Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 485

مرتفع أكثر من اللازم
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

مرتفع أكثر من اللازم

مرتفع أكثر من اللازم

غمرت الغرفة الضيقة سكينة ميتة.

كان كل شيء ضبابيًا، كأنه غارق في غلالة كثيفة. أبيض، باهت، مشوش، بلا ملامح واضحة ولا أرض يستند إليها.

ابتسم قسرًا في ذعر، وأخذ يلوح بذراعيه لأنه لم يعرف أين يضعهما.

ولم يبقَ سوى ذلك الصوت الرقيق، كأنه يهمس عند أذنيه مباشرة.

وخلفه، أغلق غوتهام الباب بصمت وتفاهم.

“كيرن، أرجوك… لا تخف.”

سحب الأمير كرسيًا برفق من تحت الطاولة وأشار إليه.

“كيف يمكن هذا؟”

كان الصوت متقطعًا وخافتًا، قاسيًا وباردًا.

امتلأ قلبه بمزيج غريب من المرارة والحزن، لكنه لم يجد سبيلًا لتفريغهما. كان الأمر أشبه بأنه… يفقد شيئًا ما.

“دعني أخمن… لا بد أن الشماليين أحسنوا إطعامك، صحيح؟”

“أنا فقط… أنا فقط…”

“خشب يطرق الأرض.”

بدا الصوت عاجزًا إلى حد مؤلم، بائسًا… وكأنه يبتعد عنه.

“يا… يا… يا…”

“أنا فقط… أعيش في عالم مختلف عن عالمك.”

شاحب، ذابل، وفمه مائل إلى أحد الجانبين.

تلاشى صوتها.

وكأن دمًا هطل من السماء وصبغ الجدران بالحمرة. تحول كل ما حوله إلى لون أحمر متوهج، لزج حتى في مظهره، متعطش للدماء وكئيب!

وفجأة شعر بفراغ هائل، وانقبض قلبه ألمًا. مد يده نحو مصدر الصوت، راغبًا في لمسها، والإمساك بها بقوة، ومنعها من الرحيل.

كانت بشرته داكنة نسبيًا، ووجهه مختلفًا عن وجوه البشر المعتادة.

لكن حين ظن أنه أوشك على الوصول إليها وإبقائها إلى جواره، اخترق ضوء أحمر الضباب فجأة!

ثم جلس هو على السرير بهدوء.

تبدد الضباب الأبيض، وانمحت الرؤية المشوشة.

جاء الرد بسرعة شديدة.

وكأن دمًا هطل من السماء وصبغ الجدران بالحمرة. تحول كل ما حوله إلى لون أحمر متوهج، لزج حتى في مظهره، متعطش للدماء وكئيب!

“تبًا لك.

تغير كل شيء.

“إذن عدنا.

ولسبب لا يفهمه، شعر بالتوتر.

كان الصوت متقطعًا وخافتًا، قاسيًا وباردًا.

“مضى وقت طويل…”

“ما زال يتكلم كالدبلوماسي.”

وسط الحمرة الدموية التي أحاطت به، ارتفع من العدم صوت غريب بارد، جهوري ومفعم بالحماس.

في تلك اللحظة، جاءت خطوات سريعة من خارج الباب.

“مضى وقت طويل…”

فهم تاليس المعنى.

هبط عليه ثقل مرعب بلا إنذار، وضغطه حتى كاد يعجز عن التنفس.

والأغرب أن سيفًا طويلًا ذا طراز مميز كان مثبتًا على العصا، كأن صاحبه يستطيع الاعتماد عليها للمشي وفي الوقت نفسه سحب السيف للقتال.

“لا.”

بل عاد إلى الجلوس والتقط أدوات الطعام.

“مضى وقت طويل… وقت طويل… طويل… طويل…”

لكنه حين دفعها، تجمد.

ترددت الأصداء ثقيلة بلا نهاية، كأن أحدهم يقرع طبل حرب مهيبًا، وكل ضربة تهز قلبه.

“خانقة قليلًا.”

“لا.”

لكن كلماته حملت معنى عميقًا مجهولًا، وإصرارًا واضحًا على إنهاء الحديث.

“يا…”

“بيت الجناح الأسطوري “الدافئ”؟”

كان الصوت شديد الحماس، لكنه كان مذعورًا.

“أنت تعرف زاكريل، صحيح؟”

“لا.”

مرت ثوانٍ أخرى من الصمت.

“يا…”

بل عاد إلى الجلوس والتقط أدوات الطعام.

اشتدت الحمرة من حوله، وصارت أعمق وأظلم وأكثر كآبة… وأقرب.

كان الصوت متقطعًا وخافتًا، قاسيًا وباردًا.

“يا… يا… يا…”

وأخيرًا، ظهر رجل يستند إلى عصا عند مدخل الغرفة.

لم يكن هناك مفر.

كان السؤال الحقيقي مخفيًا خلف كلماته، لكن يودل بدا كأنه فهم قصده.

زحفت الحمرة التي لا تنتهي فوق جسده وحواسه، ولم يستطع التخلص منها أو الفرار.

“لا، لا، لا، يا صاحب السعادة! هذه أوامر البارون. حتى شخص بمقامك لا يمكنه أن… آغ!”

“لا.”

تمكن الجندي أخيرًا من تثبيت نفسه.

اصطدمت بأفكاره بعنف، واستولت على عقله، وملأت… كل ما فيه.

لم يفصل بين رأس السرير وباب الغرفة سوى نحو عشر خطوات.

“لا!”

وجلس تاليس أمام المكتب يحدق في الطعام الذي أحضره له مطلق الأفاعي.

“يا يا يا يا يا يا يا يا…”

عقد المراهق حاجبيه وحدق في الفراغ، ممتلئًا بالاستياء والقلق.

وأخيرًا، حين ملأ الأحمر اللامتناهي كيانه من الداخل، صار ذلك الصوت البعيد والغريب واضحًا بصورة مرعبة، كأنه عند أذنه مباشرة…

وفي اللحظة التالية، شعر تاليس بإحساس مألوف في يده اليمنى.

لكن الحقيقة أنه كان ينبعث من داخله!

وحين عاد، كان يحمل كوبًا من الماء.

“يا…”

ظل الجندي المتحمس يحدق في تاليس، الذي لا يزال مستلقيًا بضعف، وكأنه يخشى أن يختفي إن رمش.

اختفى كل التشوش، وكل الإحساس بوجود حاجز بينهما.

ظل صوته أجش كعادته.

وانفجر الصوت من فمه كزئير بركان، وكمد هائل ينهار فوق الشاطئ.

أُمسكت يده اليمنى بإحكام، فلم يستطع دفعها إلى الأمام ولا سحبها!

“…أخي بالدم!”

“لا أطيع… إلا أوامر جلالته.”

“آآآآآه!”

حمل الصوت سخرية باردة تجعل كل من يسمعه يشعر بالنفور.

صرخ تاليس رعبًا ونهض متخبطًا.

“إذن كويك روب، وبارني جونيور، وبيلدين، وتاردين، وكانون، وبرولي، وزاكريل…”

هلع، عجز، فزع…

ارتفع الصوت الحاد مجددًا، وكانت فيه لمحة من لهجة الصحراء الغربية.

كان يلهث، ويمد يديه كأنه يحاول الإمساك بشيء قبل أن يضيع.

“أوامر جلالته…

وفي تلك اللحظة، ظهر فوقه فجأة ظل أسود ثقيل.

كان كل شيء ضبابيًا، كأنه غارق في غلالة كثيفة. أبيض، باهت، مشوش، بلا ملامح واضحة ولا أرض يستند إليها.

كان كطيف هبط عليه من قلب الظلام، كأنه يريد تغطيته وابتلاعه.

“أنا فقط… أنا فقط…”

وفي اللحظة التالية، شعر تاليس بإحساس مألوف في يده اليمنى.

وحينها فقط أدرك الجندي أن شيئًا ما في كلامه غير سليم.

كان متوترًا إلى حد أنه لم يفكر.

كان يلهث، ويمد يديه كأنه يحاول الإمساك بشيء قبل أن يضيع.

طعن بالسلاح في يده نحو الظل الأسود!

“يا…”

صفعة!

وبعد ثوانٍ، وجد أخيرًا ما يقوله.

دوّى صوت خافت.

تجمدت الابتسامة التي حاول تاليس إظهارها.

أُمسكت يده اليمنى بإحكام، فلم يستطع دفعها إلى الأمام ولا سحبها!

كان صوته مشوبًا بالقلق.

“تاليس.”

عقد تاليس حاجبيه وحدق في النافذة المسدودة.

خرج صوت أجش مألوف من الظل الأسود، وناداه باسمه.

أجبر نفسه على عدم النظر إلى مطلق الأفاعي، وحدق في الضيف أمامه بثبات.

انتبه تاليس فجأة!

جاء الرد من الهواء مقتضبًا وسريعًا كعادته.

“يو-يودل؟”

“أم يخشون أن أهرب؟

لهث المراهق، وحاول جاهدًا فصل الحمرة الدموية في حلمه عن الظل الأسود أمامه.

“ماذا؟”

وبعد جهد، استطاع تمييز عدستين تعكسان بريقًا باردًا.

سعل تاليس بصوت مرتفع، فقطع خطاب الترحيب المليء بالأخطاء.

تحت ضوء المصباح الخافت، ارتخت قبضة الظل الأسود على ذراعه قليلًا.

“نعم. أنا… أنا هنا.”

كرر تاليس نصيحته لنفسه وهو يراقب الرجل يقترب.

كان صوت يودل أجشًا.

“عندما حاول ريكي نزع القناع، تصرفت كأنه على وشك سلخ جلدك! إن كنت بخير حقًا، فلماذا لم أرَك قط من دون—”

وحاول تهدئة تاليس، الذي لم يستفق بعد من فزعه، بحركات افتقرت بوضوح إلى الخبرة.

لكنه لم يرضَ.

“أنا هنا.”

“…أخي بالدم!”

أرخى يده المغطاة بالقفاز عن معصم تاليس، وربت على ذراعه بحركة متصلبة، كأنه يحاول تشجيعه على الاسترخاء.

وحين رفع تاليس رأسه ونظر إلى الخارج، تجمد.

ولم يكن هناك أي أثر لذلك اللون الدموي الذي صبغ العالم كله في حلمه.

ثم أدار جسده قليلًا وحدق في تاليس ببرود، كاشفًا النافذة خلفه، وما وراءها من مبانٍ صغيرة وبعيدة تبدو كقطع لعب مصغرة.

ترخت أعصاب تاليس المتوترة حين شرد للحظة.

قال الأمير بسخرية.

وانزلقت خنجر JC من يده، فالتقطها يودل.

“لا، لا، لا، يا صاحب السعادة! هذه أوامر البارون. حتى شخص بمقامك لا يمكنه أن… آغ!”

“أنا هنا… أنا هنا…”

ثم تحول إلى نسخة أكثر فصاحة من اللغة المشتركة في شبه الجزيرة الغربية، وهي طريقة كلام مميزة لسعاة الجيش.

كرر الظل الأسود كلماته بارتباك.

وحين عاد، كان يحمل كوبًا من الماء.

وبعد ثوانٍ، وجد أخيرًا ما يقوله.

كان يلهث، ويمد يديه كأنه يحاول الإمساك بشيء قبل أن يضيع.

“الأمر… انتهى الآن.”

لم تكن كبيرة.

زفر تاليس وسقط إلى الخلف، لكن الحامي المقنع أسرع وأسنده، ثم أنزل رأسه برفق على الوسادة.

لكن الحقيقة أنه كان ينبعث من داخله!

رأى الأمير خنجر JC في يد يودل، وشعر بالقلق والذنب.

“بالطبع. أوامر جلالته… بالطبع.”

“الخنجر… أنا آسف.”

حدق فيه تاليس بصدمة.

فتح تاليس عينيه إلى النصف.

أما الريح الباردة القارسة فانقضت عبر النافذة كقطيع ذئاب شم رائحة الدم، وانتشرت في المكان، تعبث بكل شيء.

كان جسده كله ضعيفًا، وأنفاسه غير منتظمة.

وسط الحمرة الدموية التي أحاطت به، ارتفع من العدم صوت غريب بارد، جهوري ومفعم بالحماس.

“كان ذلك مجرد… كابوس. أنت تعرف، أنا…”

صمتًا.

لكن يودل قاطعه.

“يظن أنه يستطيع حبسي بهذا؟”

“أعرف. أعرف. انتهى الأمر الآن.”

“لقد رأيت ذلك!”

رفع الحامي المقنع الوسادة خلف تاليس كي يستند إليها، ولم ينسَ تغطيته جيدًا.

“الشمس… الريح الباردة…”

وعندما استلقى تاليس مجددًا، لاحظ أنه مغطى بطبقة من العرق البارد.

صمتًا.

كان العرق قد تشرب قميصه الداخلي، الذي يبدو أنه غُيّر في وقت ما.

لكن يبدو أنه انتبه إلى نفسه، فسعل بعنف عدة مرات واستقام غريزيًا.

تحسس تاليس الضمادات تحت القميص.

“…أخي بالدم!”

لم يشم سوى رائحة الدواء.

وفجأة شعر تاليس بأن الغرفة بردت من حوله.

استنشق بعمق متألمًا، وحينها فقط انتبه إلى أنه في غرفة غريبة.

وسقط اللوح في كف مغطاة بقفاز، فأمسكته بثبات.

كانت مظلمة، كئيبة وضيقة.

أغلق الأمير فمه وأخذ عدة أنفاس عميقة.

لم تكن كبيرة.

“…تسقط منه بالخطأ.”

لم يفصل بين رأس السرير وباب الغرفة سوى نحو عشر خطوات.

ثم تبعته نبرة باردة خشنة.

وُضع مكتب صغير بجانب السرير، وإلى جواره نافذة خشبية مغلقة بإحكام. تسللت من شقوقها خيوط قليلة من ضوء الشمس.

“مضى وقت طويل…”

ووُضع مصباح أبدي فوق مقعد خشبي بعيد، فلم يكد يضيء الغرفة.

“لا تدع غوتهام يخيفك.”

“لكن…”

وأخيرًا، ظهر رجل يستند إلى عصا عند مدخل الغرفة.

ضيق تاليس عينيه وهو مستلقٍ.

وعلى عنقه وشم غريب يشبه المنشار.

وجد أن لوح رأس السرير والمكتب نظيفان، لكن الجدران الأربعة قاتمة وصارمة، بل امتدت بعض خيوط العنكبوت في زوايا السقف.

فُتح باب الغرفة بعنف!

“أين نحن؟”

لهث المراهق، وحاول جاهدًا فصل الحمرة الدموية في حلمه عن الظل الأسود أمامه.

أجبر تاليس نفسه على السؤال.

“جيد جدًا.

كان حلقه جافًا.

وضع تاليس أدوات الطعام ورفع رأسه بانزعاج.

“معسكر أنياب النصل.”

وخلفه، أغلق غوتهام الباب بصمت وتفاهم.

مشى الحامي المقنع نحو المقعد الخشبي.

تجمد مطلق الأفاعي لثوانٍ، ثم ضرب جبهته.

وحين عاد، كان يحمل كوبًا من الماء.

“لا.”

“نمت يومًا وليلة كاملين.”

“كيف يمكن هذا؟”

“إذن عدنا.

لكن الحقيقة أنه كان ينبعث من داخله!

“يوم وليلة كاملان… كل هذا؟”

“كنت أظن أنني لن أعود إلى هذا المكان المتعب المشؤوم مرة أخرى.”

تناول تاليس الكوب بامتنان ورطب حلقه الذي بلغ من الجفاف حدًا جعله يشعر كأنه يحترق.

“كيف يمكن هذا؟”

راقبه يودل يشرب، ثم أمسك حبلًا بجانب السرير وسحبه برفق.

حتى إن تاليس لم يكمل سؤاله.

رن… رن… رن…

وحاول تهدئة تاليس، الذي لم يستفق بعد من فزعه، بحركات افتقرت بوضوح إلى الخبرة.

دوّى صوت جرس خافت خلف الباب.

وحين أوشك تاليس على فقد صبره والحديث من جديد، وصل صوت الحامي المقنع إلى أذنيه.

“قال الطبيب إن عليك أن تأكل.”

توتر تاليس.

قدم يودل شرحًا مقتضبًا أمام نظرة تاليس المستغربة.

هبط عليه ثقل مرعب بلا إنذار، وضغطه حتى كاد يعجز عن التنفس.

وقبل أن يتمكن تاليس من الرد، ارتفعت أصوات جدال وخطوات من خارج الباب.

سحب الأمير كرسيًا برفق من تحت الطاولة وأشار إليه.

“الجرس! إنه الجرس!”

“يا…”

“أقسم بحياتي إني سمعته! فيليشيا قالت إن السادة يستخدمونه وهم في السرير عشان… أحم، أقصد ينادون الخدم إذا صحوا… لا، ما أظنها أشباح… طيب يا جبناء، بروح بنفسي!”

هذه المرة، لم يأتِ الرد إلا بعد ثوانٍ.

كان صاحب الصوت يركض على ما يبدو.

كانت هذه تمامًا طريقة يودل في الرد عليه عندما سأله تاليس، يوم لقائهما الأول، عن هوية أبيه.

وكلما اقترب، سمعا أصوات اصطدامه بالأشياء في طريقه من شدة استعجاله.

ما إن تذكر السجن الأسود الذي عذبه معظم الليل حتى استدار تاليس غريزيًا، وقد ازداد مزاجه قتامة.

بانغ!

كان مزاجه سيئًا أصلًا، والآن ازداد سوءًا.

وفي اللحظة التالية، انفتح الباب بقوة.

“إن كان الأمر هكذا…”

واختفى يودل في الهواء.

ساد الصمت عدة ثوانٍ.

ضيق تاليس عينيه مستندًا إلى السرير، وراقب الرجل الذي فتح الباب على عجل وهو يحاول بصعوبة الحفاظ على توازنه.

“بيت الجناح الأسطوري “الدافئ”؟”

كان…

لكن هذه المرة، كان الإيقاع أكثر انتظامًا من الغراب العجوز، وأخف وأسرع من المتنبئ الأسود.

جنديًا.

هلع، عجز، فزع…

وشعر تاليس أن ملابسه مألوفة بعض الشيء.

حرك عينيه وألقى نظرة على تاليس.

“أنت…؟”

فقد أجبرته مهمته كأمير على التوجه شمالًا، وبقي هناك ست سنوات.

وضع تاليس الكوب الفارغ وسأل بحيرة.

استخدم الرجل عصاه لدعم ساقه اليسرى المعاقة بوضوح، وأسند معظم وزنه عليها.

تمكن الجندي أخيرًا من تثبيت نفسه.

“دعني أخمن… لا بد أن الشماليين أحسنوا إطعامك، صحيح؟”

وما إن رأى تاليس حتى تغير وجهه.

بل بدا أسوأ من مطلق الأفاعي حين كان يتحدث في الغرفة قبل قليل.

دهشة أولًا، ثم فرح.

رفع ذقنه، وضبط ملامحه، وعلا صوته.

“تبًا لمؤخرتي، صحيت! أخيرًا صحيت!”

“ست وثلاثون معركة؟”

كان يتحدث بلكنة ثقيلة من الصحراء الغربية.

فسعل بسرعة وعاد إلى صلب الموضوع.

لكن يبدو أنه انتبه إلى نفسه، فسعل بعنف عدة مرات واستقام غريزيًا.

“تبًا لك.

ثم تحول إلى نسخة أكثر فصاحة من اللغة المشتركة في شبه الجزيرة الغربية، وهي طريقة كلام مميزة لسعاة الجيش.

كانت هذه تمامًا طريقة يودل في الرد عليه عندما سأله تاليس، يوم لقائهما الأول، عن هوية أبيه.

“أعني… صاحب السمو المحترم والوسيم، بما أنك استيقظت، فإننا جميعًا في معسكر أنياب النصل متأثرون لدرجة أننا على وشك أن نسقط ميتين من شدة التأثر!”

حدق تاليس في النافذة التي لا يستطيع فتحها.

تجمدت الابتسامة التي حاول تاليس إظهارها.

ثم تذكر شيئًا آخر، فانخفض مزاجه.

ظل الجندي المتحمس يحدق في تاليس، الذي لا يزال مستلقيًا بضعف، وكأنه يخشى أن يختفي إن رمش.

“هاه، لقد كبرت كثيرًا خلال السنوات الست الماضية.”

وفي الوقت نفسه، بدأ يردد بجمود كلمات طويلة محفوظة.

“تبًا لمؤخرتي، صحيت! أخيرًا صحيت!”

“أحم، حضورك… أم حضوركم؟ نحن… أضفنا… بريقًا…؟”

وفي اللحظة التالية، شعر تاليس بإحساس مألوف في يده اليمنى.

مع كل عبارة، كان الجندي يخفض رأسه.

“أعرف. أعرف. انتهى الأمر الآن.”

وتتغير ملامحه كلما تعثر في الصياغة، بل ويتلعثم أحيانًا.

“…تسقط منه بالخطأ.”

“على أي حال، سنعمل بكل جهد لحماية حدود المملكة. سنراقب الصحراء ونمنع الأورك من الاقتراب. لذلك اطمئن، يا جلالتك… آه، مو هذا الجزء الأخير؟ أحم…”

تحسس تاليس الضمادات تحت القميص.

ارتبك قليلًا.

“أنا وفريقي نتشرف جدًا بـ… أعني أن نأخذ… لا، أن نستقبل…”

بل بدا أسوأ من مطلق الأفاعي حين كان يتحدث في الغرفة قبل قليل.

سعل تاليس بصوت مرتفع، فقطع خطاب الترحيب المليء بالأخطاء.

وسط الحمرة الدموية التي أحاطت به، ارتفع من العدم صوت غريب بارد، جهوري ومفعم بالحماس.

“حسنًا، شكرًا لك أيها الجندي. فهمت حماسك.”

كان الصوت متقطعًا وخافتًا، قاسيًا وباردًا.

أشار تاليس بضعف إلى خصره.

تذكر تاليس سارومة، التي لا تزال في مدينة سحاب التنين.

“لا حاجة إلى إكمال قراءة بقية النص.”

ولم يتكلم مجددًا.

احمر وجه الجندي.

كان منحني الظهر قليلًا.

ودس بإحراج الورقة “الغشاشة”، المليئة بالكلمات والرسومات والتي كان يرفعها قرب خصره، داخل جيبه.

دهشة أولًا، ثم فرح.

“أمم… الناسخ المسؤول عن كتابة خطاباتنا مات قبل نصف شهر…”

“لا بأس.”

“أنت وحدك هنا؟”

لم يعرف تاليس ما حدث بعد ذلك.

نظر تاليس إلى خارج الباب، فلم يرَ سوى إضاءة خافتة.

“نعم، ما زال كما هو.

انتبه الجندي المرتبك فجأة، فاستقام ورد بسرعة:

ساد الصمت عدة ثوانٍ.

“يوجد أيضًا اللهب الغريب، ونصل الروح… هي أنهت نوبتها قبل قليل. أما العيون الغامضة فلم يصل بعد. نصعد كل نصف ساعة للاطمئنان عليك لأننا نخشى أن تخطف الأشباح روحك، أو أن تتسلل نصل الروح، المهووسة بالمال مؤخرًا، إلى سريرك وتحتضنك…”

أجبر نفسه على عدم النظر إلى مطلق الأفاعي، وحدق في الضيف أمامه بثبات.

رفع تاليس حاجبًا.

صرخ تاليس رعبًا ونهض متخبطًا.

وحينها فقط أدرك الجندي أن شيئًا ما في كلامه غير سليم.

“وماذا عن إدارة الاستخبارات السرية؟”

تغير وجهه فورًا.

وحين رفع تاليس رأسه ونظر إلى الخارج، تجمد.

“أعتذر! تعرف أن هذا ليس ما قصدته…”

“يو-يودل؟”

ابتسم قسرًا في ذعر، وأخذ يلوح بذراعيه لأنه لم يعرف أين يضعهما.

لم يشم سوى رائحة الدواء.

“قصدي، يا صاحب السمو المحترم والوسيم، أننا اعتنينا بك جيدًا وأحببناك كأنك ابننا—”

لكن تاليس كان مستعدًا أن يقسم بحياته أن هذه أفصح وأدق وأكثر نسخ اللغة المشتركة لشبه الجزيرة الغربية اتساقًا منذ دخوله الصحراء الكبرى.

كلما واصل الكلام، ازداد الأمر سوءًا.

وانفجر الصوت من فمه كزئير بركان، وكمد هائل ينهار فوق الشاطئ.

كان تاليس منهكًا في الأصل، لكن ثرثرة الجندي المستمرة أعادت إليه بعض النشاط.

“شكرًا. انقل امتناني إلى البارون. والآن…”

تنهد ومد يده ليمنعه من مواصلة ما كان سيقوله.

أجبر الأمير نفسه على الابتسام.

“أتذكرك.”

“أنت…؟”

توقف الجندي.

اشتدت الحمرة من حوله، وصارت أعمق وأظلم وأكثر كآبة… وأقرب.

“أنت مطلق الأفاعي، محارب نفسي. وأنت… القائد الجديد تحت إمرة البارون ويليامز.”

ودس بإحراج الورقة “الغشاشة”، المليئة بالكلمات والرسومات والتي كان يرفعها قرب خصره، داخل جيبه.

ظل مطلق الأفاعي مذهولًا لحظة، ثم أشرق وجهه بسعادة.

عض تاليس الملعقة بين أسنانه، وانحرف حاجباه بعجز.

“آه، تذكرت اسمي! كما هو متوقع من الأمير المحترم والوسيم… نعم، صاحب السمو، تذكرني جيدًا. أنا مطلق الأفاعي، وأخدم البارون ويليامز. أنا مخلص، ولم أهرّب شيئًا قط، ولم أتهرب من الضرائب، ولم أشارك في أي جريمة منظمة. منذ أن جندني البارون، نزفت وتعرقت وبكيت من أجل المملكة…”

كان الصوت شديد الحماس، لكنه كان مذعورًا.

لاحظ مطلق الأفاعي، الذي اندمج مجددًا في إعلان ولائه، أن تعبير تاليس بدأ يسود.

وُضع مكتب صغير بجانب السرير، وإلى جواره نافذة خشبية مغلقة بإحكام. تسللت من شقوقها خيوط قليلة من ضوء الشمس.

فسعل بسرعة وعاد إلى صلب الموضوع.

استنشق تاليس نفسًا شاردًا، ثم أدار رأسه ببطء ولم يعد ينظر خلفه.

“البارون كان يريد في الأصل أن يحضر لك بضع عاهرات جميلات أو بعض خادمات النبلاء حتى تستمتع… أحم، أعني ليخدمنك ويدفئن سريرك وما إلى ذلك. لكنك تعرف، المعسكر استعاد الهدوء للتو، لذلك طلب من فرقة المسوخ… أقصد، من لواء الصدمة الثالث المجيد في وحدة غبار النجوم أن نعتني بك ونحبك ونجعلك مرتاحًا لدرجة أنك سترفض الرحيل في النهاية—”

كان حلقه جافًا.

مد تاليس ذراعه.

“تمامًا مثل… شقيق أبيك.”

فقد بدأت ثرثرة مطلق الأفاعي تسبب له صداعًا.

وهكذا، وقف سيريل فاكنهاز، سيد عائلة فاكنهاز، إحدى العشائر الست الكبرى في الكوكبة، وصاحب شعار الجمجمة ذات العيون الأربع، ودوق حراسة الصحراء الغربية، وسيد الأطلال، والملقب بـ”غير المرحب به”، عند أعلى نقطة في معسكر أنياب النصل.

وقطع كلام الرجل الطويل الذي من الواضح أنه ظل يعدّه طوال يوم كامل.

ترددت الأصداء ثقيلة بلا نهاية، كأن أحدهم يقرع طبل حرب مهيبًا، وكل ضربة تهز قلبه.

“شكرًا. انقل امتناني إلى البارون. والآن…”

وفجأة شعر تاليس بأن الغرفة بردت من حوله.

أجبر الأمير نفسه على الابتسام.

بعد نحو عشر دقائق، أُغلق الباب.

“أنا جائع قليلًا.”

جاء الرد بسرعة شديدة.

تجمد مطلق الأفاعي لثوانٍ، ثم ضرب جبهته.

“تاليس.”

“آه، صحيح! الطعام! نعم، البارون سلب… أقصد، السادة… أعني، النبلاء تبرعوا بسخاء بالكثير من الطعام لك وللبارون.”

استخدم الرجل عصاه لدعم ساقه اليسرى المعاقة بوضوح، وأسند معظم وزنه عليها.

قال ذلك وهو يبتسم بسعادة، ثم اندفع خارج الغرفة، تاركًا تاليس ينظر إليه بذهول.

“يظن أنه يستطيع حبسي بهذا؟”

“اللهب الغريب!”

فلم يحتج تاليس حتى إلى استخدام قوة الإبادة.

بعد سلسلة من الخطوات، وصل صوته من بعيد.

أطلق الأمير همهمة باردة، واستدار بانزعاج ودفع النافذة.

“أرسل الطعام إلى هنا! ولا تتسلل… أحم، لا تتسلل، أعني، لا تتسلل لـ”التحقيق” في الأشياء من جديد!”

رفع رأسه وهو لا يزال يستند إلى العصا.

بعد نحو عشر دقائق، أُغلق الباب.

“أعتذر، صاحب السمو.”

وجلس تاليس أمام المكتب يحدق في الطعام الذي أحضره له مطلق الأفاعي.

صفعة!

خبز قمح أبيض، عصيدة شوفان، حليب ماعز، عسل، سمك مشوي، دجاج، لحم خنزير، وبعض التوابل التي لم يجدها في الشمال.

“ماذا يفعل رجل من شعب العظام القاحلة هنا؟”

كل ذلك مصطف على صينية.

وأخذ تنفسه يتسارع.

“ألم يقل مطلق الأفاعي إن الجناح الأسطوري استولى على هذا كله من نبلاء الصحراء الغربية؟”

تغير وجهه فورًا.

تنهد تاليس وارتشف من الحساء.

بل إن اختيار صاحب الصوت للكلمات شائع بين سكان مدينة النجم الخالد.

“همم، مذاقه جيد فعلًا…

لكن للمرة الأولى…

“مقارنة بالعقارب والعناكب وسحالي الشوك الدموية، على الأقل.”

أغلق الأمير فمه وأخذ عدة أنفاس عميقة.

وحين شعر بأن معدته بدأت تمتلئ، رفع رأسه نحو الهواء.

ثم ارتفع صوت رجل في منتصف العمر، حاد ومفاجئ ومزعج إلى أبعد حد.

“إذن، ماذا حدث لمعسكر أنياب النصل بعد ذلك؟”

“خشب يطرق الأرض.”

انتظر بضع ثوانٍ قبل أن يأتي صوت يودل الأجش من الفراغ.

كان صوت يودل أجشًا.

ولم يستطع تاليس تحديد مصدره.

“بيت الجناح الأسطوري “الدافئ”؟”

“بعد ذلك، انتصر ويليامز.”

“ما زال الحامي المقنع نفسه، أليس كذلك؟”

“انتصر ويليامز…”

دوّى صوت خافت.

عض تاليس الملعقة بين أسنانه، وانحرف حاجباه بعجز.

“قال إن قناعك من الكنوز السرية للعائلة الملكية.”

“يا له من شرح مفصل.”

“أتذكرك.”

كانت هذه تمامًا طريقة يودل في الرد عليه عندما سأله تاليس، يوم لقائهما الأول، عن هوية أبيه.

“أنت وحدك هنا؟”

“ما زال يتكلم كالدبلوماسي.”

فلا بد أن لدى يودل أسبابه للبقاء مختفيًا.

تذكر الماضي، فارتفعت زاوية فمه دون وعي.

وبعد ثوانٍ، جاء الصوت الأجش.

“يا إلهي، ما زلت صغيرًا وبدأت أحن إلى الماضي؟”

وضع تاليس أدوات الطعام ورفع رأسه بانزعاج.

ثم تذكر شيئًا آخر، فانخفض مزاجه.

سأل تاليس بنبرة مازحة قليلًا.

“وماذا عن إدارة الاستخبارات السرية؟”

أعاد الأمير خنجره إلى مكانه، وسوى ثيابه الخفيفة، ثم قال بجدية.

كان السؤال الحقيقي مخفيًا خلف كلماته، لكن يودل بدا كأنه فهم قصده.

“آه، تذكرت اسمي! كما هو متوقع من الأمير المحترم والوسيم… نعم، صاحب السمو، تذكرني جيدًا. أنا مطلق الأفاعي، وأخدم البارون ويليامز. أنا مخلص، ولم أهرّب شيئًا قط، ولم أتهرب من الضرائب، ولم أشارك في أي جريمة منظمة. منذ أن جندني البارون، نزفت وتعرقت وبكيت من أجل المملكة…”

“لا خيول لديهم. واضطروا إلى العودة سيرًا.”

“كان بإمكانك أن تطلب مني فعل ذلك.”

تنفس الأمير الصعداء.

ابتسم قسرًا في ذعر، وأخذ يلوح بذراعيه لأنه لم يعرف أين يضعهما.

“إذن كويك روب، وبارني جونيور، وبيلدين، وتاردين، وكانون، وبرولي، وزاكريل…”

“أتذكرك.”

تحسن مزاجه.

“بالمناسبة، يودل، إصاباتك—”

“كان يومًا ممتعًا وحافلًا فعلًا، أليس كذلك؟”

“خانقة قليلًا.”

سأل تاليس بنبرة مازحة قليلًا.

ضيق تاليس عينيه وهو مستلقٍ.

وبعد ثوانٍ، جاء الصوت الأجش.

ضيق عينيه، ولوح بيده ليبعد الغبار، محاولًا التأقلم مع الضوء القوي والريح الباردة التي اندفعت فجأة.

وكان فيه أثر طفيف للغاية من المرح.

عقد تاليس حاجبيه.

“بالفعل.”

ودس بإحراج الورقة “الغشاشة”، المليئة بالكلمات والرسومات والتي كان يرفعها قرب خصره، داخل جيبه.

عادت شهيته.

لم يظهر فيها أي أثر لشخص آخر.

وأخذ تاليس يلتهم ما تبقى من الطعام بسعادة.

زحفت الحمرة التي لا تنتهي فوق جسده وحواسه، ولم يستطع التخلص منها أو الفرار.

“بالمناسبة، يودل، إصاباتك—”

اختفت ابتسامة تاليس.

“شُفيت. لا تقلق.”

اعتدل وجهه ونهض، متجهًا نحو النافذة أمام المكتب.

جاء الرد بسرعة شديدة.

“لا بأس.”

حتى إن تاليس لم يكمل سؤاله.

فتح تاليس عينيه إلى النصف.

لكن ذلك جعله يعقد حاجبيه.

وأخذ تاليس يلتهم ما تبقى من الطعام بسعادة.

“شُفيت؟”

لكن للمرة الأولى…

وضع تاليس نصف رغيف الخبز الذي أكله.

تحت ضوء المصباح الخافت، ارتخت قبضة الظل الأسود على ذراعه قليلًا.

“إصاباته… شُفيت.”

“على أي حال، سنعمل بكل جهد لحماية حدود المملكة. سنراقب الصحراء ونمنع الأورك من الاقتراب. لذلك اطمئن، يا جلالتك… آه، مو هذا الجزء الأخير؟ أحم…”

تذكر كيف تلقى يودل نيابة عنه ثلاثة سهام مسمومة قاتلة قبل زمن طويل، وأصيب إصابة خطيرة.

وحين رفع تاليس رأسه ونظر إلى الخارج، تجمد.

ومنذ ذلك الحين افترقا.

عقد تاليس حاجبيه.

لم يعرف تاليس ما حدث بعد ذلك.

“تاليس.”

فقد أجبرته مهمته كأمير على التوجه شمالًا، وبقي هناك ست سنوات.

تنهد ومد يده ليمنعه من مواصلة ما كان سيقوله.

اجتاحت ذكريات الماضي وإحساس غريب بالكآبة عقله معًا.

كان العرق قد تشرب قميصه الداخلي، الذي يبدو أنه غُيّر في وقت ما.

“ست سنوات.”

تنهد ومد يده ليمنعه من مواصلة ما كان سيقوله.

اختفت ابتسامة تاليس.

طَق… طَق…

وظل صامتًا قليلًا.

ظهر وجه رجل في منتصف العمر، بدا أقرب إلى وجه غير بشري.

“يودل، هل… كنت بخير طوال هذه السنوات؟”

لم يشم سوى رائحة الدواء.

جاء الرد من الهواء مقتضبًا وسريعًا كعادته.

وانقطع صوت مطلق الأفاعي فجأة.

“نعم.”

“مقارنة بالعقارب والعناكب وسحالي الشوك الدموية، على الأقل.”

أومأ تاليس قليلًا، وارتفعت شفتاه بدرجة طفيفة.

لم يكن هناك مفر.

“نعم، ما زال كما هو.

أعاد الأمير خنجره إلى مكانه، وسوى ثيابه الخفيفة، ثم قال بجدية.

“قليل الكلام، صامت، كأن كل كلمة لديه قطعة ذهب.

“إصاباته… شُفيت.”

“ما زال الحامي المقنع نفسه، أليس كذلك؟”

تجمدت الابتسامة التي حاول تاليس إظهارها.

وحين فكر في ذلك، غير تاليس الموضوع فجأة.

وقبل أن تغمره مشاعر مختلطة حول مدى حقارته وتقلبه…

“أنت تعرف زاكريل، صحيح؟”

“ماذا؟

هذه المرة، لم يأتِ الرد إلا بعد ثوانٍ.

بانغ!

وامتلأ الصوت بعاطفة لم يستطع تفسيرها.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا، ثم أدار رأسه ونظر إلى الغرفة الضيقة المظلمة.

“…منذ زمن بعيد.”

تغير كل شيء.

عقد تاليس حاجبيه.

كان مزاجه سيئًا أصلًا، والآن ازداد سوءًا.

كان صوته مشوبًا بالقلق.

كان مزاجه سيئًا أصلًا، والآن ازداد سوءًا.

“قال إن قناعك من الكنوز السرية للعائلة الملكية.”

“هل أستطيع؟”

ساد الصمت في الغرفة.

“لا حاجة إلى إكمال قراءة بقية النص.”

لا جواب.

“معسكر أنياب النصل.”

أخذ تاليس نفسًا عميقًا، ثم أدار رأسه ونظر إلى الغرفة الضيقة المظلمة.

“مرتفع أكثر من اللازم…”

لم يظهر فيها أي أثر لشخص آخر.

ثم انتهى كل شيء.

وحين لم يرد يودل، لم يجد تاليس خيارًا سوى التنهد ومواصلة السؤال:

هذه المرة، لم يأتِ الرد إلا بعد ثوانٍ.

“ألم يقل أيضًا إنك تدفع ثمنًا كلما استخدمت ذلك القناع الغريب؟”

ظل صاحب العصا يحدق فيه مدة طويلة، قبل أن ينفجر ضاحكًا.

مرت ثوانٍ أخرى من الصمت.

“اهدأ…”

وحين أوشك تاليس على فقد صبره والحديث من جديد، وصل صوت الحامي المقنع إلى أذنيه.

بعد نحو عشر دقائق، أُغلق الباب.

“لا بأس.”

في تلك اللحظة، جاءت خطوات سريعة من خارج الباب.

ظل صوته أجش كعادته.

كان منحني الظهر قليلًا.

لكن كلماته حملت معنى عميقًا مجهولًا، وإصرارًا واضحًا على إنهاء الحديث.

“أنا فقط… أنا فقط…”

“كل شخص يدفع ثمن أفعاله.”

“أعتذر، صاحب السمو.”

“إنه لا يريد مواصلة الحديث.”

“مضى وقت طويل… وقت طويل… طويل… طويل…”

فهم تاليس المعنى.

حدق تاليس في الزخارف على جسد الرجل وتذكر شيئًا.

لكنه لم يرضَ.

ظل الرد صمتًا.

“فما الثمن بالضبط؟”

“أنا فقط… أعيش في عالم مختلف عن عالمك.”

نظر بقلق خلفه، وشعر ببعض السخف لأنه يتحدث مع الهواء.

اجتاحت ذكريات الماضي وإحساس غريب بالكآبة عقله معًا.

لم يأتِ جواب.

طَق… طَق…

“يودل!”

حدق تاليس في الزخارف على جسد الرجل وتذكر شيئًا.

هذه المرة حمل صوته استعجالًا واضحًا.

تغير كل شيء.

“إصاباتك لم تكن بسيطة حين كدت تُغتال على يد أروند قبل ست سنوات، ولا حين أصبت في السجن تحت الأرض… لكنك الآن… إذا كان هناك ثمن لهذا—”

كانت ضحكته كإبرة مسمومة تنغرز في القلب.

ظل الرد صمتًا.

وبعد ثوانٍ، جاء الصوت الأجش.

تنهد تاليس عاجزًا.

كان مقبض النافذة مثبتًا بإحكام بلوح خشبي إضافي، مسمر فوقه.

“لقد رأيت ذلك!”

لم يعد الظل خلفه، ذلك الذي بدا خاليًا من أي شخص، يمنحه الشعور بالأمان.

عقد المراهق حاجبيه وحدق في الفراغ، ممتلئًا بالاستياء والقلق.

نظر بقلق خلفه، وشعر ببعض السخف لأنه يتحدث مع الهواء.

“عندما حاول ريكي نزع القناع، تصرفت كأنه على وشك سلخ جلدك! إن كنت بخير حقًا، فلماذا لم أرَك قط من دون—”

وبعد ثوانٍ، جاء الصوت الأجش.

توقف تاليس.

هلع، عجز، فزع…

غمرت الغرفة الضيقة سكينة ميتة.

في تلك اللحظة، جاءت خطوات سريعة من خارج الباب.

لم يظهر أدنى تموج في ظلالها.

بدا الصوت عاجزًا إلى حد مؤلم، بائسًا… وكأنه يبتعد عنه.

كل شيء ظل ساكنًا كما كان.

كان حلقه جافًا.

“حسنًا.

تذكر كيف تلقى يودل نيابة عنه ثلاثة سهام مسمومة قاتلة قبل زمن طويل، وأصيب إصابة خطيرة.

“إن كان الأمر هكذا…”

فسعل بسرعة وعاد إلى صلب الموضوع.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

في تلك اللحظة، توقفت ضحكة الرجل الحادة الباردة فجأة، كأنه فهم شيئًا.

واختفى الاستياء من وجهه.

ضحك بطريقة تثير النفور.

استعاد الوقار الذي تعلمه قبل ست سنوات، وتحول إلى أمير الكوكبة المتعالي والفخور والنبيل والبعيد، ذاك الذي واجه النبلاء العدائيين في مدينة سحاب التنين.

وفي الوقت نفسه، بدأ يردد بجمود كلمات طويلة محفوظة.

قال تاليس بجدية وبرود:

عادت شهيته.

“يودل كاتو، آمرك أن تخبرني.”

“إنه لا يريد مواصلة الحديث.”

رفع ذقنه، وضبط ملامحه، وعلا صوته.

“اهدأ.”

“هذا أمر مني، الأمير الثاني تاليس جادستار!”

وفجأة شعر بفراغ هائل، وانقبض قلبه ألمًا. مد يده نحو مصدر الصوت، راغبًا في لمسها، والإمساك بها بقوة، ومنعها من الرحيل.

كان صوته باردًا ونبرته صارمة لا تحتمل الرفض.

تجمد مطلق الأفاعي لثوانٍ، ثم ضرب جبهته.

وكان الجواب…

حدق في الهواء مذهولًا.

صمتًا.

“إذن كويك روب، وبارني جونيور، وبيلدين، وتاردين، وكانون، وبرولي، وزاكريل…”

فجأة شعر تاليس أن الظل في العتمة تحرك قليلًا.

“اللهب الغريب!”

ثم تبعته نبرة باردة خشنة.

لم يشم سوى رائحة الدواء.

“أعتذر، صاحب السمو.”

سحب الأمير كرسيًا برفق من تحت الطاولة وأشار إليه.

كان الصوت متقطعًا وخافتًا، قاسيًا وباردًا.

“دعني أخمن… لا بد أن الشماليين أحسنوا إطعامك، صحيح؟”

“أنا لا أطيع إلا أوامر جلالته.”

“كل شخص يدفع ثمن أفعاله.”

ثم انتهى كل شيء.

“يا…”

وفجأة شعر تاليس بأن الغرفة بردت من حوله.

حدق في الهواء مذهولًا.

“لا أطيع… إلا أوامر جلالته.”

وكان الجواب…

حدق في الهواء مذهولًا.

ولم تمر خمس ثوانٍ حتى رمى تاليس أدوات الطعام بعنف.

وبدا عليه الارتباك.

“مع ذلك، لم يكن يجدر بويليامز أن يجلبك إلى هنا بوصفها أول محطة في طريق عودتك إلى المملكة.”

“هكذا إذن؟”

“أنت وحدك هنا؟”

استنشق تاليس نفسًا شاردًا، ثم أدار رأسه ببطء ولم يعد ينظر خلفه.

ثم كرر ببطء:

بعد ثوانٍ…

رفع الحامي المقنع الوسادة خلف تاليس كي يستند إليها، ولم ينسَ تغطيته جيدًا.

“حسنًا.”

“أنا فقط… أعيش في عالم مختلف عن عالمك.”

سمع نفسه يقولها بطريقة غير طبيعية.

وفي اللحظة التالية، انفتح الباب بقوة.

شعر كأن لسانه متصلب، وكأنه نسي كيف يستخدمه.

“أنا فقط… أنا فقط…”

بل بدا أسوأ من مطلق الأفاعي حين كان يتحدث في الغرفة قبل قليل.

احمر وجه الجندي.

“بالطبع. أوامر جلالته… بالطبع.”

قال تاليس بجدية وبرود:

أجبر الكلمات على الخروج.

“حسنًا.

أخذ عدة أنفاس عميقة، ثم التقط أدوات الطعام وعاد إلى الأكل كما كان يفعل قبل قليل.

ظل الرجل يبتسم بتلك الطريقة المرعبة وهو ينتظر الرد.

لكن للمرة الأولى…

“اهدأ.”

لم يعد الظل خلفه، ذلك الذي بدا خاليًا من أي شخص، يمنحه الشعور بالأمان.

وحينها فقط أدرك الجندي أن شيئًا ما في كلامه غير سليم.

ولم يعد القناع البنفسجي المألوف والغريب يبعث فيه الإحساس بالاعتماد عليه.

“على أي حال، سنعمل بكل جهد لحماية حدود المملكة. سنراقب الصحراء ونمنع الأورك من الاقتراب. لذلك اطمئن، يا جلالتك… آه، مو هذا الجزء الأخير؟ أحم…”

“أوامر جلالته…

لكن ذلك جعله يعقد حاجبيه.

“صحيح.

“ألم يقل مطلق الأفاعي إن الجناح الأسطوري استولى على هذا كله من نبلاء الصحراء الغربية؟”

“نسيت.

حدق فيه تاليس بصدمة.

“منذ اليوم الأول الذي التقاني فيه، كان دائمًا ينفذ أوامر جلالته.”

ولم تستقر عيناه على تاليس أكثر من لحظة.

تذكر تاليس سارومة، التي لا تزال في مدينة سحاب التنين.

“لا بأس.”

وتذكر نيكولاس وليسبان، اللذين بدوا وكأنهما يخدمانها ويطيعان أوامرها.

“قصدي، يا صاحب السمو المحترم والوسيم، أننا اعتنينا بك جيدًا وأحببناك كأنك ابننا—”

وفي تلك اللحظة، شعر تاليس بالبرد والكآبة.

كان الصوت متقطعًا وخافتًا، قاسيًا وباردًا.

وفي شروده، أجبر نفسه على اتباع آداب الطعام المثالية التي علمته إياها جينيس، وتناول لقمته التالية، سواء كانت من اللحم أو الخبز.

استخدم الرجل عصاه لدعم ساقه اليسرى المعاقة بوضوح، وأسند معظم وزنه عليها.

لكن لسبب ما، أحس كأن شوكة تغرز ظهره، وكأن عظمة علقت في حلقه.

“نعم. أنا… أنا هنا.”

كان مضطربًا بشدة.

وجلس تاليس أمام المكتب يحدق في الطعام الذي أحضره له مطلق الأفاعي.

“هذه الغرفة صغيرة جدًا.

“منذ اليوم الأول الذي التقاني فيه، كان دائمًا ينفذ أوامر جلالته.”

“خانقة قليلًا.”

“فما الثمن بالضبط؟”

وضع تاليس أدوات الطعام ورفع رأسه بانزعاج.

استنشق بعمق متألمًا، وحينها فقط انتبه إلى أنه في غرفة غريبة.

إلى جانب ضوء المصباح الأبدي الخافت، لم يكن هناك مصدر للضوء سوى ثلاث نوافذ مغلقة بإحكام، تتسرب الأشعة من أطرافها.

تحسس تاليس الضمادات تحت القميص.

“لا تهوية إطلاقًا، لا عجب أنها خانقة.

ضيق تاليس عينيه وهو مستلقٍ.

“والظلام شديد لدرجة أنني لا أرى السماء ولا الضوء.

“بالطبع. أوامر جلالته… بالطبع.”

“حتى الوقت لا أعرفه.

“خشب يطرق الأرض.”

“فما هذا المكان أصلًا؟

نظر بقلق خلفه، وشعر ببعض السخف لأنه يتحدث مع الهواء.

“بيت الجناح الأسطوري “الدافئ”؟”

وأخذ تاليس يلتهم ما تبقى من الطعام بسعادة.

حين تذكر وجه رومان المغرور والمتكبر والبارد، توقف نفس تاليس للحظة.

“كل شخص يدفع ثمن أفعاله.”

“ذلك الوسيم اللعين.”

ظل الرد صمتًا.

اعتدل وجهه ونهض، متجهًا نحو النافذة أمام المكتب.

كان يلهث، ويمد يديه كأنه يحاول الإمساك بشيء قبل أن يضيع.

لكنه حين دفعها، تجمد.

“لا تقلق.”

كان مقبض النافذة مثبتًا بإحكام بلوح خشبي إضافي، مسمر فوقه.

كان…

“ماذا؟”

لم يشم سوى رائحة الدواء.

عقد تاليس حاجبيه وحدق في النافذة المسدودة.

وظل صامتًا قليلًا.

“ما هذا؟

تدفقت أشعة الشمس، التي لم يرها منذ زمن، عبر النافذة كمد وجد أخيرًا منفذًا، وأضاءت الغرفة كلها.

“هل يخشون دخول أحد؟

أجبر الأمير نفسه على الابتسام.

“أم يخشون أن أهرب؟

دهشة أولًا، ثم فرح.

“لهذا أغلقوا كل المخارج والمداخل؟

“يا…”

“هل يريدون حبسي هنا؟

“يوم وليلة كاملان… كل هذا؟”

“كأنني في… سجن؟”

زفر تاليس وسقط إلى الخلف، لكن الحامي المقنع أسرع وأسنده، ثم أنزل رأسه برفق على الوسادة.

ما إن تذكر السجن الأسود الذي عذبه معظم الليل حتى استدار تاليس غريزيًا، وقد ازداد مزاجه قتامة.

“ذلك الوسيم اللعين.”

“يودل—”

بانغ!

لكنه توقف في منتصف الكلمة وأجبر نفسه على الصمت.

كان صوته مشوبًا بالقلق.

“تبًا.”

شق!

أغلق الأمير فمه وأخذ عدة أنفاس عميقة.

“قليل الكلام، صامت، كأن كل كلمة لديه قطعة ذهب.

ولم يتكلم مجددًا.

انتبه الجندي المرتبك فجأة، فاستقام ورد بسرعة:

بل عاد إلى الجلوس والتقط أدوات الطعام.

“قصدي، يا صاحب السمو المحترم والوسيم، أننا اعتنينا بك جيدًا وأحببناك كأنك ابننا—”

حدق تاليس في النافذة التي لا يستطيع فتحها.

“أنا فقط… أعيش في عالم مختلف عن عالمك.”

وأخذ تنفسه يتسارع.

“هذا الصوت…”

كان مزاجه سيئًا أصلًا، والآن ازداد سوءًا.

دق دق دق!

“تبًا لك يا رومان.

تداخلت ضفائر مربوطة فوق رأسه، وانتشرت وشوم سوداء على وجهه.

“تبًا لك أيها الوسيم اللعين.”

“لا تهوية إطلاقًا، لا عجب أنها خانقة.

ولم تمر خمس ثوانٍ حتى رمى تاليس أدوات الطعام بعنف.

لم تكن كبيرة.

سار حافي القدمين نحو المقعد الخشبي الذي يحمل المصباح الأبدي، والتقط خنجر JC، ثم عاد بسرعة.

لكن ذلك جعله يعقد حاجبيه.

أدخل النصل في الشق بين اللوح والنافذة، وأخذ يخلعه بالقوة!

“أعتذر، صاحب السمو.”

بانغ!

“عندما حاول ريكي نزع القناع، تصرفت كأنه على وشك سلخ جلدك! إن كنت بخير حقًا، فلماذا لم أرَك قط من دون—”

ربما بقي اللوح مثبتًا في مكانه سنوات طويلة وأصابه التلف.

حرك عينيه وألقى نظرة على تاليس.

فلم يحتج تاليس حتى إلى استخدام قوة الإبادة.

ترخت أعصاب تاليس المتوترة حين شرد للحظة.

انخلع أحد أطرافه وظهر المسمار.

“تبًا لمؤخرتي، صحيت! أخيرًا صحيت!”

لم يتوقف تاليس.

لم يكن هناك مفر.

وقف فوق الكرسي وراح يخلع بقية الزوايا.

“إنه من شعب العظام القاحلة.”

“يظن أنه يستطيع حبسي بهذا؟”

وضع تاليس أدوات الطعام ورفع رأسه بانزعاج.

تجاهل جوعه بعناد، وواصل العمل وهو غاضب.

“أنت وحدك هنا؟”

“تبًا لك.

“الوشوم على عنقه مجرد جزء من تقاليد قبيلة شارلورن. إنها تعني ببساطة أنه انتصر في ست وثلاثين معركة.”

“احلم كما تشاء…”

تذكر الماضي، فارتفعت زاوية فمه دون وعي.

لكن في تلك اللحظة، ظهر سيف رمادي في الهواء.

ومع صوته البارد الحاد، وعينيه اليقظتين اللامعتين، كان الانطباع الذي يتركه كفيلًا ببث القشعريرة في جسد من يراه.

رسم قوسًا جميلًا، وطعن اللوح، ثم غير اتجاهه بسرعة وقطع أطرافه!

صفعة!

شق!

أخذ تاليس نفسًا عميقًا، ثم أدار رأسه ونظر إلى الغرفة الضيقة المظلمة.

ترددت أصوات خشبية متتابعة.

وفجأة شعر بفراغ هائل، وانقبض قلبه ألمًا. مد يده نحو مصدر الصوت، راغبًا في لمسها، والإمساك بها بقوة، ومنعها من الرحيل.

وسقط اللوح في كف مغطاة بقفاز، فأمسكته بثبات.

“بيت الجناح الأسطوري “الدافئ”؟”

عقد تاليس حاجبيه.

وجاء صوت مطلق الأفاعي من الخارج، مذعورًا ومتوترًا.

وشاهد الظل الأسود بجانبه ينزع اللوح بكفاءة وسرعة، كاشفًا جزءًا من ضوء العالم في الخارج.

هذه المرة حمل صوته استعجالًا واضحًا.

“كان بإمكانك أن تطلب مني فعل ذلك.”

كان العرق قد تشرب قميصه الداخلي، الذي يبدو أنه غُيّر في وقت ما.

وضع الرجل المقنع اللوح برفق.

جنديًا.

أطلق تاليس همهمة ساخرة، ونزل عن الكرسي، ورمى الخنجر، ثم نفض الغبار عن كفيه.

“هاه، لقد كبرت كثيرًا خلال السنوات الست الماضية.”

“هل أستطيع؟”

لكنه حين دفعها، تجمد.

قال الأمير بسخرية.

“إصاباتك لم تكن بسيطة حين كدت تُغتال على يد أروند قبل ست سنوات، ولا حين أصبت في السجن تحت الأرض… لكنك الآن… إذا كان هناك ثمن لهذا—”

“ظننت أنك لا تستمع إلا إلى أوامر جلالته.”

حين تذكر وجه رومان المغرور والمتكبر والبارد، توقف نفس تاليس للحظة.

لم يجب الحامي المقنع.

“تبًا لك.

ظهرت تموجات حول جسده، ثم اختفى في الهواء.

كان كطيف هبط عليه من قلب الظلام، كأنه يريد تغطيته وابتلاعه.

أطلق الأمير همهمة باردة، واستدار بانزعاج ودفع النافذة.

اجتاحت ذكريات الماضي وإحساس غريب بالكآبة عقله معًا.

تصاعد غبار كثيف، فأخذ تاليس يسعل بعنف.

حدق فيه تاليس بصدمة.

“تبًا.

وفي شروده، أجبر نفسه على اتباع آداب الطعام المثالية التي علمته إياها جينيس، وتناول لقمته التالية، سواء كانت من اللحم أو الخبز.

“كان علي أن أضع قناعًا…”

“تبًا لك يا رومان.

ضيق عينيه، ولوح بيده ليبعد الغبار، محاولًا التأقلم مع الضوء القوي والريح الباردة التي اندفعت فجأة.

“ست وثلاثون معركة؟”

“الشمس… الريح الباردة…”

وانفجر الصوت من فمه كزئير بركان، وكمد هائل ينهار فوق الشاطئ.

تدفقت أشعة الشمس، التي لم يرها منذ زمن، عبر النافذة كمد وجد أخيرًا منفذًا، وأضاءت الغرفة كلها.

“أنت وحدك هنا؟”

أما الريح الباردة القارسة فانقضت عبر النافذة كقطيع ذئاب شم رائحة الدم، وانتشرت في المكان، تعبث بكل شيء.

“لا خيول لديهم. واضطروا إلى العودة سيرًا.”

وحين رفع تاليس رأسه ونظر إلى الخارج، تجمد.

“مضى وقت طويل…”

“لا…

“أنا لا أطيع إلا أوامر جلالته.”

“هذا المكان…

كانت مظلمة، كئيبة وضيقة.

“هذا…”

هذه المرة، لم يأتِ الرد إلا بعد ثوانٍ.

دق دق دق!

وأخذ تاليس يلتهم ما تبقى من الطعام بسعادة.

في تلك اللحظة، جاءت خطوات سريعة من خارج الباب.

وأخذ تنفسه يتسارع.

استدار تاليس بحذر والتقط خنجره.

أطلق تاليس همهمة ساخرة، ونزل عن الكرسي، ورمى الخنجر، ثم نفض الغبار عن كفيه.

وجاء صوت مطلق الأفاعي من الخارج، مذعورًا ومتوترًا.

سار حافي القدمين نحو المقعد الخشبي الذي يحمل المصباح الأبدي، والتقط خنجر JC، ثم عاد بسرعة.

“لا، لا، لا، يا صاحب السعادة! هذه أوامر البارون. حتى شخص بمقامك لا يمكنه أن… آغ!”

وتذكر نيكولاس وليسبان، اللذين بدوا وكأنهما يخدمانها ويطيعان أوامرها.

دوّى صوت اصطدام مكتوم.

“يودل كاتو، آمرك أن تخبرني.”

وانقطع صوت مطلق الأفاعي فجأة.

تنفس الرجل المخيف بخفة، وأخذ يتفحص تاليس.

توتر تاليس.

“قال إن قناعك من الكنوز السرية للعائلة الملكية.”

“ماذا؟

كانت منه تنبع نية خطرة خافتة جعلت الأمير يرفع خنجره غريزيًا.

“هل جاء أحد… لاغتيالي؟”

“هكذا إذن؟”

لم يعد المراهق يبالي بالإحراج بينهما، ونادى بصوت خافت:

“أنا هنا.”

“يودل؟”

“أمم… الناسخ المسؤول عن كتابة خطاباتنا مات قبل نصف شهر…”

“لا تقلق.”

“ذلك الوسيم اللعين.”

جاء الرد المألوف من الفراغ.

“ست سنوات.”

“أنا هنا.”

لكن هذه المرة، كان الإيقاع أكثر انتظامًا من الغراب العجوز، وأخف وأسرع من المتنبئ الأسود.

عاد إلى قلب تاليس فورًا شعور بالأمان والراحة افتقده منذ وقت طويل، كأن كل شيء حدث من قبل.

وأخيرًا، حين ملأ الأحمر اللامتناهي كيانه من الداخل، صار ذلك الصوت البعيد والغريب واضحًا بصورة مرعبة، كأنه عند أذنه مباشرة…

تنفس الأمير الصعداء.

“عندما حاول ريكي نزع القناع، تصرفت كأنه على وشك سلخ جلدك! إن كنت بخير حقًا، فلماذا لم أرَك قط من دون—”

وقبل أن تغمره مشاعر مختلطة حول مدى حقارته وتقلبه…

وفي أعلى غرفة من برج الأمير الشبح، قال بلا اكتراث:

بانغ!

مشى الحامي المقنع نحو المقعد الخشبي.

فُتح باب الغرفة بعنف!

وجلس تاليس أمام المكتب يحدق في الطعام الذي أحضره له مطلق الأفاعي.

تشنجت عضلات تاليس كلها!

“هل أستطيع؟”

خفض رجل ضخم رأسه ودخل الغرفة الضيقة.

لاحظ مطلق الأفاعي، الذي اندمج مجددًا في إعلان ولائه، أن تعبير تاليس بدأ يسود.

كان محاربًا مدججًا بالدروع، وتفوح منه هالة رجل لا ينبغي العبث معه.

أومأ تاليس قليلًا، وارتفعت شفتاه بدرجة طفيفة.

حرك عينيه وألقى نظرة على تاليس.

كان صوت يودل أجشًا.

كانت منه تنبع نية خطرة خافتة جعلت الأمير يرفع خنجره غريزيًا.

حدق في تاليس، الذي بدا هادئًا مسترخيًا، ثم نقر بلسانه وقال:

“من هذا؟”

لم يأتِ جواب.

كانت بشرته داكنة نسبيًا، ووجهه مختلفًا عن وجوه البشر المعتادة.

وفي تلك اللحظة، ظهر فوقه فجأة ظل أسود ثقيل.

تداخلت ضفائر مربوطة فوق رأسه، وانتشرت وشوم سوداء على وجهه.

كان…

وعلى عنقه وشم غريب يشبه المنشار.

ولم تستقر عيناه على تاليس أكثر من لحظة.

لكن تاليس سبق أن التقى رافائيل وميكي، لذلك تعرف على الرجل بسرعة.

“مضى وقت طويل…”

“إنه من شعب العظام القاحلة.”

ساد الصمت عدة ثوانٍ.

حدق فيه تاليس بصدمة.

لكن يبدو أنه انتبه إلى نفسه، فسعل بعنف عدة مرات واستقام غريزيًا.

“ماذا يحدث؟

بل عاد إلى الجلوس والتقط أدوات الطعام.

“ماذا يفعل رجل من شعب العظام القاحلة هنا؟”

“مقارنة بالعقارب والعناكب وسحالي الشوك الدموية، على الأقل.”

بقي يودل في العتمة دون حركة.

“يودل!”

“اهدأ…”

وكان فيه أثر طفيف للغاية من المرح.

لم يجد تاليس إلا أن يشجع نفسه.

“أنت تعرف زاكريل، صحيح؟”

فلا بد أن لدى يودل أسبابه للبقاء مختفيًا.

استدار تاليس بحذر والتقط خنجره.

ولن يغضب منه بسبب ما حدث قبل قليل…

“لا أطيع… إلا أوامر جلالته.”

على الأرجح.

“مضى وقت طويل… وقت طويل… طويل… طويل…”

لكن رجل العظام القاحلة المخيف لم يفعل أكثر من إلقاء نظرة عابرة على الغرفة.

ولم تستقر عيناه على تاليس أكثر من لحظة.

ولم تستقر عيناه على تاليس أكثر من لحظة.

بل إن اختيار صاحب الصوت للكلمات شائع بين سكان مدينة النجم الخالد.

ثم ارتفع صوت رجل في منتصف العمر، حاد ومفاجئ ومزعج إلى أبعد حد.

وقبل أن يتمكن تاليس من الرد، ارتفعت أصوات جدال وخطوات من خارج الباب.

حمل الصوت سخرية باردة تجعل كل من يسمعه يشعر بالنفور.

وما إن رأى تاليس حتى تغير وجهه.

“لا تدع غوتهام يخيفك.”

وعادت الغرفة قفصًا محكم الإغلاق.

عقد تاليس حاجبيه.

“لا تهوية إطلاقًا، لا عجب أنها خانقة.

“الوشوم على عنقه مجرد جزء من تقاليد قبيلة شارلورن. إنها تعني ببساطة أنه انتصر في ست وثلاثين معركة.”

ظهرت تموجات حول جسده، ثم اختفى في الهواء.

“قبيلة شارلورن؟

ومع صوته البارد الحاد، وعينيه اليقظتين اللامعتين، كان الانطباع الذي يتركه كفيلًا ببث القشعريرة في جسد من يراه.

“ست وثلاثون معركة؟”

“لا!”

استدار رجل العظام القاحلة المدعو غوتهام وأومأ، ثم خرج.

استدار رجل العظام القاحلة المدعو غوتهام وأومأ، ثم خرج.

طَق… طَق… طَق…

وأخذ تنفسه يتسارع.

“هذا الصوت…”

“ماذا؟”

سبق لتاليس أن سمع الغراب العجوز يمشي بعصاه.

ظل الجندي المتحمس يحدق في تاليس، الذي لا يزال مستلقيًا بضعف، وكأنه يخشى أن يختفي إن رمش.

وسمع أيضًا وقع خطوات المتنبئ الأسود.

وامتلأ الصوت بعاطفة لم يستطع تفسيرها.

فسرعان ما تعرف على الصوت.

كان مزاجه سيئًا أصلًا، والآن ازداد سوءًا.

“خشب يطرق الأرض.”

وانزلقت خنجر JC من يده، فالتقطها يودل.

لكن هذه المرة، كان الإيقاع أكثر انتظامًا من الغراب العجوز، وأخف وأسرع من المتنبئ الأسود.

مشى الحامي المقنع نحو المقعد الخشبي.

“يا للعجب… هيه هيه، مضى وقت طويل منذ جئت إلى هنا.”

“ظننت أنك لا تستمع إلا إلى أوامر جلالته.”

ارتفع الصوت الحاد مجددًا، وكانت فيه لمحة من لهجة الصحراء الغربية.

مد تاليس ذراعه.

لكن تاليس كان مستعدًا أن يقسم بحياته أن هذه أفصح وأدق وأكثر نسخ اللغة المشتركة لشبه الجزيرة الغربية اتساقًا منذ دخوله الصحراء الكبرى.

“الوشوم على عنقه مجرد جزء من تقاليد قبيلة شارلورن. إنها تعني ببساطة أنه انتصر في ست وثلاثين معركة.”

بل إن اختيار صاحب الصوت للكلمات شائع بين سكان مدينة النجم الخالد.

ضيق عينيه، ولوح بيده ليبعد الغبار، محاولًا التأقلم مع الضوء القوي والريح الباردة التي اندفعت فجأة.

“كنت أظن أنني لن أعود إلى هذا المكان المتعب المشؤوم مرة أخرى.”

بدا الصوت عاجزًا إلى حد مؤلم، بائسًا… وكأنه يبتعد عنه.

وأخيرًا، ظهر رجل يستند إلى عصا عند مدخل الغرفة.

أُمسكت يده اليمنى بإحكام، فلم يستطع دفعها إلى الأمام ولا سحبها!

كان منحني الظهر قليلًا.

وفي تلك اللحظة، ظهر فوقه فجأة ظل أسود ثقيل.

في اللحظة التي دخل فيها، اختفى قلق تاليس واهتمامه بغوتهام تمامًا، واستحوذ القادم الجديد على انتباهه كله.

وبدا عليه الارتباك.

استخدم الرجل عصاه لدعم ساقه اليسرى المعاقة بوضوح، وأسند معظم وزنه عليها.

تحسس تاليس الضمادات تحت القميص.

والأغرب أن سيفًا طويلًا ذا طراز مميز كان مثبتًا على العصا، كأن صاحبه يستطيع الاعتماد عليها للمشي وفي الوقت نفسه سحب السيف للقتال.

ومنذ ذلك الحين افترقا.

أمسك صاحب الصوت الحاد بإطار الباب، وعدل رداءه المدرع، ثم ضحك ضحكة مظلمة.

وكان فيه أثر طفيف للغاية من المرح.

“هوه. هذا بالفعل اختبار حقيقي لساقي.”

“إصاباتك لم تكن بسيطة حين كدت تُغتال على يد أروند قبل ست سنوات، ولا حين أصبت في السجن تحت الأرض… لكنك الآن… إذا كان هناك ثمن لهذا—”

رفع رأسه وهو لا يزال يستند إلى العصا.

ربما بقي اللوح مثبتًا في مكانه سنوات طويلة وأصابه التلف.

ظهر وجه رجل في منتصف العمر، بدا أقرب إلى وجه غير بشري.

وتتغير ملامحه كلما تعثر في الصياغة، بل ويتلعثم أحيانًا.

شاحب، ذابل، وفمه مائل إلى أحد الجانبين.

استخدم الرجل عصاه لدعم ساقه اليسرى المعاقة بوضوح، وأسند معظم وزنه عليها.

ومع صوته البارد الحاد، وعينيه اليقظتين اللامعتين، كان الانطباع الذي يتركه كفيلًا ببث القشعريرة في جسد من يراه.

سار حافي القدمين نحو المقعد الخشبي الذي يحمل المصباح الأبدي، والتقط خنجر JC، ثم عاد بسرعة.

وما إن رآه تاليس حتى صُدم!

“يا…”

تنفس الرجل المخيف بخفة، وأخذ يتفحص تاليس.

“بالمناسبة، يودل، إصاباتك—”

“هاه، لقد كبرت كثيرًا خلال السنوات الست الماضية.”

ومع صوته البارد الحاد، وعينيه اليقظتين اللامعتين، كان الانطباع الذي يتركه كفيلًا ببث القشعريرة في جسد من يراه.

ضحك بطريقة تثير النفور.

“لقد رأيت ذلك!”

كانت ضحكته كإبرة مسمومة تنغرز في القلب.

تناول تاليس الكوب بامتنان ورطب حلقه الذي بلغ من الجفاف حدًا جعله يشعر كأنه يحترق.

“دعني أخمن… لا بد أن الشماليين أحسنوا إطعامك، صحيح؟”

“صحيح.

ساد الصمت عدة ثوانٍ.

“قال إن قناعك من الكنوز السرية للعائلة الملكية.”

حدق تاليس في الزخارف على جسد الرجل وتذكر شيئًا.

وفي اللحظة التالية، شعر تاليس بإحساس مألوف في يده اليمنى.

ظل الرجل يبتسم بتلك الطريقة المرعبة وهو ينتظر الرد.

“مرتفع إلى درجة تجعلني أخشى أن…”

وفي النهاية، أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

هذه المرة حمل صوته استعجالًا واضحًا.

“مضى وقت طويل، يا صاحب السعادة.”

“همم، مذاقه جيد فعلًا…

أعاد الأمير خنجره إلى مكانه، وسوى ثيابه الخفيفة، ثم قال بجدية.

وفي النهاية، أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

ظل صاحب العصا يحدق فيه مدة طويلة، قبل أن ينفجر ضاحكًا.

راقبه يودل يشرب، ثم أمسك حبلًا بجانب السرير وسحبه برفق.

“هاهاها! جيد جدًا! ما زلت تذكر هذه العظام العجوز!”

“مقارنة بالعقارب والعناكب وسحالي الشوك الدموية، على الأقل.”

كانت تعابيره مبالغًا فيها، مما جعل وجهه الغريب أكثر رعبًا.

غمرت الغرفة الضيقة سكينة ميتة.

بل صفق بقوة، كأنه رأى شيئًا لا يصدق.

نظر تاليس إلى خارج الباب، فلم يرَ سوى إضاءة خافتة.

في الخارج، استدار غوتهام ببرود.

وأخذ تنفسه يتسارع.

وضرب مطلق الأفاعي مرة أخرى، تمامًا حين بدأ المحارب النفسي يستعيد وعيه.

لم يكن هناك مفر.

“اهدأ.”

ثم تذكر شيئًا آخر، فانخفض مزاجه.

قال تاليس في نفسه.

ظهر وجه رجل في منتصف العمر، بدا أقرب إلى وجه غير بشري.

أجبر نفسه على عدم النظر إلى مطلق الأفاعي، وحدق في الضيف أمامه بثبات.

لكن كلماته حملت معنى عميقًا مجهولًا، وإصرارًا واضحًا على إنهاء الحديث.

“وصولك غير متوقع فعلًا…”

وُضع مكتب صغير بجانب السرير، وإلى جواره نافذة خشبية مغلقة بإحكام. تسللت من شقوقها خيوط قليلة من ضوء الشمس.

سحب الأمير كرسيًا برفق من تحت الطاولة وأشار إليه.

“أنت وحدك هنا؟”

ثم جلس هو على السرير بهدوء.

“هاهاها! جيد جدًا! ما زلت تذكر هذه العظام العجوز!”

“فهل جئت لمساعدتي… أم لمساعدة البارون ويليامز… أم معسكر أنياب النصل؟”

وضع تاليس الكوب الفارغ وسأل بحيرة.

في تلك اللحظة، توقفت ضحكة الرجل الحادة الباردة فجأة، كأنه فهم شيئًا.

وفي أعلى غرفة من برج الأمير الشبح، قال بلا اكتراث:

حدق في تاليس، الذي بدا هادئًا مسترخيًا، ثم نقر بلسانه وقال:

“أنا فقط… أعيش في عالم مختلف عن عالمك.”

“جيد جدًا.

دوّى صوت جرس خافت خلف الباب.

“لم تصبك تلك الرائحة المميزة التي تحول أبناء النبلاء إلى قطع قمامة عديمة الفائدة… جيد جدًا.”

ظهر وجه رجل في منتصف العمر، بدا أقرب إلى وجه غير بشري.

ثم أضاف:

لكن يودل قاطعه.

“ربما علينا أن نغير رأينا في الشماليين. لعلهم ليسوا برابرة لا يعرفون سوى قلب الطاولات بقبضاتهم.”

“أنا وفريقي نتشرف جدًا بـ… أعني أن نأخذ… لا، أن نستقبل…”

ظهر خط خفيف بين حاجبي تاليس.

ارتفع الصوت الحاد مجددًا، وكانت فيه لمحة من لهجة الصحراء الغربية.

أطلق الرجل همهمة قصيرة.

بل صفق بقوة، كأنه رأى شيئًا لا يصدق.

ثم رفع ساقه اليسرى مع عصاه وعرج إلى داخل الغرفة.

“أنا فقط… أنا فقط…”

طَق… طَق…

وخلفه، أغلق غوتهام الباب بصمت وتفاهم.

تنهد ومد يده ليمنعه من مواصلة ما كان سيقوله.

فانفرد الرجل في الغرفة مع تاليس…

وكان الجواب…

وعادت الغرفة قفصًا محكم الإغلاق.

طَق… طَق… طَق…

“اهدأ.”

أخذ عدة أنفاس عميقة، ثم التقط أدوات الطعام وعاد إلى الأكل كما كان يفعل قبل قليل.

كرر تاليس نصيحته لنفسه وهو يراقب الرجل يقترب.

لكنه حين دفعها، تجمد.

عرج الرجل نحو الكرسي الذي سحبه له تاليس، وقال بنبرة نصفها سخرية ونصفها أسف:

“هل جاء أحد… لاغتيالي؟”

“مع ذلك، لم يكن يجدر بويليامز أن يجلبك إلى هنا بوصفها أول محطة في طريق عودتك إلى المملكة.”

“كان ذلك مجرد… كابوس. أنت تعرف، أنا…”

توقف.

“لا.”

“هذا المكان مرتفع جدًا.”

ثم تحول إلى نسخة أكثر فصاحة من اللغة المشتركة في شبه الجزيرة الغربية، وهي طريقة كلام مميزة لسعاة الجيش.

ثم كرر ببطء:

سمع نفسه يقولها بطريقة غير طبيعية.

“مرتفع أكثر من اللازم…”

زحفت الحمرة التي لا تنتهي فوق جسده وحواسه، ولم يستطع التخلص منها أو الفرار.

وقف الرجل أمام المكتب وهو يتمتم.

“لا!”

ثم أدار جسده قليلًا وحدق في تاليس ببرود، كاشفًا النافذة خلفه، وما وراءها من مبانٍ صغيرة وبعيدة تبدو كقطع لعب مصغرة.

“ألم يقل مطلق الأفاعي إن الجناح الأسطوري استولى على هذا كله من نبلاء الصحراء الغربية؟”

“مرتفع إلى درجة تجعلني أخشى أن…”

وقف الرجل أمام المكتب وهو يتمتم.

سكت قليلًا.

خرج صوت أجش مألوف من الظل الأسود، وناداه باسمه.

“…تسقط منه بالخطأ.”

تغير كل شيء.

حدق تاليس في السيف المثبت على عصاه، وتوتر جسده كله.

ثم كرر ببطء:

وهكذا، وقف سيريل فاكنهاز، سيد عائلة فاكنهاز، إحدى العشائر الست الكبرى في الكوكبة، وصاحب شعار الجمجمة ذات العيون الأربع، ودوق حراسة الصحراء الغربية، وسيد الأطلال، والملقب بـ”غير المرحب به”، عند أعلى نقطة في معسكر أنياب النصل.

“ماذا يفعل رجل من شعب العظام القاحلة هنا؟”

وفي أعلى غرفة من برج الأمير الشبح، قال بلا اكتراث:

“معسكر أنياب النصل.”

“تمامًا مثل… شقيق أبيك.”

وجلس تاليس أمام المكتب يحدق في الطعام الذي أحضره له مطلق الأفاعي.

“أنا فقط… أنا فقط…”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط