، جاءه صوت خافت مرتجف من خلفه: “تا-تاليس… أهذا أنت؟”

“أنا تاليس.”

…..

وتحت نظرة آسدا المندهشة، قال ببرود،

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“تاليس ثيرينــجيرانا كيسل جيدستار، من سلالة العائلة الإمبراطورية جيدستار، والملك القادم للكوكبة.”

بعد ثوانٍ، أفلت تاليس الفتاة. ومدّ يده نحو خصره، وقبض على ذلك الشيء الذي بلا اسم.

وبينما قال ذلك، تنفّس بعمق، ورفع نصل التطهير. لم يفاجَأ حين رأى آسدا يقطب حاجبيه ويخطو خطوة إلى الوراء.

اكتسى وجه المحارب القديم صرامةً عميقة وهو يقطّب جبينه.

ابتسم تاليس ابتسامة خفيفة، وأعلن بثقة، وجهه هادئ: “خاتم صوفية الدم.”

كان بعضهم لا يزال عنيدًا للغاية. واضطرّ نيكولاس إلى إرغامهم على الهدوء بإشهار شفـرته في وجوههم.

(و… زائر من عالم غير معلوم.)

هزّ نيكولاس رأسه، شاخصًا في العتمة نحو مجسّ هيدرا ذابل. “هذا يذكّرني…

تطايرت مشاعر غامضة في عيني آسدا، قبل أن يجتاحها ضوء أزرق بلّوري. خفّض تاليس نصل التطهير وانتظر بصمت جواب الصوفي.

عادت تلك الابتسامة المجمِّدة للعظام إلى شفتي آسدا. “تعلم… لستَ الوحيد…’

لم يكن الصوفيّ يدري أنّ كفَّ تاليس التي قبضت على نصل التطهير كانت تتصبّب عرقًا.

(سلاحي—) خفض رأسه، يحدّق بذهول في نصل التطهير. (كيف اخترقها بهذه السهولة؟)

ولم ينسَ كلمات جيزا قبل أن تتلاشى.

لكنّ تعابير الشقية تبدّلت فجأة.

(“احذر من آسدا.”)

وسقط تاليس أمام صرختها.

ظلّ الصوفيّ يحدّق إليه بنظرة هادئة.

تنفّس بعمق، رافضًا المشاعر التي تهاجمه، محاولًا ألّا يتذكر أن الرجل أمامه قاتل بلا رحمة.

ثانية واحدة.

وسقط تاليس أمام صرختها.

ثانيتان.

“وإن أصبحتُ صوفيًا حقًا في النهاية، فسأحتاج إلى هذا… لأجلي أنا.” أومأ تاليس.

ثلاث ثوانٍ…

(حنين… ومرارة؟) لم يرَ هذا الوجه منه إلا حين تكلّم عن برج السحر.

ابتلع تاليس ريقه. وارتجفت راحته.

“أبدى لي رحمة… حين كنت تحت سيطرة ذلك الوحش.”

فجأة، ابتسم آسدا. ارتاع تاليس وحدّق إليه باستغراب.

“إن-إنه أنا! أيتها الشقية الصغيرة!”

عادت تلك الابتسامة المجمِّدة للعظام إلى شفتي آسدا. “تعلم… لستَ الوحيد…’

“أنا تاليس.”

“بعد ما جرى اليوم، أدركتُ أنّني أنا أيضًا لم أكن مستعدًا للتعامل معك.” أومأ الصوفيّ قليلًا. “إنّك فريد أكثر مما ينبغي.”

“وفوق ذلك، ملك بشري يملك السلطة وجيشًا سيكون أكثر فائدة من كارثة لا تُقهَر.”

انقبض حاجبا تاليس. وانزاحت نظرة آسدا إلى نصل التطهير. وحدث توقّف خفيّ في صوته.

استنشق تاليس نفسًا عميقًا ثم زفره ببطء. أومأ قليلًا. “شكرًا لك، يا سيد ساكيرن.”

“بوصفك أميرًا بشريًا، أو بوصفك…” رفع آسدا يديه وأشار إلى نفسه. “لذلك، سأحترم قرارك.”

عادت تلك الابتسامة المجمِّدة للعظام إلى شفتي آسدا. “تعلم… لستَ الوحيد…’

وتحت نظرة تاليس المترددة، أومأ الصوفيّ. “وبينما سأحتاج بعض الوقت لأدرس خللك—أعني طرْقَك للباب وفقدانك السيطرة المتعمّد—فلعلّ طريقك سيكون أسلس من طريقنا… أو أشدّ وعورة. لا أستطيع الجزم.”

خفض تاليس رأسه وحدّق شرودًا إلى يديه. خنجر «ج.ت» في يده اليمنى، والسيف الأحمر الصغير في يده اليسرى.

قمع تاليس مشاعره المضطربة، مظهرًا هيئة هادئة ودّية. ضمّ شفتيه وابتسم.

“تاليس ثيرينــجيرانا كيسل جيدستار، من سلالة العائلة الإمبراطورية جيدستار، والملك القادم للكوكبة.”

(المفاوضات… نجحت. آسدا سوف…)

عدّل تاليس أنفاسه، ابتسم، وأكمل، “على الأقل لن يعلّقني على أسوار المدينة بتهمة خطف فتاة صغيرة.”

“نعم، لن أُجبِرك على القدوم معي، ولا سأحثّك على أن تصبح صوفيًا.” ومع رؤيته لردّة فعله، ابتسم آسدا ابتسامة خفيفة. “غير أنّك، ما دمتَ تنوي فهم الطاقة الصوفية والسحر…”

(ما-ماذا حدث للتو؟)

كان تاليس سريع الاستجابة.

تطايرت مشاعر غامضة في عيني آسدا، قبل أن يجتاحها ضوء أزرق بلّوري. خفّض تاليس نصل التطهير وانتظر بصمت جواب الصوفي.

“يمكنني أن أقتطع بعض الوقت، وأجد طريقة…” رفع حاجبه. “فعلى الرغم من أنّني أمير، فلا بدّ أن تكون لي ‘اهتمامات سرّية’… أو هواية؟”

ثانيتان.

وشدّد على كلمة “سرّية”.

ضغط تاليس أسنانه وهمس: “حسنٌ.”

“حسنٌ جدًّا، سأتواصل معك… سرًّا.” وقد التقط آسدا المعنى الضمني، فابتسم ابتسامة غامضة، مشدّدًا هو أيضًا على كلمة “سرًّا”. “وبالطبع… سأتوارى لبعض الوقت…”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

جال آسدا بنظره حولهما بدهشة خفيفة.

دفع بعنف شيخًا مذعورًا كان يصرخ في وجه الآخرين، وتقدّم بخطوات واسعة.

“انظر إلى هذه الفوضى… عمّا قريب ستتجمّع تلك الأشياء الفضولية هنا. فظهور صوفيّ جديد ليس حدثًا هيّنًا.”

“في كتاب أسطورة حرس النصل الأبيض، هناك سرد آخر عن البطل رايكارو، وعن معركته مع كارثة الدم والهيدرا كيليكا…”

تنفّس تاليس في سره: (ومن تظنّ أنّه ساهم في هذه الفوضى؟)

تطايرت مشاعر غامضة في عيني آسدا، قبل أن يجتاحها ضوء أزرق بلّوري. خفّض تاليس نصل التطهير وانتظر بصمت جواب الصوفي.

زفر آسدا. “لكن، بعد أن تهدأ الضوضاء، سأتواصل عبر الطريقة القديمة نفسها. انتبه إلى الدعوة.”

وأمام نظرات الشقية المذهولة، تراجع تاليس مترنّحًا، وضغط بيده على الجانب الأيسر من صدره بلا وعي.

دحرج تاليس عينيه علنًا أمامه، فقهقه آسدا وقال ببطء، “إذن، سنلتقي مجددًا، يا تاليس جيدستار.”

استعاد الناس الذين كانت جيزا تسيطر عليهم وعيهم شيئًا فشيئًا. بعضهم استعادوا أيضًا سلطة التحكم بأجسادهم. تعانقوا والذعر لا يزال عالقًا في أعماقهم، وانفجروا بالبكاء.

وأطلق ابتسامة ماكرة ذات معنى. وبدت في عينيه نظرة غريبة. وهي النظرة ذاتها التي ارتسمت على وجهه حين التقيا أول مرة تحت غرفة الشطرنج.

تشبّثت به الشقية، تبكي وتبلّل كتفه.

“… يا تلميذي الممتع.”

قمع تاليس مشاعره المضطربة، مظهرًا هيئة هادئة ودّية. ضمّ شفتيه وابتسم.

استنشق تاليس نفسًا عميقًا ثم زفره ببطء. أومأ قليلًا. “شكرًا لك، يا سيد ساكيرن.”

“أبدى لي رحمة… حين كنت تحت سيطرة ذلك الوحش.”

بادله آسدا بانحناءة خفيفة. ثم بدأ جسده الرشيق يخبو إلى وهجٍ أزرق. وتلاشى الوهج شيئًا فشيئًا حتى انمحى تمامًا في الريحِ عديمة اللون. لعبت الريح بشعر تاليس، فغَمَض عينيه.

بعد ثوانٍ، أفلت تاليس الفتاة. ومدّ يده نحو خصره، وقبض على ذلك الشيء الذي بلا اسم.

“حسنٌ، لن أزعجكما الآن. لقد كانت تبحث عنك.” دوّى صوت آسدا العذب في الريح.

“ليبقَ الجميع حيث هم! الحكومة ستُرسِل المساعدة باسم الملك!”

وجمَد تاليس في مكانه. وانطفأ صوت الريح بعد ثوانٍ.

لم يستطع تاليس أن يعرف أين هو. لقد جرى بعيدًا جدًا هاربًا من جيزا.

ظلّ واقفًا لثوانٍ، قابضًا على نصل التطهير. ولما تأكّد من رحيل آسدا، أطلق زفرة. وتراخت أعصابه المشدودة.

(وهل… انتهى الأمر؟)

(يا إلهي…)

حدّق في السماء المظلمة وزفر براحة.

حدّق في السماء المظلمة وزفر براحة.

أزاح نيكولاس لوحًا خشبيًّا. “هو قوي إذن؟”

كانت ملامح جيزا قبل اختفائها، ونظرة آسدا قبل رحيله، ما تزال عالقة في ذهنه.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

(أيّها الصوفيّون… ما معنى وجودكم حقًا؟ كيف تبدو لكم هذه الدنيا؟)

ارتجف تاليس فجأة. رفع يده ولمس أنفه. ابتلّت كفّه بالدم.

خفض تاليس رأسه وحدّق شرودًا إلى يديه. خنجر «ج.ت» في يده اليمنى، والسيف الأحمر الصغير في يده اليسرى.

ثانية واحدة.

تنهد بحزن، ودسّ خنجر «ج.ت» في غمده عند خصره. وحين فعل ذلك، لامست أصابعه شيئًا… فتجمّد.

كانت الشقية الصغيرة، بشعرها المبعثر المتّسخ، تعانق نفسها وترتعش خلفه. وضيّقت عينيها محاولة أن ترى من أمامها بجلاء.

كان…

أرخى رأسه وعَضّ شفتيه. وارتفعت في صدره كآبة لا يستطيع وصفها.

استنشق تاليس نفسًا عميقًا ثم زفره ببطء. أومأ قليلًا. “شكرًا لك، يا سيد ساكيرن.”

وفي تلك اللحظة، جاءه صوت خافت مرتجف من خلفه: “تا-تاليس… أهذا أنت؟”

اكتسى وجه المحارب القديم صرامةً عميقة وهو يقطّب جبينه.

ارتاع الأمير الثاني، فاستدار فجأة. واتّسعت عيناه.

“يمكنني أن أقتطع بعض الوقت، وأجد طريقة…” رفع حاجبه. “فعلى الرغم من أنّني أمير، فلا بدّ أن تكون لي ‘اهتمامات سرّية’… أو هواية؟”

كانت الشقية الصغيرة، بشعرها المبعثر المتّسخ، تعانق نفسها وترتعش خلفه. وضيّقت عينيها محاولة أن ترى من أمامها بجلاء.

عدّل تاليس أنفاسه، ابتسم، وأكمل، “على الأقل لن يعلّقني على أسوار المدينة بتهمة خطف فتاة صغيرة.”

حدّق تاليس فيها مدهوشًا.

وبينما يمسك نصل التطهير، مسح تاليس دموعه بظهر يده. “على الأقل الملك نوڤين—”

(هي…)

ترنّح غليوارد، وهزّ رأسه. “لا أعلم. ربما.”

ولما بدا أنها بدأت تعتاد محيطها، شهقت الشقية الصغيرة، واحمرّت عيناها. مدّت ذراعيها، تتحسّس ما حولها وتتقدّم ببطء.

“لستُ مستعدًا.” واجه تاليس نظرة الصوفي الحادة. نطق كل كلمة بوضوح: “هذا هو جوابي… وقراري.”

محاطة بالأنقاض والجثث، كانت تتقدّم بحذرٍ، كطفلة تتعلم المشي، أو كعمياء ضائعة، تمضي وحدها في عالمٍ مظلم.

“كان هنا قبل دقائق.” مضغ غليوارد شيئًا في فمه الملطّخ بالدم، ثم بصق سنًّا مكسورًا، وتمتم: “اللعنة… ذاك الرجل صمد أمام هجماتي وهجمات تلك الوحوش.”

ذكّرته تلك الهيئة بيوم لقائهما في المكتبة، حين رفعت رأسها من فوق ذلك الكتاب السميك.

(“احذر من آسدا.”)

“هل أنت… تاليس؟”

كان تاليس سريع الاستجابة.

تعثّرت الشقية الصغيرة بحجرٍ غير مستوٍ، واهتزّت. حدّق تاليس فيها مذهولًا لبضع ثوانٍ قبل أن يردّ.

في رياح الرماد الأسود، نظر آسدا إلى السيف الأحمر الصغير بيده بحذر.

“إن-إنه أنا! أيتها الشقية الصغيرة!”

رفع الصوفي حاجبيه.

وحين سمعت جوابًا قاطعًا، شهقت الشقية الصغيرة وضمّت شفتيها. وانهمرت الدموع في عينيها.

ما إن سمعَت اسم الملك نوڤين حتى تصلّبت.

زفر تاليس وهو يَعَضّ شفته. وتقدّم بخطوات واسعة فوق الأرض الملطّخة بالحطام اندفع نحو الفتاة.

فجأة، ابتسم آسدا. ارتاع تاليس وحدّق إليه باستغراب.

توقّف قبلها بخطوة، يلهث، ومدّ يده اليسرى المغطاة بالدماء ليقبض على يدها الصغيرة.

غير أنّ معظمهم تبدّلت بُنى أجسادهم تبدّلًا دائمًا بفعل صوفيّة الدم. وما إن أدركوا ذلك حتى ولولوا وماتوا تحت السماء المغطاة بالرماد.

ما إن شعرت بثقلٍ على يدها حتى ارتجفت الشقية الصغيرة. بدا عليها الهلع. ولكن بعد ثانيةٍ واحدة، قرّرت أن تقبض على يد تاليس اليسرى.

“قوي؟ لا.” توقّف غليوارد. تلألأت عيناه بقلق وجديّة. “إنّه مُفزِع.”

وقفا وسط الخراب، يشدّ كلٌّ منهما على الآخر.

أخرجه، ووضعه في كفّ الفتاة. اتّسعت عيناها وهي تتحسّس ذلك الشيء.

حدّق تاليس بالفتاة بنظرة معقّدة، وقبض كفّه، كأن ثقلًا انزاح عنه.

الفصل 183: ثمن النصر

“أ-أأنت بخير؟” تمتم متلعثمًا.

ارتجف تاليس فجأة. رفع يده ولمس أنفه. ابتلّت كفّه بالدم.

كانت الشقية الصغيرة قد بدأت تستعيد تماسكها. أغمضت عينيها الخضراوين شديدتي قِصر النظر قليلًا وهزّت رأسها بارتجاف.

“وفوق ذلك، ملك بشري يملك السلطة وجيشًا سيكون أكثر فائدة من كارثة لا تُقهَر.”

“مجساتها… أطلقت سراحي.”

كانت ملامح جيزا قبل اختفائها، ونظرة آسدا قبل رحيله، ما تزال عالقة في ذهنه.

وقفت أمامه وهي تضمّ شفتيها. ونظر إليها تاليس—تلك الفتاة الرثّة—وأغمض عينيه وشهق بعمق.

استراح تاليس وهو ما يزال في شبه غيبوبة. تساقطت قطع من الرماد الأسود على وجنتيه وتفتّتت. استعاد إحساسه تدريجيًّا.

شهقت الشقية الصغيرة وارتعشت يداها الممسكتان بذراعه.

(حنين… ومرارة؟) لم يرَ هذا الوجه منه إلا حين تكلّم عن برج السحر.

“نحن… ذلك…”

تجمّدت ملامحه.

وقبل أن تكمل، ضحك تاليس فجأة. وبعد لحظة، تقدّم خطوة، دون أدنى تردّد، وجذبها إلى حضنه. ارتبكت الفتاة، ثم أسندت رأسها إلى كتفه. وانهمرت الدموع.

لهاثًا، مشى نيكولاس نحو ركامٍ ما، وأمسك ذراعًا سميكة تحت لافتة متجر منهارة، ثم جرّ رجلاً إلى الخارج.

ضغط تاليس أسنانه وهمس: “حسنٌ.”

“وفوق ذلك، ملك بشري يملك السلطة وجيشًا سيكون أكثر فائدة من كارثة لا تُقهَر.”

تأمّل الشارع المثلَّج الخالي في منطقة الدرع، والجثث الملقاة، والرماد المتناثر. وكان يحتضن الشخص الوحيد الحيّ.

تقدّم تاليس خطوة بلا تردّد.

وفي تلك اللحظة، غبشت رؤيته قليلًا.

ارتبك نيكولاس.

“سيكون كل شيء على ما يرام.” قالها بلطف. “نحن بأمان الآن.”

حدّقت مندهشة في تاليس؛ ذلك الفتى الملطّخ بالدم والتراب، المبعثر الشعر، ذو الكدمة الحمراء على جبينه.

تشبّثت به الشقية، تبكي وتبلّل كتفه.

ما إن شعرت بثقلٍ على يدها حتى ارتجفت الشقية الصغيرة. بدا عليها الهلع. ولكن بعد ثانيةٍ واحدة، قرّرت أن تقبض على يد تاليس اليسرى.

وبينما يمسك نصل التطهير، مسح تاليس دموعه بظهر يده. “على الأقل الملك نوڤين—”

“إن-إنه أنا! أيتها الشقية الصغيرة!”

ما إن سمعَت اسم الملك نوڤين حتى تصلّبت.

“أنا نيكولاس من حرس النصل الأبيض. لا تفزعوا!”

عدّل تاليس أنفاسه، ابتسم، وأكمل، “على الأقل لن يعلّقني على أسوار المدينة بتهمة خطف فتاة صغيرة.”

تنهد بحزن، ودسّ خنجر «ج.ت» في غمده عند خصره. وحين فعل ذلك، لامست أصابعه شيئًا… فتجمّد.

تسمرت الشقية الصغيرة، ثم ضحكت. فضحك تاليس معها.

اكتسى وجه المحارب القديم صرامةً عميقة وهو يقطّب جبينه.

“أوه، لحظة.”

(أيّها الصوفيّون… ما معنى وجودكم حقًا؟ كيف تبدو لكم هذه الدنيا؟)

بعد ثوانٍ، أفلت تاليس الفتاة. ومدّ يده نحو خصره، وقبض على ذلك الشيء الذي بلا اسم.

“أولًا، لم يحاولوا بما يكفي.” دوّى صوته في الهواء. “ثانيًا…

“هذا لك.”

تأمّل الشارع المثلَّج الخالي في منطقة الدرع، والجثث الملقاة، والرماد المتناثر. وكان يحتضن الشخص الوحيد الحيّ.

أخرجه، ووضعه في كفّ الفتاة. اتّسعت عيناها وهي تتحسّس ذلك الشيء.

لم يستطع تاليس أن يعرف أين هو. لقد جرى بعيدًا جدًا هاربًا من جيزا.

كان أغلى ممتلكاتها.

“لستُ مستعدًا.” واجه تاليس نظرة الصوفي الحادة. نطق كل كلمة بوضوح: “هذا هو جوابي… وقراري.”

شهقت الشقية الصغيرة، ورفعت ذلك الشيء إلى وجهها، وثبّتته خلف أذنيها.

“تاليس ثيرينــجيرانا كيسل جيدستار، من سلالة العائلة الإمبراطورية جيدستار، والملك القادم للكوكبة.”

وانفتحت عيناها الخضراوان خلف عدستي نظّارتها السوداوين السميكتين، المتشققتين المغبرّتين.

“انظر إلى هذه الفوضى… عمّا قريب ستتجمّع تلك الأشياء الفضولية هنا. فظهور صوفيّ جديد ليس حدثًا هيّنًا.”

حدّقت مندهشة في تاليس؛ ذلك الفتى الملطّخ بالدم والتراب، المبعثر الشعر، ذو الكدمة الحمراء على جبينه.

نظر نيكولاس إلى الرماد البعيد بوجه متجهّم. “أتعلم… كارثة الدم أمرها مريب.”

ومضت ثوانٍ. ثم أخذ الطفلان بوجهيهما القذرين يضحكان أحدهما على الآخر.

وشدّد على كلمة “سرّية”.

لكنّ تعابير الشقية تبدّلت فجأة.

وقفت أمامه وهي تضمّ شفتيها. ونظر إليها تاليس—تلك الفتاة الرثّة—وأغمض عينيه وشهق بعمق.

“أ-أأنت بخير؟!” صاحت بفزع.

رفع آسدا رأسه، ينظر إلى الرماد المتطاير بعاطفة غريبة.

رفع تاليس حاجبه. “هاه؟”

(وهل… انتهى الأمر؟)

وفي اللحظة التالية، اتسعت عينا الفتاة في هلع. فزمّ تاليس حاجبيه، ولاحظ أمرًا غريبًا.

لم يتغيّر وجه آسدا الوسيم. تبادلا النظرات صامتَين. وبعد لحظة، أغمض الصوفي عينيه وزفر.

خفض رأسه بوجه شاحب. قطرة دم على الأرض… ثم الثانية… ثم الثالثة…

غليوارد، صاحب الذراع السميكة، والسيّاف الثقيل السابق الأعرج، نفض التراب والرماد عن جسده، وقد بدا كأنّ الموت قد مرّ به. وبقوة نيكولاس، زحف خارج اللافتة المنهارة.

ارتجف تاليس فجأة. رفع يده ولمس أنفه. ابتلّت كفّه بالدم.

تنفّس تاليس في سره: (ومن تظنّ أنّه ساهم في هذه الفوضى؟)

تجمّدت ملامحه.

رجل شاحب مضرّج بالدماء شقّ طريقه بين الجموع، ممسكًا نصل غريبة.

(أنا… ما الذي يحدث لي؟)

“أوه…” خرج أنين مكتومٌ موجع من تاليس.

طَنْ!

مقارنةً بجيزا، كان الرجل أمامه… مجرد خصم أقوى قليلًا.

وقع نصل التطهير من يده، وارتطم بالأرض.

…..

وأمام نظرات الشقية المذهولة، تراجع تاليس مترنّحًا، وضغط بيده على الجانب الأيسر من صدره بلا وعي.

“هذا لك.”

ارتجفت يداه دون سيطرة. وحدّق في الشقية بعينين متّسعتين، كأنه يشاهد أفظع مشهد في حياته.

وحين سمعت جوابًا قاطعًا، شهقت الشقية الصغيرة وضمّت شفتيها. وانهمرت الدموع في عينيها.

وفي تلك اللحظة، خطرت للشقية ملامح أليكس قبل موتها. فوضعت يدها على فمها، مختنقة.

كان بعضهم لا يزال عنيدًا للغاية. واضطرّ نيكولاس إلى إرغامهم على الهدوء بإشهار شفـرته في وجوههم.

(لا… لا يمكن…)

“هل أنت… تاليس؟”

وسقط تاليس أمام صرختها.

(أيّها الصوفيّون… ما معنى وجودكم حقًا؟ كيف تبدو لكم هذه الدنيا؟)

صرخت الشقية الصغيرة في رعب، ووثبت إليه، ممسكة إياه لتضعه على الأرض.

ما إن شعرت بثقلٍ على يدها حتى ارتجفت الشقية الصغيرة. بدا عليها الهلع. ولكن بعد ثانيةٍ واحدة، قرّرت أن تقبض على يد تاليس اليسرى.

“أوه…” خرج أنين مكتومٌ موجع من تاليس.

توقّف قبلها بخطوة، يلهث، ومدّ يده اليسرى المغطاة بالدماء ليقبض على يدها الصغيرة.

كان ألمٌ مفجع يعتصره، كأنه يمزق روحه.

كانت ملامح جيزا قبل اختفائها، ونظرة آسدا قبل رحيله، ما تزال عالقة في ذهنه.

(لا… لا!)

ناداه تاليس بلقبه برفق: “حسنًا يا سيد ساكيرن، بشأن أمر الصوفيّين… لقد اتخذت قراري…”

ذلك الألم ذاته الذي تجرّعه حين أصابته البندقية الصوفية في محاولة اغتياله على يد قاتل نفسي؛ ذاك الألم الذي تعهّد بأن يمزّق كل جزء منه… ثمن استخدامه للطاقة الصوفية…

تلألأ ضوء أزرق غامض في عيني آسدا.

(لقد عاد… أهو… ثمن النصر؟)

لم يتغيّر وجه آسدا الوسيم. تبادلا النظرات صامتَين. وبعد لحظة، أغمض الصوفي عينيه وزفر.

وبينما كان غارقًا في الألم، وفي طريقه لفقدان الوعي، سمع تاليس طقطقة قاسية تخرج من داخله، كأن جسده ينهار ببطء.

لم يستطع تاليس أن يعرف أين هو. لقد جرى بعيدًا جدًا هاربًا من جيزا.

“آآآه!!” ارتعش تاليس وصرخ صرخة مروّعة.

ضيّق نيكولاس عينيه. سأل مباشرة: “أين هو الآن؟”

وفي تلك الأثناء، لم تستطع الشقية سوى أن تحتضنه، تصرخ وترتجف معه.

كانت الشقية الصغيرة، بشعرها المبعثر المتّسخ، تعانق نفسها وترتعش خلفه. وضيّقت عينيها محاولة أن ترى من أمامها بجلاء.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

رفع تاليس حاجبه. “هاه؟”

🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 5 يوم متبقي
13,500 شعلة الهدف: 66,666
20.3%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 12,000
🥈Fares saeed🔥 1,000
🥉Hamood Mahemed🔥 500

(ما-ماذا حدث للتو؟)

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط