.
المجلد الثاني
الفصل الثامن والستون: الحظ السيّئ مجددًا
استمرت الرحلة بعد ذلك بهدوءٍ نسبي.
مرّت مخلوقات مرعبة وأسراب وحوش أخرى من فوق سرب أسياد الفروع وأسفله، لكنها تجاهلتهم بالكامل، ماضية في طريقها نحو الأمام فقط.
بين الحين والآخر، كانت بعض الفرق تنفصل عن السرب الرئيسي ثم تعود بعد فترة، ويبدو أن تلك الفرق كانت مسؤولة عن تنظيف الأشجار، وأكل الجثث، والتخلّص من السموم.
في الخلف، كان شكل التمساح المهيب قد صغر بما يكفي؛ بدا أنهم قطعوا نصف الطريق بالفعل.
وأخيرًا، جاء دور المخلوق الذي كانوا فوقه هو ورفاقه في العمل، إذ بدأ بالهبوط مبتعدًا عن السرب العملاق.
لم يفعل التسعة شيئًا، وبقوا متمسكين بهدوء وصمت.
اقتربت مجموعة قليلة من أسياد الفروع من شجرةٍ عملاقة—لكنها لم تكن بحجم تلك التي سافروا فوقها سابقًا. بدت الشجرة أكثر شبابًا، ومع أن قدرة سامي على رؤية الألوان كانت محدودة في هذا الظلام، إلا أنه كان متأكدًا أن لونها أكثر حيوية من بقية الأشجار.
لكن ذلك الجمال لم يكن سوى جانبٍ واحد من المشهد.
على الجانب الآخر الذي اقتربت منه المخلوقات، كانت هناك عشرات الجثث.
ديدان طائرة عملاقة، دهنية، بأفواهٍ مسننة وقرونٍ بارزة من أنحاء أجسادها، إضافةً إلى جثث مخلوقات أخرى بدت كنوعٍ من النمل العملاق؛ سيقان طويلة، وأجنحة كبيرة ممتدة للأعلى، وأنياب ضخمة بارزة من رؤوسها.
كان واضحًا أن اشتباكًا عنيفًا قد وقع هنا، وهذه كانت نتائجه.
هبطت فرقة أسياد الفروع بسرعة إلى الموقع، ومن دون أي تردد رفعوا أذرعهم الطويلة، وأمسكوا بالجثث، وأدخلوها عبر أفواههم الواسعة مباشرة نحو بطونهم.
بدأوا في ابتلاع كل ما كان هناك بهدوءٍ وسرعة دقيقة.
اقترب المخلوق الذي ركبه التسعة من إحدى الديدان الميتة، رفعها إلى الأعلى، وحين قسمها نصفين ليأكلها على دفعتين، حدث شيء غريب.
سقطت دائرة حجرية نظيفة، لامعة، متفادية فم المخلوق، واندفعت نحو الأسفل بين البقية.
سقطت بهدوء…
لكن قبل أن تهبط أكثر، مدت هالا عصاها فورًا وثبّتتها في منتصف الدائرة.
لم يكن أيٌّ منهم يعرف ماهيتها حتى الآن، لكنهم امتلكوا حدسًا كافيًا ليعرفوا أنها شيء يستحق الاحتفاظ به—وبالطبع، فعلوا.
لم تبقَ أي جثة، ولا آثار دماء على الخشب، ولا جروح ظاهرة.
أخيرًا، ارتفع أسياد الفروع إلى الأعلى، ثم أطلقوا سوائل من أسفل بطونهم.
انهمر شلال صغير من السائل، غطّى الأماكن المتسخة والمتآكلة، وفي لحظات اختفى كل شيء، وعاد الخشب ليشبه بقية أجزاء الشجرة الشابة.
من دون إضاعة أي وقت، ارتفعوا مجددًا، وانطلقوا بأقصى سرعة للبحث عن بقية السرب.
كان التسعة مستلقين، متمسكين بالشعر، متأهبين لأي ظرف، بينما تبادلوا نظراتٍ سريعة نحو الحجر الدائري الذي استقر بهدوءٍ إلى جانب هالا.
لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى استطاع الفيلق المنفصل العودة إلى مكانه الطبيعي داخل السرب، وأكملوا سفرهم نحو الجانب الآخر من الأشجار، متجاهلين كل ما ليس ضروريًا.
استمرت الأجنحة في اختراق الهواء، دافعةً بهم نحو الأمام.
أخيرًا، بدأت الأمور تقترب من نهايتها.
أصبح التمساح الذي خلفهم أبعد من الذي أمامهم. كانوا يقتربون بهدوء، ولم يستطع أحد تحديد كم مضى من الوقت، لكن وِفق نظرية سامي، فقد صرخ التمساح أربع مرات حتى الآن.
كانوا متعبين ذهنيًا، وإن لم يكونوا كذلك جسديًا.
تجاهل الوحوش، واختيار الظلام، كان قرارًا موفقًا؛ فمشاهدة كل تلك الأهوال لم تكن لتجلب سوى المزيد من الضغط.
أحيانًا، كان الجهل أكثر الأماكن راحةً للبشر.
في الظلام الكامل، راجع سامي نفسه، كما فعل البقية أيضًا.
كانوا يحللون كل الظروف السابقة، يستعدون لأسوأ الاحتمالات فور وصولهم، يضعون كل فرصة وكل سيناريو ممكن في الحسبان.
كان تدريبًا عقليًا خالصًا… إن لم يكن جسديًا.
دخلوا أخيرًا مجال التمساح الآخر.
كان نيكو والبقية يتبادلون الحديث بين الحين والآخر، يطرحون الأسئلة، أو يحللون بعض المواقف.
قال نيكو:
«إذًا يا رفاق، أين تظنون أن المعبد سيكون؟»
أجابت فيفا:
«طبعًا في نفس المكان الذي كان فيه معبدنا… على أكبر شجرة.»
قال يوكي:
«مع ذلك، علينا وضع كل احتمال. ربما نقع في هجومٍ عقلي مثل السابق.»
أضافت هالا ببرود:
«وربما لا ننجو منه فعلًا.»
صرخ كاي عقليًا—أو على الأقل بدا صوته كذلك:
«تبا! توقفوا عن كونكم سلبيين!»
ردّ راي:
«هم واقعيون فقط.»
قاطعهم سامي فجأة:
«أليست تلك… الشجرة الأكبر؟»
قالت إستر فورًا:
«نعم… الشجرة التي تشتعل فيها النار.»
توقف الجميع للحظة، يقاومون ضغط الهواء الذي ازداد بقوة.
نظروا نحو التمساح العملاق، كان شبيهًا بذلك الذي كانوا تحته سابقًا، لكن هذا امتلك عينًا واحدة فقط؛ أما الأخرى فكانت مكانها حرقٌ عملاق، مرعب، أكثر إخافة من شكله ذاته.
وخلفه تمامًا، عند أكبر شجرة، كان هناك حريق هائل.
ضوءه بدا كشمسٍ صغيرة في هذا الفراغ الأسود.
لم يكن ذلك مبشّرًا أبدًا.
بيئة الغابة—إن صحّ تسميتها كذلك—لم تكن مناسبة للنار إطلاقًا.
كان ينبغي على أحدهم إطفاء ذلك الحريق فورًا.
والأغرب… أن سرب أسياد الفروع عدّل وجهته مباشرة.
انطلقوا جميعًا بأقصى سرعة نحو الحريق المشتعل، كأن نظام حمايةٍ ما قد اكتشف خللًا وقرر تصحيحه فورًا.
كانوا يقتربون بسرعة جنونية.
كان على التسعة ترك ناقلتهم المريحة التي حملتهم طوال الطريق وحمتهم حتى الآن.
كان عليهم الابتعاد عن تلك النار.
استدعى كاي كتابه فورًا، وبدأ بالكتابة بأقصى سرعة.
في اللحظة التي شعر فيها سامي بثباتٍ أكبر فوق الوحش، تبع ذلك مباشرةً تحرّك نيكو، مفعّلًا مجال لعبته، ما سمح لهم بالتحرك براحة فوق بطن الوحش، متجاهلين الرياح والعوامل الأخرى.
لكن لم يكن لديهم وقت لتقدير ذلك.
صرخ كاي بأقصى قوة، موجّهًا كلامه لهالا:
«فعّلي قدرتك! حددي أين البشر، وفي أي جهة!»
من دون كلام، سقطت هالا على الأرض، صوتها متوتر:
«هناك… إنهم على الشجرة التي خلف النار.»
أشارت بإصبعها، وكان على الجميع اتخاذ القرار فورًا.
صرخ نيكو:
«جيد، أستطيع رؤيتها. سأقوم بنقلكم هناك. سيكون نقلًا عشوائيًا، لا أملك نقطة حفظ. قد تجدون أنفسكم في عش وحش، أو في بطنه، أو أسوأ… لكن على الأقل لن تحترقوا حتى الموت.»
نظر الجميع إلى الأمام.
كانت الأفواج الأولى من أسياد الفروع قد وصلت إلى الحريق، وبدأت، من دون تردد، بدفع أجسادها نحوه لتغطي النار وتخمدها.
لم يكن لديها حلٌّ أفضل من ذلك.
تابع نيكو:
«فلننجُ جميعًا… نحن التسعة. … أنت أول من سأنقله، يا صغير النسر.»
اعترض الفتى فورًا:
«لا! أنا بخير، ويمكنني الطيران. أرسل البقية أولًا!»
ساد صمتٌ محتدم، نظرات ارتباكٍ متبادلة.
ثم صرخ كاي:
«لا تفعل هذا الهراء! أنت الوحيد الذي يمكنه الطيران! سنرسلك أولًا لتجد البقية وتجمعهم—هذه مهمتك، هل فهمت؟!»
صمت الفتى فورًا.
وجّه نيكو جهاز التحكم الذي ظهر في يده نحوه، ومن دون منحه فرصة للرد…
حدث فراغٌ في مكان صغير النسر، وتحرّكت خصلات ا
لشعر مع موجة نسيمٍ خفيفة حيث كان يقف.
نظر نيكو إلى البقية وقال:
«إذًا… من سنرسل تاليًا؟»

التعليقات متوقفة حالياً، ستعود قريباً!