Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 457

من كان يسنده
PDF

من كان يسنده

من كان يسنده

ازداد عبوس زاكريل.

رغم أنه كان مستعدًا، تصلّب تاليس حين ظهر زاكريل.

«ماذا… قلت؟»

«لقد لحق بنا فارس الحكم في النهاية.

كان بارني هو من قالها.

«وفي هذه اللحظة، هو أخطر تهديد في السجن.»

في اللحظة التي قال فيها تاليس ذلك، ارتجف جسد زاكريل كله.

لم يكن زاكريل في حال جيدة.

تبدّل تعبيره، وأدار نظره على الجميع.

كان الفارس أشعث الهيئة منذ البداية، أما الآن فقد كانت عيناه نصف مغمضتين، وكأن القنبلة الوميضية التي انفجرت قبل قليل قد أصابته إصابة بالغة. كان فيما مضى يمشي بثبات جبل، أما الآن فاضطر إلى الاتكاء على الجدار وسلاحه كي يقف مستقيمًا. وعلى كتفه اليمنى ضماد سميك تشبّع بالدم.

وبعد ثوانٍ من صمت كاد يكون بلا نهاية، رفع زاكريل رأسه.

ومع ذلك، لم يجرؤ أحد على الاستهانة به.

صرخ زاكريل.

جزّ زاكريل على أسنانه، واتكأ على الجدار وهو يدخل غرفة التخزين خطوةً بعد خطوة.

«لكن مهما حدث في ذلك العام… لن تمس هذا الطفل.»

بدا كوحش ضارٍ يخرج ببطء من العتمة.

«إذًا… هكذا كان الأمر…»

«لا… ما هذا بحق الجحيم…»

«سئمت غرورك وتعاليك، يا فارس الحكم.»

رفع كويك روب قوسه بتوتر، لكن قبل أن يطلق، ضغط تاليس على ذراعه وأوقفه.

«أتظن أنك تحمينا؟ تحمي الأموات؟»

«اهدأ.»

حتى هو نفسه تفاجأ من ثبات صوته. بدا كفريسة انكسرت قيودها فجأة.

قبض تاليس على ذراع كويك روب وقال من بين أسنانه:

«ألم أقل لك؟ كنت أعرف أن هؤلاء المجانين لا يمكن الاعتماد عليهم…»

«ليس الآن.»

قبض تاليس على ذراع كويك روب وقال من بين أسنانه:

ولم يكن تاليس وكويك روب وحدهما من توترا. كانت وجوه ساميل وبيلدين وناير والبقية قاتمة إلى حد بعيد.

وتابع الأمير من بين أسنانه:

«هاهاها… “لا تقل المزيد”؟»

لكن بارني الابن بقي راكعًا على الأرض بعينين زائغتين، كأنه لم يسمع شيئًا.

أفاق نالجي من شروده وضحك بمرارة.

«إذًا… هكذا كان الأمر…»

«لا.»

«ولهذا كتمتم السر في قلوبكم كل هذه السنوات، وظللتم ممزقين حتى اليوم.

تبدّل تعبيره، وأدار نظره على الجميع.

«ناير، ساميل، ساعداني!»

«لكل شخص هنا الحق في أن يطلب مني الصمت.»

جزّ بيلدين على أسنانه.

رفع إصبعه المرتجف وأشار إلى فارس الحكم.

«لكنك لا تفهم!»

«إلا أنت يا زاكريل.»

«أم هيرمان الوسيم، الذي لم يملك سوى جمال المظهر والموهبة الأدبية، وكان ضيق الصدر، سامّ الطباع، قاسيًا لا يرحم؟»

توقف زاكريل.

«نائب القائد كويل بارني… أي نوع من الرجال… كان؟»

وقف عند المدخل، وجسده مغطى بالجروح. حدّق في نالجي بنظرة حائرة ومؤلمة، وكأن الرجل أمامه عازم على المخاطرة بكل شيء، ثم مرّر نظره على رفاقه السابقين في الحرس، وقد بدت عليهم الكآبة والانهيار.

كانت ضحكته مرتجفة ومخيفة.

ساد الصمت السجن. لم يُسمع سوى الأنفاس المتقطعة، بعضها من الألم وبعضها من التوتر.

كان تاليس يلهث. نفض يد كويك روب عنه، وتجاهل نظرة بيلدين، وتحمل آلام جروحه وهو يتابع:

هز زاكريل رأسه ببطء وأشاح بنظره.

رفع بيلدين فأسه وحجب تاليس خلفه.

«نالجي.

وفجأة، توقف فارس الحكم.

«أنت متعب.»

«فأي مهمة كانت قادرة على دفعك إلى خيانة عائلة جادستار بلا تردد؟»

قالها فارس الحكم برفق، كأنه يهدئ طفلًا.

تفاجأ تاليس، لكنه استجمع شجاعته وتابع:

لكن نالجي لم يتقبل لطفه.

رفع الجميع رؤوسهم وحدقوا فيه، بعضهم بدهشة وبعضهم بحيرة.

«نعم، أنا متعب.»

«أتظن أن حمل جرائمنا جميعًا وحدك، وأن تسند عمودًا ينهار بمفردك، وأن تصمت حتى لا تلوّث مجد أحد ولا تحطم سمعة أحد… تضحية عظيمة؟ أتظن أنك بهذا لا تخذل أحدًا؟»

تراجع نالجي خطوة وقال بابتسامة شاحبة:

قال تاليس ببرود:

«سئمت غرورك وتعاليك، يا فارس الحكم.»

حرّك تاليس نظره ببطء.

عبس زاكريل.

ارتجف بارني الابن بعنف وهو راكع.

«لا تريد تلطيخ اسم العائلة الملكية، وفي الوقت نفسه لا تحتمل فضحنا نحن أيضًا، نحن الخونة الوقحين الذين ارتكبوا أفعالًا دنيئة.»

تبدلت وجوه جميع الأسرى.

تسارع نفس نالجي.

«نالجي.

«أنت دائمًا تبحث عن الحل المثالي.»

من كان يسنده

ضيّق عينيه، وكان اليأس واضحًا في صوته.

توتر كثيرون فورًا.

«أتظن أن حمل جرائمنا جميعًا وحدك، وأن تسند عمودًا ينهار بمفردك، وأن تصمت حتى لا تلوّث مجد أحد ولا تحطم سمعة أحد… تضحية عظيمة؟ أتظن أنك بهذا لا تخذل أحدًا؟»

مد يده نحو نالجي بحيرة، لكنه ارتجف في منتصف الحركة، ثم أنزلها ببطء.

لم يجب زاكريل.

استمر الصمت عدة ثوانٍ.

ظل بارني الابن راكعًا على الأرض وكأن روحه فارقت جسده، وعقله غارق في فراغ كامل. أما بيلدين فبدا قلقًا، وساميل بقي صامتًا.

«إلا إذا…»

بدأ جسد نالجي يرتجف.

قال تاليس بحزم، وبصوت قاطع نادرًا ما صدر منه:

وبعد ثوانٍ، انفجر الحقد الذي كبته طويلًا من حلقه دفعةً واحدة.

ضيّق عينيه، وكان اليأس واضحًا في صوته.

«تبًّا لك!

لكن أحدًا لم يتكلم. حتى زاكريل.

«زاكريل، أيها الوغد اللعين، أيها المراقب المتعجرف!»

لكن بيلدين وناير ثبتا أمامه، وكأنهما مستعدان للموت معه.

ارتدت شتائمه في غرفة التخزين، حتى ارتجف ضوء المشعل في يد ساميل.

وتذكر احترام فارس الحكم الغريب حين أخبره بأنه سيقتله.

لكن أحدًا لم يتكلم. حتى زاكريل.

ثم ضحك ساميل من جديد.

حدّق كويك روب في زاكريل الذي أصبح أمامهم مباشرة، ثم في نالجي الذي كان ينهار نفسيًا، وابتلع ريقه. دفع تاليس بمرفقه وهمس بقلق:

رفع إصبعه وأشار إلى الأسرى واحدًا تلو الآخر، إلى المنهارين والمصدومين والغارقين في الفراغ.

«ألم أقل لك؟ كنت أعرف أن هؤلاء المجانين لا يمكن الاعتماد عليهم…»

أما النصف الآخر، فقد شحب وجه نالجي وكانون، بينما أشاح بروولي وتاردين بوجهيهما.

لكن تاليس اكتفى بالنظر إلى المجموعة بنظرة معقدة ولم يرد.

«أنتم لستم من هذا النوع. لا تجرؤون على فعلها، ولا تستطيعون فعلها… إلا إذا وُجد سبب آخر. سبب أكثر إقناعًا، يسمح لكم بأن تقولوا لأنفسكم إن ما فعلتموه كان صوابًا، لا خيانة!»

«صحيح.»

«حين تضحي بنفسك من أجل الآخرين وتحمل الذنوب وحدك، ستبدو عظيمًا، مجيدًا، نزيهًا… بطلًا.»

نظر إلى بارني الذي تحطم ذهنه، وإلى نالجي المنهار.

«اهدأ.»

«لكن لولا هؤلاء المجانين، لكنا منذ وقت طويل جزءًا من سجن العظام.»

«لا.

زمجر نالجي في وجه زاكريل، وعيناه محمرتان كالدم:

رفع الجميع رؤوسهم وحدقوا فيه، بعضهم بدهشة وبعضهم بحيرة.

«أتظن أنك تحمينا؟ تحمي الأموات؟»

ظل بارني غارقًا في كلمات زاكريل. تحرك جسده مع سحب الساق من يده، ثم انهار ببطء على الأرض، كأنه لم يشعر بشيء.

ثم صاح:

ضم زاكريل شفتيه، وكأنه لا ينوي منحه جوابًا.

«لكنك لا تفهم!»

كانت ضحكته مرتجفة ومخيفة.

انخفض صوته شيئًا فشيئًا، لكن اليأس فيه صار أوضح، وصارت مشقة إخراج الكلمات من فمه أكثر ظهورًا.

«لكن هناك أمر واحد فقط لا أفهمه.»

«حين تضحي بنفسك من أجل الآخرين وتحمل الذنوب وحدك، ستبدو عظيمًا، مجيدًا، نزيهًا… بطلًا.»

تغيرت ملامح زاكريل مرارًا تحت نظرة تاليس.

خرّ أسير الحرس الملكي البائس على ركبتيه وهو ينهار. سقط سلاحه والمفتاح من يديه معًا.

تراجع خطوة، وأخذ نفسين عميقين. كان في صوته سخرية باردة.

«لكن أنت… أيها الوغد الأناني! تظن نفسك قديسًا، لكن كل ما تتركه لنا هو ندم لا ينتهي، وذنب، وتعذيب! تدفعنا نحن إلى لعب أقذر الأدوار على المسرح، وإلى مواجهة الحقيقة المؤلمة التي تعجز أنت عن مواجهتها!»

«وأظن أن الشيء الوحيد القادر على جعلك تدوس شرفك ومهمتك… هو شرف أعظم، ومهمة أعظم.»

ضرب نالجي صدره بجنون.

انعقد حاجبا تاليس ببطء، ثم ارتخيا.

«نحن!»

عبس تاليس دون وعي عند سماعه أوصاف ساميل.

دوّى اتهامه في المكان، بينما ظل زاكريل مطأطئ الرأس في صمت، كأنه لم يعد موجودًا في هذا العالم.

«لا.»

بدا نالجي وكأنه استنزف كل قوته في توبيخ زاكريل. انهار على الأرض وتمتم بصوت أجش شارد:

«هاهاها… “لا تقل المزيد”؟»

«أنت وبارني الأب… كلاكما جلاد يقتل بلا أن يسيل الدم بيده…»

زفر تاليس، واستخدم خطيئة نهر الجحيم ليهدئ خفقان قلبه المتسارع.

ارتجف بارني الابن بعنف وهو راكع.

«مَن؟»

قال نالجي وسط نشيجه:

«تبًّا لك!

«والفرق الوحيد هو…

أما النصف الآخر، فقد شحب وجه نالجي وكانون، بينما أشاح بروولي وتاردين بوجهيهما.

«بارني الأب جعلنا نكرهه…

خرّ أسير الحرس الملكي البائس على ركبتيه وهو ينهار. سقط سلاحه والمفتاح من يديه معًا.

«أما أنت… فجعلتنا نكره أنفسنا.»

حدّق كويك روب في زاكريل الذي أصبح أمامهم مباشرة، ثم في نالجي الذي كان ينهار نفسيًا، وابتلع ريقه. دفع تاليس بمرفقه وهمس بقلق:

خفض رأسه ودفن وجهه بين كفيه. ظل كتفاه يرتجفان بلا توقف.

«…اقتتال داخلي داخل عائلة جادستار؟»

وبعد ثوانٍ من صمت كاد يكون بلا نهاية، رفع زاكريل رأسه.

«إذًا… هكذا كان الأمر…»

مد يده نحو نالجي بحيرة، لكنه ارتجف في منتصف الحركة، ثم أنزلها ببطء.

«أبي… لماذا فعل بي هذا؟»

«الماضي لا يمكن تغييره.

«هل كان ولي العهد ميدير، الذي كان دائمًا يتعطش إلى المجد، ويصعب سبر أفكاره، وكان المستفيد المباشر من موت الملك الراحل؟»

«لكن على الأقل…»

بل لا بد أن يفعله.

أبعد زاكريل نظره، وكأنه لم يعد يجرؤ على النظر إلى نالجي، ثم ترنح نحو تاليس.

لم يجبه أحد، حتى زاكريل الذي صار يتمايل بالكاد قادرًا على الوقوف.

توتر كثيرون فورًا.

وأخيرًا، تذكر ملامح الارتياح على وجه زاكريل حين واجه رفاقه واعترف بالخيانة.

«بارني! بارني، أفق!»

«لكن لولا هؤلاء المجانين، لكنا منذ وقت طويل جزءًا من سجن العظام.»

ومع اقتراب زاكريل من تاليس، اضطرب بيلدين بشدة. كان صاحب ثاني أعلى رتبة بعد بارني الابن، رغم أن رتبته سُلبت منه منذ زمن، فصاح باسم قائد الطليعة محاولًا إيقاظه.

«لأننا… منذ زمن بعيد، لم يعد لدينا مكان نذهب إليه.»

لكن بارني الابن بقي راكعًا على الأرض بعينين زائغتين، كأنه لم يسمع شيئًا.

ارتجف بارني الابن بعنف وهو راكع.

رمقه زاكريل بنظرة ساكنة، ثم نظر إلى وسم المجرمين على وجهه، وأشاح ببصره.

«أما أنت يا زاكريل، فأنت فارس شريف وحارس مخلص. حتى وأنت على وشك مهاجمتي في اللحظة التالية، ظللت تعاملني باحترام…

«لقد انتهى.»

اتسعت عينا بارني الابن بعدم تصديق، واستقام جسده.

قال زاكريل في نفسه.

أغمض الفارس عينيه وهز رأسه.

«كويل بارني، قائد الطليعة الصلب الذي لا يتزعزع، والذي يعجز أعداؤه عن إسقاطه… انتهى.»

رغم أنه كان مستعدًا، تصلّب تاليس حين ظهر زاكريل.

أدار وجهه بحزن وواصل السير.

أدار ساميل بصره على الجميع، وارتعش صوته. بدا وكأنه فهم شيئًا للتو.

«اللعنة!»

«إلا أنت يا زاكريل.»

سبّ بيلدين، وتخلى عن محاولة إفاقته.

رفع بيلدين فأسه وحجب تاليس خلفه.

عقد حاجبيه ونظر حوله. إلى جانب نالجي الشارد، كان كانون راكعًا وهو ينتحب بألم، وبروولي قد دفن وجهه بين كفيه وأغمض عينيه، أما تاردين فكان منكسرًا ولا يتحرك.

«نحن!»

برزت عروق يدَي بيلدين.

تراجع نالجي خطوة وقال بابتسامة شاحبة:

«لا.»

«وكانون، وبروولي، وتاردين… ربما كنتم تعرفون ما حدث في ذلك العام، لكن لم يستطع أي منكم أن يبقى غير مبالٍ. حتى بعد ثمانية عشر عامًا من السجن، ما زال ضميركم يعذبكم.»

الحقيقة التي انكشفت بشأن ذلك العام بعثرت قلوبهم جميعًا، ومن ضمنهم هو نفسه. لم يعرف كيف يتصرف أمام رفاقه الذين صاروا على هذه الحال، في حين أن زاكريل، الرجل الذي كان يحترمه يومًا، أصبح يبدو كغريب.

ثم تذكر كيف تعامل الرجل مع خصومه ببراعة وسهولة تامة حين حاصروه.

وخلفه يقف دم جادستار الذي أقسم على حمايته… رغم أن مهمتهم نفسها كانت قد تدنست منذ زمن.

تحركت أفكار تاليس.

ماذا يفعل؟

تراجع خطوة، وأخذ نفسين عميقين. كان في صوته سخرية باردة.

وأمام زاكريل المتقدم نحو الأمير، ورفاقه الذين تحطموا وفقدوا وحدتهم، تردد بيلدين ثواني معدودة قبل أن يحسم أمره ويرفع سلاحه.

«والآن؟»

«ناير، ساميل، ساعداني!»

ثم تذكر كيف تعامل الرجل مع خصومه ببراعة وسهولة تامة حين حاصروه.

استدعى ناير، الذي ما زال متماسكًا نسبيًا، وساميل ذا الوجه الجاد، وحاول تشكيل خط دفاع أخير.

ظل زاكريل مغمض العينين، وكأنه لم يعد يعرف كيف يجيب عن سؤال تاليس.

تنهد ناير ووقف إلى جانب بيلدين.

ومع اقتراب زاكريل من تاليس، اضطرب بيلدين بشدة. كان صاحب ثاني أعلى رتبة بعد بارني الابن، رغم أن رتبته سُلبت منه منذ زمن، فصاح باسم قائد الطليعة محاولًا إيقاظه.

وبعد تردد قصير، رمى ساميل المشعل أرضًا ورفع سيفه الطويل.

«أم بانكروفت السمين، الذي بدا بدينًا عاديًا، لكنه في الحقيقة مولع بالملذات وجمع الثروات؟

واصل زاكريل تقدمه مترنحًا خطوة بعد خطوة. لم يبدُ كأنه يعبأ ببيلدين والاثنين الآخرين وهم يتراجعون أمامه وكأنهم يواجهون عدوًا عظيمًا.

«أنت وبارني الأب… كلاكما جلاد يقتل بلا أن يسيل الدم بيده…»

انعقد حاجبا تاليس ببطء، ثم ارتخيا.

وبعد أن نطق بها، حسم تاليس أمره، وشعر براحة غريبة.

رفع بيلدين فأسه وحجب تاليس خلفه.

أطلق زاكريل أطول تنهيدة خرجت منه طوال ذلك اليوم. وازدادت يدُه المضغوطة على جبينه ارتجافًا.

«أفهم، أيها القائد.»

«إن متُّ هنا، فهل تنتهي مسؤولياتك وماضيك، وعذابهم وآلامهم… وكل ما وقع في ذلك العام؟»

ثم قال بصوت أجش:

قال تاليس بهدوء:

«ربما لم تكن الخائن… أو على الأقل لم تكن الخائن الوحيد. وربما كانت لديك أسبابك، ولم يعد لنا حق اتهامك.»

اتجهت أنظار الجميع نحو الأمير.

جزّ بيلدين على أسنانه.

انتقل تاليس بنظره إلى الجانب الآخر.

«لكن مهما حدث في ذلك العام… لن تمس هذا الطفل.»

«صحيح.

ومع تقدمه، أضاء المشعل الملقى على الأرض وجه زاكريل كاملًا، فبرز وسم المجرمين على جبينه أكثر فأكثر.

ازداد وجه زاكريل قتامة.

«انظر إليهم يا بيلدين.»

رفع بارني وجهه الشاحب، وعيناه محمرتان بالدم. بدا صوته بين التوسل والمطالبة.

نظر فارس الحكم بحزن إلى بارني ونالجي، الراكعين على جانب القاعة، ورأى الانهيار على وجهيهما، ثم هز رأسه بأسى.

«…اقتتال داخلي داخل عائلة جادستار؟»

«صدقني. دفن كل شيء هنا… هو أفضل حل.»

«ماذا… قلت؟»

اقترب أكثر، وانعكس بريق بارد على نصل فأسه.

في اللحظة التي قال فيها تاليس ذلك، ارتجف جسد زاكريل كله.

حدّق تاليس في بيلدين الذي وقف أمامه ليحميه رغم انهيار جسده ونفسه، فعض شفته دون وعي.

خفض زاكريل نظره، وكان في صوته احترام عميق وهو يتذكر رفيقه القديم.

وفجأة، توقف فارس الحكم.

ارتجف بارني الابن بعنف وهو راكع.

أطلق بيلدين نفسًا خافتًا بعد أن بلغ توتره ذروته.

تردد صوت الفتى في السجن.

عقد زاكريل حاجبيه والتفت.

تجمد كويك روب، ولم يفهم.

كان بارني الابن ما يزال راكعًا على الأرض بعقل شارد، لكنه مد يده بضعف وأمسك بساق الفارس.

تسارع نفس نالجي.

«زاكريل… أخبرني.»

«لكن أنت… أيها الوغد الأناني! تظن نفسك قديسًا، لكن كل ما تتركه لنا هو ندم لا ينتهي، وذنب، وتعذيب! تدفعنا نحن إلى لعب أقذر الأدوار على المسرح، وإلى مواجهة الحقيقة المؤلمة التي تعجز أنت عن مواجهتها!»

رفع بارني وجهه الشاحب، وعيناه محمرتان بالدم. بدا صوته بين التوسل والمطالبة.

«لكن مهما حدث في ذلك العام… لن تمس هذا الطفل.»

«أبي… لماذا فعل بي هذا؟»

قالها وهو ينظر إلى بارني الابن ونالجي الغارقين في الشرود، ثم أعاد بصره إلى زاكريل الذي كان يقترب منه. حملت كلماته معنى أبعد مما ظهر منها.

بدا كمن استيقظ للتو من كابوس. كلماته متقطعة ونظرته ضائعة.

«يا صاحب السمو!»

«نائب القائد كويل بارني… أي نوع من الرجال… كان؟»

حدّق تاليس في بيلدين الذي وقف أمامه ليحميه رغم انهيار جسده ونفسه، فعض شفته دون وعي.

تبدلت وجوه جميع الأسرى.

نصف الموجودين صُدموا.

حتى زاكريل شرد للحظة.

«نعم، أنا متعب.»

ساد الصمت بضع ثوانٍ.

«ولا تقولوا لي إن الفاعلة كانت كونستانس، تلك الأميرة الصغيرة الحمقاء التي شُخّصت منذ طفولتها بالتخلف!»

«كان رجلًا صالحًا.»

«إلا أنت يا زاكريل.»

خفض زاكريل نظره، وكان في صوته احترام عميق وهو يتذكر رفيقه القديم.

قال تاليس بهدوء:

«كل ما في الأمر… أنه وُلد في عصر خاطئ.»

«لكن هناك أمر واحد فقط لا أفهمه.»

ارتجف بارني الابن على الفور.

«ولهذا كتمتم السر في قلوبكم كل هذه السنوات، وظللتم ممزقين حتى اليوم.

تحرر زاكريل برفق من قبضته، ثم واصل السير.

رغم أنه كان مستعدًا، تصلّب تاليس حين ظهر زاكريل.

ظل بارني غارقًا في كلمات زاكريل. تحرك جسده مع سحب الساق من يده، ثم انهار ببطء على الأرض، كأنه لم يشعر بشيء.

ساد الصمت السجن. لم يُسمع سوى الأنفاس المتقطعة، بعضها من الألم وبعضها من التوتر.

اقترب زاكريل أكثر. صار الوسم على جبينه واضحًا تمامًا.

واصل زاكريل تقدمه مترنحًا خطوة بعد خطوة. لم يبدُ كأنه يعبأ ببيلدين والاثنين الآخرين وهم يتراجعون أمامه وكأنهم يواجهون عدوًا عظيمًا.

ازداد توتر بيلدين، حتى إن كويك روب أمسك تاليس وسحبه إلى الخلف.

عبس زاكريل.

«والآن؟»

عليه أن يفعل هذا.

همس كويك روب من بين أسنانه:

وتذكر طلب مارينا، إحدى سيوف الكارثة، منه قبل قليل.

«لا نستطيع هزيمته. ولم نجد المخرج بعد… إلى أين نهرب؟»

«…اقتتال داخلي داخل عائلة جادستار؟»

«صحيح.

«كان رجلًا صالحًا.»

«ماذا نفعل؟

هز تاليس رأسه وبسط قبضتيه ببطء.

«وإلى أين نهرب؟»

عقد زاكريل حاجبيه والتفت.

تلاقت عينا تاليس وزاكريل، فرأى في عيني فارس الحكم كآبة لا نهاية لها.

«نائب القائد كويل بارني… أي نوع من الرجال… كان؟»

أخذ تاليس نفسًا عميقًا دون وعي.

أطلق بيلدين نفسًا خافتًا بعد أن بلغ توتره ذروته.

وتذكر فجأة هيئة زاكريل وهو يرتجف داخل زنزانته، ويتمتم بجنون لعالم لم يكن تاليس يراه.

«وإلى أين نهرب؟»

«“أعرف أنكم تختبرونني… لكن صدقوني، لم أتراجع عن قراراتي يومًا لأنني اضطررت إلى التضحية بشيء. أعرف تمامًا ما يجب أن أقدمه. سواء جلب ذلك فضلًا أم خطيئة، خيرًا أم كارثة، فسأقبله بهدوء. لن أهرب…”»

رفع بيلدين فأسه وحجب تاليس خلفه.

ثم تذكر كيف تعامل الرجل مع خصومه ببراعة وسهولة تامة حين حاصروه.

«أتظن أن حمل جرائمنا جميعًا وحدك، وأن تسند عمودًا ينهار بمفردك، وأن تصمت حتى لا تلوّث مجد أحد ولا تحطم سمعة أحد… تضحية عظيمة؟ أتظن أنك بهذا لا تخذل أحدًا؟»

«“أنا فارس إمبراطوري وسيد شرفي للكوكبة! ضابط العقوبات في الحرس الملكي، والمراقب، وحامي العرش، وحارس الخزانة الملكية—”»

«فارس الحكم.

وتذكر احترام فارس الحكم الغريب حين أخبره بأنه سيقتله.

«بارني! بارني، أفق!»

«“اطمئن يا صاحب السمو. بعد موتك، سأتحمل المسؤولية كاملة عن الجريمة المرتكبة بحقك، تعويضًا عن الظلم الذي تعرضت له هنا.”»

لم يجب زاكريل.

وأخيرًا، تذكر ملامح الارتياح على وجه زاكريل حين واجه رفاقه واعترف بالخيانة.

رفع كويك روب حاجبًا.

«“الشخص الذي ينبغي حقًا أن يتحمل جريمة التواطؤ مع العدو، ومع ذلك أخفى الحقيقة بخسة طوال ثمانية عشر عامًا… الخائن المخزي، البائس، المنافق، المقزز، المتعالي على الناس، المتشدق بالفضيلة وهو نقيضها… هو أنا.”»

رفع بارني وجهه الشاحب، وعيناه محمرتان بالدم. بدا صوته بين التوسل والمطالبة.

«فارس الحكم.

ساد الصمت السجن. لم يُسمع سوى الأنفاس المتقطعة، بعضها من الألم وبعضها من التوتر.

«أي نوع من الرجال أنت حقًا؟»

«الفرار الأعمى لن يفيد.

قال تاليس بهدوء:

لكن بيلدين وناير ثبتا أمامه، وكأنهما مستعدان للموت معه.

«فهمت الآن يا كويك روب.»

توقف للحظة.

حتى هو نفسه تفاجأ من ثبات صوته. بدا كفريسة انكسرت قيودها فجأة.

«لا.

رفع كويك روب حاجبًا.

توقف زاكريل.

«ماذا فهمت؟»

بل لا بد أن يفعله.

هز تاليس رأسه وبسط قبضتيه ببطء.

ظل بارني الابن راكعًا على الأرض وكأن روحه فارقت جسده، وعقله غارق في فراغ كامل. أما بيلدين فبدا قلقًا، وساميل بقي صامتًا.

«الفرار الأعمى لن يفيد.

«وفي هذه اللحظة، هو أخطر تهديد في السجن.»

«لأننا… منذ زمن بعيد، لم يعد لدينا مكان نذهب إليه.»

انخفض صوته شيئًا فشيئًا، لكن اليأس فيه صار أوضح، وصارت مشقة إخراج الكلمات من فمه أكثر ظهورًا.

قالها وهو ينظر إلى بارني الابن ونالجي الغارقين في الشرود، ثم أعاد بصره إلى زاكريل الذي كان يقترب منه. حملت كلماته معنى أبعد مما ظهر منها.

«كويل بارني، قائد الطليعة الصلب الذي لا يتزعزع، والذي يعجز أعداؤه عن إسقاطه… انتهى.»

تجمد كويك روب، ولم يفهم.

«أكان قتلًا للأب… أم قتلًا بين الإخوة؟»

وبعد أن نطق بها، حسم تاليس أمره، وشعر براحة غريبة.

ولم يُسمع في القاعة إلا نفس تاليس المتسارع.

عليه أن يفعل هذا.

ثم قال بصوت أجش:

بل لا بد أن يفعله.

تنهد ناير ووقف إلى جانب بيلدين.

وفي اللحظة التالية، وتحت نظرة كويك روب المصدومة، خطا تاليس نحو زاكريل.

«لا تريد تلطيخ اسم العائلة الملكية، وفي الوقت نفسه لا تحتمل فضحنا نحن أيضًا، نحن الخونة الوقحين الذين ارتكبوا أفعالًا دنيئة.»

«هل هذا ما تريده؟»

«كويل بارني، قائد الطليعة الصلب الذي لا يتزعزع، والذي يعجز أعداؤه عن إسقاطه… انتهى.»

تردد صوت الفتى في السجن.

لم يجبه أحد، حتى زاكريل الذي صار يتمايل بالكاد قادرًا على الوقوف.

توقف فارس الحكم.

تغيرت وجوه الجميع شيئًا فشيئًا.

اتجهت أنظار الجميع نحو الأمير.

«لقد لحق بنا فارس الحكم في النهاية.

«أن تدفن كل قذارة الماضي وآلامه؟ أن تخفيها تحت الأرض؟ أن تتظاهر بأن شيئًا لم يحدث، ثم تقنع نفسك بأن هذا هو الخيار الأفضل؟»

نظر فارس الحكم بحزن إلى بارني ونالجي، الراكعين على جانب القاعة، ورأى الانهيار على وجهيهما، ثم هز رأسه بأسى.

كان تاليس يلهث. نفض يد كويك روب عنه، وتجاهل نظرة بيلدين، وتحمل آلام جروحه وهو يتابع:

نظر إلى بارني الذي تحطم ذهنه، وإلى نالجي المنهار.

«إن متُّ هنا، فهل تنتهي مسؤولياتك وماضيك، وعذابهم وآلامهم… وكل ما وقع في ذلك العام؟»

كان بارني الابن ما يزال راكعًا على الأرض بعقل شارد، لكنه مد يده بضعف وأمسك بساق الفارس.

رفع إصبعه وأشار إلى الأسرى واحدًا تلو الآخر، إلى المنهارين والمصدومين والغارقين في الفراغ.

من كان يسنده

حين اصطدمت نظرة زاكريل بعيني تاليس الثابتتين، تجمد لحظة في حيرة.

زفر تاليس، واستخدم خطيئة نهر الجحيم ليهدئ خفقان قلبه المتسارع.

فتح فمه كأنه سيجيب، لكنه لم يفعل سوى أن تنهد بخفة.

«أنت لا تفهم يا صاحب السمو.»

ارتجف بارني الابن بعنف وهو راكع.

أغمض الفارس عينيه وهز رأسه.

تعقدت نظرته، وظهر فيها حقد وازدراء لا يُعرف متى تسللا إليها.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا، ثم أدار نظره على الجميع.

حدّق كويك روب في زاكريل الذي أصبح أمامهم مباشرة، ثم في نالجي الذي كان ينهار نفسيًا، وابتلع ريقه. دفع تاليس بمرفقه وهمس بقلق:

بارني الابن لا يزال محطمًا وشاردًا، ونالجي لا يزال يرتجف، وزاكريل أمامه ضعيفًا منهكًا تكسو ملامحه الكآبة.

عليه أن يفعل هذا.

«لا.

حتى زاكريل شرد للحظة.

«لكن هناك أمر واحد فقط لا أفهمه.»

زمجر نالجي في وجه زاكريل، وعيناه محمرتان كالدم:

استدار تاليس فجأة وجزّ على أسنانه.

«إذًا أخبرني يا زاكريل.

«مَن؟»

تبدّل تعبيره، وأدار نظره على الجميع.

عبس زاكريل.

تردد صوت الفتى في السجن.

«ماذا؟»

«من كان؟»

قال تاليس بحزم، وبصوت قاطع نادرًا ما صدر منه:

رفع الجميع رؤوسهم وحدقوا فيه، بعضهم بدهشة وبعضهم بحيرة.

«من الذي أعطاكم الأوامر؟»

فتح فمه كأنه سيجيب، لكنه لم يفعل سوى أن تنهد بخفة.

«مَن أعطاكم الأوامر.»

تغيرت وجوه الجميع شيئًا فشيئًا.

حالما سمعوا الجملة، عقد الجميع حواجبهم معًا.

وفي اللحظة التالية، وتحت نظرة كويك روب المصدومة، خطا تاليس نحو زاكريل.

ضم زاكريل شفتيه، وكأنه لا ينوي منحه جوابًا.

ساد الصمت بضع ثوانٍ.

لكن ما قاله تاليس بعد ذلك تجاوز توقعاته تمامًا.

ازداد توتر بيلدين، حتى إن كويك روب أمسك تاليس وسحبه إلى الخلف.

«لم أعرفكم منذ وقت طويل، لكن…»

«في ذلك العام… أي فرد من جادستار كان يقف خلفكم، أنتم النبلاء المحاصرين بلا مخرج؟ مَن استغل مكانته الملكية ليكسب الأطراف المختلفة، وجعل إنقاذ عائلاتكم طُعمًا، ودفعكم إلى التراخي في واجبات الحراسة، وتآمر معكم لاغتيال الملك الذي فقد صوابه، ثم خطط لتنظيف الفوضى بعد ذلك واعتلاء العرش…؟»

حرّك تاليس نظره ببطء.

«بعضكم شارك مباشرة، وبعضكم كان يعرف فقط… لكن السبب الذي كبّل أيديكم جميعًا واحد… لأن وراءكم فردًا من جادستار يملك حقًا مشروعًا في العرش مثل غيره؟»

«ربما كان نالجي يضع عائلته فوق أشياء كثيرة، لكنه لم يستطع أن يقف متفرجًا وأنت تتحمل جريمته بدلًا عنه…»

«لا.»

ارتجف كتفا نالجي بشدة.

«أبي… لماذا فعل بي هذا؟»

انتقل تاليس بنظره إلى الجانب الآخر.

عبس زاكريل.

«وكانون، وبروولي، وتاردين… ربما كنتم تعرفون ما حدث في ذلك العام، لكن لم يستطع أي منكم أن يبقى غير مبالٍ. حتى بعد ثمانية عشر عامًا من السجن، ما زال ضميركم يعذبكم.»

استمر الصمت عدة ثوانٍ.

توقف كانون عن النشيج، وكف بروولي عن الارتجاف، وتجمد تاردين.

عبس تاليس دون وعي عند سماعه أوصاف ساميل.

وأخيرًا، نظر تاليس إلى بارني الابن الشارد.

«الماضي لا يمكن تغييره.

«لا أعرف بارني الأب، لكن من بارني الابن أستطيع أن أتخيل أن أباه كان مثله: عنيدًا، حازمًا، لا يحيد عن هدفه، ثابتًا على مبادئه.»

خفض زاكريل نظره، وكان في صوته احترام عميق وهو يتذكر رفيقه القديم.

ازداد عبوس زاكريل.

«كويل بارني، قائد الطليعة الصلب الذي لا يتزعزع، والذي يعجز أعداؤه عن إسقاطه… انتهى.»

زفر تاليس، واستخدم خطيئة نهر الجحيم ليهدئ خفقان قلبه المتسارع.

«صحيح.

قال الأمير بثبات:

ارتجف كتفا نالجي بشدة.

«لا أرى في أي منكم وقاحة الخونة ولا دناءتهم. ما أراه هو رجال حوصروا في مأزق مؤلم، لا يستطيعون التقدم ولا التراجع.»

همس كويك روب من بين أسنانه:

رفع الجميع رؤوسهم وحدقوا فيه، بعضهم بدهشة وبعضهم بحيرة.

ولم يُسمع في القاعة إلا نفس تاليس المتسارع.

خطا زاكريل فجأة خطوة إلى الأمام.

حدّق تاليس في بيلدين الذي وقف أمامه ليحميه رغم انهيار جسده ونفسه، فعض شفته دون وعي.

لكن بيلدين وناير ثبتا أمامه، وكأنهما مستعدان للموت معه.

توقف فارس الحكم.

تفاجأ تاليس، لكنه استجمع شجاعته وتابع:

لم يكن زاكريل في حال جيدة.

«أنتم من الحرس الملكي للكوكبة، ومن أقرب أتباع الملك. ومهما بلغ انحطاطكم أو أنانيتكم أو سوءكم، فمن المستحيل أن تتخلوا جميعًا عن كبريائكم وتخونوا الملك طمعًا في المجد من دون أن ينهشكم الذنب.

أدار وجهه بحزن وواصل السير.

«أنتم لستم من هذا النوع. لا تجرؤون على فعلها، ولا تستطيعون فعلها… إلا إذا وُجد سبب آخر. سبب أكثر إقناعًا، يسمح لكم بأن تقولوا لأنفسكم إن ما فعلتموه كان صوابًا، لا خيانة!»

«أن تدفن كل قذارة الماضي وآلامه؟ أن تخفيها تحت الأرض؟ أن تتظاهر بأن شيئًا لم يحدث، ثم تقنع نفسك بأن هذا هو الخيار الأفضل؟»

قال تاليس كلماته الأخيرة من بين أسنانه.

عبس تاليس دون وعي عند سماعه أوصاف ساميل.

ازداد وجه زاكريل قتامة.

«أنتم لستم من هذا النوع. لا تجرؤون على فعلها، ولا تستطيعون فعلها… إلا إذا وُجد سبب آخر. سبب أكثر إقناعًا، يسمح لكم بأن تقولوا لأنفسكم إن ما فعلتموه كان صوابًا، لا خيانة!»

عرف تاليس أنه يسير في الاتجاه الصحيح.

وفي اللحظة التالية، وتحت نظرة كويك روب المصدومة، خطا تاليس نحو زاكريل.

لذلك تجاهل نظرات كويك روب ذات المغزى، ورفع صدره وأطلق تخمينه كاملًا.

ومع اقتراب زاكريل من تاليس، اضطرب بيلدين بشدة. كان صاحب ثاني أعلى رتبة بعد بارني الابن، رغم أن رتبته سُلبت منه منذ زمن، فصاح باسم قائد الطليعة محاولًا إيقاظه.

«أما أنت يا زاكريل، فأنت فارس شريف وحارس مخلص. حتى وأنت على وشك مهاجمتي في اللحظة التالية، ظللت تعاملني باحترام…

لذلك تجاهل نظرات كويك روب ذات المغزى، ورفع صدره وأطلق تخمينه كاملًا.

«وأظن أن الشيء الوحيد القادر على جعلك تدوس شرفك ومهمتك… هو شرف أعظم، ومهمة أعظم.»

وتابع الأمير من بين أسنانه:

في اللحظة التي قال فيها تاليس ذلك، ارتجف جسد زاكريل كله.

ارتجف كتفا نالجي بشدة.

«فأي مهمة كانت قادرة على دفعك إلى خيانة عائلة جادستار بلا تردد؟»

«ماذا… قلت؟»

تغيرت وجوه الجميع شيئًا فشيئًا.

«لا… ما هذا بحق الجحيم…»

قال تاليس ببرود:

«أما أنت يا زاكريل، فأنت فارس شريف وحارس مخلص. حتى وأنت على وشك مهاجمتي في اللحظة التالية، ظللت تعاملني باحترام…

«إلا إذا…»

خفض رأسه ودفن وجهه بين كفيه. ظل كتفاه يرتجفان بلا توقف.

لم يعد فارس الحكم قادرًا على البقاء هادئًا.

عرف تاليس أنه يسير في الاتجاه الصحيح.

«يا صاحب السمو!»

لكن نالجي لم يتقبل لطفه.

صرخ زاكريل.

«إلا أنت يا زاكريل.»

لكن تاليس تجاهله. ثبت ملامحه رغم الجهد، وقال تحت ضوء المشعل الخافت:

«وفي هذه اللحظة، هو أخطر تهديد في السجن.»

«الشماليون ودرع الظل… كلاهما أعطاني تلميحات. لكنني كنت أرفض تصديقها دائمًا…»

حدّق تاليس في بيلدين الذي وقف أمامه ليحميه رغم انهيار جسده ونفسه، فعض شفته دون وعي.

جزّ تاليس على أسنانه وغرس سيف ريكي الطويل بين شقوق البلاط العتيق.

أطلق بيلدين نفسًا خافتًا بعد أن بلغ توتره ذروته.

«إذًا أخبرني يا زاكريل.

ثم صاح:

«من كان؟»

قالها وهو ينظر إلى بارني الابن ونالجي الغارقين في الشرود، ثم أعاد بصره إلى زاكريل الذي كان يقترب منه. حملت كلماته معنى أبعد مما ظهر منها.

تغيرت ملامح زاكريل مرارًا تحت نظرة تاليس.

«لهذا تريد أن تدفن الحقيقة كلها وتتحمل التهم وحدك.

وتابع الأمير من بين أسنانه:

ثم ضحك ساميل من جديد.

«في ذلك العام… أي فرد من جادستار كان يقف خلفكم، أنتم النبلاء المحاصرين بلا مخرج؟ مَن استغل مكانته الملكية ليكسب الأطراف المختلفة، وجعل إنقاذ عائلاتكم طُعمًا، ودفعكم إلى التراخي في واجبات الحراسة، وتآمر معكم لاغتيال الملك الذي فقد صوابه، ثم خطط لتنظيف الفوضى بعد ذلك واعتلاء العرش…؟»

رفع بيلدين فأسه وحجب تاليس خلفه.

كانت نظرة الأمير حادة، وضغط حضوره على الجميع.

لكن بارني الابن بقي راكعًا على الأرض بعينين زائغتين، كأنه لم يسمع شيئًا.

ترددت كلماته بين الجدران.

«ماذا فهمت؟»

نصف الموجودين صُدموا.

أما النصف الآخر، فقد شحب وجه نالجي وكانون، بينما أشاح بروولي وتاردين بوجهيهما.

«ماذا… قلت؟»

استدعى ناير، الذي ما زال متماسكًا نسبيًا، وساميل ذا الوجه الجاد، وحاول تشكيل خط دفاع أخير.

كان بارني هو من قالها.

توقف زاكريل.

أما النصف الآخر، فقد شحب وجه نالجي وكانون، بينما أشاح بروولي وتاردين بوجهيهما.

أطلق بيلدين نفسًا خافتًا بعد أن بلغ توتره ذروته.

وأمامهم، ترنح زاكريل بعنف، ثم أمسك رأسه بألم.

«ماذا فهمت؟»

استمر الصمت عدة ثوانٍ.

«“الشخص الذي ينبغي حقًا أن يتحمل جريمة التواطؤ مع العدو، ومع ذلك أخفى الحقيقة بخسة طوال ثمانية عشر عامًا… الخائن المخزي، البائس، المنافق، المقزز، المتعالي على الناس، المتشدق بالفضيلة وهو نقيضها… هو أنا.”»

ولم يُسمع في القاعة إلا نفس تاليس المتسارع.

تبدلت وجوه جميع الأسرى.

ثم ارتفع صوت مرتجف.

«ماذا فهمت؟»

«إذًا… هكذا كان الأمر…»

اقترب زاكريل أكثر. صار الوسم على جبينه واضحًا تمامًا.

أدار ساميل بصره على الجميع، وارتعش صوته. بدا وكأنه فهم شيئًا للتو.

رفع الجميع رؤوسهم وحدقوا فيه، بعضهم بدهشة وبعضهم بحيرة.

«لهذا تريد أن تدفن الحقيقة كلها وتتحمل التهم وحدك.

تبدّل تعبيره، وأدار نظره على الجميع.

«ولهذا كتمتم السر في قلوبكم كل هذه السنوات، وظللتم ممزقين حتى اليوم.

كانت ضحكته مرتجفة ومخيفة.

«بعضكم شارك مباشرة، وبعضكم كان يعرف فقط… لكن السبب الذي كبّل أيديكم جميعًا واحد… لأن وراءكم فردًا من جادستار يملك حقًا مشروعًا في العرش مثل غيره؟»

«لأننا… منذ زمن بعيد، لم يعد لدينا مكان نذهب إليه.»

تراجع خطوة، وأخذ نفسين عميقين. كان في صوته سخرية باردة.

ثم تابع ساميل:

«الكوارث والعتاد المضاد للصوفيين لم يكونا السبب…

«أبي… لماذا فعل بي هذا؟»

«هذه هي الفضيحة الحقيقية والأكبر لعائلة جادستار الملكية. الفضيحة التي لا يمكن كشفها للعامة.»

«أم كان دوق بحيرة النجوم، جون، شقيق الملك الأصغر، الذي احتكر القوة العسكرية وكان في أوج عمره، لكنه محكوم بألا يمس التاج طوال حياته ما لم ينقرض نسل الملك الراحل؟»

اهتز طرف سيف ساميل قليلًا.

«ربما لم تكن الخائن… أو على الأقل لم تكن الخائن الوحيد. وربما كانت لديك أسبابك، ولم يعد لنا حق اتهامك.»

«يا للسخرية… خيانة؟ ولاء؟ لا علاقة للأمر بأي من هذا الهراء…

ثم قال بصوت أجش:

«الكابوس الذي عذبني طوال ثمانية عشر عامًا، السنة الدموية، والاغتيال والتمرد اللذان يخفيهما كبار النبلاء بعناية… كل ذلك لم يكن سوى…»

عبس زاكريل.

توقف للحظة.

«…اقتتال داخلي داخل عائلة جادستار؟»

«أم كان هناك فرد من جادستار أشد شيطانية من هؤلاء جميعًا؟ هل كان كيسيل ملك اليد الحديدية، الذي أرسلني وإياكم وكل من عرف ومن لم يعرف بلا رحمة لنتعفن وسط القمامة بعد حادثة ذلك العام، ثم جلس هو على العرش يستمتع بكل شيء وحده؟»

أطلق زاكريل أطول تنهيدة خرجت منه طوال ذلك اليوم. وازدادت يدُه المضغوطة على جبينه ارتجافًا.

«سئمت غرورك وتعاليك، يا فارس الحكم.»

اتسعت عينا بارني الابن بعدم تصديق، واستقام جسده.

بدا أن الحقيقة دفعت ساميل إلى حافة الانفجار. نظر إلى الوجوه الصامتة حوله وقال بسخرية باردة عالية:

ظل تاليس صامتًا، واكتفى بالزفير بهدوء.

ثم تذكر كيف تعامل الرجل مع خصومه ببراعة وسهولة تامة حين حاصروه.

أما فم كويك روب فبقي مفتوحًا، عاجزًا عن إبداء أي رد.

زمجر نالجي في وجه زاكريل، وعيناه محمرتان كالدم:

ظل زاكريل مغمض العينين، وكأنه لم يعد يعرف كيف يجيب عن سؤال تاليس.

توقف زاكريل.

تبادل بيلدين وناير نظرة حائرة. امتلأت عيناهما بالحزن والألم وآخر بقايا عدم التصديق.

«والفرق الوحيد هو…

ثم ضحك ساميل من جديد.

«أنتم لستم من هذا النوع. لا تجرؤون على فعلها، ولا تستطيعون فعلها… إلا إذا وُجد سبب آخر. سبب أكثر إقناعًا، يسمح لكم بأن تقولوا لأنفسكم إن ما فعلتموه كان صوابًا، لا خيانة!»

كانت ضحكته مرتجفة ومخيفة.

وأمام زاكريل المتقدم نحو الأمير، ورفاقه الذين تحطموا وفقدوا وحدتهم، تردد بيلدين ثواني معدودة قبل أن يحسم أمره ويرفع سلاحه.

«هاهاهاها… دعوني أخمّن إذًا…»

لم يكن زاكريل في حال جيدة.

تعقدت نظرته، وظهر فيها حقد وازدراء لا يُعرف متى تسللا إليها.

رفع إصبعه المرتجف وأشار إلى فارس الحكم.

«هل كان ولي العهد ميدير، الذي كان دائمًا يتعطش إلى المجد، ويصعب سبر أفكاره، وكان المستفيد المباشر من موت الملك الراحل؟»

جزّ زاكريل على أسنانه، واتكأ على الجدار وهو يدخل غرفة التخزين خطوةً بعد خطوة.

رفع ساميل رأسه فجأة وقال بحقد:

كان تاليس يلهث. نفض يد كويك روب عنه، وتجاهل نظرة بيلدين، وتحمل آلام جروحه وهو يتابع:

«أم كان هوراس، صاحب سيف الضوء المعكوس، البطل صاحب المآثر العسكرية التي لا تحصى، لكنه عنيف، متعطش للدماء، وطموح؟

توتر كثيرون فورًا.

«أم بانكروفت السمين، الذي بدا بدينًا عاديًا، لكنه في الحقيقة مولع بالملذات وجمع الثروات؟

فتح فمه كأنه سيجيب، لكنه لم يفعل سوى أن تنهد بخفة.

«أم هيرمان الوسيم، الذي لم يملك سوى جمال المظهر والموهبة الأدبية، وكان ضيق الصدر، سامّ الطباع، قاسيًا لا يرحم؟»

ظل تاليس صامتًا، واكتفى بالزفير بهدوء.

عبس تاليس دون وعي عند سماعه أوصاف ساميل.

«لا نستطيع هزيمته. ولم نجد المخرج بعد… إلى أين نهرب؟»

لقد سمع كيسيل من قبل وهو يستعيد ذكريات هؤلاء الأمراء ويتحدث عنهم داخل مقبرة عائلة جادستار، لكن…

ارتدت شتائمه في غرفة التخزين، حتى ارتجف ضوء المشعل في يد ساميل.

«يتعطش إلى المجد، عنيف ومتعطش للدماء، مولع بجمع المال، سامّ الطباع…

«أما أنت يا زاكريل، فأنت فارس شريف وحارس مخلص. حتى وأنت على وشك مهاجمتي في اللحظة التالية، ظللت تعاملني باحترام…

«هذه الأوصاف…»

«الكابوس الذي عذبني طوال ثمانية عشر عامًا، السنة الدموية، والاغتيال والتمرد اللذان يخفيهما كبار النبلاء بعناية… كل ذلك لم يكن سوى…»

أخذ ساميل نفسًا وتابع:

كان بارني هو من قالها.

«أم كان دوق بحيرة النجوم، جون، شقيق الملك الأصغر، الذي احتكر القوة العسكرية وكان في أوج عمره، لكنه محكوم بألا يمس التاج طوال حياته ما لم ينقرض نسل الملك الراحل؟»

حين اصطدمت نظرة زاكريل بعيني تاليس الثابتتين، تجمد لحظة في حيرة.

تحركت أفكار تاليس.

الحقيقة التي انكشفت بشأن ذلك العام بعثرت قلوبهم جميعًا، ومن ضمنهم هو نفسه. لم يعرف كيف يتصرف أمام رفاقه الذين صاروا على هذه الحال، في حين أن زاكريل، الرجل الذي كان يحترمه يومًا، أصبح يبدو كغريب.

وتذكر طلب مارينا، إحدى سيوف الكارثة، منه قبل قليل.

ترددت كلماته بين الجدران.

وفي ذلك الصمت الخانق، صاح ساميل بغضب:

بدا كمن استيقظ للتو من كابوس. كلماته متقطعة ونظرته ضائعة.

«أكان قتلًا للأب… أم قتلًا بين الإخوة؟»

تبدّل تعبيره، وأدار نظره على الجميع.

لم يجبه أحد، حتى زاكريل الذي صار يتمايل بالكاد قادرًا على الوقوف.

كان بارني الابن ما يزال راكعًا على الأرض بعقل شارد، لكنه مد يده بضعف وأمسك بساق الفارس.

ثم تابع ساميل:

«لكنك لا تفهم!»

«أم كان هناك فرد من جادستار أشد شيطانية من هؤلاء جميعًا؟ هل كان كيسيل ملك اليد الحديدية، الذي أرسلني وإياكم وكل من عرف ومن لم يعرف بلا رحمة لنتعفن وسط القمامة بعد حادثة ذلك العام، ثم جلس هو على العرش يستمتع بكل شيء وحده؟»

«إذًا… هكذا كان الأمر…»

بدا أن الحقيقة دفعت ساميل إلى حافة الانفجار. نظر إلى الوجوه الصامتة حوله وقال بسخرية باردة عالية:

لكن أحدًا لم يتكلم. حتى زاكريل.

«ولا تقولوا لي إن الفاعلة كانت كونستانس، تلك الأميرة الصغيرة الحمقاء التي شُخّصت منذ طفولتها بالتخلف!»

«لكل شخص هنا الحق في أن يطلب مني الصمت.»

«أتظن أن حمل جرائمنا جميعًا وحدك، وأن تسند عمودًا ينهار بمفردك، وأن تصمت حتى لا تلوّث مجد أحد ولا تحطم سمعة أحد… تضحية عظيمة؟ أتظن أنك بهذا لا تخذل أحدًا؟»

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط