شكوك الأمير
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أشعر بفضولٍ بسيط، رافاييل.” قال الأمير الثاني بنبرةٍ تحمل مسحة برودة. “وأنت واقف هنا، لم تسألني كيف حال الملك نوڤين، ولا عمّا واجهتُه… أنا محبطٌ بشدّة.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“هل لامبارد قويّ إلى هذا الحدّ أيضًا؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
لم يُكمل ويا، لأنّ تاليس تكلّم مجددًا.
Arisu-san
عضّ كوهين شفته السفلى وأنّ من الألم. اهتزّ جسده بعنف مع صوت فرقعة المفصل. وبعد بضع ثوانٍ، وقد ابتلّ بالعرق البارد، تنفّس الشرطي الصعداء كأنه نجا من عقابٍ عظيم. أخذ يلهث وربّت على كتف رافاييل. فمدّ الأخير يده ورفعه من الأرض.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
نظرت الشقية الصغيرة حولها بخجل، لا تدري ما تفعل بين جمعٍ من أبناء الكوكبة.
الفصل 207: شكوك الأمير
اشتدّت نظرة تاليس. “بوصفك ممثّل جهاز الاستخبارات السرّية للمملكة، الذي «عمل في الظلام لأكثر من ستمئة عام»… يا رافاييل، هل تستطيع تبديد شكوكي؟”
…
“لامبارد.” أكّد رافاييل.
في السجن الهادئ، حدّق كوهين وميراندا في الوافد الجديد بتعابير معقّدة.
“حسنًا.” زفر الشرطي ودمدم بخفوت. “أنا ملأت جسدك بالجراح، وأنت أنقذت حياتي. أظنّنا متعادلان الآن؟”
“أنت؟ جهاز الاستخبارات السرّية للمملكة؟”
(لكن هذا مستحيل. رافاييل… كيف… أنا وميراندا كِلانا…)
صُدم الأمير. تذكّر النبيّ الأسود، ثم تذكّر كيسل.
“لقد خرج الوضع عن السيطرة. ومن أجل سلامتك، ومن أجل مستقبل الكوكبة، يجب أن تغادر فورًا.” حدّق رافاييل في تاليس بعينيه القرمزيتين وقال بصوتٍ عميق، “غادر مدينة سحب التنين، غادر إكستيدت…
وما يزال تحت وطأة الصدمة، تنفّس تاليس وهو يتفحّص الوافد الجديد، رافاييل. كانت تلك العيون الحمراء الغريبة تبعث في نفسه قلقًا خفيفًا.
توقّف رافاييل للحظة. (ماذا؟)
التصقت الشقية الصغيرة بظهر تاليس، ولم تجرؤ إلا على إظهار نصف وجهها.
“ألا يمكننا إخطار الآخرين في مدينة سحب التنين الموالين لعائلة والتون؟” قالت. “حالما يلاحظون الحالة غير الطبيعية للبوّابة، لن يجد لامبارد مكانًا يختبئ فيه.”
وكان رافاييل بدوره يراقب تاليس بعناية.
“أمّا أنا، فلديّ طريقة واحدة هي الأنجع لتحديد ما إذا كان المرء في الفئة العليا أم الفئة الفائقة.”
(مقارنةً بوقته في قاعة النجوم…) ابتسم رافاييل قليلًا. (…يبدو أنه قد نضج كثيرًا.)
شدّ تاليس قلبه قليلًا. (بضع مئات؟)
في اللحظة التالية، وقف رافاييل فجأة. فُوجئ تاليس.
“في يومٍ ما، حين تدرك أنّك تستطيع إنهاء القتال في طرفة عين، ربحًا أو خسارة، سواء واجهت مبتدئين ضعفاء أو خصومًا لا يُقهرون، وسواء كنت محاصرًا في وضعٍ ميؤوس منه أو تواجه خصمًا مكافئًا لك…”
“ادخلوا.” قال رافاييل ببرود، “الأمر آمن الآن. رجالي سيتولّون الحراسة.”
(لكن قتل ستّة أشخاص دفعةً واحدة، وحركات رافاييل وتوقيته قبل قليل…) عقد كوهين حاجبيه. (…كان أكثر ممّا يمكن لقوة الإبادة أن تمنحه. لم يكن الأمر أسلوب سيف مميّزًا، ولا طريقة قتال ثابتة، ولا مهارة قتالية محدّدة، ولا مجرّد استخدامٍ صرف للقوّة.)
تجمّد تاليس. لكن في تلك اللحظة، فُتح الباب السميك الذي يفصل داخل السجن عن خارجه مرةً أخرى.
دخل شخص يرتدي زيّ وحدات الدورية إلى السجن ورأسه منخفض. لم تكن ساقاه تبدوان رشيقتين، وكان أحد ذراعيه متيبّسًا.
دخل شخص يرتدي زيّ وحدات الدورية إلى السجن ورأسه منخفض. لم تكن ساقاه تبدوان رشيقتين، وكان أحد ذراعيه متيبّسًا.
ركلت ميراندا السلسلة تحت قدميها وقالت بهدوء، “يدك.”
رفع ذلك الشخص رأسه ونزع تمويهه، كاشفًا عن النصف السفلي من وجهه. كان يرتدي نصف قناع فضي. اتّسعت عينا تاليس.
“حسنًا.” زفر الشرطي ودمدم بخفوت. “أنا ملأت جسدك بالجراح، وأنت أنقذت حياتي. أظنّنا متعادلان الآن؟”
“رالف!” تفوّه الأمير الثاني دون تفكير.
صُدم الأمير. تذكّر النبيّ الأسود، ثم تذكّر كيسل.
رفع متتبع الريح الشبح رأسه وأومأ بصمت إلى تاليس. ثم توجّه إلى زنزانة تاليس وأدار المفتاح الذي خلّفه الحراس ليفتح باب الزنزانة.
“لقد خرج الوضع عن السيطرة. ومن أجل سلامتك، ومن أجل مستقبل الكوكبة، يجب أن تغادر فورًا.” حدّق رافاييل في تاليس بعينيه القرمزيتين وقال بصوتٍ عميق، “غادر مدينة سحب التنين، غادر إكستيدت…
أطلق وايا زفرةً طويلة وسقط مترهّلًا على الأرض، كأنه استرخى فجأة. “يا إلهي… كنت أعلم أن تركك هناك سيؤتي ثماره.”
“الريح التي هبّت فجأة قبل قليل.” تلألأت نظرة تاليس. قال وقد أدرك الأمر، “رالف، كان ذلك أنت؟”
تنفّس تاليس الصعداء أيضًا. (نحن بأمان.)
وفي سكون السجن، قال تاليس بصوتٍ خافت، “متى بدأ جهاز الاستخبارات السرّية للمملكة…
خرج من الزنزانة مع الشقية الصغيرة. وهو يحدّق في رالف ورافاييل، اللذين كانا يفتحان الأبواب الأخرى، أشرقت عيناه.
شعر كوهين بعاطفة لا توصف. كان فيها حزن لأنّ نظيره الذي بدأ معه في الوقت نفسه قد سبقه الآن. كما تأثّر بشدّة لأنّ صديقه صار أقوى فأقوى.
“الريح التي هبّت فجأة قبل قليل.” تلألأت نظرة تاليس. قال وقد أدرك الأمر، “رالف، كان ذلك أنت؟”
تجمّد رافاييل للحظة.
فتح رالف باب زنزانة وايا وغمز غمزةً خفيفة. وأشار إلى الأمير تأكيدًا.
Arisu-san
“نأمل أن يتمكّن صوت الريح من حجب الأصوات التي نصدرها ونحن نختبئ ونقاتل.” توجّه رافاييل إلى قائد الحرس المسكين وبحث في جيوب الرجل الميت ببرود. “كونوا هادئين. لا يزال هناك بضع مئات يحرسون في الخارج. لا يمكننا التهاون.”
وكان رافاييل بدوره يراقب تاليس بعناية.
شدّ تاليس قلبه قليلًا. (بضع مئات؟)
حكّ كوهين رأسه ونظر إلى تاليس، ثم إلى رافاييل. وفي النهاية، حدّق متسائلًا في ميراندا. لكن على غير توقّع كوهين، كانت ميراندا بدورها تحدّق في رافاييل بنظرة متّقدة.
أخرج رافاييل حزمة مفاتيح ونهض. ثم توجّه إلى زنزانة كوهين.
رفع متتبع الريح الشبح رأسه وأومأ بصمت إلى تاليس. ثم توجّه إلى زنزانة تاليس وأدار المفتاح الذي خلّفه الحراس ليفتح باب الزنزانة.
“رافاييل.” تنفّس كوهين وقال بإنهاك، “لا أصدّق أنك تركت أولئك يعاقبوننا. ألم يكن هناك سبب آخر…؟”
(لكن قتل ستّة أشخاص دفعةً واحدة، وحركات رافاييل وتوقيته قبل قليل…) عقد كوهين حاجبيه. (…كان أكثر ممّا يمكن لقوة الإبادة أن تمنحه. لم يكن الأمر أسلوب سيف مميّزًا، ولا طريقة قتال ثابتة، ولا مهارة قتالية محدّدة، ولا مجرّد استخدامٍ صرف للقوّة.)
ضحك رافاييل بخفّة. وألقى رالف نظرة ضيق على الشرطي. كانت عيناه لا تزالان مملوءتين بالكراهية.
أومأ رافاييل إيماءة خفيفة وأشار بأدبٍ للأمير أن يتابع. وتحت أنظار الجميع، أطلق تاليس زفرةً خفيفة.
وحين رأى متتبع الريح الشبح، هزّ كوهين كتفيه بعجز.
لم يتغيّر تعبير رافاييل، ولمع بريق في عينيه.
“أنتم جميعًا تعرفون بعضكم؟” عقد تاليس حاجبيه وهو يراقب التفاعل غير المعتاد بين كوهين ورافاييل ورالف.
“…فحينها، تكون على الأرجح قد اقتربت من الفئة الفائقة.”
“نعرف بعضنا؟” شخر كوهين بخفوت. “أكثر من ذلك.”
وفجأةً، طبق قوة على ذراع كوهين، شدّها ودفعها.
تجاهل رافاييل نبرة كوهين وقال ببرود، “كانوا ستّة. كان من المستحيل أن أقتلهم جميعًا بهدوء. لذلك، كان عليّ انتظار لحظة مناسبة.
“هل جهاز الاستخبارات السرّية للمملكة قويّ إلى هذا الحدّ حقًا؟”
“على سبيل المثال، عندما استداروا جميعًا لفتح الأقفال وظهورهم نحوي…” وبمفتاح القائد، توجّه رافاييل بلا تعبير إلى جانب كوهين وركع ليفتح قفل السلسلة الحديدية التي كانت تقيد جسده. “…وفي الوقت نفسه، سمحوا لي باستغلال لحظة فتحهم لأبواب الزنزانات.”
رفع كوهين حاجبه وتفحّص المقبض.
وبعد تحرّره من القيود، نفض كوهين السلسلة الحديدية عن جسده وجلس.
“لكن يا رافاييل، أنت تعلم جيّدًا أنّ تشابمان لامبارد دبّر كل هذا من وراء الستار.” استدار تاليس وحدّق في الشاب. “لقد عثرتَ حتى على هذه البوّابة، وزوّرتَ أمر لامبارد بسهولة، وتسلّلتَ لإنقاذنا.”
غير أنّ وجهه تشوّه على الفور. عانق كتفه الأيمن بإحكام بذراعه اليسرى وصرخ من الألم الشديد في ذراعه اليمنى.
“ثانيًا، لا نعلم كم جاسوسًا آخر لدى لامبارد في مدينة سحب التنين، ولا نعلم إن كان يملك وسيلة لخداع أتباع عائلة والتون خداعًا تامًا. فالشائعات الآن…” توقّف رافاييل لحظة ولم يُتمّ جملته. “لذا لا أنصح بالمجازفة.”
أدرك رافاييل شيئًا ما. وضع يده على كتف الشرطي الأيمن وأمسك بذراعه اليمنى المصابة والمخلوعَة. أرخى كوهين قبضته ضمنيًا، تاركًا رافاييل يتولّى الأمر.
“أتباع مدينة سحب التنين لا يزالون غير مدركين.” أجاب رافاييل بثبات. “الوزير الأول ليسبان وقاعة الانضباط الرئيسية منشغلان بالبحث عن مكان الملك نوڤين، ومحاولة تهدئة الفوضى.
“الشخص الذي أعاد ذراعك إلى مكانها على الأرجح اشتبه بقدرتك على نزع السلسلة، فترك بعض العيوب عمدًا. تحمّل، سأخلع المفصل وأعيده إلى مكانه مرةً أخرى.” قال رافاييل ببرود.
“الشخص الذي أعاد ذراعك إلى مكانها على الأرجح اشتبه بقدرتك على نزع السلسلة، فترك بعض العيوب عمدًا. تحمّل، سأخلع المفصل وأعيده إلى مكانه مرةً أخرى.” قال رافاييل ببرود.
وفجأةً، طبق قوة على ذراع كوهين، شدّها ودفعها.
توقّف رافاييل للحظة. (ماذا؟)
عضّ كوهين شفته السفلى وأنّ من الألم. اهتزّ جسده بعنف مع صوت فرقعة المفصل. وبعد بضع ثوانٍ، وقد ابتلّ بالعرق البارد، تنفّس الشرطي الصعداء كأنه نجا من عقابٍ عظيم. أخذ يلهث وربّت على كتف رافاييل. فمدّ الأخير يده ورفعه من الأرض.
“في يومٍ ما، حين تدرك أنّك تستطيع إنهاء القتال في طرفة عين، ربحًا أو خسارة، سواء واجهت مبتدئين ضعفاء أو خصومًا لا يُقهرون، وسواء كنت محاصرًا في وضعٍ ميؤوس منه أو تواجه خصمًا مكافئًا لك…”
حدّق كوهين، وهو يلهث، في رافاييل بشرود. “بالمناسبة، رافاييل… كيف أصبحت مهارتك بالسيف… بهذه القوة؟”
استدار رافاييل فجأة…
“ببساطة.” ألقى رافاييل نظرة لا مبالية، واستدار متجهًا إلى زنزانة ميراندا. “كثير من التدريب.”
“ألا يمكننا إخطار الآخرين في مدينة سحب التنين الموالين لعائلة والتون؟” قالت. “حالما يلاحظون الحالة غير الطبيعية للبوّابة، لن يجد لامبارد مكانًا يختبئ فيه.”
تلألأت نظرة كوهين. “ذراعك اليمنى شُقّت قبل قليل—”
تجمّد تاليس. لكن في تلك اللحظة، فُتح الباب السميك الذي يفصل داخل السجن عن خارجه مرةً أخرى.
استدار رافاييل فجأة…
أومأ رافاييل إيماءة خفيفة وأشار بأدبٍ للأمير أن يتابع. وتحت أنظار الجميع، أطلق تاليس زفرةً خفيفة.
صفعة!
حدّق رالف في كوهين وقبض على يديه قليلًا. ابتسم كوهين. ثم أدار متتبع الريح الشبح رأسه ولم يعد ينظر إلى كوهين.
…وضرب كتف كوهين.
فتح رالف باب زنزانة وايا وغمز غمزةً خفيفة. وأشار إلى الأمير تأكيدًا.
حدّق كوهين بدهشة وهو يرى رافاييل يعرض له ظهر كفّه اليمنى.
“أتباع مدينة سحب التنين لا يزالون غير مدركين.” أجاب رافاييل بثبات. “الوزير الأول ليسبان وقاعة الانضباط الرئيسية منشغلان بالبحث عن مكان الملك نوڤين، ومحاولة تهدئة الفوضى.
“أترى؟” حدّق رافاييل في الشرطي بعينيه القرمزيتين الخاصّتين به وقال بهدوء، “لم يتمكّن من إصابتي.”
أخرج رافاييل حزمة مفاتيح ونهض. ثم توجّه إلى زنزانة كوهين.
صُدم كوهين.
“تخفّينا في الظلام وتسلّلنا إلى الداخل. كما زوّرنا أمر لامبارد.” وجد رافاييل سؤال تاليس غريبًا بعض الشيء. “أمّا الهروب… فسيكون من المستحيل التنكّر.”
فرك عينيه بعنف وراح يراقب يد رافاييل اليمنى كاملة من أعلاها إلى أسفلها. ثم، وما يزال مذهولًا، حدّق في صديقه القديم.
تجمّد رافاييل للحظة.
(كيف يكون ذلك…؟ الكمّ. حتى كمّه كان مشقوقًا إلى نصفين؟) عقد كوهين حاجبيه. (و…)
“ما إن نخرج من هذا المكان، سنلتقي بأفراد جهاز الاستخبارات السرّية الذين سيتولّون استقبالنا.”
جال كوهين بنظره على الرجال الستّة الموتى، وأعاد في ذهنه مرارًا حركات رافاييل الشبحية قبل قليل. وهو يسترجع القتال الذي حدث للتو، امتلأ الشرطي بالصدمة.
وسأل، بنبرة ذات مغزى، “وماذا عن باقي أهل المدينة؟ هل سيكتفون بالمشاهدة؟”
اعترف كوهين أنّ سنوات الثلاث في ساحات القتال بالصحراء الشرقية، بين الحياة والموت، قد أعادت تشكيله تمامًا. تحسّنت مهارته في السيف، ذات الطابع الهجومي الجامح، كثيرًا تحت الضغط الهائل. وكذلك أصبحت ميراندا أقوى في حالة الجمود الخطيرة على الحدود الشمالية. وصار إيقاع قتال موسيقى بيغاسوس لديها أكثر وضوحًا.
فتح رالف باب زنزانة وايا وغمز غمزةً خفيفة. وأشار إلى الأمير تأكيدًا.
(لكن قتل ستّة أشخاص دفعةً واحدة، وحركات رافاييل وتوقيته قبل قليل…) عقد كوهين حاجبيه. (…كان أكثر ممّا يمكن لقوة الإبادة أن تمنحه. لم يكن الأمر أسلوب سيف مميّزًا، ولا طريقة قتال ثابتة، ولا مهارة قتالية محدّدة، ولا مجرّد استخدامٍ صرف للقوّة.)
ضحك رافاييل بخفّة. وألقى رالف نظرة ضيق على الشرطي. كانت عيناه لا تزالان مملوءتين بالكراهية.
(بل كان دمج القتال في الغرائز المتأصّلة، فهمًا أعمق وأدقّ لمعنى المعارك…)
رفع كوهين حاجبه وتفحّص المقبض.
تذكّر كوهين ما قاله أستاذه، زيدي تافنر، ذات مرّة، وصرّ على أسنانه بخفّة. “الاختراق بين الفئة العادية والفئة العليا واضحٌ وسهل التمييز. وببساطة، يحدث حين يصبح الشخص العادي فجأةً غير عادي. يكفي أن يحوّل قتالًا بسيطًا إلى شيء استعراضي، فوضوي، طويل، وعنيف.”
حدّق كوهين، وهو يلهث، في رافاييل بشرود. “بالمناسبة، رافاييل… كيف أصبحت مهارتك بالسيف… بهذه القوة؟”
تردّدت كلمات أستاذه الساخرة في أذنيه.
استنشق الأمير الثاني بعمق ثم زفر ببطء، وكانت نبرته حاسمة. “فسأكون أكثر صراحة.”
“لكن نقطة الاختراق بين الفئة العليا والفئة الفائقة”—ومع ارتعاشٍ خفيف في جفنيه، أطلق الأستاذ ابتسامةً مائلة—”يصعب تحديدها. فمن سَيّافين مرعبين قضوا حياتهم كلّها في ساحات القتال، إلى منظّرين لم يمسّوا سلاحًا قطّ، جادلوا في هذا الأمر لآلاف السنين. تنوّعت نظرياتهم بين المعقول وغير المعقول، وبين ما يستند إلى الدليل وما هو محض هراء.
وكان رافاييل بدوره يراقب تاليس بعناية.
“ذلك «التحكّم الأنيق بالطاقة»، و«التحكّم الدقيق»، و«الاستنارة الغامضة لجوهر القتال»، و«إطلاق هالة القوّة الغبية» التي يتحدّث عنها أولئك الخبراء الحمقى، وحتى ذلك الهراء عن «قمع الفئات» و«الاختلالات الطبيعية»…”
حدّق رالف في كوهين وقبض على يديه قليلًا. ابتسم كوهين. ثم أدار متتبع الريح الشبح رأسه ولم يعد ينظر إلى كوهين.
في تلك اللحظة، أطلق زيدي زفرةً طويلة، وقال وهو يولّي كوهين ظهره،
“لكن يا رافاييل، أنت تعلم جيّدًا أنّ تشابمان لامبارد دبّر كل هذا من وراء الستار.” استدار تاليس وحدّق في الشاب. “لقد عثرتَ حتى على هذه البوّابة، وزوّرتَ أمر لامبارد بسهولة، وتسلّلتَ لإنقاذنا.”
“أمّا أنا، فلديّ طريقة واحدة هي الأنجع لتحديد ما إذا كان المرء في الفئة العليا أم الفئة الفائقة.”
فتح رالف باب زنزانة وايا وغمز غمزةً خفيفة. وأشار إلى الأمير تأكيدًا.
استدار الأستاذ زيدي وحدّق مباشرةً في كوهين الشاب. كانت نظرته متّقدة.
“لامبارد.” أكّد رافاييل.
“في يومٍ ما، حين تدرك أنّك تستطيع إنهاء القتال في طرفة عين، ربحًا أو خسارة، سواء واجهت مبتدئين ضعفاء أو خصومًا لا يُقهرون، وسواء كنت محاصرًا في وضعٍ ميؤوس منه أو تواجه خصمًا مكافئًا لك…”
توقّف رافاييل للحظة. (ماذا؟)
أومأ الأستاذ ببطء. وكانت نظرته عميقة وهو يعقد ذراعيه أمام صدره.
خرج من الزنزانة مع الشقية الصغيرة. وهو يحدّق في رالف ورافاييل، اللذين كانا يفتحان الأبواب الأخرى، أشرقت عيناه.
“…فحينها، تكون على الأرجح قد اقتربت من الفئة الفائقة.”
“لامبارد.” أكّد رافاييل.
شعر كوهين بعاطفة لا توصف. كان فيها حزن لأنّ نظيره الذي بدأ معه في الوقت نفسه قد سبقه الآن. كما تأثّر بشدّة لأنّ صديقه صار أقوى فأقوى.
صُدم كوهين.
(لكن هذا مستحيل. رافاييل… كيف… أنا وميراندا كِلانا…)
تردّدت كلمات أستاذه الساخرة في أذنيه.
وإذ خطرت له هذه الفكرة، نظر كوهين فورًا إلى الجهة المقابلة… إلى ميراندا.
دحرج كوهين، وهو يحرّك ذراعه إلى جانبهما، عينيه.
كانت ميراندا تحدّق في الأرض بشرود، وفي عينيها نظرة خفيّة معقّدة. حرّرها رافاييل من السلسلة الحديدية بوجهٍ خالٍ من التعبير. وأسندت ميراندا نفسها إلى القضبان ونهضت. لم يتغيّر تعبيرها.
في اللحظة التالية، وقف رافاييل فجأة. فُوجئ تاليس.
لم ينطق الاثنان بكلمة. ولم ينظر أيٌّ منهما إلى الآخر، وكأنّهما يتعمّدان تجنّب تبادل النظرات.
التصقت الشقية الصغيرة بظهر تاليس، ولم تجرؤ إلا على إظهار نصف وجهها.
بدا ذلك متعمّدًا على نحوٍ واضح.
أومأ رافاييل إيماءة خفيفة وأشار بأدبٍ للأمير أن يتابع. وتحت أنظار الجميع، أطلق تاليس زفرةً خفيفة.
استدار رافاييل. وفي هذه اللحظة، تردّد صوت السيّافة.
أدرك رافاييل شيئًا ما. وضع يده على كتف الشرطي الأيمن وأمسك بذراعه اليمنى المصابة والمخلوعَة. أرخى كوهين قبضته ضمنيًا، تاركًا رافاييل يتولّى الأمر.
ركلت ميراندا السلسلة تحت قدميها وقالت بهدوء، “يدك.”
تجمّد تاليس لوهلة.
تجمّد رافاييل للحظة.
“…ويقتل بسهولة الملك المنتخب لمملكة التنين العظيم، الملك نوڤين السابع، «الملك المولود» الذي حكم ثلاثين عامًا…”
“لا شيء.” قال ببرود دون تردّد، ثم خرج من الزنزانة متّجهًا نحو ويا.
“شكرًا.”
وهو يراقب كل ما يجري، لم يستطع كوهين إلا أن ينتقدهما في داخله.
صُدم الأمير. تذكّر النبيّ الأسود، ثم تذكّر كيسل.
(ثنائي أحمق.)
التصقت الشقية الصغيرة بظهر تاليس، ولم تجرؤ إلا على إظهار نصف وجهها.
على الجانب الآخر، جثا رالف إلى جانب تاليس وقطع الحبل خلفه وخلف الشقية الصغيرة بنصلِه المخفيّ.
وبعد بضع ثوانٍ…
ومدّ تاليس ذراعيه المؤلمتين المخدّرتين، ثم حدّق بعبوس في رافاييل. “جهاز الاستخبارات السرّية للمملكة… كيف عثرتم عليه؟”
“أجد الأمر غريبًا أيضًا أنّ…” هزّ تاليس رأسه ببطء. اشتدّت نبرته وتسارعت كلماته. “بالاعتماد على قائدٍ متقاعد، ومسؤولٍ صغير متورّط مع العصابات، ونبيلٍ أجنبي، تمكّن آرشيدوق إقليم الرمال السوداء، تشابمان لامبارد، من التوجّه شمالًا إلى عاصمة أقوى مملكة في شبه الجزيرة الغربية…”
أظهر رالف ابتسامة، وأخرج خنجر «ج.ت» المصادَر من خصره، ثم ناوله للأمير.
“أمّا أنا، فلديّ طريقة واحدة هي الأنجع لتحديد ما إذا كان المرء في الفئة العليا أم الفئة الفائقة.”
رفع متتبع الريح الشبح يديه وأشار. “هو الذي وجدني.”
“ادخلوا.” قال رافاييل ببرود، “الأمر آمن الآن. رجالي سيتولّون الحراسة.”
تنفّس تاليس الصعداء ونظر إلى الوافد الجديد من جهاز الاستخبارات السرّية للمملكة. كانت نظرته معقّدة؛ ثمة أمور لا بدّ أن يوضّحها معه.
وفجأةً، طبق قوة على ذراع كوهين، شدّها ودفعها.
استدار رالف وأنزل حزمة من على ظهره. فتح القماش كاشفًا عن سيفين طويلين.
“هل لامبارد قويّ إلى هذا الحدّ أيضًا؟”
تقدّم متتبع الريح الشبح إلى كوهين، وبحاجبين معقودين ووجهٍ يفيض كراهية، ألقى بسيف كارابيان على كوهين.
“نعم، لامبارد استولى على هذه البوّابة.” أومأ رافاييل تأكيدًا بتعبير وقور. “اعتمد جنود إقليم الرمال السوداء على الميزة الجغرافية لهذه البوّابة لقطع التواصل بين قصر الروح البطولية ومدينة سحب التنين.”
رفع كوهين حاجبه وتفحّص المقبض.
“ادخلوا.” قال رافاييل ببرود، “الأمر آمن الآن. رجالي سيتولّون الحراسة.”
“حسنًا.” زفر الشرطي ودمدم بخفوت. “أنا ملأت جسدك بالجراح، وأنت أنقذت حياتي. أظنّنا متعادلان الآن؟”
الفصل 207: شكوك الأمير
تجمّد رالف.
وتجمّد المحيطون بهما أيضًا.
“أنت آذيته، ثم أنقذك.” اتّسعت عينا وايا وهو ينهض بمساعدة رافاييل. لم يستطع إلا أن يقول، “كيفما نظرتُ إلى الأمر، أنت مدين له… كيف يكون هذا تعادلًا؟”
“لكن يا رافاييل، أنت تعلم جيّدًا أنّ تشابمان لامبارد دبّر كل هذا من وراء الستار.” استدار تاليس وحدّق في الشاب. “لقد عثرتَ حتى على هذه البوّابة، وزوّرتَ أمر لامبارد بسهولة، وتسلّلتَ لإنقاذنا.”
حدّق رالف في كوهين وقبض على يديه قليلًا. ابتسم كوهين. ثم أدار متتبع الريح الشبح رأسه ولم يعد ينظر إلى كوهين.
وبعد أن حرّر وايا من سلسلته، همّ كوهين بالاستدارة ليستعيد سيفه المغروس في إحدى الجثث. لكنه أدرك حينها أنّ المقبض كان أمام عينيه مباشرة.
رفع كوهين حاجبه وتفحّص المقبض.
رفع رافاييل بصره وحدّق في ميراندا ذات التعبير العصّي على الفهم. التقت أعينهما بتعابير مختلفة. وبعد بضع ثوانٍ، صرف رافاييل نظره وتناول السيف الذي قدّمته له ميراندا. أومأ إيماءة خفيفة.
“ما إن نخرج من هذا المكان، سنلتقي بأفراد جهاز الاستخبارات السرّية الذين سيتولّون استقبالنا.”
“شكرًا.”
لم يُكمل ويا، لأنّ تاليس تكلّم مجددًا.
دحرج كوهين، وهو يحرّك ذراعه إلى جانبهما، عينيه.
وهو يراقب كل ما يجري، لم يستطع كوهين إلا أن ينتقدهما في داخله.
وقبل أن يتكلّم تاليس، دوّى صوت رافاييل البارد. “تفقّدوا حالتكم… وأنصتوا.”
“شكرًا.”
استدار الجميع ونظروا نحو رافاييل.
“في يومٍ ما، حين تدرك أنّك تستطيع إنهاء القتال في طرفة عين، ربحًا أو خسارة، سواء واجهت مبتدئين ضعفاء أو خصومًا لا يُقهرون، وسواء كنت محاصرًا في وضعٍ ميؤوس منه أو تواجه خصمًا مكافئًا لك…”
“نحن في وضعٍ بالغ الخطورة.” قال الشاب بجدّية، “وأكثر ما يلزم الآن هو الفرار من هذا المكان.”
ركلت ميراندا السلسلة تحت قدميها وقالت بهدوء، “يدك.”
عقد تاليس حاجبيه قليلًا ونظر حوله. “في الواقع، أين نحن؟”
أزعجت نظرة الأمير رافاييل قليلًا.
نظر رافاييل إلى تاليس.
أزعجت نظرة الأمير رافاييل قليلًا.
“أعلى بوّابة في مدينة سحب التنين، بين منطقة الفأس وقصر الروح البطولية. هذا موقع حراسة مؤقّت تابع للبوّابة.”
“لامبارد.” أكّد رافاييل.
تجمّد تاليس لوهلة.
“ألا يمكننا إخطار الآخرين في مدينة سحب التنين الموالين لعائلة والتون؟” قالت. “حالما يلاحظون الحالة غير الطبيعية للبوّابة، لن يجد لامبارد مكانًا يختبئ فيه.”
“بوّابة قرب مدينة سحب التنين؟ أتقول إنّ هذا المكان…”
“ادخلوا.” قال رافاييل ببرود، “الأمر آمن الآن. رجالي سيتولّون الحراسة.”
“نعم، لامبارد استولى على هذه البوّابة.” أومأ رافاييل تأكيدًا بتعبير وقور. “اعتمد جنود إقليم الرمال السوداء على الميزة الجغرافية لهذه البوّابة لقطع التواصل بين قصر الروح البطولية ومدينة سحب التنين.”
توقّف رافاييل للحظة. (ماذا؟)
“لامبارد؟” تغيّر تعبير تاليس قليلًا.
“لا شيء.” قال ببرود دون تردّد، ثم خرج من الزنزانة متّجهًا نحو ويا.
“لامبارد.” أكّد رافاييل.
مُسنِدًا ظهره إلى الجدار، حدّق تاليس مباشرةً في عيني رافاييل القرمزيتين الغريبتين.
تبادل الجميع النظرات. ساد الجوّ وقارٌ لا يوصف.
“أولًا، رغم أنّهم لم يعثروا بعد على جثمان الملك، فإنّ مدينة سحب التنين كرحى شائعات، وصاحب السموّ في عين العاصفة كمشتبهٍ به.” هزّ رافاييل رأسه. “حتى الموالون لعائلة والتون مثل الوزير الأول ليسبان، سيحتجزون صاحب السموّ فور العثور عليه.”
“كيف يكون ذلك ممكنًا؟” قال كوهين، الذي خَبِر الحرب من قبل، بذهول. “هذه بوّابة الفصل في مدينة سحب التنين، المشهورة بصعوبة اقتحامها! كيف تمكّنوا من السيطرة عليها؟”
وحين رأى متتبع الريح الشبح، هزّ كوهين كتفيه بعجز.
“لم يهاجموها بالقوّة.” هزّ رافاييل رأسه. “بل استولوا عليها بصمتٍ وتخطيطٍ محكم. الآن، قصر الروح البطولية معزول بالفعل عن باقي المدينة.”
“…فحينها، تكون على الأرجح قد اقتربت من الفئة الفائقة.”
قطّب تاليس جبينه.
تردّدت كلمات أستاذه الساخرة في أذنيه.
وسأل، بنبرة ذات مغزى، “وماذا عن باقي أهل المدينة؟ هل سيكتفون بالمشاهدة؟”
ضيّق تاليس عينيه، وتقلّصت حدقتاه قليلًا.
“أتباع مدينة سحب التنين لا يزالون غير مدركين.” أجاب رافاييل بثبات. “الوزير الأول ليسبان وقاعة الانضباط الرئيسية منشغلان بالبحث عن مكان الملك نوڤين، ومحاولة تهدئة الفوضى.
“أنتم جميعًا تعرفون بعضكم؟” عقد تاليس حاجبيه وهو يراقب التفاعل غير المعتاد بين كوهين ورافاييل ورالف.
“يوجد بضع مئات آخرون في البوّابة. والطابق الذي فوقنا يضمّ وحدتين بحدّ ذاته. لا فرصة لنا في مواجهتهم.” جال بنظره على الجميع، وأشار إلى الأعلى وقال ببرود، “ميزتنا الوحيدة أنّنا لم نُكتشف بعد.”
تجمّد تاليس. لكن في تلك اللحظة، فُتح الباب السميك الذي يفصل داخل السجن عن خارجه مرةً أخرى.
تغيّر تعبير تاليس. “كيف دخلتما؟ وكيف سنخرج من هنا؟”
تنفّس تاليس الصعداء أيضًا. (نحن بأمان.)
“تخفّينا في الظلام وتسلّلنا إلى الداخل. كما زوّرنا أمر لامبارد.” وجد رافاييل سؤال تاليس غريبًا بعض الشيء. “أمّا الهروب… فسيكون من المستحيل التنكّر.”
“أمّا أنا، فلديّ طريقة واحدة هي الأنجع لتحديد ما إذا كان المرء في الفئة العليا أم الفئة الفائقة.”
توقّف نظر رافاييل لحظةً عند الطفلين. “لقد أعددتُ مسارًا مسبقًا. بتقدّمي في الطليعة، ومع تعاون كوهين وميراندا، ينبغي أن نتمكّن من اختراق الطوق بسلاسة إذا باغتناهم. ففي النهاية، معظم الرجال ذهبوا إلى قصر الروح البطولية مع لامبارد.”
عضّ كوهين شفته السفلى وأنّ من الألم. اهتزّ جسده بعنف مع صوت فرقعة المفصل. وبعد بضع ثوانٍ، وقد ابتلّ بالعرق البارد، تنفّس الشرطي الصعداء كأنه نجا من عقابٍ عظيم. أخذ يلهث وربّت على كتف رافاييل. فمدّ الأخير يده ورفعه من الأرض.
صُدم تاليس.
في السجن الهادئ، حدّق كوهين وميراندا في الوافد الجديد بتعابير معقّدة.
“ذهب لامبارد إلى قصر الروح البطولية؟” سأل بذهول. “ماذا ينوي أن يفعل؟ القبض على بقية الآرشيدوقات؟”
وبعد بضع ثوانٍ…
“لا أعلم.” هزّ رافاييل رأسه، وتعبيره هادئ. “لكنّها أخبار طيّبة لنا. لم نتمكّن من التسلّل إلا لأنّ عدد الرجال هنا لم يكن كبيرًا.
لم ينطق الاثنان بكلمة. ولم ينظر أيٌّ منهما إلى الآخر، وكأنّهما يتعمّدان تجنّب تبادل النظرات.
“ما إن نخرج من هذا المكان، سنلتقي بأفراد جهاز الاستخبارات السرّية الذين سيتولّون استقبالنا.”
استدار رافاييل فجأة…
عقدت ميراندا حاجبيها قليلًا.
“…ويقتل بسهولة الملك المنتخب لمملكة التنين العظيم، الملك نوڤين السابع، «الملك المولود» الذي حكم ثلاثين عامًا…”
“ألا يمكننا إخطار الآخرين في مدينة سحب التنين الموالين لعائلة والتون؟” قالت. “حالما يلاحظون الحالة غير الطبيعية للبوّابة، لن يجد لامبارد مكانًا يختبئ فيه.”
لم يقل رافاييل شيئًا.
“أولًا، رغم أنّهم لم يعثروا بعد على جثمان الملك، فإنّ مدينة سحب التنين كرحى شائعات، وصاحب السموّ في عين العاصفة كمشتبهٍ به.” هزّ رافاييل رأسه. “حتى الموالون لعائلة والتون مثل الوزير الأول ليسبان، سيحتجزون صاحب السموّ فور العثور عليه.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أظلم تعبير تاليس.
وفي سكون السجن، قال تاليس بصوتٍ خافت، “متى بدأ جهاز الاستخبارات السرّية للمملكة…
“ثانيًا، لا نعلم كم جاسوسًا آخر لدى لامبارد في مدينة سحب التنين، ولا نعلم إن كان يملك وسيلة لخداع أتباع عائلة والتون خداعًا تامًا. فالشائعات الآن…” توقّف رافاييل لحظة ولم يُتمّ جملته. “لذا لا أنصح بالمجازفة.”
ضيّق تاليس عينيه، وتقلّصت حدقتاه قليلًا.
اختبر رافاييل السيف في يده. لاحظ تاليس أنّ يده اليمنى كانت ملساء ناعمة بلا ذرّة غبار. “وأخيرًا، أقدّر أنّ لامبارد، ما دام قد سيطر على هذه البوّابة، فلا بدّ أنّ لديه إجراءات لاحقة. قد لا يكون خائفًا أصلًا من انكشاف أمره.
“ما إن نخرج من هذا المكان، سنلتقي بأفراد جهاز الاستخبارات السرّية الذين سيتولّون استقبالنا.”
“لقد خرج الوضع عن السيطرة. ومن أجل سلامتك، ومن أجل مستقبل الكوكبة، يجب أن تغادر فورًا.” حدّق رافاييل في تاليس بعينيه القرمزيتين وقال بصوتٍ عميق، “غادر مدينة سحب التنين، غادر إكستيدت…
استدار الجميع ونظروا نحو رافاييل.
“…وعُد إلى الكوكبة.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
حدّق تاليس بصمت في الشاب. ازدادت نظرته عمقًا، كأنه يحاول النفاذ إلى شيءٍ ما عبر رافاييل.
“لدينا مصادرنا الخاصة.” انحنت زاويتا فم رافاييل وهو يتكلّم بهدوء. كانت نبرته شديدة التحفّظ. “لقد عمل جهاز الاستخبارات السرّية للمملكة في الظلام لأكثر من ستمئة عام—”
أزعجت نظرة الأمير رافاييل قليلًا.
رفع متتبع الريح الشبح يديه وأشار. “هو الذي وجدني.”
“حسنًا.” قال تاليس أخيرًا بصوتٍ خافت. “السؤال الأخير.”
وحين رأى متتبع الريح الشبح، هزّ كوهين كتفيه بعجز.
أومأ رافاييل إيماءة خفيفة وأشار بأدبٍ للأمير أن يتابع. وتحت أنظار الجميع، أطلق تاليس زفرةً خفيفة.
وكان رافاييل بدوره يراقب تاليس بعناية.
“أشعر بفضولٍ بسيط، رافاييل.” قال الأمير الثاني بنبرةٍ تحمل مسحة برودة. “وأنت واقف هنا، لم تسألني كيف حال الملك نوڤين، ولا عمّا واجهتُه… أنا محبطٌ بشدّة.”
ومدّ تاليس ذراعيه المؤلمتين المخدّرتين، ثم حدّق بعبوس في رافاييل. “جهاز الاستخبارات السرّية للمملكة… كيف عثرتم عليه؟”
توقّف رافاييل للحظة. (ماذا؟)
(ثنائي أحمق.)
وتجمّد المحيطون بهما أيضًا.
تجمّد تاليس. لكن في تلك اللحظة، فُتح الباب السميك الذي يفصل داخل السجن عن خارجه مرةً أخرى.
رمشت الشقية الصغيرة، غير فاهمة ما يجري.
وقبل أن يتكلّم تاليس، دوّى صوت رافاييل البارد. “تفقّدوا حالتكم… وأنصتوا.”
“صاحب السموّ.” عقد وايا حاجبيه. “لعلّ هذا ليس الوقت—”
دخل شخص يرتدي زيّ وحدات الدورية إلى السجن ورأسه منخفض. لم تكن ساقاه تبدوان رشيقتين، وكان أحد ذراعيه متيبّسًا.
لم يُكمل ويا، لأنّ تاليس تكلّم مجددًا.
(لكن قتل ستّة أشخاص دفعةً واحدة، وحركات رافاييل وتوقيته قبل قليل…) عقد كوهين حاجبيه. (…كان أكثر ممّا يمكن لقوة الإبادة أن تمنحه. لم يكن الأمر أسلوب سيف مميّزًا، ولا طريقة قتال ثابتة، ولا مهارة قتالية محدّدة، ولا مجرّد استخدامٍ صرف للقوّة.)
“الآن، مدينة سحب التنين بأسرها في فوضى، وحتى أتباع عائلة والتون في ظلام.” سار تاليس ببطء إلى زاوية ووضع يده على الجدار.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لكن يا رافاييل، أنت تعلم جيّدًا أنّ تشابمان لامبارد دبّر كل هذا من وراء الستار.” استدار تاليس وحدّق في الشاب. “لقد عثرتَ حتى على هذه البوّابة، وزوّرتَ أمر لامبارد بسهولة، وتسلّلتَ لإنقاذنا.”
وبعد أن حرّر وايا من سلسلته، همّ كوهين بالاستدارة ليستعيد سيفه المغروس في إحدى الجثث. لكنه أدرك حينها أنّ المقبض كان أمام عينيه مباشرة.
ضيّق تاليس عينيه، وتقلّصت حدقتاه قليلًا.
رفع متتبع الريح الشبح رأسه وأومأ بصمت إلى تاليس. ثم توجّه إلى زنزانة تاليس وأدار المفتاح الذي خلّفه الحراس ليفتح باب الزنزانة.
“هل جهاز الاستخبارات السرّية للمملكة قويّ إلى هذا الحدّ حقًا؟”
رفع كوهين حاجبه وتفحّص المقبض.
لم يقل رافاييل شيئًا.
استدار الأستاذ زيدي وحدّق مباشرةً في كوهين الشاب. كانت نظرته متّقدة.
حكّ كوهين رأسه ونظر إلى تاليس، ثم إلى رافاييل. وفي النهاية، حدّق متسائلًا في ميراندا. لكن على غير توقّع كوهين، كانت ميراندا بدورها تحدّق في رافاييل بنظرة متّقدة.
مُسنِدًا ظهره إلى الجدار، حدّق تاليس مباشرةً في عيني رافاييل القرمزيتين الغريبتين.
وبعد بضع ثوانٍ…
“حسنًا.” قال تاليس أخيرًا بصوتٍ خافت. “السؤال الأخير.”
“لدينا مصادرنا الخاصة.” انحنت زاويتا فم رافاييل وهو يتكلّم بهدوء. كانت نبرته شديدة التحفّظ. “لقد عمل جهاز الاستخبارات السرّية للمملكة في الظلام لأكثر من ستمئة عام—”
وفجأةً، طبق قوة على ذراع كوهين، شدّها ودفعها.
لكنه لم يُكمل، إذ قاطعه تاليس.
“شكرًا.”
“أجد الأمر غريبًا أيضًا أنّ…” هزّ تاليس رأسه ببطء. اشتدّت نبرته وتسارعت كلماته. “بالاعتماد على قائدٍ متقاعد، ومسؤولٍ صغير متورّط مع العصابات، ونبيلٍ أجنبي، تمكّن آرشيدوق إقليم الرمال السوداء، تشابمان لامبارد، من التوجّه شمالًا إلى عاصمة أقوى مملكة في شبه الجزيرة الغربية…”
استدار الأستاذ زيدي وحدّق مباشرةً في كوهين الشاب. كانت نظرته متّقدة.
“…ويقتل بسهولة الملك المنتخب لمملكة التنين العظيم، الملك نوڤين السابع، «الملك المولود» الذي حكم ثلاثين عامًا…”
“أولًا، رغم أنّهم لم يعثروا بعد على جثمان الملك، فإنّ مدينة سحب التنين كرحى شائعات، وصاحب السموّ في عين العاصفة كمشتبهٍ به.” هزّ رافاييل رأسه. “حتى الموالون لعائلة والتون مثل الوزير الأول ليسبان، سيحتجزون صاحب السموّ فور العثور عليه.”
“هل لامبارد قويّ إلى هذا الحدّ أيضًا؟”
“ذهب لامبارد إلى قصر الروح البطولية؟” سأل بذهول. “ماذا ينوي أن يفعل؟ القبض على بقية الآرشيدوقات؟”
لم يتغيّر تعبير رافاييل، ولمع بريق في عينيه.
توقّف نظر رافاييل لحظةً عند الطفلين. “لقد أعددتُ مسارًا مسبقًا. بتقدّمي في الطليعة، ومع تعاون كوهين وميراندا، ينبغي أن نتمكّن من اختراق الطوق بسلاسة إذا باغتناهم. ففي النهاية، معظم الرجال ذهبوا إلى قصر الروح البطولية مع لامبارد.”
اشتدّت نظرة تاليس. “بوصفك ممثّل جهاز الاستخبارات السرّية للمملكة، الذي «عمل في الظلام لأكثر من ستمئة عام»… يا رافاييل، هل تستطيع تبديد شكوكي؟”
لم ينطق الاثنان بكلمة. ولم ينظر أيٌّ منهما إلى الآخر، وكأنّهما يتعمّدان تجنّب تبادل النظرات.
ساد جوّ من الجدية. ضمّ ويا حاجبيه ودفع رالف بمرفقه، لكنّ الأخير اكتفى بهزّ رأسه بلطف. شعر كوهين بأنّ ثمة خطبًا ما فعضّ شفته. كان يأمل أن يلتقط إشارة من ميراندا، لكنها لم تقل شيئًا.
“لكن يا رافاييل، أنت تعلم جيّدًا أنّ تشابمان لامبارد دبّر كل هذا من وراء الستار.” استدار تاليس وحدّق في الشاب. “لقد عثرتَ حتى على هذه البوّابة، وزوّرتَ أمر لامبارد بسهولة، وتسلّلتَ لإنقاذنا.”
نظرت الشقية الصغيرة حولها بخجل، لا تدري ما تفعل بين جمعٍ من أبناء الكوكبة.
“كيف يكون ذلك ممكنًا؟” قال كوهين، الذي خَبِر الحرب من قبل، بذهول. “هذه بوّابة الفصل في مدينة سحب التنين، المشهورة بصعوبة اقتحامها! كيف تمكّنوا من السيطرة عليها؟”
“سوف نُجري تحقيقًا في هذا.” تنفّس رافاييل. “لكن الآن—”
أظهر رالف ابتسامة، وأخرج خنجر «ج.ت» المصادَر من خصره، ثم ناوله للأمير.
“الآن…” قاطعه تاليس مرةً أخرى. “الآن، يا رافاييل، إن أردتَ الاستمرار في تمثيلك…”
“على سبيل المثال، عندما استداروا جميعًا لفتح الأقفال وظهورهم نحوي…” وبمفتاح القائد، توجّه رافاييل بلا تعبير إلى جانب كوهين وركع ليفتح قفل السلسلة الحديدية التي كانت تقيد جسده. “…وفي الوقت نفسه، سمحوا لي باستغلال لحظة فتحهم لأبواب الزنزانات.”
استنشق الأمير الثاني بعمق ثم زفر ببطء، وكانت نبرته حاسمة. “فسأكون أكثر صراحة.”
“لقد خرج الوضع عن السيطرة. ومن أجل سلامتك، ومن أجل مستقبل الكوكبة، يجب أن تغادر فورًا.” حدّق رافاييل في تاليس بعينيه القرمزيتين وقال بصوتٍ عميق، “غادر مدينة سحب التنين، غادر إكستيدت…
مُسنِدًا ظهره إلى الجدار، حدّق تاليس مباشرةً في عيني رافاييل القرمزيتين الغريبتين.
“…وعُد إلى الكوكبة.”
وفي سكون السجن، قال تاليس بصوتٍ خافت، “متى بدأ جهاز الاستخبارات السرّية للمملكة…
“أنت؟ جهاز الاستخبارات السرّية للمملكة؟”
…في العملَ مع تشابمان لامبارد؟”
دخل شخص يرتدي زيّ وحدات الدورية إلى السجن ورأسه منخفض. لم تكن ساقاه تبدوان رشيقتين، وكان أحد ذراعيه متيبّسًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
شدّ تاليس قلبه قليلًا. (بضع مئات؟)
غير أنّ وجهه تشوّه على الفور. عانق كتفه الأيمن بإحكام بذراعه اليسرى وصرخ من الألم الشديد في ذراعه اليمنى.
