Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

المُتَحَرِّر 2

الرجل الذي رأي السماء
PDF

الرجل الذي رأي السماء

لم ينم آزر تلك الليلة. استلقى على ظهره في الظلام الكثيف الذي ملأ الغرفة الصغيرة، جسده ساكن إلى الحد الذي يجعل أي عابر يظنه نائماً، غير أن عينيه ظلتا مفتوحتين تحدقان في السقف الخشبي الذي لا يُرى. كان الهواء ثقيلاً وباردًا بعض الشيء، يحمل رائحة التبن الجاف والخشب القديم المختلط برائحة الدخان البعيدة القادمة من المداخن. لم يكن هناك صوت سوى تنفسه البطيء، وخفقة قلبه التي بدت له أعلى من المعتاد في الصمت المطبق.

— والبعض الآخر؟

لم يستطع إخراج الكلمات من رأسه. كانت تدور فيه كأنها حلقة مغلقة لا مخرج منها: «وجدني… السماء». ما الذي يعنيه رجل أن تقول السماء إنها وجدته؟ لو كان الرجل يهذي من شدة الجراح والتعب، فلماذا اختار السماء تحديداً؟ ولو كان واعياً تماماً بما يقول، فما الذي يمكن أن يراه إنسان حتى يخشاه إلى ذلك الحد الذي يجعل صوته يرتجف وهو ينطق بتلك الجملة؟

— أنت تفكر بطريقة خطرة.

تقلب آزر على فراشه، فصرير الحشائش الجافة تحته كسر الصمت لحظة ثم عاد كل شيء إلى سكونه. كان أهل القرية يقولون إن الإنسان يخاف حين يجهل ما ينتظره خلف الباب أو وراء التل أو تحت السماء نفسها. أما هو فلم يكن يخاف الجهل. كان يكره أن يُطلب منه أن يقبله جواباً نهائياً ويغلق عليه فمه. وفي تلك الليلة الطويلة أدرك شيئاً بسيطاً وقاسياً في آن: أن تقول «لا أعلم» أصدق من أن تخترع جواباً يُرضي الآخرين ويُسكت أسئلتك. لكن أن تقول «لا جواب لهذا السؤال»… فذلك شيء آخر تماماً. شيء يشبه الاعتراف بأن العالم أكبر من أن يُحاط به، وأن من يريد الحقيقة قد يضطر إلى السير في طرق لا يختارها أحد غيره.

— ماذا؟

مع طلوع الفجر خرج من منزله. كانت القرية لا تزال غارقة في سكونها العميق، والشوارع الترابية خالية إلا من بعض الكلاب النائمة عند عتبات البيوت. الدخان الخفيف يتصاعد ببطء من بعض المداخن، فيلتوي مع نسيم الصباح البارد ثم يتلاشى في الهواء الرمادي. ضوء الصباح كان يتسلل ببطء بين البيوت الحجرية والطينية، يرسم ظلالاً طويلة على الأرض، ويجعل حواف الأسطح تلمع بلون فضي باهت. سمع آزر صوت ديك بعيد يصرخ مرة واحدة ثم يسكت، وكأنه يختبر إن كان العالم قد استيقظ حقاً.

نظر ريو إلى يديه مرة أخرى. قال بصوت منخفض جداً:

توجه نحو البيت الذي نُقل إليه الغريب. خطواته كانت هادئة على التراب الرطب من ندى الليل، وكل خطوة تترك أثراً خفيفاً يمحوه النسيم بعد قليل. لم يكن ينتظر أن يمنحه أحد جواباً جاهزاً. كان يعرف منذ زمن أن الإجابات الحقيقية لا تُعطى، بل تُنتزع. وكل ما يعتمد عليه في هذا الطريق هو نفسه وحده.

— لماذا؟

كان رين واقفاً عند الباب. رجل في أواخر الأربعينيات، عريض الكتفين، قوي البنية، بوجه مستدير خشن لوحته الشمس والعمل الطويل تحت السماء المفتوحة. شعره الأسود تتخلل خيوط رمادية عند الصدغين، وعيناه متعبتان على الدوام، كأن النوم لم يعد قادراً على محو ما تراكم فيهما من سنين. بالقرب منه وقف كايو، شاب في أوائل العشرينيات، طويل نحيل الجسد، قصير الشعر، ضيق الوجه، حاد الفك، كثير الحركة بعينين لا تستقران طويلاً على شيء، كأنهما تبحثان دائماً عن خطر قادم من جهة لا يراها الآخرون.

— لأن من يأتي بإرادته لا يبدو كمن نجا من الموت.

نظر رين إلى آزر نظرة ثقيلة، ثم قال بصوت خشن منخفض:

— وما الفرق؟

— ما الذي جاء بك؟

— لكنني أعرف شيئاً واحداً. حين وصلت إلى هنا، أدركت أنني لم أكن أهرب من شيء. كنت أهرب من أن يُعثر عليّ.

أجاب آزر دون أن يرفع صوته:

أجابه آزر بهدوء لم يتغير:

— أريد أن أراه.

— كنت أظن ذلك.

زفر رين زفرة طويلة، كأن الهواء الذي في صدره أصبح ثقيلاً فجأة. قال:

— لأنك لا تسأل كيف تتجاوز الشيء. أنت تسأل أولاً لماذا وُجد.

— أنت طفل يا آزر.

اقترب آزر. مد يده نحو الجذع. كان سطح القطع بارداً، أبرد من الخشب العادي في هذا الوقت من الصباح. وفي وسطه ظهرت علامة صغيرة. دائرة سوداء لا يزيد قطرها على طرف الإصبع. حدق آزر فيها. لم يعرف لماذا، لكنه شعر أنها ليست علامة تركها إنسان. ليست محفورة بأداة، ولا محروقة بنار عادية. كانت كأنها نمت من داخل الخشب نفسه.

— صحيح.

ابتسم ريو ابتسامة واهنة، كأنها كلفته جهداً. قال:

— ولا تعرف شيئاً عن العالم.

— لأنك إذا بدأت السؤال عن كل شيء… فلن تستطيع التوقف.

— صحيح.

— لا أعرف.

نظر إليه رين بضيق واضح هذه المرة، وتقدمت خطواته قليلاً نحو الباب كأنه يريد أن يغلقه في وجهه. قال:

— لا أعرف.

— إذن لا تتصرف كأنك تعرف أكثر منا.

— رأيت ما يكفي لأتوقف عن الثقة بما أظنه.

أجابه آزر بهدوء لم يتغير:

— من فوقي.

— أنا لا أعرف أكثر منكم.

— وبماذا أبدأ؟

سكت لحظة، ثم أضاف والجملة خرجت بطيئة وواضحة:

لم يجب آزر. اكتفى بأن جلس على حافة مقعد خشبي قديم بالقرب من الفراش، وانتظر. تابع ريو بعد لحظة، وكأن الكلمات كانت مكبوتة فيه منذ زمن طويل:

— لكنني أعرف أنكم لا تعرفون.

أجاب ريو:

تبادل رين وكايو نظرة قصيرة صامتة. في تلك النظرة شيء من الاندهاش المختلط بالانزعاج، كأن الصبي قال شيئاً لا ينبغي أن يقوله أحد في هذا المكان. ثم فتح رين الباب ببطء، وصوت المفصلات الصدئة امتد في الهواء كأنه تنهيدة قديمة. قال بصوت خفيض:

— لأن المكان لم يكن يشبه أي مكان عرفته.

— ادخل.

— راقب.

دخل آزر. الغرفة كانت شبه مظلمة رغم أن الشمس بدأت تشرق خارجاً، والنوافذ الصغيرة المغطاة بستائر بالية لا تسمح إلا بخيوط رفيعة من الضوء. كان الغريب مستلقياً على فراش بسيط من القش المغطى ببطانية خشنة، وقد بدا أضعف بكثير مما كان عليه في الليلة السابقة. رجل في منتصف الثلاثينيات، طويل القامة، عريض الكتفين، قوي البنية رغم الهزال الذي أثقل جسده وجعل عظامه بارزة تحت الجلد الشاحب. شعره الأسود الطويل متشابك وساقط حول وجهه، وعلى عنقه وذراعيه ندوب قديمة متفرقة، بعضها عميق بما يكفي ليخبر عن حياة لم تكن هادئة قط.

ثم قال، والجملة خرجت أبطأ:

لكن أكثر ما لفت انتباه آزر كان عينيه. لم يكن فيهما خوف رجل يخشى الموت. كان فيهما خوف رجل رأى شيئاً لا يستطيع تفسيره، شيئاً بقي عالقاً خلف نظراته كظل لا يزول. فتح الغريب عينيه ببطء، وتلاقت عيناه بعيني آزر. لحظة صمت طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط، ثم قال بصوت خافت أجش:

— كلما اقترب أولئك الرجال من ذلك الحد، حدث شيء لا أفهمه. كأن العالم نفسه يبدأ في رفض وجودهم. أجسادهم تضعف رغم قوتها. أرواحهم تضطرب. بعضهم فقد أشياء لم يكن ينبغي أن يفقدها. وبعضهم…

— من أنت؟

كان رين واقفاً عند الباب. رجل في أواخر الأربعينيات، عريض الكتفين، قوي البنية، بوجه مستدير خشن لوحته الشمس والعمل الطويل تحت السماء المفتوحة. شعره الأسود تتخلل خيوط رمادية عند الصدغين، وعيناه متعبتان على الدوام، كأن النوم لم يعد قادراً على محو ما تراكم فيهما من سنين. بالقرب منه وقف كايو، شاب في أوائل العشرينيات، طويل نحيل الجسد، قصير الشعر، ضيق الوجه، حاد الفك، كثير الحركة بعينين لا تستقران طويلاً على شيء، كأنهما تبحثان دائماً عن خطر قادم من جهة لا يراها الآخرون.

— آزر.

— وبعدها شعرت أن شيئاً ينظر إليّ.

ظل الرجل ينظر إليه لحظات، كأنما يزن الاسم في رأسه، ثم قال:

فكر آزر قليلاً. الكلمات دارت في رأسه مثل حجر يُرمى في بئر عميق. لم يكن الندم ما يخشاه. الندم شعور يمكن احتماله إذا كانت الغاية تستحقه. ثم قال، والجملة خرجت بثقة هادئة لم تكن طفولية:

— ماذا تريد؟

— لأنك إذا بدأت السؤال عن كل شيء… فلن تستطيع التوقف.

— أن أسألك عن شيء.

كان رين واقفاً عند الباب. رجل في أواخر الأربعينيات، عريض الكتفين، قوي البنية، بوجه مستدير خشن لوحته الشمس والعمل الطويل تحت السماء المفتوحة. شعره الأسود تتخلل خيوط رمادية عند الصدغين، وعيناه متعبتان على الدوام، كأن النوم لم يعد قادراً على محو ما تراكم فيهما من سنين. بالقرب منه وقف كايو، شاب في أوائل العشرينيات، طويل نحيل الجسد، قصير الشعر، ضيق الوجه، حاد الفك، كثير الحركة بعينين لا تستقران طويلاً على شيء، كأنهما تبحثان دائماً عن خطر قادم من جهة لا يراها الآخرون.

— وما هو؟

أجابه آزر بهدوء لم يتغير:

— اسمك أولاً.

— من شيء لم أره قط.

ساد الصمت. خارج النافذة الصغيرة سمع آزر صوت طائر بعيد يغرد مرة واحدة ثم يسكت. ثم أجاب الرجل بصوت منخفض:

بقي آزر ساكناً. في رأسه صورة مكان بلا صوت ولا ريح، وشيء ينظر من فوق. قال ريو:

— ريو.

— لماذا؟

حفظ آزر الاسم في ذهنه. «ريو». ثم قال، والجملة خرجت ثقيلة قليلاً:

— لأنني أدركت أنني إذا بقيت… فلن أخرج.

— بالأمس قلت شيئاً.

قال آزر:

تغيرت ملامح ريو قليلاً. الجفون ارتفعت أكثر، والشفاه انقبضت للحظة. قال:

— هذه ليست طريقة طفل في التفكير.

— ماذا قلت؟

توقف. السعال عاد للحظة قصيرة ثم هدأ. قال آزر:

— قلت: «وجدني… السماء».

— وما الذي غير رأيك؟

اختفت بقية الكلمات من وجه ريو. لم يجب. اكتفى بأن نظر إلى السقف لحظة، ثم إلى النافذة، كأنما يبحث عن شيء في الضوء الباهت. قال آزر بهدوء:

— وجدني مرة أخرى.

— هل كنت تهذي؟

نظر ريو إلى النافذة طويلاً. الضوء الذي يدخل منها كان يرسم خطاً رفيعاً على الجدار المقابل. قال بصوت أخفض:

— لا.

— هذا هو السؤال الذي قتل من حاول الإجابة عنه.

كانت الإجابة سريعة، حاسمة، بلا تردد. قال آزر:

— قلت: «وجدني… السماء».

— إذن ماذا قصدت؟

نظر رين إلى آزر نظرة ثقيلة، ثم قال بصوت خشن منخفض:

نظر ريو إلى النافذة طويلاً. الضوء الذي يدخل منها كان يرسم خطاً رفيعاً على الجدار المقابل. قال بصوت أخفض:

رفع رأسه. السماء فوقه كانت صافية. لا غيوم. لا طيور. لا شيء. فقط زرقة واسعة ساكنة كأنها تنتظر. قال رين بصوت خشن:

— لا تسأل عن شيء لم تكن مستعداً لمعرفة جوابه.

قال آزر:

— وكيف أعرف أنني مستعد؟

— أحياناً يكون معرفةً جاءت متأخرة.

التفت إليه ريو. عيناه هذه المرة كانتا أكثر حدة، رغم التعب الواضح فيهما. قال:

— يولد الإنسان، يكبر، ثم يموت. ولأن هذا يحدث أمامنا كل يوم، سميناه طبيعة. لا مشكلة في ذلك. لكن تكرار الشيء لا يثبت أنه حق. قد يكون الشيء متكرراً لأنه قانون. وقد يكون متكرراً لأننا لم نرَ يوما ما يخالفه ..

— حين تعرف أنك قد تندم على معرفته… ثم تسأل رغم ذلك.

— ستتعلم أن الندم ليس دائماً شعوراً.

فكر آزر قليلاً. الكلمات دارت في رأسه مثل حجر يُرمى في بئر عميق. لم يكن الندم ما يخشاه. الندم شعور يمكن احتماله إذا كانت الغاية تستحقه. ثم قال، والجملة خرجت بثقة هادئة لم تكن طفولية:

— الجميع يقول إنه طبيعة الحياة.

— أنا لا أخشى الندم.

لم يجد آزر ما يقوله. فأكمل ريو، وصوته أصبح أهدأ:

ابتسم ريو ابتسامة واهنة، كأنها كلفته جهداً. قال:

ظل آزر صامتاً. في رأسه صورة رجال أقوياء يسقطون واحداً تلو الآخر، لا يدري كيف. ثم سأل:

— ستتعلم أن الندم ليس دائماً شعوراً.

كانت الإجابة سريعة، حاسمة، بلا تردد. قال آزر:

— ماذا يكون إذن؟

— وكيف هربت؟

— أحياناً يكون معرفةً جاءت متأخرة.

— ما الذي كان بعد تلك الحدود؟

سكت آزر. الغرفة كانت باردة أكثر مما تبدو، ورائحة الأدوية العشبية المختلطة برائحة الدم الجاف ملأته أنفه. ثم سأل، والجملة جاءت مباشرة:

سكت ريو قليلاً. عيناه نظرتا إلى يديه اللتين كانتا ترتعشان خفيفاً فوق البطانية. قال:

— من كان يطاردك؟

سكت آزر. الجملة علقت في الهواء كأنها شيء مادي يمكن لمسه. ثم قال، والجملة خرجت شبه همس:

حدّق ريو فيه. لحظة طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط. قال:

ابتسم ريو رغم تعبه. ثم سعل سعالاً جافاً طويلاً، ووضع يده على صدره. انتظر آزر حتى هدأ التنفس، وحتى عادت اليد المرتجفة إلى جانب الجسد. ثم قال:

— كيف عرفت أن أحداً كان يطاردني؟

خفض ريو عينيه. صوته أصبح أخفض، كأن الكلمات نفسها تؤلمه:

— لأنك لم تأتِ إلى هنا بإرادتك.

— وبعدها شعرت أن شيئاً ينظر إليّ.

— وكيف عرفت ذلك؟

زفر رين زفرة طويلة، كأن الهواء الذي في صدره أصبح ثقيلاً فجأة. قال:

— لأن من يأتي بإرادته لا يبدو كمن نجا من الموت.

خفض ريو عينيه. صوته أصبح أخفض، كأن الكلمات نفسها تؤلمه:

ظل ريو صامتاً. عيناه تحركتا نحو النافذة مرة أخرى، ثم عادت إليه. قال أخيراً:

نظر ريو إلى السماء طويلاً من خلال النافذة الضيقة. الضوء كان أقوى الآن، يرسم خطوطاً رفيعة على وجهه الشاحب. قال:

— لا أعرف من كان يطاردني.

— لماذا؟

— لكنك تعرف أنه كان يطاردك.

ثم أضاف بعد لحظة، والجملة خرجت كأنها الاعتراف الأخير:

— نعم.

نظر ريو إلى يديه مرة أخرى. قال بصوت منخفض جداً:

— كيف؟

كان رين وكايو يقفان أمام البيت. على الأرض، قرب المكان الذي وُجد فيه ريو بالأمس، كانت هناك شجرة يابسة. لكنها لم تكن كما كانت. جذعها انشق من المنتصف. لم يكن الانشقاق كسراً عادياً ناتجاً عن الريح أو الزمن. كان القطع نظيفاً، مستقيماً، كأن شيئاً حاداً مرّ عبرها دون أن يلمسها، دون أن يترك شظايا أو آثار احتكاك. السطح المقطوع كان أملس كأنه صُقل.

خفض ريو عينيه. صوته أصبح أخفض، كأن الكلمات نفسها تؤلمه:

ابتسم ريو ابتسامة خافتة هذه المرة، كأنها الاعتراف الأخير قبل التعب. قال:

— حين يطاردك شيء لا تستطيع رؤيته، يصبح السؤال عن ماهيته أقل أهمية من السؤال عن سبب مطاردته لك.

تغيرت ملامح ريو قليلاً. الجفون ارتفعت أكثر، والشفاه انقبضت للحظة. قال:

قال آزر، والجملة خرجت بثبات:

لم يجد آزر ما يقوله. فأكمل ريو، وصوته أصبح أهدأ:

— وأنا أريد أن أعرف السبب.

مع طلوع الفجر خرج من منزله. كانت القرية لا تزال غارقة في سكونها العميق، والشوارع الترابية خالية إلا من بعض الكلاب النائمة عند عتبات البيوت. الدخان الخفيف يتصاعد ببطء من بعض المداخن، فيلتوي مع نسيم الصباح البارد ثم يتلاشى في الهواء الرمادي. ضوء الصباح كان يتسلل ببطء بين البيوت الحجرية والطينية، يرسم ظلالاً طويلة على الأرض، ويجعل حواف الأسطح تلمع بلون فضي باهت. سمع آزر صوت ديك بعيد يصرخ مرة واحدة ثم يسكت، وكأنه يختبر إن كان العالم قد استيقظ حقاً.

— سبب ماذا؟

— وكيف أعرف أنني مستعد؟

— الموت.

— آزر.

رفع ريو عينيه إليه. للحظة بدا وكأنه نسي جراحه كلها، ونسي الألم في صدره، ونسي الغرفة المظلمة. قال:

— لأنك إذا بدأت السؤال عن كل شيء… فلن تستطيع التوقف.

— الموت؟

— الموت؟

— الجميع يقول إنه طبيعة الحياة.

اقترب آزر. مد يده نحو الجذع. كان سطح القطع بارداً، أبرد من الخشب العادي في هذا الوقت من الصباح. وفي وسطه ظهرت علامة صغيرة. دائرة سوداء لا يزيد قطرها على طرف الإصبع. حدق آزر فيها. لم يعرف لماذا، لكنه شعر أنها ليست علامة تركها إنسان. ليست محفورة بأداة، ولا محروقة بنار عادية. كانت كأنها نمت من داخل الخشب نفسه.

— وهذا صحيح.

نظر ريو إلى السماء طويلاً من خلال النافذة الضيقة. الضوء كان أقوى الآن، يرسم خطوطاً رفيعة على وجهه الشاحب. قال:

— كيف عرفت؟

— قلت: «وجدني… السماء».

سكت ريو. لم يجب هذه المرة. قال آزر، وبدأ يتكلم ببطء، كأنما يرتب الأفكار وهو يقولها:

زفر رين زفرة طويلة، كأن الهواء الذي في صدره أصبح ثقيلاً فجأة. قال:

— يولد الإنسان، يكبر، ثم يموت. ولأن هذا يحدث أمامنا كل يوم، سميناه طبيعة. لا مشكلة في ذلك. لكن تكرار الشيء لا يثبت أنه حق. قد يكون الشيء متكرراً لأنه قانون. وقد يكون متكرراً لأننا لم نرَ يوما ما يخالفه ..

— كيف ماتوا؟

ثبتت عينا ريو عليه . ثم قال :

لم يجب رين. أما ريو، الذي خرج متكئاً على الباب، فقد رفع عينيه إلى العلامة. وبدا على وجهه شيء لم يره آزر من قبل. ليس خوفاً. بل يقيناً ثقيلاً، كأنه رأى ما كان ينتظره منذ البداية. همس ريو، والصوت كان خافتاً جداً لكنه وصل إلى آذان الجميع:

— ومن أخبرك بهذا؟

— لا أحد.

— لا أحد.

اقترب آزر. مد يده نحو الجذع. كان سطح القطع بارداً، أبرد من الخشب العادي في هذا الوقت من الصباح. وفي وسطه ظهرت علامة صغيرة. دائرة سوداء لا يزيد قطرها على طرف الإصبع. حدق آزر فيها. لم يعرف لماذا، لكنه شعر أنها ليست علامة تركها إنسان. ليست محفورة بأداة، ولا محروقة بنار عادية. كانت كأنها نمت من داخل الخشب نفسه.

— إذن لماذا تصر على الشك؟

زفر رين زفرة طويلة، كأن الهواء الذي في صدره أصبح ثقيلاً فجأة. قال:

أجاب آزر، والجملة خرجت كاملة هذه المرة:

حفظ آزر الاسم في ذهنه. «ريو». ثم قال، والجملة خرجت ثقيلة قليلاً:

— لأنني لا أريد أن أعيش عمراً كاملاً داخل جوابٍ لم أختره.

نظر ريو إلى عينيه. في النظرة شيء من التحذير الحقيقي، لا من الخوف فقط. قال:

للمرة الأولى تغيرت نظرة ريو إليه. لم تعد نظرة رجل جريح ينظر إلى صبي فضولي. أصبحت نظرة رجل يرى أمامه شيئاً لم يتوقعه. قال بهدوء:

— لا أعرف.

— هذه ليست طريقة طفل في التفكير.

سكت آزر. الغرفة كانت باردة أكثر مما تبدو، ورائحة الأدوية العشبية المختلطة برائحة الدم الجاف ملأته أنفه. ثم سأل، والجملة جاءت مباشرة:

— أنا لم أقل إنني أفكر كطفل.

نظر آزر إلى السماء من مكانه. الزرقة كانت نقية، لا غيم فيها، ولا طائر يعبر. ثم سأل:

ابتسم ريو رغم تعبه. ثم سعل سعالاً جافاً طويلاً، ووضع يده على صدره. انتظر آزر حتى هدأ التنفس، وحتى عادت اليد المرتجفة إلى جانب الجسد. ثم قال:

— وكيف؟

— هل كنت قوياً؟

— كنت في مكان لا يوجد فيه أحد. لا أصوات. لا رياح. لا أثر لحيوان، ولا إنسان.

سكت ريو قليلاً. عيناه نظرتا إلى يديه اللتين كانتا ترتعشان خفيفاً فوق البطانية. قال:

سكت ريو. لم يجب هذه المرة. قال آزر، وبدأ يتكلم ببطء، كأنما يرتب الأفكار وهو يقولها:

— كنت أظن ذلك.

— والبعض الآخر؟

— والآن؟

— نعم.

— الآن أعرف أن القوة لا تمنحك ما تظنه.

لم ينم آزر تلك الليلة. استلقى على ظهره في الظلام الكثيف الذي ملأ الغرفة الصغيرة، جسده ساكن إلى الحد الذي يجعل أي عابر يظنه نائماً، غير أن عينيه ظلتا مفتوحتين تحدقان في السقف الخشبي الذي لا يُرى. كان الهواء ثقيلاً وباردًا بعض الشيء، يحمل رائحة التبن الجاف والخشب القديم المختلط برائحة الدخان البعيدة القادمة من المداخن. لم يكن هناك صوت سوى تنفسه البطيء، وخفقة قلبه التي بدت له أعلى من المعتاد في الصمت المطبق.

— ماذا تمنحك؟

— وماتوا؟

نظر ريو إلى يديه مرة أخرى. قال بصوت منخفض جداً:

— لا.

— فرصةً أطول لتكتشف كم أنت عاجز.

— كيف ماتوا؟

لم يجب آزر. اكتفى بأن جلس على حافة مقعد خشبي قديم بالقرب من الفراش، وانتظر. تابع ريو بعد لحظة، وكأن الكلمات كانت مكبوتة فيه منذ زمن طويل:

نظر رين إلى آزر نظرة ثقيلة، ثم قال بصوت خشن منخفض:

— في البداية ظننت أن الطريق واضح. كلما أصبحت أقوى، أصبح الموت أبعد.

— ماذا؟

— وهل أصبح أبعد؟

أجابه آزر بهدوء لم يتغير:

— نعم.

— لماذا؟

رفع ريو عينيه. فيهما شيء يشبه الاعتراف الثقيل:

— كيف عرفت أن أحداً كان يطاردني؟

— لكنه لم يختفِ.

— لماذا؟

قال آزر:

— إذن لا تتصرف كأنك تعرف أكثر منا.

— وماذا عن الذين كانوا أقوى منك؟

أجاب ريو:

سكت ريو لحظة طويلة. ثم قال، والجملة خرجت بطيئة:

رفع ريو عينيه. فيهما شيء يشبه الاعتراف الثقيل:

— رأيت رجالاً كنت أظن أن العالم نفسه لا يستطيع إيذاءهم.

ثم أفلت يده. خرج آزر.

— وماتوا؟

— كل شيء. فالشيء الذي نراه كل يوم يصبح مألوفاً، وما يصبح مألوفاً يتوقف الإنسان عن السؤال عنه. وهذه أخطر أنواع الجهل.

— نعم.

— صحيح.

— جميعهم؟

— من ماذا؟

— جميعهم.

— لأنك لا تسأل كيف تتجاوز الشيء. أنت تسأل أولاً لماذا وُجد.

ظل آزر صامتاً. في رأسه صورة رجال أقوياء يسقطون واحداً تلو الآخر، لا يدري كيف. ثم سأل:

كانت الإجابة سريعة، حاسمة، بلا تردد. قال آزر:

— كيف ماتوا؟

— رأيت أثره.

أجاب ريو:

تبادل رين وكايو نظرة قصيرة صامتة. في تلك النظرة شيء من الاندهاش المختلط بالانزعاج، كأن الصبي قال شيئاً لا ينبغي أن يقوله أحد في هذا المكان. ثم فتح رين الباب ببطء، وصوت المفصلات الصدئة امتد في الهواء كأنه تنهيدة قديمة. قال بصوت خفيض:

— بعضهم قتلهم أعداؤهم.

اختفت بقية الكلمات من وجه ريو. لم يجب. اكتفى بأن نظر إلى السقف لحظة، ثم إلى النافذة، كأنما يبحث عن شيء في الضوء الباهت. قال آزر بهدوء:

— والبعض الآخر؟

تبادل رين وكايو نظرة قصيرة صامتة. في تلك النظرة شيء من الاندهاش المختلط بالانزعاج، كأن الصبي قال شيئاً لا ينبغي أن يقوله أحد في هذا المكان. ثم فتح رين الباب ببطء، وصوت المفصلات الصدئة امتد في الهواء كأنه تنهيدة قديمة. قال بصوت خفيض:

— قتلته السماء

نظر ريو إلى يديه مرة أخرى. قال بصوت منخفض جداً:

سكت آزر. الجملة علقت في الهواء كأنها شيء مادي يمكن لمسه. ثم قال، والجملة خرجت شبه همس:

— أحياناً يكون معرفةً جاءت متأخرة.

— السماء لا تقتل.

— لا.

نظر إليه ريو طويلاً. في عينيه شيء يشبه الحزن المختلط باليقين. قال:

— حين تعرف أنك قد تندم على معرفته… ثم تسأل رغم ذلك.

— كنت أقول ذلك أيضاً.

— راقب.

— وما الذي غير رأيك؟

— رين!

— رأيت ما يكفي لأتوقف عن الثقة بما أظنه.

حدّق ريو فيه. لحظة طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط. قال:

كانت الجملة بسيطة، لكنها بقيت معلقة في المكان. قال آزر:

ابتسم ريو ابتسامة خافتة هذه المرة، كأنها الاعتراف الأخير قبل التعب. قال:

— ماذا رأيت؟

لم يجب آزر. اكتفى بأن جلس على حافة مقعد خشبي قديم بالقرب من الفراش، وانتظر. تابع ريو بعد لحظة، وكأن الكلمات كانت مكبوتة فيه منذ زمن طويل:

تنفس ريو ببطء. صدره ارتفع وانخفض بصعوبة. قال:

نظر ريو إلى السماء طويلاً من خلال النافذة الضيقة. الضوء كان أقوى الآن، يرسم خطوطاً رفيعة على وجهه الشاحب. قال:

— رأيت أناساً بلغوا من القوة ما جعل الآخرين يظنون أنهم تجاوزوا حدود البشر. ثم اكتشفوا أن البشر ليسوا الشيء الوحيد الذي له حدود.

— ماذا تمنحك؟

اقترب آزر قليلاً. صوت خطواته على الأرض الخشبية كان خافتاً. قال:

— لأنك لا تسأل كيف تتجاوز الشيء. أنت تسأل أولاً لماذا وُجد.

— ما الذي كان بعد تلك الحدود؟

— إذا ماتوا لأنهم حاولوا معرفة الجواب، فهذا يعني أن الجواب موجود. وإلا لما كان هناك ما يخشونه.

هز ريو رأسه. الحركة كانت بطيئة ومؤلمة:

— وكيف عرفت ذلك؟

— لا أعرف.

ظل آزر ينظر إليه. لم يتحرك. ثم قال، والجملة خرجت منطقية وقاسية في آن، بعد أن سمع ما يكفي ليصل إلى استنتاجه بنفسه:

— لكنك رأيته.

قال ريو، والجملة خرجت كأنها درس قديم يُعاد:

— رأيت أثره.

قال آزر، والجملة خرجت بثبات:

— وما الفرق؟

نظر إليه ريو طويلاً. في عينيه شيء يشبه الحزن المختلط باليقين. قال:

قال ريو، والجملة خرجت كأنها درس قديم يُعاد:

ثم قال، والجملة خرجت أبطأ:

— الفرق بين أن ترى الشيء وأن ترى أثره هو الفرق بين أن تعرف وجود السكين وأن تعرف يد من تمسكها.

— كيف عرفت؟

ساد الصمت. خارج الغرفة سمع آزر صوت خطوات خفيفة، ربما كايو يتحرك في الفناء. ثم تابع ريو:

توجه نحو البيت الذي نُقل إليه الغريب. خطواته كانت هادئة على التراب الرطب من ندى الليل، وكل خطوة تترك أثراً خفيفاً يمحوه النسيم بعد قليل. لم يكن ينتظر أن يمنحه أحد جواباً جاهزاً. كان يعرف منذ زمن أن الإجابات الحقيقية لا تُعطى، بل تُنتزع. وكل ما يعتمد عليه في هذا الطريق هو نفسه وحده.

— كلما اقترب أولئك الرجال من ذلك الحد، حدث شيء لا أفهمه. كأن العالم نفسه يبدأ في رفض وجودهم. أجسادهم تضعف رغم قوتها. أرواحهم تضطرب. بعضهم فقد أشياء لم يكن ينبغي أن يفقدها. وبعضهم…

— بعضهم قتلهم أعداؤهم.

توقف. السعال عاد للحظة قصيرة ثم هدأ. قال آزر:

— لا أعرف.

— بعضهم ماذا؟

— من أنت؟

— اختفى.

— كيف لا تعرف؟

— مات؟

— ومن أخبرك بهذا؟

— لا أعرف.

سكت آزر. كانت تلك أول مرة يسمع فيها جملة كهذه. في رأسه بدأت الأفكار تتشابك: الموت، المجهول، الحدود، السماء. قال ريو بعد لحظة، وكأنما يكمل فكرة واحدة طويلة خرجت بعد أن مرّ بكل ما مرّ به:

قال آزر:

قال آزر:

— إذن لماذا تقول إنهم ماتوا؟

رفع ريو عينيه. فيهما شيء يشبه الاعتراف الثقيل:

نظر ريو إليه. ثم قال، والجملة كانت ثقيلة كحجر:

— لا تلمسها.

— لأننا نحتاج إلى كلمة للمجهول.

نظر ريو إلى السماء طويلاً من خلال النافذة الضيقة. الضوء كان أقوى الآن، يرسم خطوطاً رفيعة على وجهه الشاحب. قال:

سكت آزر. كانت تلك أول مرة يسمع فيها جملة كهذه. في رأسه بدأت الأفكار تتشابك: الموت، المجهول، الحدود، السماء. قال ريو بعد لحظة، وكأنما يكمل فكرة واحدة طويلة خرجت بعد أن مرّ بكل ما مرّ به:

— ماذا يكون إذن؟

— الإنسان لا يحب الفراغ. فإذا وجد شيئاً لا يفهمه، أعطاه اسماً. وإذا تكرر أمامه، أعطاه قانوناً. وإذا خافه، سماه قدراً.

— لكنني أعرف أنكم لا تعرفون.

خفض آزر عينيه. الكلمات كانت تتردد في أذنيه كصدى. ثم سأل، والجملة خرجت هادئة لكنها حادة:

— إذن لماذا تصر على الشك؟

— ومن وضع ذلك الحد؟

سكت آزر. كانت تلك أول مرة يسمع فيها جملة كهذه. في رأسه بدأت الأفكار تتشابك: الموت، المجهول، الحدود، السماء. قال ريو بعد لحظة، وكأنما يكمل فكرة واحدة طويلة خرجت بعد أن مرّ بكل ما مرّ به:

تغير وجه ريو. هذه المرة لم تكن الإجابة تأخراً. كان خوفاً حقيقياً، ظاهراً في اتساع العينين قليلاً وفي انقباض الفك. قال:

— نعم.

— هذا هو السؤال الذي قتل من حاول الإجابة عنه.

— إذا ماتوا لأنهم حاولوا معرفة الجواب، فهذا يعني أن الجواب موجود. وإلا لما كان هناك ما يخشونه.

ظل آزر ينظر إليه. لم يتحرك. ثم قال، والجملة خرجت منطقية وقاسية في آن، بعد أن سمع ما يكفي ليصل إلى استنتاجه بنفسه:

— بعضهم ماذا؟

— إذا ماتوا لأنهم حاولوا معرفة الجواب، فهذا يعني أن الجواب موجود. وإلا لما كان هناك ما يخشونه.

لم يجب ريو. تابع آزر:

أجاب ريو:

— أنت تفكر بطريقة خطرة.

نظر آزر إلى السماء من مكانه. الزرقة كانت نقية، لا غيم فيها، ولا طائر يعبر. ثم سأل:

— لماذا؟

دخل آزر. الغرفة كانت شبه مظلمة رغم أن الشمس بدأت تشرق خارجاً، والنوافذ الصغيرة المغطاة بستائر بالية لا تسمح إلا بخيوط رفيعة من الضوء. كان الغريب مستلقياً على فراش بسيط من القش المغطى ببطانية خشنة، وقد بدا أضعف بكثير مما كان عليه في الليلة السابقة. رجل في منتصف الثلاثينيات، طويل القامة، عريض الكتفين، قوي البنية رغم الهزال الذي أثقل جسده وجعل عظامه بارزة تحت الجلد الشاحب. شعره الأسود الطويل متشابك وساقط حول وجهه، وعلى عنقه وذراعيه ندوب قديمة متفرقة، بعضها عميق بما يكفي ليخبر عن حياة لم تكن هادئة قط.

ابتسم ريو ابتسامة خافتة هذه المرة، كأنها الاعتراف الأخير قبل التعب. قال:

— كلما اقترب أولئك الرجال من ذلك الحد، حدث شيء لا أفهمه. كأن العالم نفسه يبدأ في رفض وجودهم. أجسادهم تضعف رغم قوتها. أرواحهم تضطرب. بعضهم فقد أشياء لم يكن ينبغي أن يفقدها. وبعضهم…

— لأنك لا تسأل كيف تتجاوز الشيء. أنت تسأل أولاً لماذا وُجد.

سكت آزر. الجملة علقت في الهواء كأنها شيء مادي يمكن لمسه. ثم قال، والجملة خرجت شبه همس:

لم يجد آزر ما يقوله. فأكمل ريو، وصوته أصبح أهدأ:

قال ريو، والجملة خرجت كأنها درس قديم يُعاد:

— لهذا قلت لك: لا تبدأ بالقوة.

— قلت: «وجدني… السماء».

— وبماذا أبدأ؟

نظر ريو إلى السماء من خلال النافذة. كانت صافية. هادئة. لا شيء فيها سوى زرقة واسعة لا نهاية ظاهرة لها. قال:

لم يجب ريو. تابع آزر:

— ابدأ بأن تتعلم كيف تفرق بين القانون والعادة.

— لأن المكان لم يكن يشبه أي مكان عرفته.

— وكيف؟

— اسمك أولاً.

— راقب.

— ومن أخبرك بهذا؟

— ماذا؟

— لكنني أعرف شيئاً واحداً. حين وصلت إلى هنا، أدركت أنني لم أكن أهرب من شيء. كنت أهرب من أن يُعثر عليّ.

ثم أضاف، والجملة خرجت كأنها نصيحة أخيرة خرجت بعد كل ما عاناه:

— وما الفرق؟

— كل شيء. فالشيء الذي نراه كل يوم يصبح مألوفاً، وما يصبح مألوفاً يتوقف الإنسان عن السؤال عنه. وهذه أخطر أنواع الجهل.

— وهذا صحيح.

نظر آزر إلى السماء من مكانه. الزرقة كانت نقية، لا غيم فيها، ولا طائر يعبر. ثم سأل:

للمرة الأولى تغيرت نظرة ريو إليه. لم تعد نظرة رجل جريح ينظر إلى صبي فضولي. أصبحت نظرة رجل يرى أمامه شيئاً لم يتوقعه. قال بهدوء:

— ماذا رأيت هناك؟

— كيف عرفت أن أحداً كان يطاردني؟

لم يجب ريو. عاد الصمت. حتى ظن آزر أن الرجل لن يتكلم مرة أخرى. ثم قال ريو، وصوته أصبح أخفض من قبل، كأن الكلمات تأتي من مكان بعيد داخل صدره:

— كنت في مكان لا يوجد فيه أحد. لا أصوات. لا رياح. لا أثر لحيوان، ولا إنسان.

— كنت في مكان لا يوجد فيه أحد. لا أصوات. لا رياح. لا أثر لحيوان، ولا إنسان.

نظر ريو إلى السماء طويلاً من خلال النافذة الضيقة. الضوء كان أقوى الآن، يرسم خطوطاً رفيعة على وجهه الشاحب. قال:

— وأين كنت؟

لم يجب رين. أما ريو، الذي خرج متكئاً على الباب، فقد رفع عينيه إلى العلامة. وبدا على وجهه شيء لم يره آزر من قبل. ليس خوفاً. بل يقيناً ثقيلاً، كأنه رأى ما كان ينتظره منذ البداية. همس ريو، والصوت كان خافتاً جداً لكنه وصل إلى آذان الجميع:

— لا أعرف.

تغيرت ملامح ريو قليلاً. الجفون ارتفعت أكثر، والشفاه انقبضت للحظة. قال:

— كيف لا تعرف؟

تبادل رين وكايو نظرة قصيرة صامتة. في تلك النظرة شيء من الاندهاش المختلط بالانزعاج، كأن الصبي قال شيئاً لا ينبغي أن يقوله أحد في هذا المكان. ثم فتح رين الباب ببطء، وصوت المفصلات الصدئة امتد في الهواء كأنه تنهيدة قديمة. قال بصوت خفيض:

— لأن المكان لم يكن يشبه أي مكان عرفته.

قال آزر:

نظر ريو إلى السماء طويلاً من خلال النافذة الضيقة. الضوء كان أقوى الآن، يرسم خطوطاً رفيعة على وجهه الشاحب. قال:

أجاب ريو:

— في البداية ظننت أنني وحدي.

— وماذا عن الذين كانوا أقوى منك؟

ثم قال، والجملة خرجت أبطأ:

— نعم.

— وبعدها شعرت أن شيئاً ينظر إليّ.

سكت آزر. كانت تلك أول مرة يسمع فيها جملة كهذه. في رأسه بدأت الأفكار تتشابك: الموت، المجهول، الحدود، السماء. قال ريو بعد لحظة، وكأنما يكمل فكرة واحدة طويلة خرجت بعد أن مرّ بكل ما مرّ به:

— من أين؟

— ادخل.

— من فوقي.

— إذن ماذا قصدت؟

— من السماء؟

— هذه ليست طريقة طفل في التفكير.

أغمض ريو عينيه. لحظة طويلة. ثم فتحهما. قال:

دخل آزر. الغرفة كانت شبه مظلمة رغم أن الشمس بدأت تشرق خارجاً، والنوافذ الصغيرة المغطاة بستائر بالية لا تسمح إلا بخيوط رفيعة من الضوء. كان الغريب مستلقياً على فراش بسيط من القش المغطى ببطانية خشنة، وقد بدا أضعف بكثير مما كان عليه في الليلة السابقة. رجل في منتصف الثلاثينيات، طويل القامة، عريض الكتفين، قوي البنية رغم الهزال الذي أثقل جسده وجعل عظامه بارزة تحت الجلد الشاحب. شعره الأسود الطويل متشابك وساقط حول وجهه، وعلى عنقه وذراعيه ندوب قديمة متفرقة، بعضها عميق بما يكفي ليخبر عن حياة لم تكن هادئة قط.

— في البداية نعم. ثم لم يعد هناك فرق بين السماء وما حولي.

نظر آزر إلى السماء. ثم إلى العلامة. ثم إلى ريو. وسأل، والجملة خرجت شبه همس:

بقي آزر ساكناً. في رأسه صورة مكان بلا صوت ولا ريح، وشيء ينظر من فوق. قال ريو:

سكت آزر. كانت تلك أول مرة يسمع فيها جملة كهذه. في رأسه بدأت الأفكار تتشابك: الموت، المجهول، الحدود، السماء. قال ريو بعد لحظة، وكأنما يكمل فكرة واحدة طويلة خرجت بعد أن مرّ بكل ما مرّ به:

— ركضت.

— لأن المكان لم يكن يشبه أي مكان عرفته.

— إلى أين؟

— راقب.

— لا أعرف.

— إلى أين؟

— ولماذا؟

اختفت بقية الكلمات من وجه ريو. لم يجب. اكتفى بأن نظر إلى السقف لحظة، ثم إلى النافذة، كأنما يبحث عن شيء في الضوء الباهت. قال آزر بهدوء:

— لأنني أدركت أنني إذا بقيت… فلن أخرج.

— لكنني أعرف شيئاً واحداً. حين وصلت إلى هنا، أدركت أنني لم أكن أهرب من شيء. كنت أهرب من أن يُعثر عليّ.

— من ماذا؟

— رأيت رجالاً كنت أظن أن العالم نفسه لا يستطيع إيذاءهم.

نظر ريو إلى آزر. وفي عينيه عاد ذلك الخوف القديم، الخوف الذي ليس من الموت بل من شيء أقدم وأعمق. قال:

— ماذا؟

— من شيء لم أره قط.

أجاب ريو:

سأل آزر:

— من السماء؟

— وكيف هربت؟

خفض ريو عينيه. صوته أصبح أخفض، كأن الكلمات نفسها تؤلمه:

أجاب ريو:

— اختفى.

— لا أعرف.

— بعضهم ماذا؟

ثم أضاف بعد لحظة، والجملة خرجت كأنها الاعتراف الأخير:

— لا أعرف.

— لكنني أعرف شيئاً واحداً. حين وصلت إلى هنا، أدركت أنني لم أكن أهرب من شيء. كنت أهرب من أن يُعثر عليّ.

نظر ريو إلى السماء من خلال النافذة. كانت صافية. هادئة. لا شيء فيها سوى زرقة واسعة لا نهاية ظاهرة لها. قال:

في اللحظة نفسها انفتح باب الغرفة بعنف. صوت المفصلات صرخ في الهواء، والضوء الخارجي دخل فجأة. كان كايو يقف عند المدخل، ووجهه شاحب، وعيناه واسعتان كأنه رأى شيئاً لا يُصدق. صاح:

بقي آزر ساكناً. في رأسه صورة مكان بلا صوت ولا ريح، وشيء ينظر من فوق. قال ريو:

— رين!

— لماذا؟

التفت الجميع إليه. قال كايو، وصوته مرتجف قليلاً:

ظل آزر صامتاً. في رأسه صورة رجال أقوياء يسقطون واحداً تلو الآخر، لا يدري كيف. ثم سأل:

— تعال بسرعة.

لم يجب ريو. عاد الصمت. حتى ظن آزر أن الرجل لن يتكلم مرة أخرى. ثم قال ريو، وصوته أصبح أخفض من قبل، كأن الكلمات تأتي من مكان بعيد داخل صدره:

خرج رين فوراً. نهض آزر خلفه، لكن ريو أمسك معصمه. كانت قبضة الرجل ضعيفة، واهنة، ومع ذلك شعر آزر بشيء غريب. دفء خافت. كأن شيئاً يتحرك تحت جلد ريو، نبضة غريبة ليست من الدم العادي. نظر آزر إلى يده، ثم إلى ريو. تركه الرجل فوراً. قال بصوت منخفض جداً:

هز ريو رأسه. الحركة كانت بطيئة ومؤلمة:

— لا تسأل.

حدّق ريو فيه. لحظة طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط. قال:

— لماذا؟

ثبتت عينا ريو عليه . ثم قال :

نظر ريو إلى عينيه. في النظرة شيء من التحذير الحقيقي، لا من الخوف فقط. قال:

— أنت طفل يا آزر.

— لأنك إذا بدأت السؤال عن كل شيء… فلن تستطيع التوقف.

— نعم.

ثم أفلت يده. خرج آزر.

كانت الجملة بسيطة، لكنها بقيت معلقة في المكان. قال آزر:

كان رين وكايو يقفان أمام البيت. على الأرض، قرب المكان الذي وُجد فيه ريو بالأمس، كانت هناك شجرة يابسة. لكنها لم تكن كما كانت. جذعها انشق من المنتصف. لم يكن الانشقاق كسراً عادياً ناتجاً عن الريح أو الزمن. كان القطع نظيفاً، مستقيماً، كأن شيئاً حاداً مرّ عبرها دون أن يلمسها، دون أن يترك شظايا أو آثار احتكاك. السطح المقطوع كان أملس كأنه صُقل.

ظل الرجل ينظر إليه لحظات، كأنما يزن الاسم في رأسه، ثم قال:

اقترب آزر. مد يده نحو الجذع. كان سطح القطع بارداً، أبرد من الخشب العادي في هذا الوقت من الصباح. وفي وسطه ظهرت علامة صغيرة. دائرة سوداء لا يزيد قطرها على طرف الإصبع. حدق آزر فيها. لم يعرف لماذا، لكنه شعر أنها ليست علامة تركها إنسان. ليست محفورة بأداة، ولا محروقة بنار عادية. كانت كأنها نمت من داخل الخشب نفسه.

ظل ريو صامتاً. عيناه تحركتا نحو النافذة مرة أخرى، ثم عادت إليه. قال أخيراً:

رفع رأسه. السماء فوقه كانت صافية. لا غيوم. لا طيور. لا شيء. فقط زرقة واسعة ساكنة كأنها تنتظر. قال رين بصوت خشن:

— وكيف عرفت ذلك؟

— لا تلمسها.

— أنا لا أعرف أكثر منكم.

توقف آزر. يده كانت لا تزال قريبة من العلامة. قال:

كانت الإجابة سريعة، حاسمة، بلا تردد. قال آزر:

— لماذا؟

— ومن أخبرك بهذا؟

لم يجب رين. أما ريو، الذي خرج متكئاً على الباب، فقد رفع عينيه إلى العلامة. وبدا على وجهه شيء لم يره آزر من قبل. ليس خوفاً. بل يقيناً ثقيلاً، كأنه رأى ما كان ينتظره منذ البداية. همس ريو، والصوت كان خافتاً جداً لكنه وصل إلى آذان الجميع:

زفر رين زفرة طويلة، كأن الهواء الذي في صدره أصبح ثقيلاً فجأة. قال:

— وجدني مرة أخرى.

اقترب آزر. مد يده نحو الجذع. كان سطح القطع بارداً، أبرد من الخشب العادي في هذا الوقت من الصباح. وفي وسطه ظهرت علامة صغيرة. دائرة سوداء لا يزيد قطرها على طرف الإصبع. حدق آزر فيها. لم يعرف لماذا، لكنه شعر أنها ليست علامة تركها إنسان. ليست محفورة بأداة، ولا محروقة بنار عادية. كانت كأنها نمت من داخل الخشب نفسه.

نظر آزر إلى السماء. ثم إلى العلامة. ثم إلى ريو. وسأل، والجملة خرجت شبه همس:

— ماذا تمنحك؟

— من؟

— من ماذا؟

لم يجب أحد. وظلت السماء صامتة. لكن آزر، للمرة الأولى، لم ينظر إليها باعتبارها شيئاً فوق رأسه. بل باعتبارها شيئاً قد يكون ينظر إليه. وفي تلك اللحظة أدرك أن بعض الأسئلة لا تفتح أبواباً إلى الحقيقة.
.بل تجعل الحقيقة تلتفت إليك..

— لهذا قلت لك: لا تبدأ بالقوة.

نظر آزر إلى السماء من مكانه. الزرقة كانت نقية، لا غيم فيها، ولا طائر يعبر. ثم سأل:

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط