المجلد الأول – الفصل الأربعون
“ماذا حصل – ماذا سيحصل”
كان سامي ملقى على الأرض، قدمه تنزف إثر رصاصة، جسده محطم من أثر الضغط، وعقله متعب من كثرة التفكير… لقد فشل بالكامل.
أو بالأحرى، لم يفشل، بل لم يُتح له ما يمكن أن يفشل فيه. لم يفعل شيئًا أصلًا… كان فقط بلا فائدة.
ومع ذلك، نجا.
كانت السماء تتلون بألوان الفجر، والدخان بدأ يتلاشى.
القتالات لم تتوقف… بل انتهت.
كان ينظر إلى السماء، يفكر في كل ما حدث له.
محنته الأولى لم تكن ذات معنى حقيقي، لم يحصل منها على الكثير من القوة، لكنه نجا، وأنهاها بجدارة.
دخل الساحة بعدها، كوّن صداقات على عكس ما توقع… إن كانت تُعدّ صداقات أصلاً.
ثم ماذا؟ هجوم مباشر في يومه الثاني، مات الكثير، وهو نفسه عانى بشدة.
“لكنه كان جيدًا… جعلني أفكر، هذا حماسي. أليست حياة الشخصيات الرئيسية هكذا عادة؟”
ثم توقفت الساحة بعد يومين. لم يعش حياة الأكاديمية كما أراد، لكن لا بأس.
عاد إلى المنزل، تدرب، تعلّم أكثر…
ثم جاء هذا الهجوم، ودُمّرت عشيرته بالكامل.
“أي هراء هذا…؟ إذا كانت هذه هي الحلقة الأولى، فأرجوك توقف.
لا أريد أن أرى بقية الحلقات.”
لم يكن سامي شخصًا سيئًا، ولا قويًا.
لم يعتد على البيئة الصعبة.
عاش بهدوء ولطف…
كان يشعر بالحزن ليوم كامل بمجرد رؤيته جثة قطة في الشارع.
كان طيبًا…
يحب الجميع…
فلماذا تغير كل شيء؟
لم يطلب أن يعاني بهذا الشكل…
ولكن هذه هي حياته الآن.
لقد عرف ذلك منذ محنته الأولى.
دائمًا ما تقوم بتحطيم الشخص… وتُريه مستقبله.
ومثلما انتهت، كان مستقبله مليئًا بالعنف والقتال والحزن والوحدة.
كانت هذه حياته الآن.
لكنه رفض ذلك.
بالأحرى… كرهه.
أراد فقط أن يعود لما كان عليه… أن يعود لنفسه السابقة.
“لماذا أصبحتُ شخصًا كهذا؟ لم أرد ذلك أبدًا…”
زحف نحو أقرب جدار مدمر، وأسند جسده عليه.
أدخل يده المرتجفة في جيبه، وأخرج دفتره.
نفس الدفتر الذي خاطر بحياته لأجله يوم الهجوم على الساحة.
كان محترقًا قليلًا، ومغطى بالرخام…
مسح عنه بيده، وفتحه.
كانت أول صفحة مكتوب فيها:
> “المنتصر لا يستسلم أبدًا…
والمستسلم لا ينتصر أبدًا…”
“إذا أردت شيئًا حقًا، وكنت مستعدًا للتضحية بالعالم كاملًا لأجله،
فأنت ستحققه لا محالة.”
“من لا يستطيع تحمل المعاناة والألم… لا يستحق الراحة والسعادة.”
جمل ثلاث، يبدو أنه كتبها بنفسه.
قد تبدو سخيفة أو طفولية… لكنها ساعدته.
ابتسم رغم الألم، وأعاد الدفتر إلى جيبه.
“الوضع ليس بذلك السوء… لقد نجوت.
عليّ فقط تحليل كل شيء.”
بدأ يفكر ببطء:
“الهجوم على الساحة كان لقتل ذلك الشيطان…
ويبدو أن سلحفاة الماء كان مشاركًا في الأمر بطريقة ما. ربما هو الجاسوس…
وإن لم أكن مخطئًا، فذلك الكيان هو شيطان السيف… القائد السابق… هذه معلومة جيدة.
يبدو أن عجوز الماء تسبب بطريقة ما في مساعدته على تحقيق هدفه:
تدمير مركز عشيرة الرياح الحزينة.
لا أفهم السبب بالضبط…
لكن لا بأس، هذا لا يهم في الصورة الكبرى.”
فجأة، توقف تفكيره.
تذكّر شيئًا…
“إخوتي… تركتهم تحت تلك الشجرة…
ويبدو أن أمي لم تكن في المنزل حين بحثت عنها.
منطقي… امرأة بقوتها، لا يجب أن تكون هناك. لابد أنها ذهبت للدفاع عن العشيرة.”
فكر في الآخرين…
“ألم يكن صغير النسر من النبلاء؟ أتمنى أن ينجو…
ونيكو يعيش في الأحياء السفلية، مع أخته… على الأغلب، بخير.
وآسيا تتدرب في الساحة، إذًا، هي بأمان.
لكن… لماذا أشعر أني نسيت شخصًا ما؟
أوه… فتاة الدراما الرومانسية.
هي ابنة القائد، والهجوم واضح أنه يستهدفه.
أتوقع أنها بخير… لنرجُ أن الجميع نجا. فأنا نجوت أيضاً.
والآن، لنحاول الوقوف.”
بصعوبة، استجمع قواه، وأرغم نفسه على الوقوف.
نجح…
لكن ما إن استقام، حتى سقط مباشرة على وجهه.
“تبًا… ما زلت ضعيفًا. سأبقى هنا وأنتظر دعم العشيرة…”
فجأة، لمح شكلاً ضبابيًا يقترب تحت ضوء الفجر.
استطاع تمييز اللون الأحمر فقط… اجتاحه الرعب.
“هل يعقل… لا، مستحيل… العشيرة لا يمكن أن تُهزم بهذا الشكل،
حتى لو كان شيطان السيف بنفسه هو المهاجم.”
ولكن ما إن اقترب الشكل حتى بدأت معالمه تتضح أكثر. كانت فتاة.
واللون الأحمر لم يكن عباءة مهيبة كما تخيل، بل لم يكن سوى دماء… كانت ملطخة بها بالكامل.
كانت تترنح، تنزف، وكل خطوة تخطوها بدت وكأنها تتحدى الموت ذاته.
عزيمتها الحديدية هي ما أعادها إلى هنا، ولا يبدو أن شيئًا قادر على إيقافها، حتى هذا النزيف العنيف.
اقتربت حتى أصبحت تقف مباشرة فوق سامي، الذي حدق فيها بدهشة… لقد تعرف عليها.
شعرها الأسود الطويل ينساب كالحرير، وعيونها الحادة، وملامح وجهها المتناسقة… لم يكن هناك شك. كانت هي.
ابنة قائد العشيرة.
للحظة، شعر سامي بالراحة. ولكن سرعان ما لاحظ التفاصيل الأخرى…
ملابسها البيضاء قد صُبغت تمامًا بالدماء. جرح عميق في جانبها الأيسر، وذراع تنزف دون توقف، ووجهها… لم يكن يحمل الحدة المعتادة، ولا الثقة، ولا حتى الخجل الذي كان يراه فيها من قبل.
كانت منكسرة تمامًا.
الدموع تنهمر من عينيها بغزارة، مما جعل سامي يشعر بألم طفيف في صدره.
“حسنًا، بعد التفكير… هذا ليس غريبًا.”
“على عكسي، أنا الذي لم أهتم يومًا بأمر العشيرة… هي، ابنة القائد، رُبيت لأجل العشيرة وكل ما تمثله. وفي ليلة واحدة، تدمرت عشيرتها بالكامل.”
“غالبًا… والدها قُتل، لأن الهجوم كان يستهدفه. وهذا المكان… الآن فقط أدركته، هذا هو مركز القيادة، قصر قائد العشيرة. هذا منزلها.”
“لقد خسرت كل شيء.”
رفع سامي نظره نحوها. كانت جامدة في مكانها، تنظر حولها بعينين دامعتين ووجهٍ غارق بالحزن، بدت كلوحة فنية حزينة.
قرر أن يتكلم أخيرًا. رغم مشاكله، شعر أنه عليه قول شيء.
قال بصوت خافت:
“حسنًا… يبدو أنها كانت ليلة سيئة، أليس كذلك؟”
ثم تنهد في داخله، “يا له من أسوأ أسلوب لمواساة أحد…”
أضاف:
“لا بد أنكِ عانيتِ كثيرًا.”
نظرت نحوه، وكأنها انتبهت أخيرًا لوجوده.
مسحت دموعها بعجلة، وحدقت فيه للحظات، ثم قالت بصوت متعب هامس:
“من أنت؟”
لم يكن هذا مفاجئًا.
كان سامي ملطخًا بالجروح والدماء، يرتدي ملابسه المنزلية الرمادية الممزقة، وشعره المصفف للخلف غيّر مظهره المعتاد. لم يكن غريبًا ألا تتعرف عليه بعد أن التقت به مرة أو مرتين بالكاد.
ربما كانت مميزة لديه، لكنه بالنسبة لها مجرد رقم آخر… لم يكن مميزًا بما يكفي لتتذكره.
شعر بخيبة أمل… ولكن قليلاً فقط.
قال بهدوء:
“أنا سامي… من مقيدي الساحة.”
نظرت إليه باستغراب:
“سامي؟ ماذا تفعل هنا؟ وكيف نجوت؟”
ردّ:
“بصراحة… لا أعلم. بعض الأشياء حدثت.”
أشاحت بنظرها بعيدًا، ثم همست بشفتيها ببطء:
“نعم… إنها ليلة سيئة بحق. العشيرة تدمرت، وفقدنا الكثير من الناس… لا أعلم ما الذي يفترض بي فعله الآن.”
أجابها سامي، بنبرة أخف قليلاً:
“لا أظن أنه عليكِ فعل أي شيء الآن… أنتِ مرهقة.
أعرف نوع الأشخاص مثلك… يلومون أنفسهم على كل شيء، حتى ما لا يخصهم.
فقط… اجلسي. خذي نفسًا، وسننتظر حتى الصباح.”
نظرت نحوه بدهشة، ثم تشكلت على وجهها ابتسامة صغيرة، وهمست:
“أنا… متعبة حقًا.”
جلست إلى جواره، لكنها أبقت مسافة بينها وبينه.
نظر نحوها للحظة، ثم أشاح ببصره.
سألها:
“هل توقف الهجوم؟”
أجابت:
“لا أعلم… لكنه اختفى فجأة، بعد أن دمّر كل شيء.”
قال سامي بابتسامة خفيفة:
“حسنًا… هذا جيد، بطريقة ما.”
نظرت إليه بدهشة:
“جيد؟! لقد تدمّرت العشيرة! ومات الكثير! ما الجيد في ذلك؟”
ابتسم سامي:
“إذا نظرنا من زاوية مختلفة… هذا يعني أن العطلة ستصبح أطول، أليس كذلك؟”
فاجأها رده، وانفجرت بالضحك، رغم ألمها.
ضحك سامي معها.
كان مشهدًا منافسًا لأي مشهد درامي…
اثنان، غارقان بالدماء والجروح، يجلسان وسط أنقاض مبنى مدمر، يحيط به جثث محترقة وحي مشتعل…
ومع ذلك، كانت ضحكتهما أجمل ما في الوجود.
—
تحت إشراقة صباح جديد…
كانا يسيران وسط الأنقاض، بخطى بطيئة. سامي يسير بتكلف، وبجواره الفتاة الملطخة بالدماء.
المنازل المحطمة، المنشآت المحترقة، والركام في كل مكان.
العشيرة قد دُمّرت بالكامل، ويبدو أن هذا سيكون… آخر يوم لها.
فكر سامي:
“إذا أراد العالم أن يحطمني… فسأحطم العالم.”
تصريح جريء… وأحمق،
لأنه لم يدرك بعد نوع الرهان الذي وضع نفسه فيه.
وفجأة…
ظهر شعاع أصفر هائل من الأفق.
كان عارمًا، مرعبًا، غمر المدينة وما حولها بالكامل.
غطى كل شيء: الحي المدمر، المدينة، المزارع، الساحة… عشرات الكيلومترات.
في أماكن متفرقة:
– كانت آسيا في غرفتها تعتني بسيفها حين غمرها اللون الأصفر.
– وكان نيكو يجلس على حافة سطح منزل قديم، ينظر نحو أعلى المدينة، حين اجتاحه الضوء.
– أما صغير النسر، فكان نائمًا فوق تراب قبر مزخرف، حين غمره اللون نفسه.
أما سامي… فقد شاهد الشعاع الأصفر يقترب، يبتلع كل شيء.
نظر حوله… كل شيء اختفى تحت هذا الضوء الساحق.
أصبح كل شيء باه
تًا… ثم اختفى.
لم يبقَ شيء.
لا شارع، لا أنقاض، لا بشر.
فقط… اللون الأصفر النقي.
ثم…
اختفى هو الآخر.
المكان الذي كان يسير فيه سامي وابنة قائد العشيرة قبل لحظة…
أصبح خاليًا تمامًا.
—
انتهى المجلد الأول من لعنة الخيارات.
—
شكرا على صبركم وأتمنى دعمكم للعمل و إنتظاري بصبر حتى أعود بالمجلد الثاني الذي يحمل ذروة العمل كان معكم القلم الكسول !

التعليقات متوقفة حالياً، ستعود قريباً!