الفهم
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
توقّفت ميراندا آروند، المتّسخة والرثة، عن الضحك، واستعادت برودها المعتاد.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
شحَب وجه الحارس قليلًا.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“أم…” تجعّد جبين كوهين، محاولًا تقدير عمر تاليس. متحيّرًا، قدّر عمر الفتاة ثم قال، “قرينةُ الأمير؟”
Arisu-san
تجمّد الحارس الطويل لوهلة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أصغى تاليس إلى صرير الباب الحديدي السميك وهو يُقفل، ثم واسى الشقية المرتاعة الحائرة قليلًا، قبل أن يلتفت، ناظرًا عبر القضبان إلى ما حوله.
الفصل 204: الفهم
“وايا، ما الذي جاء بك إلى هنا؟” سأله تاليس بنبرة جادة، محدّقًا بحذر في الشابّ في الزنزانة المقابلة. “أين بيوتراي ورالف والآخرون من مجموعة الدبلوماسيين؟”
***
“كان سيف الكارثة—أو أيًّا كان ما استخدموه—كذبًا وتمويهًا، كي يُستدرَج كلاكما إلى هنا باسم برج الإبادة.” تمتم تاليس، بينما كان كوهين يدرك بأن أحدًا لم يجبه، “لأكون دقيقًا، كان الهدف هو استدراجكِ أنتِ، آنسة آروند، وريثة دوق الحراسة في الإقليم الشمالي.”
تحت الإضاءة الخافتة لمصباح أبدي، دفع الجنودُ تاليس والشقية بقسوةٍ، ويدا كلٍّ منهما موثوقتان خلف ظهره، إلى زنزانة السجن الملاصقة لزنزانة كوهين.
“اخرس، كوهين.” قطعتْه امرأة شابّة من الزنزانة المقابلة ببرود.
أصغى تاليس إلى صرير الباب الحديدي السميك وهو يُقفل، ثم واسى الشقية المرتاعة الحائرة قليلًا، قبل أن يلتفت، ناظرًا عبر القضبان إلى ما حوله.
تنفّس تاليس بعمق.
(لِمَ أشعر بأن لي صلةً خاصة بالسجون؟)
رفعت السيّافة المقابلة لكوهين حاجبيها وانفجرت في ضحكة.
لم يكن في الداخل سوى ثلاثة أسرى مقيدين—وايا، ورجل وامرأة في الظلام—وجميعهم يحدّقون في تاليس بذهول.
“تشابمان لامبارد.” وبملامح يائسة، زفر تاليس وقال ببطء، “يبدو أن اتفاقه مع ڤال آروند ما يزال ساريًا.”
غير أنّ ستة حرّاس كانوا حاضرين، لا يحيدون بأبصارهم عن الأسرى، بملامح شرسة وحذر شديد.
“لكنكم أنتم تعلمون.” حدّق تاليس في عينيه مباشرة، لا يلين. “كلكم حملتم السلاح ودخلتم مدينة سحب التنين، وكلكم رأيتم جثة ملككم. أيمكنكم أن تعيشوا بسلام مع أنفسكم دون أن يطاردكم شيء؟”
قبض تاليس يديه برفق وقد هبط قلبه—لقد سُلب خنجره.
دوى الصوت الحاد لاحتكاك المعدن بعضه ببعض. كان الحارس قد سحب جزءًا من سيفه.
أعطى الشقية الزاوية الوحيدة الجافة نسبيًا في الزنزانة، ثم جلس هو مسندًا ظهره إلى الجدار فوق الأرض القذرة الرطبة.
وبالمقارنة مع زنزانة قبو قصر الكرمة، بدا هذا السجن بسيطًا خشنًا. لم يكن فيه سوى مصباحَين ابديين يحترقان بقدر قليل من الزيت الأبدي.
“وايا، ما الذي جاء بك إلى هنا؟” سأله تاليس بنبرة جادة، محدّقًا بحذر في الشابّ في الزنزانة المقابلة. “أين بيوتراي ورالف والآخرون من مجموعة الدبلوماسيين؟”
وبينما أدرك تاليس الصوت الأنثوي المألوف قليلًا، التفت نحوها.
(هل جميعهم…)
“أعظم ورقة مساومة لدى لامبارد.”
خبا وجه وايا.
“بما في ذلك اتباع لامبارد والسير هنا كلّ الطريق من إقليم الرمال السوداء لاغتيال ملككم، قاطعين على أنفسكم كلّ سبل التراجع، غير مبالين بما ستضحون به، ولا بما ستدفعونه من ثمن؟”
“لقد أُرسلتُ للبحث عنك مع الأبكم، وآيدا، وقليل من الجنود الآخرين.” كان وجه مرافق الأمير مغطّى بالخدوش والكدمات، وثيابه ممزّقة. “السير بيوتراي على الأرجح ما يزال بانتظار أخبارٍ منّا في قصر الروح البطولية.”
“نحن كبشُ فداءٍ مثالي،” قالت ميراندا بصوت منخفض وهي تغمض عينيها ببطء. “هذا أكثر إقناعًا من اتهام أمير يافع قليل النفوذ بالتآمر لاغتيال الملك.”
عقد تاليس حاجبيه وشرع يفكر.
“وأما أنتِ، آنسة آروند من حصن التنين…” التفت تاليس نحو المرأة ذات الدرع الخفيف والشَّعر الأسود في الزاوية المقابلة قُطريًا. لم يستطع منع تنهيدة خرجت منه. “لا أظن أنكِ جئتِ في رحلة تنزّه؟”
“يُمنَع الكلام.” اقترب منهم حارس طويل ضخم، واضعًا يده على سيفه. كان يبدو قائدهم، ونبرته منفرة. “أتريدون أن أعلّمكم كيف تُغلقون أفواهكم؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
حدّق وايا فيه بغضبٍ وحقد، يطحن أسنانه.
“لكنكم أنتم تعلمون.” حدّق تاليس في عينيه مباشرة، لا يلين. “كلكم حملتم السلاح ودخلتم مدينة سحب التنين، وكلكم رأيتم جثة ملككم. أيمكنكم أن تعيشوا بسلام مع أنفسكم دون أن يطاردكم شيء؟”
لكن تاليس تجاهله. رفع الأمير الثاني رأسه وتابع يسأل: “إذًا، كيف أُلقي القبض عليكم—”
كان مطمئنًا للغاية.
كان وايا يستعد للإجابة حين قطعته فجأة—
عقدت ميراندا حاجبيها، واتّسعت عينا وايا.
شنغ!
تحت الإضاءة الخافتة لمصباح أبدي، دفع الجنودُ تاليس والشقية بقسوةٍ، ويدا كلٍّ منهما موثوقتان خلف ظهره، إلى زنزانة السجن الملاصقة لزنزانة كوهين.
دوى الصوت الحاد لاحتكاك المعدن بعضه ببعض. كان الحارس قد سحب جزءًا من سيفه.
“هذا… غير ممكن.” ارتسم الذهول على وجه كوهين، وتمتم كأنه في غيبوبة، “إنهم…”
أمسك مقبض السيف المعلّق على خصره، وقطع كلام تاليس ببرود، “أيها الوغد الصغير، حذّرتك… من الكلام!”
قبض تاليس يديه برفق وقد هبط قلبه—لقد سُلب خنجره.
شحب وجه الشقية من الخوف، وانكمشت خلف تاليس، دافعةً ظهره بكتفها لتمنعه من الكلام.
“ما هذا المكان؟” أسند تاليس جسده إلى القضبان الخشبية الغليظة وهو يتفحص محيطه.
زفر تاليس.
عمّ الصمت.
نهض ببطء، وحدّق في عينَي الحارس.
تجهم الحارس بزيّ الدورية.
“أأنت من أبناء إكستيدت؟”
صُدم كوهين وميراندا.
تجمّد الحارس الطويل لوهلة.
أصغى تاليس إلى صرير الباب الحديدي السميك وهو يُقفل، ثم واسى الشقية المرتاعة الحائرة قليلًا، قبل أن يلتفت، ناظرًا عبر القضبان إلى ما حوله.
“ماذا؟”
“أما أن تتسلل نبيلة من إقليم الكوكبة الشمالي إلى مدينة سحب التنين سرًا… فهذا طبيعي في الظروف العادية.” فكّر وايا وتابع، “لكن أن يُلقى القبض على كوكبيين تصرفوا بشكل مريب، بمن فيهم وريثة الدوق في الإقليم الشمالي، في وقتٍ قُتل فيه الملك…”
بوجهٍ هادئ، رمق تاليس الحارس الذي يبدو قائدًا لهم، كأنه ينظر عبر عينيه إلى أعماق ذهنه.
“لستُ أطلب منكم شيئًا.” هزّ تاليس رأسه قليلًا، وزفر. “ربما لا خيار لكم، وما أنتم إلا منفّذو أوامر… لكنكم أبناء الشمال على كل حال.
“أسألك،” نطق الأمير الثاني بلهجة مسطّحة، “أأنت إكستيدتيّ، أيها الجندي؟”
فتحت ميراندا عينيها. لقد فهمت.
تجهم الحارس بزيّ الدورية.
بوجهٍ هادئ، رمق تاليس الحارس الذي يبدو قائدًا لهم، كأنه ينظر عبر عينيه إلى أعماق ذهنه.
“كلكم أُرسلتم لحراستي.” حرّك تاليس رأسه ببطء، ماسحًا الجنود بنظره. “أيعني هذا أنكم جميعًا تعلمون ما يجري؟
(إنها…)
“بما في ذلك اتباع لامبارد والسير هنا كلّ الطريق من إقليم الرمال السوداء لاغتيال ملككم، قاطعين على أنفسكم كلّ سبل التراجع، غير مبالين بما ستضحون به، ولا بما ستدفعونه من ثمن؟”
“سمعتُ بعض الشذرات،” جاء صوت ميراندا البارد. “كانت هناك محاولة لاغتيال ملك إكستيدت؟”
ما إن سمعوا ذلك، حتى التفت الحراس الخمسة الآخرون نحوه بلا إرادة، تتباين تعابيرهم.
عقد تاليس حاجبيه قليلًا. “نحن؟ أتقصد أنّ—”
شحَب وجه الحارس قليلًا.
كان وايا يستعد للإجابة حين قطعته فجأة—
“اغتيال الملك؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
فتح الشاب الأشقر في الزنزانة المجاورة فمه بدهشة. “إذًا، ما قالته كروش صحيح—”
(هل جميعهم…)
“اخرس، كوهين.” قطعتْه امرأة شابّة من الزنزانة المقابلة ببرود.
عقد تاليس حاجبيه وشرع يفكر.
وبينما أدرك تاليس الصوت الأنثوي المألوف قليلًا، التفت نحوها.
“كلماتك كلها ستسقط على آذان صمّاء على أي حال،” قال ببرود، وأدار ظهره، مغمضًا عينيه، متجاهلًا تاليس شأنه شأن باقي الحراس.
(إنها…)
لكنّه لمح طرف عينِه الشقية شاردةً، منكمشةً في الزاوية، تنظر إلى الأرض الخالية بعينين غائبتين.
ساد جوٌّ ثقيل في السجن.
“لقد أُرسلتُ للبحث عنك مع الأبكم، وآيدا، وقليل من الجنود الآخرين.” كان وجه مرافق الأمير مغطّى بالخدوش والكدمات، وثيابه ممزّقة. “السير بيوتراي على الأرجح ما يزال بانتظار أخبارٍ منّا في قصر الروح البطولية.”
“أنت…” اسودّ وجه الحارس القائد، ونظرته مضطربة وهو يعقد حاجبيه. “لا تعلم شيئًا، أيها الوغد الصغير.”
(لِمَ أشعر بأن لي صلةً خاصة بالسجون؟)
“لكنكم أنتم تعلمون.” حدّق تاليس في عينيه مباشرة، لا يلين. “كلكم حملتم السلاح ودخلتم مدينة سحب التنين، وكلكم رأيتم جثة ملككم. أيمكنكم أن تعيشوا بسلام مع أنفسكم دون أن يطاردكم شيء؟”
“رجلٌ همجي.” تململ كوهين بغضب محاولًا النهوض، فارتسمت تعابير الألم على وجهه مجددًا. “لم يُصلح حتى ذراعي اليمنى كما يحب. كنت أعلم أنه شخص فاسد…”
بدا التردد على اثنين من الحراس، فأعرضا بوجهيهما عنه واحدًا بعد الآخر.
“وايا، ما الذي جاء بك إلى هنا؟” سأله تاليس بنبرة جادة، محدّقًا بحذر في الشابّ في الزنزانة المقابلة. “أين بيوتراي ورالف والآخرون من مجموعة الدبلوماسيين؟”
“كفى، أيها الأمير المتغطرس.” رأى الحارس القائد ما فعله رجاله، فتبدّلت تعابيره، وكأنه يصارع نفسه. “إن كنت تظن أنّ بهذا سنـ—”
وأخيرًا، في تلك الزنزانة الكئيبة، قال الأمير الثاني بصوت منخفض، “ليس الأمر كذلك فقط.” تنفّس بعمق، واتّضحت الصورة في ذهنه أكثر فأكثر. “وايا محق. أنتِ وريثة الإقليم الشمالي.
“لستُ أطلب منكم شيئًا.” هزّ تاليس رأسه قليلًا، وزفر. “ربما لا خيار لكم، وما أنتم إلا منفّذو أوامر… لكنكم أبناء الشمال على كل حال.
“كلاكما…” أخذ نفسًا عميقًا، وغاص مجددًا في التفكير. “هل تدركان حجم الورطة التي وقعتم فيها؟”
“وهذا… ليس الشمال الذي أعرفه.”
“تشابمان لامبارد.” وبملامح يائسة، زفر تاليس وقال ببطء، “يبدو أن اتفاقه مع ڤال آروند ما يزال ساريًا.”
لم يتغيّر وجه الحارس، لكن بريقًا مركّبًا لمع في عينيه.
عقد تاليس حاجبيه قليلًا. “نحن؟ أتقصد أنّ—”
رفع تاليس رأسه ثانية، وحدّق في الحارس القائد بحدّة.
“بما في ذلك اتباع لامبارد والسير هنا كلّ الطريق من إقليم الرمال السوداء لاغتيال ملككم، قاطعين على أنفسكم كلّ سبل التراجع، غير مبالين بما ستضحون به، ولا بما ستدفعونه من ثمن؟”
ضمّ الحارس شفتيه، موجّهًا بصره نحو تاليس، معقود الحاجبين قليلًا.
أهذا هو الانطباع الأول الذي خلّفه عند وريث المملكة؟
“تعلم التهمة التي أُحتجز لأجلها.”
“اخرس، كوهين.” قطعتْه امرأة شابّة من الزنزانة المقابلة ببرود.
“فقبل أن أُقاد إلى الموت بوصفـي الجاني…” زفر تاليس، واعتَم وجهه.
“هذا… غير ممكن.” ارتسم الذهول على وجه كوهين، وتمتم كأنه في غيبوبة، “إنهم…”
“دعني أتحدث إليهم قليلًا.”
“أنا كبش الفداء لموت الملك، أما أنتِ، آنسة آروند” زفر تاليس وقال ببطء، “وريثة الإقليم الشمالي الشرعية بعد سجن ڤال آروند، فلستِ كبش فداءٍ فحسب… بل ربما لستِ كبش فداءٍ أبدًا.”
جمُدت عينا الحارس القائد. وضع يده على سيفه الذي كان نصفه خارجًا من غمده.
ما إن سمعوا ذلك، حتى التفت الحراس الخمسة الآخرون نحوه بلا إرادة، تتباين تعابيرهم.
وبعد بضع ثوانٍ، كأنه أفاق، التفت يرمق مرؤوسيه.
“وهذا… ليس الشمال الذي أعرفه.”
لكنهم جميعًا كانوا قد صرفوا أنظارهم، بملامح متباينة.
“ربما لا تعرفني، لكنني شرطي وقائد دورية في العاصمة… أعني مدينة النجم الأبدي…”
شنغ!
ضمّ الحارس شفتيه، موجّهًا بصره نحو تاليس، معقود الحاجبين قليلًا.
نفخ الحارس القائد أخيرًا بأنفاس قصيرة، وأعاد سيفه إلى غمده.
زفر تاليس.
“كلماتك كلها ستسقط على آذان صمّاء على أي حال،” قال ببرود، وأدار ظهره، مغمضًا عينيه، متجاهلًا تاليس شأنه شأن باقي الحراس.
حدّق تاليس في الأرض شاردًا. وبدأت بعض الأحداث التي يتذكرها تتخذ معنًى.
تنفّس تاليس بعمق.
“إحم…” عقد تاليس حاجبيه. “شكرًا لاهتمامك، يا صاحب السعادة.”
بوجه مُتعَب، قال الأمير الثاني بإخلاص، “شكرًا لك، يا ابن الشمال.”
جمُدت عينا الحارس القائد. وضع يده على سيفه الذي كان نصفه خارجًا من غمده.
كان جسده كله يؤلمه، وكاد يجلس مرة أخرى إلى الجدار،
جمُدت عينا الحارس القائد. وضع يده على سيفه الذي كان نصفه خارجًا من غمده.
لكنّه لمح طرف عينِه الشقية شاردةً، منكمشةً في الزاوية، تنظر إلى الأرض الخالية بعينين غائبتين.
“لا أعرف سوى جزء من الحقيقة.” عقد تاليس حاجبيه بقوة. “والآن…”
هبط مزاج تاليس.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
وحين استحضر ضيق الموقف، هزّ رأسه، وحشد قوته، واقترب من القضبان.
رفع تاليس رأسه وقد اتّضحت أفكاره تمامًا.
(لم ينتهِ الأمر بعد.)
وحين استحضر ضيق الموقف، هزّ رأسه، وحشد قوته، واقترب من القضبان.
(لا يمكنني الراحة.)
لم يتغيّر وجه الحارس، لكن بريقًا مركّبًا لمع في عينيه.
“ما هذا المكان؟” أسند تاليس جسده إلى القضبان الخشبية الغليظة وهو يتفحص محيطه.
شحب وجه الشقية من الخوف، وانكمشت خلف تاليس، دافعةً ظهره بكتفها لتمنعه من الكلام.
وبالمقارنة مع زنزانة قبو قصر الكرمة، بدا هذا السجن بسيطًا خشنًا. لم يكن فيه سوى مصباحَين ابديين يحترقان بقدر قليل من الزيت الأبدي.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(غريب.)
أدارت رأسها، وتعالت جلجلة السلاسل، وقالت ببرود، “مثلُك، يا صاحب السمو.”
“لستُ واثقًا، يا صاحب السمو.” ظهر وجه وايا من بين قضبان الزنزانة المقابلة، ممتلئًا بالقلق والغضب. “لقد… لقد تعرّضنا لكمين، وغُطِّيت رؤوسنا…”
“صحيح، لم تكن كروش سوى ناقلة خبر. ليس لها حق اختيار من يرسله برج الإبادة.” تجمّد كوهين لحظة، لكنه سرعان ما استعاد تركيزه. “لكن كاسلان يستطيع ذلك. فهو صديق مقرّب للسيّد شاو، ويمكنه تمامًا أن يقترح أو حتى يحدد بنفسه من يريد.”
عقد تاليس حاجبيه قليلًا. “نحن؟ أتقصد أنّ—”
أصغى تاليس إلى صرير الباب الحديدي السميك وهو يُقفل، ثم واسى الشقية المرتاعة الحائرة قليلًا، قبل أن يلتفت، ناظرًا عبر القضبان إلى ما حوله.
وقبل أن يتمّ كلامه، جاهد شاب وسيم في الزنزانة المجاورة ليدني رأسه نحوهم. كان مقيدًا بسلسلة حديدية محكمة.
“سمعتُ بعض الشذرات،” جاء صوت ميراندا البارد. “كانت هناك محاولة لاغتيال ملك إكستيدت؟”
“يا صاحب السمو!”
(لِمَ أشعر بأن لي صلةً خاصة بالسجون؟)
كان الأسير المسكين يتألّم ألمًا شديدًا. يلهث وهو يقول: “الأمير تاليس، أنا كوهين، كوهين كارابيَان.
رمق كوهين الفراغ، كأنه ما يزال يحاول فكّ الخيوط، بينما حدّقت ميراندا في السلسلة الحديدية حول جسدها بشرود. وأما وايا، فعضّ شفتَه بقوة.
“ربما لا تعرفني، لكنني شرطي وقائد دورية في العاصمة… أعني مدينة النجم الأبدي…”
كان الأسير المسكين يتألّم ألمًا شديدًا. يلهث وهو يقول: “الأمير تاليس، أنا كوهين، كوهين كارابيَان.
وحين نظر تاليس إلى وجهه، انبثقت من الذاكرة صورة قديمة.
ومغطّى بالتراب، حاول كوهين جاهدًا أن يرفع رأسه ليمنح الأمير ابتسامة ودّية.
(كارابيَان.)
كان جسده كله يؤلمه، وكاد يجلس مرة أخرى إلى الجدار،
(إنه هو.)
“وايا، ما الذي جاء بك إلى هنا؟” سأله تاليس بنبرة جادة، محدّقًا بحذر في الشابّ في الزنزانة المقابلة. “أين بيوتراي ورالف والآخرون من مجموعة الدبلوماسيين؟”
(لكن… لماذا هو هنا…)
“كلماتك كلها ستسقط على آذان صمّاء على أي حال،” قال ببرود، وأدار ظهره، مغمضًا عينيه، متجاهلًا تاليس شأنه شأن باقي الحراس.
“أعرفك. أنت من أسرة سيف البرجين التوأمين.” رمقه تاليس بتفكّر، عابرًا بناظريه شعره الأشقر. “أذكر أنك كدتَ تتشاجر مع والدك في قاعة النجوم.”
رفع تاليس رأسه وقد اتّضحت أفكاره تمامًا.
تجمّد وجه كوهين. ولم يعد يشعر بالألم الشديد في ذراعه اليمنى.
(غريب.)
أهذا هو الانطباع الأول الذي خلّفه عند وريث المملكة؟
“أم…” تجعّد جبين كوهين، محاولًا تقدير عمر تاليس. متحيّرًا، قدّر عمر الفتاة ثم قال، “قرينةُ الأمير؟”
“يا صاحب السمو، إنّه لشرفٌ لي أن ألتقيكم مجددًا، وهذه المرّة برفقة مرافقكم.” وبوجهٍ معتم، مسح كوهين بنظره وايا، الذي كان يزفر باحتقارٍ بارد، ثمّ حدّق بفتورٍ في الصغيرة خلف تاليس. “وأظنّ أن هذه الفتاة هي…”
ومع ذلك، بقي تاليس صامتًا.
“أم…” تجعّد جبين كوهين، محاولًا تقدير عمر تاليس. متحيّرًا، قدّر عمر الفتاة ثم قال، “قرينةُ الأمير؟”
تنفّس تاليس بعمق.
رفعت السيّافة المقابلة لكوهين حاجبيها وانفجرت في ضحكة.
وبنظرة قاتمة، حدّقت الشقية بقلق في تاليس.
ارتعش وجه تاليس.
غير أنّ ستة حرّاس كانوا حاضرين، لا يحيدون بأبصارهم عن الأسرى، بملامح شرسة وحذر شديد.
وبنظرة قاتمة، حدّقت الشقية بقلق في تاليس.
(إنها…)
نظر كوهين إلى صديقته التي ضحكت رغمًا عنها، ثم ارتبك. “صحيح، لم تبلغ تلك السنّ بعد…”
بوجه مُتعَب، قال الأمير الثاني بإخلاص، “شكرًا لك، يا ابن الشمال.”
“إحم…” عقد تاليس حاجبيه. “شكرًا لاهتمامك، يا صاحب السعادة.”
كان وايا يستعد للإجابة حين قطعته فجأة—
ومغطّى بالتراب، حاول كوهين جاهدًا أن يرفع رأسه ليمنح الأمير ابتسامة ودّية.
(لا يمكنني الراحة.)
“وأما أنتِ، آنسة آروند من حصن التنين…” التفت تاليس نحو المرأة ذات الدرع الخفيف والشَّعر الأسود في الزاوية المقابلة قُطريًا. لم يستطع منع تنهيدة خرجت منه. “لا أظن أنكِ جئتِ في رحلة تنزّه؟”
جمُدت عينا الحارس القائد. وضع يده على سيفه الذي كان نصفه خارجًا من غمده.
توقّفت ميراندا آروند، المتّسخة والرثة، عن الضحك، واستعادت برودها المعتاد.
ما إن سمعوا ذلك، حتى التفت الحراس الخمسة الآخرون نحوه بلا إرادة، تتباين تعابيرهم.
أدارت رأسها، وتعالت جلجلة السلاسل، وقالت ببرود، “مثلُك، يا صاحب السمو.”
هزّ تاليس رأسه، ولم يُجب عن سؤال الشرطي.
رمق تاليس ميراندا، ثم كوهين بنظرة شاردة.
توقّفت ميراندا آروند، المتّسخة والرثة، عن الضحك، واستعادت برودها المعتاد.
(وريثة أسرة آروند في الإقليم الشمالي…)
“أأنت من أبناء إكستيدت؟”
“كلاكما…” أخذ نفسًا عميقًا، وغاص مجددًا في التفكير. “هل تدركان حجم الورطة التي وقعتم فيها؟”
“كلاكما…” أخذ نفسًا عميقًا، وغاص مجددًا في التفكير. “هل تدركان حجم الورطة التي وقعتم فيها؟”
“سمعتُ بعض الشذرات،” جاء صوت ميراندا البارد. “كانت هناك محاولة لاغتيال ملك إكستيدت؟”
اتّسعت عينا وايا. “ذلك العجوز في الحانة؟ ألم يكن قائد حرّاس النصل الأبيض سابقًا؟ إنه مشهور جدًا.”
“لم تكن مجرد محاولة.” أومأ تاليس وزفر، وقد شحب وجهه. “الملك… رحل بالفعل.”
تحت الإضاءة الخافتة لمصباح أبدي، دفع الجنودُ تاليس والشقية بقسوةٍ، ويدا كلٍّ منهما موثوقتان خلف ظهره، إلى زنزانة السجن الملاصقة لزنزانة كوهين.
رمق بعضُ الحراس ما يحدث نظرةً سريعة، ثم أشاحوا بأنظارهم حين رمقهم قائدهم بنظرةٍ حادّة.
هزّ تاليس رأسه، ولم يُجب عن سؤال الشرطي.
عقدت ميراندا حاجبيها، واتّسعت عينا وايا.
ساد جوٌّ ثقيل في السجن.
أمّا كوهين فأغمض عينيه وأسند رأسه إلى الأرض مجددًا، وقال بنبرة يملؤها الندم، “كنت أعلم…”
صُدم كوهين وميراندا.
جلست الشقية في زاوية الزنزانة ترتجف قليلًا وهي تتذكّر موت الملك نوڤين.
“أأنت من أبناء إكستيدت؟”
تعالى صوت السيّافة من خلف القضبان، “إذًا، ماذا جرى بالضبط؟”
لم يكن في الداخل سوى ثلاثة أسرى مقيدين—وايا، ورجل وامرأة في الظلام—وجميعهم يحدّقون في تاليس بذهول.
ألقى تاليس نظرة على الشقية. ثم زفر زفرة خفيفة، واستدار نحو الثلاثة الذين يحدّقون به بعينين مترقّبتين.
وأخيرًا، في تلك الزنزانة الكئيبة، قال الأمير الثاني بصوت منخفض، “ليس الأمر كذلك فقط.” تنفّس بعمق، واتّضحت الصورة في ذهنه أكثر فأكثر. “وايا محق. أنتِ وريثة الإقليم الشمالي.
“لا أعرف سوى جزء من الحقيقة.” عقد تاليس حاجبيه بقوة. “والآن…”
غير أنّ ستة حرّاس كانوا حاضرين، لا يحيدون بأبصارهم عن الأسرى، بملامح شرسة وحذر شديد.
رفع رأسه ونظر إليهم بعينين جادتين. “أحتاج منكما أن ترويا لي بالتحديد ما حدث معكما، من البداية إلى النهاية.
ارتعش وجه تاليس.
“بدءًا من سبب مجيئكما إلى الشمال.”
“الإقليم الشمالي…” ضيّق الأمير الثاني عينيه، متذكّرًا ما رآه من حزنٍ وهستيريا في وجه ڤال آروند في قصر النهضة. “الإقليم الشمالي من الكوكبة، جنوب حصن التنين المحطم، الحلم الذي يسعى لامبارد إلى غزوه.”
بعد أكثر من عشر دقائق…
“يا صاحب السمو!”
“كاسلان لامبارد؟!”
“كلكم أُرسلتم لحراستي.” حرّك تاليس رأسه ببطء، ماسحًا الجنود بنظره. “أيعني هذا أنكم جميعًا تعلمون ما يجري؟
لم يستطع تاليس إخفاء صدمته ولا التحكّم بارتفاع صوته. بل حتى الحراس الستة التفتوا نحوه.
“كلكم أُرسلتم لحراستي.” حرّك تاليس رأسه ببطء، ماسحًا الجنود بنظره. “أيعني هذا أنكم جميعًا تعلمون ما يجري؟
كان يتناوب النظر المرتاب بين كوهين المظلم الوجه وميراندا ذات الملامح المتحجرة.
عقدت ميراندا حاجبيها، واتّسعت عينا وايا.
(ذلك العجوز في الحانة…
“يا لها من حكايةٍ جميلة، أليس كذلك؟” ضحك تاليس ضحكة ساخرة، وهزّ رأسه قليلًا. “وبالصدفة، يُقدم أمير الكوكبة على اغتيال الملك نوڤين في الوقت ذاته.”
كان مطمئنًا للغاية.
“كان سيف الكارثة—أو أيًّا كان ما استخدموه—كذبًا وتمويهًا، كي يُستدرَج كلاكما إلى هنا باسم برج الإبادة.” تمتم تاليس، بينما كان كوهين يدرك بأن أحدًا لم يجبه، “لأكون دقيقًا، كان الهدف هو استدراجكِ أنتِ، آنسة آروند، وريثة دوق الحراسة في الإقليم الشمالي.”
و…
كان مطمئنًا للغاية.
لم يكن في شخصيته، ولا في الحنو والانفتاح اللذين أظهرهما ما يدل على أنه شريرٌ منافق.)
(إنه هو.)
اتّسعت عينا وايا. “ذلك العجوز في الحانة؟ ألم يكن قائد حرّاس النصل الأبيض سابقًا؟ إنه مشهور جدًا.”
“أما أن تتسلل نبيلة من إقليم الكوكبة الشمالي إلى مدينة سحب التنين سرًا… فهذا طبيعي في الظروف العادية.” فكّر وايا وتابع، “لكن أن يُلقى القبض على كوكبيين تصرفوا بشكل مريب، بمن فيهم وريثة الدوق في الإقليم الشمالي، في وقتٍ قُتل فيه الملك…”
“مفاجئ، أليس كذلك؟” ظل صوت ميراندا ثابتًا، لكن خيوطًا من مشاعر مكبوتة تسربت تحته. “يُشاع أن علاقته بتشابمان لامبارد سيئة. ظننتُ أنه سيظل وفيًّا لأسرة والتون…”
“فقبل أن أُقاد إلى الموت بوصفـي الجاني…” زفر تاليس، واعتَم وجهه.
“رجلٌ همجي.” تململ كوهين بغضب محاولًا النهوض، فارتسمت تعابير الألم على وجهه مجددًا. “لم يُصلح حتى ذراعي اليمنى كما يحب. كنت أعلم أنه شخص فاسد…”
(لم ينتهِ الأمر بعد.)
“كنتَ أكثرنا مودةً له، بل ووضعتَ ذراعك حول كتفه،” كشفت ميراندا كذبه ببرود، فارتسمت على وجهه تعابير محرجة.
كان يتناوب النظر المرتاب بين كوهين المظلم الوجه وميراندا ذات الملامح المتحجرة.
حدّق تاليس في الأرض شاردًا. وبدأت بعض الأحداث التي يتذكرها تتخذ معنًى.
رفعت السيّافة المقابلة لكوهين حاجبيها وانفجرت في ضحكة.
“لا.” تنفّس تاليس ببطء، وازداد بريق عينيه. “كاسلان… هذا يفسّر كثيرًا من الألغاز.”
ساد جوٌّ ثقيل في السجن.
“قال لي نيكولاس إنه سمع من صديقٍ قديم، كان سابقًا في حرّاس النصل الأبيض، أنّ من حاول اغتيالي في الحصن كان ضمن سيف الكارثة.” ومع تركيز بصره، استعاد تاليس رحلته قبل دخوله مدينة سحب التنين. “لكن بوفريت قال لي قبل أن يقطع الملك نوڤين رأسه إن درع الظل هو من حاول اغتيالي.”
“الإقليم الشمالي…” ضيّق الأمير الثاني عينيه، متذكّرًا ما رآه من حزنٍ وهستيريا في وجه ڤال آروند في قصر النهضة. “الإقليم الشمالي من الكوكبة، جنوب حصن التنين المحطم، الحلم الذي يسعى لامبارد إلى غزوه.”
(ذلك “الصديق القديم” كان على الأرجح كاسلان.)
أدارت رأسها، وتعالت جلجلة السلاسل، وقالت ببرود، “مثلُك، يا صاحب السمو.”
صُدم كوهين وميراندا.
“درع الظل؟” عقد كوهين حاجبيه. “إذًا، لقد عادوا؟”
هزّ تاليس رأسه، ولم يُجب عن سؤال الشرطي.
هزّ تاليس رأسه، ولم يُجب عن سؤال الشرطي.
رفعت السيّافة المقابلة لكوهين حاجبيها وانفجرت في ضحكة.
كان عليه الوصول إلى صلب الموضوع.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
نظر وايا إلى كوهين بانزعاج.
(غريب.)
“كان سيف الكارثة—أو أيًّا كان ما استخدموه—كذبًا وتمويهًا، كي يُستدرَج كلاكما إلى هنا باسم برج الإبادة.” تمتم تاليس، بينما كان كوهين يدرك بأن أحدًا لم يجبه، “لأكون دقيقًا، كان الهدف هو استدراجكِ أنتِ، آنسة آروند، وريثة دوق الحراسة في الإقليم الشمالي.”
لم يتغيّر وجه الحارس، لكن بريقًا مركّبًا لمع في عينيه.
تنهدت ميراندا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“صحيح، لم تكن كروش سوى ناقلة خبر. ليس لها حق اختيار من يرسله برج الإبادة.” تجمّد كوهين لحظة، لكنه سرعان ما استعاد تركيزه. “لكن كاسلان يستطيع ذلك. فهو صديق مقرّب للسيّد شاو، ويمكنه تمامًا أن يقترح أو حتى يحدد بنفسه من يريد.”
حبس كل من في السجن أنفاسهم.
“أما أن تتسلل نبيلة من إقليم الكوكبة الشمالي إلى مدينة سحب التنين سرًا… فهذا طبيعي في الظروف العادية.” فكّر وايا وتابع، “لكن أن يُلقى القبض على كوكبيين تصرفوا بشكل مريب، بمن فيهم وريثة الدوق في الإقليم الشمالي، في وقتٍ قُتل فيه الملك…”
هبط مزاج تاليس.
“نحن كبشُ فداءٍ مثالي،” قالت ميراندا بصوت منخفض وهي تغمض عينيها ببطء. “هذا أكثر إقناعًا من اتهام أمير يافع قليل النفوذ بالتآمر لاغتيال الملك.”
تجمّد الحارس الطويل لوهلة.
ومع ذلك، بقي تاليس صامتًا.
بعد أكثر من عشر دقائق…
كان ذهنه يعمل بسرعة متزايدة.
“وأما أنتِ، آنسة آروند من حصن التنين…” التفت تاليس نحو المرأة ذات الدرع الخفيف والشَّعر الأسود في الزاوية المقابلة قُطريًا. لم يستطع منع تنهيدة خرجت منه. “لا أظن أنكِ جئتِ في رحلة تنزّه؟”
وأخيرًا، في تلك الزنزانة الكئيبة، قال الأمير الثاني بصوت منخفض، “ليس الأمر كذلك فقط.” تنفّس بعمق، واتّضحت الصورة في ذهنه أكثر فأكثر. “وايا محق. أنتِ وريثة الإقليم الشمالي.
“لم تكن مجرد محاولة.” أومأ تاليس وزفر، وقد شحب وجهه. “الملك… رحل بالفعل.”
“الإقليم الشمالي…” ضيّق الأمير الثاني عينيه، متذكّرًا ما رآه من حزنٍ وهستيريا في وجه ڤال آروند في قصر النهضة. “الإقليم الشمالي من الكوكبة، جنوب حصن التنين المحطم، الحلم الذي يسعى لامبارد إلى غزوه.”
وبالمقارنة مع زنزانة قبو قصر الكرمة، بدا هذا السجن بسيطًا خشنًا. لم يكن فيه سوى مصباحَين ابديين يحترقان بقدر قليل من الزيت الأبدي.
“لقد عزم لامبارد على انتزاع الإقليم الشمالي منذ الوقت الذي تآمر فيه مع الدوق آروند.”
حدّق وايا فيه بغضبٍ وحقد، يطحن أسنانه.
عمّ الصمت.
تجمّد الحارس الطويل لوهلة.
رمق كوهين الفراغ، كأنه ما يزال يحاول فكّ الخيوط، بينما حدّقت ميراندا في السلسلة الحديدية حول جسدها بشرود. وأما وايا، فعضّ شفتَه بقوة.
دوى الصوت الحاد لاحتكاك المعدن بعضه ببعض. كان الحارس قد سحب جزءًا من سيفه.
“أنا كبش الفداء لموت الملك، أما أنتِ، آنسة آروند” زفر تاليس وقال ببطء، “وريثة الإقليم الشمالي الشرعية بعد سجن ڤال آروند، فلستِ كبش فداءٍ فحسب… بل ربما لستِ كبش فداءٍ أبدًا.”
فتحت ميراندا عينيها. لقد فهمت.
“لستُ كبش فداء؟” صُدم كوهين، وحاول النهوض رغم الألم. “ماذا يعني هذا؟”
توقّفت ميراندا آروند، المتّسخة والرثة، عن الضحك، واستعادت برودها المعتاد.
فتحت ميراندا عينيها. لقد فهمت.
نظر كوهين إلى صديقته التي ضحكت رغمًا عنها، ثم ارتبك. “صحيح، لم تبلغ تلك السنّ بعد…”
رفع تاليس رأسه وقد اتّضحت أفكاره تمامًا.
بدا التردد على اثنين من الحراس، فأعرضا بوجهيهما عنه واحدًا بعد الآخر.
“فكّروا في الأمر. الدوق ڤال آروند الموقّر، وقد لفّق له ملك الكوكبة البليد كيسل التُّهم، فانتهى إلى السجن،” قال الأمير بصوت خافت.
كان الأسير المسكين يتألّم ألمًا شديدًا. يلهث وهو يقول: “الأمير تاليس، أنا كوهين، كوهين كارابيَان.
“ثم تأتي ابنته الوريثة إلى إكستيدت تطلب العون، ساعيةً إلى انتزاع الحقّ وإعادة ما سُلب من آل آروند.”
“يا صاحب السمو، إنّه لشرفٌ لي أن ألتقيكم مجددًا، وهذه المرّة برفقة مرافقكم.” وبوجهٍ معتم، مسح كوهين بنظره وايا، الذي كان يزفر باحتقارٍ بارد، ثمّ حدّق بفتورٍ في الصغيرة خلف تاليس. “وأظنّ أن هذه الفتاة هي…”
حبس كل من في السجن أنفاسهم.
فتحت ميراندا عينيها. لقد فهمت.
بمن فيهم حرس إقليم الرمال السوداء.
“كلاكما…” أخذ نفسًا عميقًا، وغاص مجددًا في التفكير. “هل تدركان حجم الورطة التي وقعتم فيها؟”
“يا لها من حكايةٍ جميلة، أليس كذلك؟” ضحك تاليس ضحكة ساخرة، وهزّ رأسه قليلًا. “وبالصدفة، يُقدم أمير الكوكبة على اغتيال الملك نوڤين في الوقت ذاته.”
حبس كل من في السجن أنفاسهم.
“هذا… غير ممكن.” ارتسم الذهول على وجه كوهين، وتمتم كأنه في غيبوبة، “إنهم…”
عقدت ميراندا حاجبيها، واتّسعت عينا وايا.
“تشابمان لامبارد.” وبملامح يائسة، زفر تاليس وقال ببطء، “يبدو أن اتفاقه مع ڤال آروند ما يزال ساريًا.”
(لا يمكنني الراحة.)
أطرقت ميراندا، وقد شحب وجهها.
“أنا كبش الفداء لموت الملك، أما أنتِ، آنسة آروند” زفر تاليس وقال ببطء، “وريثة الإقليم الشمالي الشرعية بعد سجن ڤال آروند، فلستِ كبش فداءٍ فحسب… بل ربما لستِ كبش فداءٍ أبدًا.”
“وأنتِ، آنسة آروند…” زفر تاليس وحدّق في ميراندا، التي بقيت صامتة، لا يظهر على ملامحها سوى البرود. “في المفاوضات أو الحرب القادمة بشأن ملكية الإقليم الشمالي، ستكونين أنتِ…”
رفع رأسه ونظر إليهم بعينين جادتين. “أحتاج منكما أن ترويا لي بالتحديد ما حدث معكما، من البداية إلى النهاية.
“أعظم ورقة مساومة لدى لامبارد.”
تحت الإضاءة الخافتة لمصباح أبدي، دفع الجنودُ تاليس والشقية بقسوةٍ، ويدا كلٍّ منهما موثوقتان خلف ظهره، إلى زنزانة السجن الملاصقة لزنزانة كوهين.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وقبل أن يتمّ كلامه، جاهد شاب وسيم في الزنزانة المجاورة ليدني رأسه نحوهم. كان مقيدًا بسلسلة حديدية محكمة.
“يُمنَع الكلام.” اقترب منهم حارس طويل ضخم، واضعًا يده على سيفه. كان يبدو قائدهم، ونبرته منفرة. “أتريدون أن أعلّمكم كيف تُغلقون أفواهكم؟”
