صرخة في وجه الهلاك
دلفوا إلى القرية، ليجدوا حركة الحياة فيها مشوبةً بالغرابة؛ البعض يبيع بضائعه في الأسواق الصغيرة، والبعض الآخر يشتري على عجل، بينما اختفى الأطفال تماماً، خلت الشوارع من ضحكاتهم وركضهم، واختبأوا خلف النوافذ والأبواب الموصدة. كانت وجوه القرويين مشدودة، وعيونهم تزيغ في المحاجر، تحمل خوفاً خفياً وكأن شيئاً مريباً يتربص بهم من بين الظلال.
لكن خصمه لم يمهله، وهاجمه بشراسة. تصدى له إيرولد من اليمين والشمال بحركات سريعة ودقيقة، ومع كل صليل للسيوف، كان الحماس يشتعل داخله، كأن كل هجوم يزيده قوة وعزيمة.
اقترب لوس من امرأة شاحبة الوجه، تفيض عيناها قلقاً، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة حازمة: ” هل أنتِ بخير يا سيدة؟”
ارتبك إيرولد ورفع يديه نافياً: ” لا… لا! إنها معنا! فقط… كانت سيئة الأدب قليلاً! ”
لم ترد المرأة، بل لاذت بصمتٍ طويل، كأن الكلمات تحجرت في حلقها، وعيناها مسمّرتان في الأرض. حاول لوس مرة أخرى، بصوت أكثر ليناً: ” أرجوكِ… حدّثيني، هل أنتِ بخير؟”
لم يرد الرجل الكلام، بل زاد من وتيرة هجماته، وارتفع فجأة في الهواء، مطلقاً ثلاثة أسهم هوائية نحو إيرولد. تفادى إيرولد اثنين ببراعة، وصد الثالث بسيفه، وقال بدهشة ممزوجة بالاحترام: ” ساحر مقاتل… هذا مذهل.”
ظلت المرأة تكافح خوفها، حتى انهار سد الصمت أخيراً. وبصوتٍ مرتجف مخنوق بالدموع، همست: ” الحراس… إنهم يأخذون الأطفال… يزعمون أن مرضاً ينتشر… وكل من يذهب معهم… لا يعود… لقد أخذوا ابنتي الوحيدة..”
ردّ ببرود وهو يوليه ظهره: ” لا، لن أفعل. ”
ثم أكملت بصوت متقطع من شدة التوتر: ” إنهم ينقلون الأطفال بعيداً… هناك شائعة عن وباء يصيب الصغار… ” انفجرت المرأة في بكاء حار، ودموعها ترسم مسارات على وجهها الباهت: ” لقد أخذوا ابنتي… أرجوكم… ”
انطلق عتمة كالسهم، فاقترب إيرولد من لوس ومد يده ليسحبه خلفه على ظهر الحصان، ونهبوا الأرض نهباً باتجاه الشخص المجهول. قال لوس وهو يكزّ على أسنانه: ” يجب أن نعيد الأطفال يا إيرولد! ”
تأجج الغضب في صدر لوس، وصّر على أسنانه بقسوة: ” يا سيدة… إلى أين أخذوا الأطفال؟ ومنذ متى؟”
فجأة، ركض الأطفال نحو لوس، وسحبوه من ثيابه وهم يصرخون بفرح: ” هذا الرجل هو من أنقذنا! ”
أجابت المرأة وصوتها يرتعش: ” لتوّهم أخذوا ابنتي… وعدد قليل من أطفال القرية… كان هناك شخص غامض، يرتدي عباءة سوداء، يتبع الحراس… لقد وعدني أن يعيد ابنتي وجميع الأطفال… ”
صرخت جاسمين وهي تتأرجح: ” أنزلني أيها العجوز! ”
تقدم لوس خطوة إلى الأمام، وعيناه تشتعلان غضباً، بينما وقفت جاسمين بجانب إيرولد، قلبها يخفق بسرعة، مدركة أن الهدوء الظاهري للقرية لم يكن سوى قناع هش يخفي خلفه عاصفة قادمة.
ثم جذب الباب بقوة حتى انتزع القفل وفتح مصراعي العربة دفعة واحدة. انكشف الداخل عن سبعة أطفال صغار، وجوههم شاحبة وعيونهم دامعة، يتراجعون إلى الخلف رعباً. انحنى لوس قليلاً، مبتسماً بلطف شديد وقال: ” لا تخافوا يا صغار… أنتم بأمان الآن. هيا، تعالوا… سنعود بكم إلى القرية. ”
سأل إيرولد المرأة عن أوصاف الشخص الغامض، فقالت وهي تمسح دموعها: ” لم أرَ ملامحه… سوى ندبة واضحة على فمه… ” ثم أشارت بإصبع مرتجف نحو الاتجاه الذي سلكوه: ” من هناك… ”
ابتسم إيرولد بخبث، ورفعها عالياً ليعلقها بملابسها على غصن شجرة مرتفع، وقال: ” ابقي هنا. سنأخذ الأطفال ونتركك. ”
انطلق لوس مسرعاً نحو الاتجاه الذي أشارت إليه، صائحاً: ” هيا بنا يا إيرولد! ”
اتسعت عينا إيرولد من الصدمة، بينما نظر إليه أرجوس بدهشة غير مصدق. أما الأطفال فقد صرخوا جميعاً دفعة واحدة في وجه إيرولد: ” ابتعد عنها أيها المجنون ! ”
رفع إيرولد جاسمين بخفة ليضعها على ظهر عتمة، وأمسك باللجام صائحاً: ” هيا يا عتمة! ”
ظلت المرأة تكافح خوفها، حتى انهار سد الصمت أخيراً. وبصوتٍ مرتجف مخنوق بالدموع، همست: ” الحراس… إنهم يأخذون الأطفال… يزعمون أن مرضاً ينتشر… وكل من يذهب معهم… لا يعود… لقد أخذوا ابنتي الوحيدة..”
انطلق عتمة كالسهم، فاقترب إيرولد من لوس ومد يده ليسحبه خلفه على ظهر الحصان، ونهبوا الأرض نهباً باتجاه الشخص المجهول. قال لوس وهو يكزّ على أسنانه: ” يجب أن نعيد الأطفال يا إيرولد! ”
سألت جاسمين بفضول وهي تقضم تفاحة: ” بما أنك تذهب للملكة، هل تعرف شخصاً يدعى (كوراش)؟ ”
إيرولد بتركيز: ” تعلم أن هذا ما يدور في عقلي تماماً. ”
توجهوا نحو القرية؛ حمل لوس وأرجوس طفلاً على ظهر كل منهما، بينما حمل عتمة خمسة أطفال، وكانت جاسمين تمشي بجر خطى متعبة بجوار إيرولد. بدا عليها الإعياء الشديد، فقالت بصوت خافت: ” لقد تعبت، أرجوك احملني. ”
اقتربوا من الموقع، ليجدوا الجنود ملقين على الأرض فاقدي الوعي، وفي المنتصف يقف الشخص صاحب العباءة ممسكاً بأحد الحراس ويكاد يفتك به، وهو يتمتم بغضب: ” يا إلهي… المزيد من الحراس! لقد خطفوا طفلة أخرى، أيها الملاعين! ”
لكن أرجوس صرخ فجأة: ” لقد نسيت تحرير الاطفال ! ”
همس إيرولد للوس: ” يبدو أنه يظننا أعداء… ”
أطرق أرجوس رأسه قليلاً، ثم قال بجدية عادت لملامحه: ” إن كنتم جادين… فلنحررهم. الأطفال محتجزون الذي تم نقلهم إلى المملكة. إذا أردتم مساعدتي… فهذا وقتكم. ”
لكن قبل أن يكمل جملته، هاجمهم الشخص المجهول بسرعة خاطفة، ومر نصل سيفه بمحاذاة عيني إيرولد. لمح إيرولد تموجاً في الهواء حول قدمي المهاجم، فقفز عن ظهر عتمة برشاقة. صرخ إيرولد: ” خذ جاسمين واذهب لتأمين الأطفال يا لوس! ”
صرخت جاسمين وهي تتأرجح: ” أنزلني أيها العجوز! ”
لوس بقلق: ” حسناً… لكن هل ستكون بخير وحدك؟”
واندفعوا نحو لوس، يعانقونه بشدة وكأنه حاميهم الوحيد. انفجر لوس ضاحكاً حتى دمعت عيناه، وهو يقول:
رد إيرولد بثقة: ” لا تقلق، لست وحدي… ” ثم همس في داخله: ” هل سمعتني يا آرثر؟ ” جاءه الرد فوراً: ” نعم، سمعتك. ”
ذهبوا معه ليجدوا منزلاً كبيراً ووثيراً، فسأل إيرولد بينما يتأمل الأثاث: ” ما طبيعة عملك يا رجل؟”
توجه لوس بعتمة نحو العربة التي تحتجز الأطفال، لكنه لاحظ فجأة أن حركة الحصان أصبحت بطيئة وثقيلة بشكل غير طبيعي. قال الشخص المجهول ببرود: ” لا ذنب للخيل… ولا للفتاة. ”
لكن قبل أن يكمل جملته، هاجمهم الشخص المجهول بسرعة خاطفة، ومر نصل سيفه بمحاذاة عيني إيرولد. لمح إيرولد تموجاً في الهواء حول قدمي المهاجم، فقفز عن ظهر عتمة برشاقة. صرخ إيرولد: ” خذ جاسمين واذهب لتأمين الأطفال يا لوس! ”
وفجأة، وجّه هجومه نحو لوس مطلقاً قوساً من الهواء المضغوط، وهو يقول: ” سوف تموت بسرعة… لا تقلق!”
ركضت جاسمين نحو إيرولد وهي تمد يديها: ” إيرولد، احملني! ”
صدّ لوس الهجوم بسيفه بصعوبة، وصاح: ” تباً لهذه الجاذبية… إنها تبطئ حركتي! ”
سألت جاسمين بفضول وهي تقضم تفاحة: ” بما أنك تذهب للملكة، هل تعرف شخصاً يدعى (كوراش)؟ ”
أشاد به الرجل المجهول قائلاً: ” أحسنت يا رجل… حتى مع الثقل الهائل على جسدك، تمكنت من صد هجومي. لكن إياك أن تتحرك، وإلا ازدادت الجاذبية ! ”
ردّت جاسمين بسرعة وهي تلهث: ” لا، لم يفعلوا! بل والدة أحد الأطفال هي من أخبرتنا أنك ذهبت لتعيدهم، ونحن هنا للتأكد من سلامتهم وإعادتهم! ”
سقط لوس عن ظهر عتمة تحت وطأة الضغط، فقال الشخص المجهول: ” الجاذبية عليك تزداد… أما الحصان والفتاة فوزنهم خفيف، سيعودون معي إلى القرية. ”
سأل إيرولد المرأة عن أوصاف الشخص الغامض، فقالت وهي تمسح دموعها: ” لم أرَ ملامحه… سوى ندبة واضحة على فمه… ” ثم أشارت بإصبع مرتجف نحو الاتجاه الذي سلكوه: ” من هناك… ”
التفت المجهول ليرى إيرولد يندفع نحوه مباشرة. صرخ إيرولد بصوت حازم: ” إياك أن تؤذيهم! لنتحدث أولاً! ”
ضحك إيرولد فاتحاً ذراعيه وقال: ” إني أرحب بهجومك! ”
لكن خصمه لم يمهله، وهاجمه بشراسة. تصدى له إيرولد من اليمين والشمال بحركات سريعة ودقيقة، ومع كل صليل للسيوف، كان الحماس يشتعل داخله، كأن كل هجوم يزيده قوة وعزيمة.
صرخ أرجوس: ” سوف أقتلك يا هذا! ”
لم يرد الرجل الكلام، بل زاد من وتيرة هجماته، وارتفع فجأة في الهواء، مطلقاً ثلاثة أسهم هوائية نحو إيرولد. تفادى إيرولد اثنين ببراعة، وصد الثالث بسيفه، وقال بدهشة ممزوجة بالاحترام: ” ساحر مقاتل… هذا مذهل.”
أطرق أرجوس رأسه قليلاً، ثم قال بجدية عادت لملامحه: ” إن كنتم جادين… فلنحررهم. الأطفال محتجزون الذي تم نقلهم إلى المملكة. إذا أردتم مساعدتي… فهذا وقتكم. ”
لم يتوقف الرجل، وحوّل يديه إلى مركز لإطلاق موجات ضغط هوائية، مهاجماً إيرولد مجدداً، ليجد الأخير نفسه يتراجع خطوة للوراء، مستنداً على الرياح التي بدت وكأنها تدعمه هو الآخر. ابتسم إيرولد وقال: ” كم أنت ذكي… هل لديك المزيد؟”
رد إيرولد بابتسامة شامته: ” لن تعود حتى تقول: ” آسف يا سيد إيرولد. ”
ابتسم الرجل المجهول بثقة وقال: ” سأعطيك مبتغاك. ”
أجاب لوس وهو يمسح على رأس الطفل: ” لا عليك يا صغير، إنهم مجانين. ” ثم حث الجميع على التحرك:
اندفع نحو إيرولد، موجّهاً لكمة قوية محاطة بحقل جاذبية ليطرحه أرضاً. لكن إيرولد تفاداها بمرونة مذهلة، ثم صرخ: ” الوداع يا رجل! ”
أغلق إيرولد عينيه مجدداً، وأخفى اضطرابه قائلاً: ” هكذا إذن… لننم الآن، سنتحرك في الصباح. ”
في لحظة خاطفة، التف إيرولد وسدد له ضربة عكسية قوية على وجهه، دفعته للخلف ليسقط على الأرض، وانكشف وجهه للمرة الأولى تحت ضوء الشمس. تسمر إيرولد مكانه من الدهشة، فلم يكن يتوقع ما رآه.
عاد آرثر وانزلق داخل جسد إيرولد، الذي أخرج سيفه (ثورن) فوراً ليصد هجوم أرجوس القوي، وقال بجهد:
كان شاباً يبدو في الثامنة عشرة من عمره، ذو وجه نحيف الملامح، وفك بارز كأنه نُحت بدقة. عيناه ساكنتان، تحملان هدوءاً بارداً يخفي عواصف، وما يميزهما أنهما بلونين مختلفين؛ اليمنى بنفسجية داكنة كعمق الليل، واليسرى بيضاء تماماً كأنها عمياء. حواجبه الداكنة تزيد من حدة نظرته الغامضة. شعره الغامق ينسدل بتموج فوضوي على جانبي وجهه، وعلى شفتيه ندبة خفيفة لا تشوه ملامحه، بل تزيد من هالة الغموض حوله.
تراجع أرجوس واعتذر: ” آسف، ظننته أحد الجان. إنه يمتلك هالة غريبة، لم أرَ روحاً أو هالة روح من قبل. ”
مسح الشاب الدماء عن وجهه، وسأله إيرولد: ” إذن… ما اسمك يا فتى؟”
رد إيرولد بهدوء وهو ينظر للسقف: ” لا أعلم حقاً… لكني قضيت طفولتي في مملكة مصر، حتى جاء يوم ورحلت من هناك. ”
ردّ الفتى بابتسامة ساخرة: ” هاه؟ اسمي (أرجوس) من منطقة ماري… لقد أتيت من الغرب. ”
أطرق أرجوس رأسه قليلاً، ثم قال بجدية عادت لملامحه: ” إن كنتم جادين… فلنحررهم. الأطفال محتجزون الذي تم نقلهم إلى المملكة. إذا أردتم مساعدتي… فهذا وقتكم. ”
أجاب إيرولد بابتسامة حادة: ” وأنا إيرولد… لنجعل هذا القتال شيئاً يتفاخر به المنتصر. ”
ثم جذب الباب بقوة حتى انتزع القفل وفتح مصراعي العربة دفعة واحدة. انكشف الداخل عن سبعة أطفال صغار، وجوههم شاحبة وعيونهم دامعة، يتراجعون إلى الخلف رعباً. انحنى لوس قليلاً، مبتسماً بلطف شديد وقال: ” لا تخافوا يا صغار… أنتم بأمان الآن. هيا، تعالوا… سنعود بكم إلى القرية. ”
ضحك أرجوس: ” لك هذا! ”
أنزل إيرولد جاسمين من الشجرة، فنظرت نحوه بحدة وقالت هامسة: ” أنت من بدأ هذا! ”
قفز أرجوس مهاجماً من الأعلى، لكن إيرولد تصدّى له، ثم انقضّ بوجهٍ متجهم محاولاً ركله. قال إيرولد محذراً: ” انتبه لقدمك يا فتى! ”
كادا ينقضان على بعضهما، حين شقت صرخة جاسمين الهواء: ” توقفاااا يا أرجوس! نحن هنا لمساعدة الأطفال! ”
أمسك أرجوس برأس إيرولد ليوازن نفسه في الهواء وهو يضحك باستهزاء: ” أوووه… فكرة رائعة، لكنها غير إنسانية! ”
صدّ لوس الهجوم بسيفه بصعوبة، وصاح: ” تباً لهذه الجاذبية… إنها تبطئ حركتي! ”
ابتسم إيرولد بثقة وقال: ” حان وقت الجد! ”
مع انتهاء العشاء، قاد الرجل ضيوفه إلى غرفهم في الطابق العلوي. استلقوا على الأسرّة المريحة، والهدوء يعم المكان، فيما تتسلل أشعة القمر الفضية من النوافذ. أغمض الجميع أعينهم، مستشعرين الراحة والأمان لأول مرة منذ أيام.
غرس إيرولد سيفه القديم المتهالك في الأرض، وأخرج سيف (ملك اللصوص) من غمده. حدّق في النصل اللامع قائلاً: ” سوف أسميك… (ثورن). لا تخذلني. ”
صدّ لوس الهجوم بسيفه بصعوبة، وصاح: ” تباً لهذه الجاذبية… إنها تبطئ حركتي! ”
اندفع بقوة مهولة، فوجد أرجوس نفسه يتراجع تحت ضغط الهجمات المتتالية. تمتم أرجوس في داخله: ” هذا الوحش… أصبح أقوى وأسرع من ذي قبل! ”
” هيا، لنعد للقرية، أهاليكم ينتظرون على أحر من الجمر. ”
حاول أرجوس دفع إيرولد بعيداً باستخدام سحر الهواء، فانفجرت موجة قوية حولهما، لتتطاير الأوراق والحصى في الأرجاء. تراجع أرجوس قليلاً وقال: ” حسناً يا هذا… ”
مع انتهاء العشاء، قاد الرجل ضيوفه إلى غرفهم في الطابق العلوي. استلقوا على الأسرّة المريحة، والهدوء يعم المكان، فيما تتسلل أشعة القمر الفضية من النوافذ. أغمض الجميع أعينهم، مستشعرين الراحة والأمان لأول مرة منذ أيام.
رفع يده إلى السماء، فتجسّد رمحٌ هائل من الهواء المضغوط، يلتف حول رأسه وهج بنفسجي غامق. قبض على الرمح بين يديه، وعيونه تتقد بالعزم، ووقف في مواجهة إيرولد بلا ذرة خوف.
وصل إيرولد ولوس وأرجوس إلى ساحة القرية مع الأطفال، محافظين على وعدهم. توقف أرجوس أمام المرأة المصدومة وقال بهدوء: ” لقد أعدتُ لكِ ابنتك يا سيدتي. ”
ضحك إيرولد فاتحاً ذراعيه وقال: ” إني أرحب بهجومك! ”
رد لوس بسرعة بديهة وهدوء: ” نعم، لكن لم نره منذ مدة طويلة. ”
كادا ينقضان على بعضهما، حين شقت صرخة جاسمين الهواء: ” توقفاااا يا أرجوس! نحن هنا لمساعدة الأطفال! ”
تقدم أحد وجهاء القرية وقال بامتنان: “أنتم ضيوفي من اليوم، ابقوا قدر ما تشاؤون، هذا أقل ما يمكننا فعله.
تجمّد أرجوس في مكانه، والرمح يتبدد من يده، وقال متعجباً: ” هاه؟! ألم يختطفوكِ؟”
همس إيرولد للوس: ” هل تعرفه حقاً؟”
ردّت جاسمين بسرعة وهي تلهث: ” لا، لم يفعلوا! بل والدة أحد الأطفال هي من أخبرتنا أنك ذهبت لتعيدهم، ونحن هنا للتأكد من سلامتهم وإعادتهم! ”
أجاب سباتشيل: ” آه، الاسم شائع، حددي ما مهنته؟”
تغيرت ملامح أرجوس فجأة، زال الغضب وحل محله الندم، وقال ببرود وهو يرفع سحر الجاذبية عن لوس:
” يا إلهي… لم أرَ مسرحية متقنة كهذه في حياتي! ”
” أنا… آسف بحق. لم أعرف هذا… أعتذر . ”
اندفع بقوة مهولة، فوجد أرجوس نفسه يتراجع تحت ضغط الهجمات المتتالية. تمتم أرجوس في داخله: ” هذا الوحش… أصبح أقوى وأسرع من ذي قبل! ”
ركضت جاسمين نحو إيرولد وهي تمد يديها: ” إيرولد، احملني! ”
لكنها كانت منهكة حقاً، نظرت للأسفل لتجد الأرض تبتعد عنها فجأة. أدركت أن إيرولد قد رفعها ووضعها على كتفه. ابتسمت جاسمين بامتنان، وواصل إيرولد السير بثبات.
نظر إليها إيرولد بتعجب داخلياً: ” لماذا تريد أن أحملها الآن؟!”
أشاد به الرجل المجهول قائلاً: ” أحسنت يا رجل… حتى مع الثقل الهائل على جسدك، تمكنت من صد هجومي. لكن إياك أن تتحرك، وإلا ازدادت الجاذبية ! ”
لكن قبل أن ينطق، ضربته جاسمين على رأسه بقبضتها الصغيرة وقالت بغضب: ” أيها المختل اللعين، يا محبّ القتال! كان يجب أن تحاول إيقافه والتفاهم معه بدل الانسجام في القتال، أيها الغبي! ”
ركضت الطفلة بين الأطفال وهي تصرخ: ” أمي! ” هرع الجميع نحوهم، والدموع تملأ أعينهم، وعاد كل طفل إلى أحضان عائلته. نظر لوس إلى المنظر وقال بصوت متهدج: ” يا له من منظر يشرح الصدر. ”
ابتسم إيرولد بخبث، ورفعها عالياً ليعلقها بملابسها على غصن شجرة مرتفع، وقال: ” ابقي هنا. سنأخذ الأطفال ونتركك. ”
وقف أرجوس متجمداً، ينظر إلى هذا المشهد ، قبل أن يصرخ مذهولاً: ” من أنتم بحق السماء؟!”
صرخت جاسمين وهي تتأرجح: ” أنزلني أيها العجوز! ”
أطرق أرجوس رأسه قليلاً، ثم قال بجدية عادت لملامحه: ” إن كنتم جادين… فلنحررهم. الأطفال محتجزون الذي تم نقلهم إلى المملكة. إذا أردتم مساعدتي… فهذا وقتكم. ”
ردّ ببرود وهو يوليه ظهره: ” لا، لن أفعل. ”
” يا إلهي… لم أرَ مسرحية متقنة كهذه في حياتي! ”
بدأت تصرخ مستنجدة: ” لووووس! لا تدعه يفعل هذا! رد علي يا لوووس! ”
صدّ لوس الهجوم بسيفه بصعوبة، وصاح: ” تباً لهذه الجاذبية… إنها تبطئ حركتي! ”
لكن لوس كان مستلقياً على الأرض يضحك بخفوت، متجاهلاً صرخاتها ومستمتعاً بالمشهد. صرخت جاسمين مجدداً: ” أنت يا أرجوس! أنزلني من هنا! ”
ضحك لوس بصوت عالٍ هذه المرة، ثم نهض نافضاً التراب عن ثيابه، وقال: ” يبدو أنني وجدتُ الرفاق الأكثر جنوناً. ”
وقف أرجوس متجمداً، ينظر إلى هذا المشهد ، قبل أن يصرخ مذهولاً: ” من أنتم بحق السماء؟!”
لوس بصوت خافت: ” لا، لكن ادعاء المعرفة يجعله يفتح قلبه ولا يخفي شيئاً. ”
نظر إيرولد إليه وقال ببساطة: ” مجرد عابري سبيل. ”
ارتجف قلب أرجوس للحظة؛ شعر أن ما أمامه ليس مجرد رجل عادي، بل مزيج بين فارس ووحش، شخصية لا يمكن التنبؤ بخطواتها. قطعت صرخة جاسمين تفكيره وهي ما زالت تتأرجح بغضب: ” توقفوا عن الكلام الفارغ! أنزلني الآن قبل أن أريك جحيماً لن تنساه! ”
رد إيرولد بثقة: ” لا تقلق، لست وحدي… ” ثم همس في داخله: ” هل سمعتني يا آرثر؟ ” جاءه الرد فوراً: ” نعم، سمعتك. ”
ضحك لوس بصوت عالٍ هذه المرة، ثم نهض نافضاً التراب عن ثيابه، وقال: ” يبدو أنني وجدتُ الرفاق الأكثر جنوناً. ”
أجاب سباتشيل: ” آه، الاسم شائع، حددي ما مهنته؟”
أطرق أرجوس رأسه قليلاً، ثم قال بجدية عادت لملامحه: ” إن كنتم جادين… فلنحررهم. الأطفال محتجزون الذي تم نقلهم إلى المملكة. إذا أردتم مساعدتي… فهذا وقتكم. ”
اندفع بقوة مهولة، فوجد أرجوس نفسه يتراجع تحت ضغط الهجمات المتتالية. تمتم أرجوس في داخله: ” هذا الوحش… أصبح أقوى وأسرع من ذي قبل! ”
صاح الجميع بصوت واحد وقد ارتسمت الصدمة على وجوههم: ” المملكة؟!”
وقف أرجوس متجمداً، ينظر إلى هذا المشهد ، قبل أن يصرخ مذهولاً: ” من أنتم بحق السماء؟!”
زفر أرجوس وأجاب بجدية: ” لقد استجوبت أحد الحراس… وأكدوا أنهم يسلّمون الأطفال للقائد (كوراش) في المملكة. ليسوا يأخذونهم من هذه القرية وحدها، بل من القرى المجاورة أيضاً. علينا أن نوقفهم… فليست هناك أيّة علة أو مرض كما يزعمون. ”
لم ترد المرأة، بل لاذت بصمتٍ طويل، كأن الكلمات تحجرت في حلقها، وعيناها مسمّرتان في الأرض. حاول لوس مرة أخرى، بصوت أكثر ليناً: ” أرجوكِ… حدّثيني، هل أنتِ بخير؟”
التفت إيرولد بسرعة: ” أنت تقصد… مملكة أوروك، أليس كذلك؟”
توقف لوس وأرجوس مصدومين، وقالوا بدهشة متزامنة: ” انفصال الروح؟ كيف حصل هذا؟!”
أومأ أرجوس: ” نعم… ”
قاطعهم صوت أحد الأطفال وهو يشد بنطال لوس: ” ماذا يحصل يا سيد؟”
قال إيرولد بحزم: ” هذا هو طريقنا. ”
سقط لوس عن ظهر عتمة تحت وطأة الضغط، فقال الشخص المجهول: ” الجاذبية عليك تزداد… أما الحصان والفتاة فوزنهم خفيف، سيعودون معي إلى القرية. ”
اقترب لوس من العربة الخشبية الكبيرة، تفحص الباب المقفل بقفل حديدي متين. رفع حاجبيه بابتسامة ساخرة وقال: ” قفلكم هذا لا يصلح حتى لدكان بائس. ”
اندفع بقوة مهولة، فوجد أرجوس نفسه يتراجع تحت ضغط الهجمات المتتالية. تمتم أرجوس في داخله: ” هذا الوحش… أصبح أقوى وأسرع من ذي قبل! ”
ثم جذب الباب بقوة حتى انتزع القفل وفتح مصراعي العربة دفعة واحدة. انكشف الداخل عن سبعة أطفال صغار، وجوههم شاحبة وعيونهم دامعة، يتراجعون إلى الخلف رعباً. انحنى لوس قليلاً، مبتسماً بلطف شديد وقال: ” لا تخافوا يا صغار… أنتم بأمان الآن. هيا، تعالوا… سنعود بكم إلى القرية. ”
سألت جاسمين بفضول وهي تقضم تفاحة: ” بما أنك تذهب للملكة، هل تعرف شخصاً يدعى (كوراش)؟ ”
لكن أرجوس صرخ فجأة: ” لقد نسيت تحرير الاطفال ! ”
لكن مع اختفاء قرص الشمس، تناهت إلى مسامعها أصوات ضحكات أطفال، فتعجبت وقالت بلهفة: ” لقد عادوا! يا أهل القرية، لقد عاد أطفالنا! ”
في تلك اللحظة اندفع الأطفال بسرعة نحو الخارج، وبمجرد خروجهم، وقعت أبصارهم على جاسمين المعلقة على الشجرة كعقاب. ارتجفوا من الرعب وركضوا يختبئون خلف لوس، يتشبثون بثيابه وهم يبكون: ” أرجوك يا سيدي! لا تدعهم يؤذوننا مثلها! ”
أجاب لوس وهو يمسح على رأس الطفل: ” لا عليك يا صغير، إنهم مجانين. ” ثم حث الجميع على التحرك:
ارتبك إيرولد ورفع يديه نافياً: ” لا… لا! إنها معنا! فقط… كانت سيئة الأدب قليلاً! ”
كادا ينقضان على بعضهما، حين شقت صرخة جاسمين الهواء: ” توقفاااا يا أرجوس! نحن هنا لمساعدة الأطفال! ”
أنزل إيرولد جاسمين من الشجرة، فنظرت نحوه بحدة وقالت هامسة: ” أنت من بدأ هذا! ”
لكن قبل أن ينطق، ضربته جاسمين على رأسه بقبضتها الصغيرة وقالت بغضب: ” أيها المختل اللعين، يا محبّ القتال! كان يجب أن تحاول إيقافه والتفاهم معه بدل الانسجام في القتال، أيها الغبي! ”
ثم جرت مسرعة إلى لوس، تمسك بذراعه وتتصنّع الارتجاف والبكاء: ” أرجوك يا سيدي… لا تدعه يقترب مني! لقد هددني بضربي! ”
توقف لوس وأرجوس مصدومين، وقالوا بدهشة متزامنة: ” انفصال الروح؟ كيف حصل هذا؟!”
اتسعت عينا إيرولد من الصدمة، بينما نظر إليه أرجوس بدهشة غير مصدق. أما الأطفال فقد صرخوا جميعاً دفعة واحدة في وجه إيرولد: ” ابتعد عنها أيها المجنون ! ”
ابتسم إيرولد وقال: ” لا، دعه ينام. ”
واندفعوا نحو لوس، يعانقونه بشدة وكأنه حاميهم الوحيد. انفجر لوس ضاحكاً حتى دمعت عيناه، وهو يقول:
اتجه آرثر نحو إيرولد قائلاً ببرود: ” سوف أكون بخير، لن يلمسني وأنا داخل جسدك. ”
” يا إلهي… لم أرَ مسرحية متقنة كهذه في حياتي! ”
” هذه روحي يا أرجوس! إنه انفصال الروح! ”
وفجأة، خرج طيف آرثر من جسد إيرولد يضحك قائلاً: ” أحسنتِ يا جاسمين، لقد وضعتِه في موقف صعب بحق. ”
أوضح سباتشيل بنبرة حزينة: ” لقد حلّت به مأساة فظيعة؛ تم إعدام زوجته وابنه بأمر من الملك، بعد أن ضُبطا مع جماعة من المتمردين. أُعدموا جميعاً بينما كان السيد كوراش في مهمة خارج الأسوار. ومنذ أن عاد وعرف بالأخبار، أصبح يتصرف بغرابة وعدوانية، لكني لا ألومه. ”
من الجهة الأخرى، لمعت عينا أرجوس بشراسة، وصرخ محذراً إيرولد: ” احذر! هنالك كيان يطوف حولك! ”
أجاب أرجوس ونبرة صوته تزداد حدة: ” سمعت أن هنالك شخصاً سيطر عليه أحد الجان منذ وقت طويل. ”
تعجب إيرولد وجاسمين، وقال إيرولد: ” هل يمكنه رؤية آرثر؟!”
لكن إيرولد تفادى آرثر ببراعة، تاركاً إياه في العراء. وقف آرثر في الهواء مصدوماً وقال: ” هاه؟! هل تريده أن يقتلني؟!”
لم ينتظر أرجوس، بل هاجم آرثر برمح هوائي، فاندفع إيرولد لصدّه، بينما تراجع آرثر للخلف صائحاً: ” من هذا المعتوه؟!”
لم ينتظر أرجوس، بل هاجم آرثر برمح هوائي، فاندفع إيرولد لصدّه، بينما تراجع آرثر للخلف صائحاً: ” من هذا المعتوه؟!”
صرخ أرجوس: ” سوف أقتلك يا هذا! ”
كادا ينقضان على بعضهما، حين شقت صرخة جاسمين الهواء: ” توقفاااا يا أرجوس! نحن هنا لمساعدة الأطفال! ”
اتجه آرثر نحو إيرولد قائلاً ببرود: ” سوف أكون بخير، لن يلمسني وأنا داخل جسدك. ”
اتسعت عينا إيرولد من الصدمة، بينما نظر إليه أرجوس بدهشة غير مصدق. أما الأطفال فقد صرخوا جميعاً دفعة واحدة في وجه إيرولد: ” ابتعد عنها أيها المجنون ! ”
لكن إيرولد تفادى آرثر ببراعة، تاركاً إياه في العراء. وقف آرثر في الهواء مصدوماً وقال: ” هاه؟! هل تريده أن يقتلني؟!”
قطع أرجوس الصمت سائلاً إيرولد الذي كان في السرير المقابل: ” لم تخبرني من أين أنت. ”
رد إيرولد بابتسامة شامته: ” لن تعود حتى تقول: ” آسف يا سيد إيرولد. ”
توجه لوس بعتمة نحو العربة التي تحتجز الأطفال، لكنه لاحظ فجأة أن حركة الحصان أصبحت بطيئة وثقيلة بشكل غير طبيعي. قال الشخص المجهول ببرود: ” لا ذنب للخيل… ولا للفتاة. ”
صاح آرثر بعناد: ” على جثتي! لا!… لحظة… أنا لا أمتلك جثة… على جثتك أنت إذن! ”
رد إيرولد بهدوء وهو ينظر للسقف: ” لا أعلم حقاً… لكني قضيت طفولتي في مملكة مصر، حتى جاء يوم ورحلت من هناك. ”
تبسم إيرولد ببرود: ” إذن كما تريد. ”
تراجع أرجوس واعتذر: ” آسف، ظننته أحد الجان. إنه يمتلك هالة غريبة، لم أرَ روحاً أو هالة روح من قبل. ”
التفت آرثر ليرى أرجوس يقترب بسرعة جنونية، موجّهاً سيفه للهجوم، فقال بذعر: ” هيا يا إيرولد! توقف عن اللعب! ”
إيرولد: ” لا عليك، لكن آرثر ما زال غاضباً. ”
اندفع أرجوس، فحلق آرثر باتجاه إيرولد وهو يصرخ: ” حسناً، حسناً! آسف يا سيد إيرولد! أرجوك دعني أدخل”
أغمض إيرولد عينيه متجاهلاً التفاصيل وقال: ” ولماذا ذهبت أنت إلى هناك؟”
عاد آرثر وانزلق داخل جسد إيرولد، الذي أخرج سيفه (ثورن) فوراً ليصد هجوم أرجوس القوي، وقال بجهد:
اندفع نحو إيرولد، موجّهاً لكمة قوية محاطة بحقل جاذبية ليطرحه أرضاً. لكن إيرولد تفاداها بمرونة مذهلة، ثم صرخ: ” الوداع يا رجل! ”
” هذه روحي يا أرجوس! إنه انفصال الروح! ”
ارتبك إيرولد ورفع يديه نافياً: ” لا… لا! إنها معنا! فقط… كانت سيئة الأدب قليلاً! ”
توقف لوس وأرجوس مصدومين، وقالوا بدهشة متزامنة: ” انفصال الروح؟ كيف حصل هذا؟!”
غرس إيرولد سيفه القديم المتهالك في الأرض، وأخرج سيف (ملك اللصوص) من غمده. حدّق في النصل اللامع قائلاً: ” سوف أسميك… (ثورن). لا تخذلني. ”
تراجع أرجوس واعتذر: ” آسف، ظننته أحد الجان. إنه يمتلك هالة غريبة، لم أرَ روحاً أو هالة روح من قبل. ”
اقترب لوس من العربة الخشبية الكبيرة، تفحص الباب المقفل بقفل حديدي متين. رفع حاجبيه بابتسامة ساخرة وقال: ” قفلكم هذا لا يصلح حتى لدكان بائس. ”
إيرولد: ” لا عليك، لكن آرثر ما زال غاضباً. ”
” أنا… آسف بحق. لم أعرف هذا… أعتذر . ”
قال أرجوس موجهاً كلامه لجسد إيرولد: ” آسف يا آرثر. ”
صرخ أرجوس: ” سوف أقتلك يا هذا! ”
خرج صوت آرثر صارخاً عليه من الداخل: ” أيها المعتوه ! لا تهاجم قبل أن تعرف ما الذي أمامك! ”
حاول أرجوس دفع إيرولد بعيداً باستخدام سحر الهواء، فانفجرت موجة قوية حولهما، لتتطاير الأوراق والحصى في الأرجاء. تراجع أرجوس قليلاً وقال: ” حسناً يا هذا… ”
صاح أرجوس بفضول: ” إن روحك كانت خارج جسدك! كيف لا تزال على قيد الحياة؟”
وقف أرجوس متجمداً، ينظر إلى هذا المشهد ، قبل أن يصرخ مذهولاً: ” من أنتم بحق السماء؟!”
قاطعهم صوت أحد الأطفال وهو يشد بنطال لوس: ” ماذا يحصل يا سيد؟”
” هذه روحي يا أرجوس! إنه انفصال الروح! ”
أجاب لوس وهو يمسح على رأس الطفل: ” لا عليك يا صغير، إنهم مجانين. ” ثم حث الجميع على التحرك:
صاح أرجوس بفضول: ” إن روحك كانت خارج جسدك! كيف لا تزال على قيد الحياة؟”
” هيا، لنعد للقرية، أهاليكم ينتظرون على أحر من الجمر. ”
قال إيرولد بحزم: ” هذا هو طريقنا. ”
توجهوا نحو القرية؛ حمل لوس وأرجوس طفلاً على ظهر كل منهما، بينما حمل عتمة خمسة أطفال، وكانت جاسمين تمشي بجر خطى متعبة بجوار إيرولد. بدا عليها الإعياء الشديد، فقالت بصوت خافت: ” لقد تعبت، أرجوك احملني. ”
لم يرد الرجل الكلام، بل زاد من وتيرة هجماته، وارتفع فجأة في الهواء، مطلقاً ثلاثة أسهم هوائية نحو إيرولد. تفادى إيرولد اثنين ببراعة، وصد الثالث بسيفه، وقال بدهشة ممزوجة بالاحترام: ” ساحر مقاتل… هذا مذهل.”
ابتسم إيرولد وقال محاولاً مشاكساتها: ” فكري بما فعلتِه بي أولاً. ”
ثم جرت مسرعة إلى لوس، تمسك بذراعه وتتصنّع الارتجاف والبكاء: ” أرجوك يا سيدي… لا تدعه يقترب مني! لقد هددني بضربي! ”
لكنها كانت منهكة حقاً، نظرت للأسفل لتجد الأرض تبتعد عنها فجأة. أدركت أن إيرولد قد رفعها ووضعها على كتفه. ابتسمت جاسمين بامتنان، وواصل إيرولد السير بثبات.
على مشارف القرية، كانت المرأة تنتظر والشمس تجر أذيالها للغروب. جاءها أحد الجيران ليواسيها: ” لن يأتوا، عودي إلى منزلك، سوف تمرضين إذا استمريتِ في الوقوف هكذا. ”
اندفع بقوة مهولة، فوجد أرجوس نفسه يتراجع تحت ضغط الهجمات المتتالية. تمتم أرجوس في داخله: ” هذا الوحش… أصبح أقوى وأسرع من ذي قبل! ”
لكن مع اختفاء قرص الشمس، تناهت إلى مسامعها أصوات ضحكات أطفال، فتعجبت وقالت بلهفة: ” لقد عادوا! يا أهل القرية، لقد عاد أطفالنا! ”
وفجأة، خرج طيف آرثر من جسد إيرولد يضحك قائلاً: ” أحسنتِ يا جاسمين، لقد وضعتِه في موقف صعب بحق. ”
وصل إيرولد ولوس وأرجوس إلى ساحة القرية مع الأطفال، محافظين على وعدهم. توقف أرجوس أمام المرأة المصدومة وقال بهدوء: ” لقد أعدتُ لكِ ابنتك يا سيدتي. ”
ثم جرت مسرعة إلى لوس، تمسك بذراعه وتتصنّع الارتجاف والبكاء: ” أرجوك يا سيدي… لا تدعه يقترب مني! لقد هددني بضربي! ”
ركضت الطفلة بين الأطفال وهي تصرخ: ” أمي! ” هرع الجميع نحوهم، والدموع تملأ أعينهم، وعاد كل طفل إلى أحضان عائلته. نظر لوس إلى المنظر وقال بصوت متهدج: ” يا له من منظر يشرح الصدر. ”
انطلق عتمة كالسهم، فاقترب إيرولد من لوس ومد يده ليسحبه خلفه على ظهر الحصان، ونهبوا الأرض نهباً باتجاه الشخص المجهول. قال لوس وهو يكزّ على أسنانه: ” يجب أن نعيد الأطفال يا إيرولد! ”
فجأة، ركض الأطفال نحو لوس، وسحبوه من ثيابه وهم يصرخون بفرح: ” هذا الرجل هو من أنقذنا! ”
حاول أرجوس دفع إيرولد بعيداً باستخدام سحر الهواء، فانفجرت موجة قوية حولهما، لتتطاير الأوراق والحصى في الأرجاء. تراجع أرجوس قليلاً وقال: ” حسناً يا هذا… ”
نظر أرجوس إلى إيرولد بخيبة أمل مصطنعة وقال: ” لقد أنقذهم هو؟ ومن كان مثبتاً في الأرض بفعل الجاذبية؟”
” يا إلهي… لم أرَ مسرحية متقنة كهذه في حياتي! ”
ابتسم إيرولد وقال بهدوء: ” لا يهم يا رجل، المهم أنهم عادوا إلى أهلهم سالمين. ”
سقط لوس عن ظهر عتمة تحت وطأة الضغط، فقال الشخص المجهول: ” الجاذبية عليك تزداد… أما الحصان والفتاة فوزنهم خفيف، سيعودون معي إلى القرية. ”
تقدم أحد وجهاء القرية وقال بامتنان: “أنتم ضيوفي من اليوم، ابقوا قدر ما تشاؤون، هذا أقل ما يمكننا فعله.
قفز أرجوس مهاجماً من الأعلى، لكن إيرولد تصدّى له، ثم انقضّ بوجهٍ متجهم محاولاً ركله. قال إيرولد محذراً: ” انتبه لقدمك يا فتى! ”
تقدم إيرولد : ” شكرًا لك على كرمك، لكننا سنتحرك غداً في الصباح الباكر. ”
نظر إيرولد إلى لوس، فوجده نائماً بطريقة فوضوية ويكاد يسقط من فوق السرير. ابتسم وقال: ” يبدو أنه غير معتاد على النوم في سرير مريح. ”
أجاب الرجل: ” كما تريدون، لكن دعونا أولاً نتناول العشاء احتفالاً بكم. ”
أجاب سباتشيل: ” آه، الاسم شائع، حددي ما مهنته؟”
ركضت الطفلة بين الأطفال وهي تصرخ: ” أمي! ” هرع الجميع نحوهم، والدموع تملأ أعينهم، وعاد كل طفل إلى أحضان عائلته. نظر لوس إلى المنظر وقال بصوت متهدج: ” يا له من منظر يشرح الصدر. ”
ذهبوا معه ليجدوا منزلاً كبيراً ووثيراً، فسأل إيرولد بينما يتأمل الأثاث: ” ما طبيعة عملك يا رجل؟”
نظر إيرولد إلى لوس، فوجده نائماً بطريقة فوضوية ويكاد يسقط من فوق السرير. ابتسم وقال: ” يبدو أنه غير معتاد على النوم في سرير مريح. ”
أجاب الرجل مبتسمًا: ” أنا تاجر، أدعى (سباتشيل)، أبيع المجوهرات في المملكة، لكنني أعود هنا للراحة بعد مواسم العمل الطويلة. لقد تربيت هنا وأعتبر أهل القرية عائلتي. ”
تقدم إيرولد : ” شكرًا لك على كرمك، لكننا سنتحرك غداً في الصباح الباكر. ”
سألت جاسمين بفضول وهي تقضم تفاحة: ” بما أنك تذهب للملكة، هل تعرف شخصاً يدعى (كوراش)؟ ”
همس إيرولد للوس: ” هل تعرفه حقاً؟”
أجاب سباتشيل: ” آه، الاسم شائع، حددي ما مهنته؟”
أغمض إيرولد عينيه متجاهلاً التفاصيل وقال: ” ولماذا ذهبت أنت إلى هناك؟”
قالت جاسمين: ” قائد للحراس. ”
ابتسم الرجل المجهول بثقة وقال: ” سأعطيك مبتغاك. ”
تغير وجه سباتشيل وقال بصدمة: ” السيد كوراش؟ هل تعرفونه؟”
وفجأة، وجّه هجومه نحو لوس مطلقاً قوساً من الهواء المضغوط، وهو يقول: ” سوف تموت بسرعة… لا تقلق!”
رد لوس بسرعة بديهة وهدوء: ” نعم، لكن لم نره منذ مدة طويلة. ”
ابتسم إيرولد وقال بهدوء: ” لا يهم يا رجل، المهم أنهم عادوا إلى أهلهم سالمين. ”
أوضح سباتشيل بنبرة حزينة: ” لقد حلّت به مأساة فظيعة؛ تم إعدام زوجته وابنه بأمر من الملك، بعد أن ضُبطا مع جماعة من المتمردين. أُعدموا جميعاً بينما كان السيد كوراش في مهمة خارج الأسوار. ومنذ أن عاد وعرف بالأخبار، أصبح يتصرف بغرابة وعدوانية، لكني لا ألومه. ”
وفجأة، وجّه هجومه نحو لوس مطلقاً قوساً من الهواء المضغوط، وهو يقول: ” سوف تموت بسرعة… لا تقلق!”
قال لوس متأثراً: ” يا للأسف… مسكين يا كوراش. ”
عاد آرثر وانزلق داخل جسد إيرولد، الذي أخرج سيفه (ثورن) فوراً ليصد هجوم أرجوس القوي، وقال بجهد:
همس إيرولد للوس: ” هل تعرفه حقاً؟”
نظر إيرولد إليه وقال ببساطة: ” مجرد عابري سبيل. ”
لوس بصوت خافت: ” لا، لكن ادعاء المعرفة يجعله يفتح قلبه ولا يخفي شيئاً. ”
ردّت جاسمين بسرعة وهي تلهث: ” لا، لم يفعلوا! بل والدة أحد الأطفال هي من أخبرتنا أنك ذهبت لتعيدهم، ونحن هنا للتأكد من سلامتهم وإعادتهم! ”
ابتسم إيرولد في داخله وقال: ” رجل ذكي. ”
انطلق عتمة كالسهم، فاقترب إيرولد من لوس ومد يده ليسحبه خلفه على ظهر الحصان، ونهبوا الأرض نهباً باتجاه الشخص المجهول. قال لوس وهو يكزّ على أسنانه: ” يجب أن نعيد الأطفال يا إيرولد! ”
صرخ سباتشيل: ” أيها الخدم، أحضروا العشاء! ”
أغلق إيرولد عينيه مجدداً، وأخفى اضطرابه قائلاً: ” هكذا إذن… لننم الآن، سنتحرك في الصباح. ”
لم تمضِ لحظات حتى امتدت أمامهم سفرة عامرة، تزينها أطباق اللحم المشوي والأسماك والخضروات والفواكه الطازجة. جلس الجميع حول الطاولة، وتلاشت التوترات مع الضحكات وتبادل الأحاديث.
حاول أرجوس دفع إيرولد بعيداً باستخدام سحر الهواء، فانفجرت موجة قوية حولهما، لتتطاير الأوراق والحصى في الأرجاء. تراجع أرجوس قليلاً وقال: ” حسناً يا هذا… ”
مع انتهاء العشاء، قاد الرجل ضيوفه إلى غرفهم في الطابق العلوي. استلقوا على الأسرّة المريحة، والهدوء يعم المكان، فيما تتسلل أشعة القمر الفضية من النوافذ. أغمض الجميع أعينهم، مستشعرين الراحة والأمان لأول مرة منذ أيام.
عاد آرثر وانزلق داخل جسد إيرولد، الذي أخرج سيفه (ثورن) فوراً ليصد هجوم أرجوس القوي، وقال بجهد:
قطع أرجوس الصمت سائلاً إيرولد الذي كان في السرير المقابل: ” لم تخبرني من أين أنت. ”
رد إيرولد بهدوء وهو ينظر للسقف: ” لا أعلم حقاً… لكني قضيت طفولتي في مملكة مصر، حتى جاء يوم ورحلت من هناك. ”
رد إيرولد بهدوء وهو ينظر للسقف: ” لا أعلم حقاً… لكني قضيت طفولتي في مملكة مصر، حتى جاء يوم ورحلت من هناك. ”
” هذه روحي يا أرجوس! إنه انفصال الروح! ”
ابتسم أرجوس وقال بحماس: ” هذا رائع! لقد نُصّب لديهم ملك جديد قبل فترة قصيرة. كان الوزراء والنبلاء هم من يحكمون البلاد فعلياً طوال الوقت، حتى وجدوا ابن أخ الملك السابق (آمون)، وتوجوه ملكاً. ”
التفت المجهول ليرى إيرولد يندفع نحوه مباشرة. صرخ إيرولد بصوت حازم: ” إياك أن تؤذيهم! لنتحدث أولاً! ”
أغمض إيرولد عينيه متجاهلاً التفاصيل وقال: ” ولماذا ذهبت أنت إلى هناك؟”
رفع يده إلى السماء، فتجسّد رمحٌ هائل من الهواء المضغوط، يلتف حول رأسه وهج بنفسجي غامق. قبض على الرمح بين يديه، وعيونه تتقد بالعزم، ووقف في مواجهة إيرولد بلا ذرة خوف.
أجاب أرجوس ونبرة صوته تزداد حدة: ” سمعت أن هنالك شخصاً سيطر عليه أحد الجان منذ وقت طويل. ”
قال لوس متأثراً: ” يا للأسف… مسكين يا كوراش. ”
فتح إيرولد عينيه فجأة وسأل: ” وإذا وجدته… ماذا كنت ستفعل؟”
رد أرجوس ببرود تام وقسوة: ” سوف أقاتله بلا أي رحمة. ”
توقف لوس وأرجوس مصدومين، وقالوا بدهشة متزامنة: ” انفصال الروح؟ كيف حصل هذا؟!”
أغلق إيرولد عينيه مجدداً، وأخفى اضطرابه قائلاً: ” هكذا إذن… لننم الآن، سنتحرك في الصباح. ”
اتسعت عينا إيرولد من الصدمة، بينما نظر إليه أرجوس بدهشة غير مصدق. أما الأطفال فقد صرخوا جميعاً دفعة واحدة في وجه إيرولد: ” ابتعد عنها أيها المجنون ! ”
نظر إيرولد إلى لوس، فوجده نائماً بطريقة فوضوية ويكاد يسقط من فوق السرير. ابتسم وقال: ” يبدو أنه غير معتاد على النوم في سرير مريح. ”
ضحك أرجوس بخفوت وقال: ” هل يجب أن أدفعه ليسقط؟”
ضحك أرجوس بخفوت وقال: ” هل يجب أن أدفعه ليسقط؟”
غرس إيرولد سيفه القديم المتهالك في الأرض، وأخرج سيف (ملك اللصوص) من غمده. حدّق في النصل اللامع قائلاً: ” سوف أسميك… (ثورن). لا تخذلني. ”
ابتسم إيرولد وقال: ” لا، دعه ينام. ”
ضحك لوس بصوت عالٍ هذه المرة، ثم نهض نافضاً التراب عن ثيابه، وقال: ” يبدو أنني وجدتُ الرفاق الأكثر جنوناً. ”
خرج صوت آرثر صارخاً عليه من الداخل: ” أيها المعتوه ! لا تهاجم قبل أن تعرف ما الذي أمامك! ”
أجابت المرأة وصوتها يرتعش: ” لتوّهم أخذوا ابنتي… وعدد قليل من أطفال القرية… كان هناك شخص غامض، يرتدي عباءة سوداء، يتبع الحراس… لقد وعدني أن يعيد ابنتي وجميع الأطفال… ”

نصلٌ يلمع، وغبارٌ ينقشع، ليظهر وجه لم يكن إيرولد يتوقعه. أرجوس، القادم من الغرب، نور جديد في طريق إيرولد:
رفع إيرولد جاسمين بخفة ليضعها على ظهر عتمة، وأمسك باللجام صائحاً: ” هيا يا عتمة! ”
سقط لوس عن ظهر عتمة تحت وطأة الضغط، فقال الشخص المجهول: ” الجاذبية عليك تزداد… أما الحصان والفتاة فوزنهم خفيف، سيعودون معي إلى القرية. ”
