▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 182: قبلة لطيفة
…
“لا.”
قبض تاليس على أسنانه. لم يكن ينبغي له أن يستسلم، فالأمر لم ينتهِ، وكانت لا تزال هناك فرصة.
قال السيف الأسود إن المحارب القويّ لا بدّ أن يأخذ كل جانب بعين الاعتبار، وأن يراهن بكل ما يملك من أوراق على نصره الأخير.
(ورقة رابحة… ماذا تبقّى لديّ؟)
عَضّ تاليس على أسنانه، مجبرًا نفسه على الهدوء خلال ثوانٍ معدودة.
أسلوب السيف العسكري الشمالي الذي لم يتدرّب عليه إلا لشهر واحد. قوّة خطيئة نهر الجحيم… لكنه كان مرهقًا جدًا لاستدعائها الآن.
نصل التطهير الذي فُقد في هذا البحر من اللحم البشري… تلك الطاقة الصوفية الغريبة التي حوّلته إلى شبح لا يُمسّ…
لقب الأمير، وموقعه الحالي كمتدرّبٍ على أن يصبح صوفيًا…
(لا، انتظر لحظة. هناك ورقة أخرى—الأخيرة.)
حدّق تاليس في أحد الوحوش التي كانت تندفع نحوه، وقبض على يديه بقوة. اتّسعت ابتسامة جيزا.
وفي اللحظة التالية، قَبض تاليس على أسنانه ومدّ يده اليمنى إلى ظهره. ثم سحبها كاشفًا عن سلاح—خنجر بسيط خَشِن. كان أحد جانبيه مغطّى بدم المِجسّة، ومنقوشًا عليه حرفان:
«ج.ت»
تراجعت جيزا قليلًا، متفاجئة من فعله.
لاهثًا، رفع تاليس الخنجر وأشار به نحو الوحش القادم.
قالت الصوفية باستخفاف: “خنجر؟ هذا ليس عتادًا أسطوريًا مضادًا للصوفيين. أأنت ذاهب لطعني به؟”
(خنجر…)
راقبته وهو يلتفّ بين الوحوش التي تحاصره.
(هذا المشهد… أليس مألوفًا؟)
كان تاليس منبطحًا، شفتاه ترتجفان بينما يصدّ وحشًا مستخدمًا أسلوب الجسد الحديدي.
*طن!*
قال تاليس: “لا.”
تفادى وخز أحد الوحوش، متدحرجًا بعيدًا عنه. اشتدّت آلام عضلاته.
ومع لهاثه، رفع ذقنه، متجاهلًا الوحوش الراكضة نحوه، وردّ نظرة الصوفية الدموية.
قال بلا تردّد: “لن أطعنك…”
تفاجأت جيزا وهي ترى الفتى يضع حدّ الخنجر في راحة يده اليسرى.
وأكمل تاليس بنبرة ثابتة: “سأطعن نفسي بدلًا من ذلك.”
قفز وحشان عليه، غارزين أشواكهما نحوه.
وفي الوقت نفسه، غرس الفتى الشاحب النصل الحاد بعنف في راحة يده. فاندفع دفء لاذع في كفه الأيسر. بقي ممدّدًا بلا حركة بينما تقافزت الوحوش فوق جسده وطرحته أرضًا.
بدأ إحساس بالغليان المألوف يتصاعد داخله، قبل أن يتحوّل إلى إحساس حارق. أخذت شذرات من ذكرياته تومض أمام عينيه.
اللحظة التي رفع فيها خنجرًا وانقضّ على كوايد…
اللحظة التي حملته فيها جالا على ظهرها راكضة في أحد الأزقة…
اللحظة التي كان فيها في زنزانة قصر الكرمة، يمدّ يده إلى قفل رالف…
اللحظة التي وقف فيها في قاعة النجوم، يصك أسنانه وهو يخاطب نبلاء المملكة…
وحين كانت يداه مقيّدتين، وهو يجاهد كي ينهض في مواجهة سيرينا…
وحين كان يقاتل بيأس في إقليم الرمال السوداء، متشبّثًا بآراكّا…
وحين وقف أمام الآرشيدوقات الخمسة لإكستيدت، يكافح لرفع السيف الثقيل…
وحين تحدّث فيما آسدا والسيف الأسود يرمقانه بنظرات حادّة…
(إنها مجرد لعبة أخرى.)
صوت مألوف، رقيق، همس في أذنيه. واشتدّ الاحتراق.
لقد كان عليه أن ينتصر. أن يضع نهايةً لهذا. أن يختار أفضل الاستراتيجيات. كان عليه أن—
ضيّقت جيزا عينيها وهي ترى الوحوش الصغيرة تتراكم فوقه وتدفنه بالكامل.
هسسس…
اكتفت بالنظر برضا. كانت تعرف أن مخلوقاتها الجميلة ستمزّقه بلا رحمة.
ولكن فجأة، ارتجف جسدها كله كما لو أنها أحسّت بشيء غريب.
(ما هذا…؟)
تسرّبت أشعة حمراء من كومة الوحوش—من حيث كان الفتى مدفونًا—ثم ثانية، وثالثة، ورابعة. أضاءت الأشعة جوف اللحم.
حدّقت جيزا في المشهد مذهولة…
… حتى ارتعشت الوحوش كلها دفعة واحدة.
تساقط رماد من كومة الوحوش، ثم تلاه المزيد.
انهارت معظم الوحوش السوداء بلا قوّة، ذابَت، اسوّدَت، وتحوّلت إلى رماد. اختفت غالبها تمامًا، أما الباقي—نصف ميت—فتراجع واختبأ.
حدّقت الصوفية بذهول في الفتى الذي نهض من بين اللحم والرماد.
“كيف…؟”
كان تاليس راكعًا، يلهث، يده اليمنى على ركبته، وأسنانُه تكاد تتحطّم من شدّة قبضه.
ظهر نصل التطهير الصغير الأحمر الغريب مجدّدًا في يده اليسرى المرتجفة.
وكانت الشفرة الحمراء تبثّ وهجًا ساطعًا.
قالت جيزا، بعينين مضطربتين تحدّقان في يده: “هذه قوّتك مجددًا؟ لا… إنك تسلك طريقًا مظلمًا…”
(طريق مظلم؟)
تابعت بنبرة مترعة بالغضب:
“الطاقة الصوفية ليست هبة… إنها لعنة، مصيبة…”
كان تاليس على يديه وركبتيه، يستمع إليها، قابضًا على نصل التطهير. ثم بزق على الأرض.
صرخ الأمير: “كفى!”
اندهشت جيزا وتوقفت.
قال تاليس وهو يترنّح واقفًا: “أيتها المجنونة العنيدة. اسمعيني!”
تقدّم خطوة، وضرب مجس يحاول إيقافه فحوّله إلى رماد.
كان يشعر بالسوء. خطواته خفيفة بشكل غير طبيعي. ومع ذلك، قبض على أسنانه وتقدّم.
“آسدا يريد إجباري على أن أصبح صوفيًا، وأنتِ تريدين منعي من أن أصبح واحدًا؟”
“اذهبا إلى الجحيم.”
لاهثًا قال: “اذهبوا جميعًا إلى الجحيم!”
راقبته جيزا بصمت.
قال وهو يشقّ طريقه:
“لقد كنت أفعل أمرًا واحدًا فقط منذ اليوم الذي جئت فيه إلى هذا العالم.”
وأطلق أنفاسًا ثقيلة، ولوّح بسيفه، وطعن وحشًا حاول مهاجمة قدمه اليسرى، فانهار الوحش إلى غبار.
“أكافح كي أعيش. هذا كل شيء.”
أخذ خطوة أخرى بجهد.
“سواء كنت متسوّلًا صغيرًا… أو أميرًا…”
ضيّقت جيزا عينيها بنظرة معقدة.
قال بصوت مبحوح وهو يتنشق الهواء المتعفّن.
“أكره هذا العالم. أريد أن أختار بنفسي نوع الحياة التي أعيشها.”
“أرفض أن يدفعني أحد، أو يجبرني أحد، أو يقودني أحد.”
“أكافح لأجل هذا وحده.”
تقدّم تاليس حتى وقف أمام جيزا مباشرة، عيناه ثابتتان لا تلين.
“هذا أنا… تاليس جيدستار.”
حدّقت به الصوفية صامتة.
وفي اللحظة التالية، شعر بتغيير غريب، حادّ، مفاجئ.
*بوووم!*
اندفعت قوّة عاتية داخله.
شعر تاليس بقطعٍ حادّ في يده التي تحمل نصل التطهير، كأن أحدًا يشقّ كفّه.
نظر إلى النصل. ازداد وهجه الأحمر سطوعًا.
(ما الذي يحدث؟)
وفي الثانية التالية، اشتدّ الألم حتى صار تشنّجًا قاسيًا وبدأ ينتشر.
صرخ تاليس: “آآآااه!!”
لم يستطع الاحتمال. انعقد وجهه ألمًا وعلا صراخه.
(هل… هل نصل التطهير يرفضني؟)
تدفّق الألم من ذراعه إلى صدره، فأسقطه على ركبتيه.
(اللعنة… اللعنة!)
اشتدّ الألم، كأن السلاح يهدّده بالفتك به.
تذكّر فجأة أن المعدات الأسطورية المضادة للصوفيين… كانت عدوّ الصوفيين أصلًا!
يرتجف من شدّة الألم، حاول تاليس رمي النصل بعيدًا، لكن عبثًا—كأن السلاح التصق بجلده.
وبينما يلعن قراراته الحياتية كلها، تذكّر كلمات سيرينا. وتذكّر أيضًا أنه كلما فُعِّل القوس الساكن فوق ظهر أراكّا، كان يشعر بوخزٍ مشابه…”
لكن ذلك الوخز لا يُقارن مطلقًا بهذا الألم المحرق الطاغي.
ضحكت جيزا.
“إنّك ساذجٌ قليلًا، في النهاية.” اتّسعت عينا تاليس من الذهول وهو يحدّق في الصوفية الدموية. تمتمت بنبرة خافتة: “لهزيمتي، كنتَ تحتاج إلى العتاد المضاد للصوفيين، أليس كذلك؟ لقد نجحتَ بمساعدة طاقتك الصوفية غير الناضجة.”
تنهدت جيزا. “لكن هل نسيتَ أيضًا… أنك في منتصف الطريق نحو أن تصبح صوفيًا؟”
“آاااه!!” صرخ تاليس. عاد الذعر يجتاحه من جديد.
(جيزا… هل توقّعت هذا؟)
تذكّر ما قالته جيزا سابقًا: “ذلك ليس سلاحًا أسطوريًا مضادًا للصوفيين، أأنت تنوي طعني به؟”
فكّر تاليس بأسف. (إذًا، في ذلك الوقت… كانت تلمّح إلى أنها مستعدّة تمامًا لمواجهتي، وأنها قيدت خياري بنصل التطهير وحده؟)
“ههه.” ضحكت الصوفية الدموية وهي تهزّ رأسها. “أترى؟ هذه إحدى مساوئ كونك صوفيًا. تسقط ضحية لشيء خامٍ وبسيط المظهر كهذا.”
“حتى وإن لم تصبح صوفيًا كاملًا بعد، فقد استخدمت طاقتك. وهذا وحده يكفي كي يميّز السلاح المضاد للصوفيين وجودك.”
“ولو أنك أصبحت صوفيًا حقًا”—حدّقت جيزا بالصبي الذي يصرخ، وقد حلّ الحزن محل ابتسامتها—”فبمجرّد لمسه، ستفقد وعيك وقوّتك كلّها، لتُختم إلى الأبد.”
لم يكن لدى تاليس مزاج للاستماع. كان يشعر بأن قوّة السيف تتدفّق منه وتكاد تبتلعه.
تنهدت جيزا مرّة أخرى.
“لا تقلق. سأضع حدًا لهذا الألم إلى الأبد. إن كان قدرك أن تصبح صوفيًا، فدعني أخلّصك منه.” قالتها ببرود. “كما وعدتُك.”
(تخلصني؟ تخلصني، هراء!)
قاوم تاليس الرفض العنيف الذي يضخه نصل التطهير. أغمض عينيه بقوة. كان يريد أن يفلت منه، لكنه لم يعد يشعر بيده أصلًا، وقد التوى وجهه من شدّة الألم.
استنشقت جيزا نفسًا طويلًا. دفعة أخرى من المجسّات انبثقت من الجدار اللحمي بجوار تاليس، واستقبلت الصبي المشلول الذي كان يعاني من رفض السلاح المضاد للصوفيين بابتسامة لينة.
تحوّلت الأرض اللحمية تحت قدمي تاليس إلى فخ يغلق عليه. برزت المجسّات أشواكها، استعدادًا لهجمة جديدة.
(لا.) ارتجف جسد تاليس كله. (لا!!)
فجأة، شعر بحرارة مألوفة تصعد من يده.
بدأ الضوء الأحمر المتجمّع على طرف السيف يتكاثف ويأخذ هيئة شبه مادية، ثم تسلّل إلى يد تاليس اليسرى.
ارتجف الصبي.
في تلك اللحظة، أحسّ كأن يدًا تمسّه. ذلك اللمس خفّف الألم بطريقة غامضة.
تسلّل الضوء الأحمر عبر عروق ظهر يده، وكأن الدم نفسه صار مضيئًا. كان مشهدًا مقلقًا.
لسبب غير مفهوم، تمكن وهج السيف الدافئ من تهدئة آلام الرفض التي يثيرها السلاح المضاد للصوفيين.
شهق تاليس. خفّ الألم المبرّح إلى وجع يمكن احتماله قليلًا.
(كيف يحدث هذا؟ إنه… يخفّف ردّة فعل السلاح ضدي؟)
مرتجفًا، ازدادت شكوكه نحو السيف، لكن على الأقل، تمّ إنقاذه.
نهض ببطء، ورفع رأسه ناظرًا إلى جيزا بنظرة غريبة.
ارتعشت ملامح جيزا. لقد لاحظت تغيّرًا ما. “أنت…”
نظر تاليس إليها، ثم إلى الفخ تحت قدميه والمجسّات المحيطة به، وهو يشعر بحرارة يده المتزايدة.
“ربما سأصبح صوفيًا ذات يوم.” قال تاليس ببطء وهو يتحمّل الألم. “لكن ليس بسبب قدر محتوم… أو لغياب الخيارات.”
اتّسعت عينا جيزا وهي على “الجدار”.
“سيكون ذلك خياري أنا.” قالها تاليس وهو يعضّ على شفته. خفّض رأسه وتابع: “سأرى بنفسي ما هم عليه الصوفيون، وسأفهم ما هي الطاقة الصوفية. أي قوّة يمكن الحصول عليها، وأي خطر يجب أن أتحمّله…”
ثم رفع رأسه، وعيناه تتلألآن بالعزم. “بعدها، سأقرّر إن كنت أريد أن أكون صوفيًا… وماذا ستكون ماهيتي لو أصبحت واحدًا.”
“لا يهمّ إلى أين ينتهي الطريق، ولا ما الذي سأراه في نهايته. المهم أنّه طريقي أنا.
“وهذا ما ظللت أكافح لأجله منذ اليوم الذي دخلت فيه هذا العالم.”
زفر تاليس بعمق. رفع السيف وضرب به الفخّاخ والمجسّات التي تحيط به.
وسط الرماد، وقف الفتى على قدميه المرتجفتين.
ارتجفت عينا جيزا. “لا تفكر حتى!”
ابتسمت الفتاة ابتسامة باردة. اهتزّت الأرض تحت تاليس. عادت الارتجاجات العاتية التي أطاحته سابقًا وانتزعت منه السيف. فقد توازنه وكاد يسقط.
لكنّه كان قد جرّب هذا من قبل، فاستجاب بسرعة. ركع، وانحنى بجذعه، وغرس نصل التطهير في الأرض اللحمية كي يبقى واقفًا.
أخذت الأرض تذوب وتتفحّم وتتلاشى إلى رماد.
ارتجفت الأرض المصنوعة من اللحم، كأنها تتأوّه من الألم.
أطلقت جيزا زفرة غضب منخفضة.
(حظي جيّد.) فكّر تاليس. حاول أن ينهض. كان عليه الآن أن—
“كفى.” قالت جيزا ببرود وهي بعيدة عنه. “أنت عاجز حتى عن الوقوف، فكيف ستقترب مني وتختمَني بذلك السلاح؟”
قطّب تاليس.
“لكن لنرَ…”
انتفخت الأرض اللحمية من حوله. برزت ظلال لوحوش عدة منها.
ضيّقت الصوفية الدموية عينيها وهي تحدّق بنصل التطهير المغروس في الأرض. “بماذا ستستخدم السيف؟ لتحافظ على توازنك؟ أم لتقضي على الأعداء؟”
فجأة، شعر تاليس بشيء غريب.
خرجت الوحوش من بحر اللحم والدم، لكنّ تاليس لم يلتفت إليها. لم يفكّر فيها أصلًا.
دخل من جديد ذلك “المجال”.
ذلك الإحساس الخفيف المشرِق… لكنّه لم يكن مريحًا أو ساحرًا كما كان من قبل.
نظر تاليس إلى جيزا من بعيد—مسافة بضع خطًى لا أكثر.
كانت الأرض تهتز، وكان من الصعب عليه حتى الوقوف، فضلًا عن الاقتراب منها. ومع ذلك، كان يؤمن بأن السيف يمكن أن يصل إليها.
(استطيع فعل ذلك.)
بمجرّد أن فكّر بذلك، اشتدّ الوخز في يده. ابتسم تاليس قليلًا. بدأ يفهم.
كان يعلم أنه يستطيع استدعاء مزيد من الطاقة الصوفية رغم جهله بطبيعتها. وبما أن السيف يرفضه، فهذا يعني أنه يسير في الاتجاه الصحيح.
اتسعت ابتسامته.
راقبت جيزا تقدم جيوشها الصغيرة.
لهث تاليس في غيبوبة شبه واعية، قبض على نصل التطهير المغروس في الأرض، وسحبه.
بينما انقضّت الوحوش عليه، انحنى، ورفع السيف، وصوّبه نحو جيزا على بُعد خطوات، ودفعه بخفّة.
*فششش!!*
دوّى صوت اندفاع الدم في أذنيه. في اللحظة ذاتها، تضاعف الألم الحادّ، واشتدّ الرفض في يده.
لم يهتم تاليس. لقد نجح.
نظرت جيزا إلى أسفل، مذهولة.
“متى—” تمتمت بدهشة.
في اللحظة التالية، كان تاليس قد تقدّم تقريبًا عشر خطوات.
ركع أمام الصوفية. وغاص النصل الأحمر في بطن جيزا العارية.
ارتجفت جيزا وهي تحدّق في جرحها، ثم في تاليس.
ثم حلّ على ملامحها الارتياح، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة.
“إذن، يبدو أنّ هذا هو الختام.” قالتها ببرود متزن. تجاهلت السلاح المغروز في بطنها.
سحب تاليس نصل التطهير. سال الدم على النصل، ثم تبخّر.
ذبلت منطقة الجرح وما حولها، وتفحّمت.
في تلك اللحظة تحديدًا، سُحب تاليس من حالته الذهنية الغريبة.
شهق نفسًا طويلًا، كأنه أول نفس يأخذه بعد غرق طويل. عادت إليه كلّ مشاعره دفعة واحدة.
نظر إلى السيف في يده، ثم إلى الصوفية التي علت وجهها سكينة غريبة.
“لقد عانيت كثيرًا، يا صغيري.” رفعت جيزا يدها، ولمست خدّه بلطف. “اعتنِ بنفسك جيّدًا.”
لسبب ما، شعر تاليس وكأنها تحمل مشاعر معقدة متضاربة.
“آسفة لأني لم أقدر على المساعدة.” تمتمت بخفوت.
(ماذا؟) بدأ نفس تاليس ينتظم.
“أنا آسفة.” ترقرقت الدموع في عينيها. “أنت وحدك الآن.”
في تلك اللحظة، تلاشى عداؤه نحوها قليلًا.
خفضت رأسها. بدأت العروق الأرجوانية الحمراء على جسدها تتلاشى. ثم اقتربت، وبشفاه رقيقة، طبعت قبلة لطيفة على جبين تاليس.
ارتجف الفتى. وما إن رأته يضطرب، حتى ابتسمت جيزا وتمتمت: “احذر من آسدا.”
كانت تلك آخر كلمات جيزا ستريلْمان، صوفية الدم.
ثم ظهرت الشقوق على وجهها المبتسم.
تفكّك وجهها، ثم ابتسامتها، كما يتفكّك تمثالٌ هشّ. امتدّ التحطم إلى العنق والصدر والجذع، حتى تفكّك جسدها كلّه في ثوانٍ… وانقلب إلى رماد.
ظهرت سماء مدينة سحب التنين من جديد أمام عيني تاليس. وارتفع الرماد مثل فراشات سوداء تملأ السماء.
جميع مخلوقات صوفية الدم في الأفق—الأكوام اللحمية، الوحوش، المجسّات، الأطراف المقطوعة—ذبلت، وتلاشت، وتحوّلت إلى رماد، تاركة تاليس وحده وسط الخرائب.
وقف الفتى مدهوشًا، والسيف في يده. يحدّق في الرماد المتطاير مع الريح.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
