الرجل الذي رأي السماء
لم ينم آزر تلك الليلة.
— ومن وضع ذلك الحد؟
استلقى على ظهره في الظلام الكثيف الذي ملأ الغرفة الصغيرة، جسده ساكن إلى الحد الذي يجعل أي عابر يظنه نائماً، غير أن عينيه ظلتا مفتوحتين تحدقان في السقف الخشبي الذي لا يُرى. كان الهواء ثقيلاً وباردًا بعض الشيء، يحمل رائحة التبن الجاف والخشب القديم المختلط برائحة الدخان البعيدة القادمة من المداخن.
التفت إليه ريو، وعيناه هذه المرة كانتا أكثر حدة، رغم التعب الواضح فيهما. قال:
لم يكن هناك صوت سوى تنفسه البطيء، وخفقة قلبه التي بدت له أعلى من المعتاد في الصمت المطبق.
توقف، والسعال عاد للحظة قصيرة ثم هدأ. قال آزر:
لم يستطع إخراج الكلمات من رأسه، وكانت تدور فيه كأنها حلقة مغلقة لا مخرج منها: «وجدني… السماء».
— إذا ماتوا لأنهم حاولوا معرفة الجواب، فهذا يعني أن الجواب موجود، وإلا لما كان هناك ما يخشونه.
ما الذي يعنيه رجل أن تقول السماء إنها وجدته؟ لو كان الرجل يهذي من شدة الجراح والتعب، فلماذا اختار السماء تحديداً؟ ولو كان واعياً تماماً بما يقول، فما الذي يمكن أن يراه إنسان حتى يخشاه إلى ذلك الحد الذي يجعل صوته يرتجف وهو ينطق بتلك الجملة؟
— لا أحد.
تقلب آزر على فراشه، فصرير الحشائش الجافة تحته كسر الصمت لحظة ثم عاد كل شيء إلى سكونه.
— جميعهم.
كان أهل القرية يقولون إن الإنسان يخاف حين يجهل ما ينتظره، خلف الباب، أو وراء التل ، أو تحت السماء نفسها، أما هو فلم يكن يخاف الجهل، كان يكره أن يُطلب منه أن يقبله جواباً نهائياً ويغلق عليه فمه.
كان أهل القرية يقولون إن الإنسان يخاف حين يجهل ما ينتظره، خلف الباب، أو وراء التل ، أو تحت السماء نفسها، أما هو فلم يكن يخاف الجهل، كان يكره أن يُطلب منه أن يقبله جواباً نهائياً ويغلق عليه فمه.
وفي تلك الليلة الطويلة أدرك شيئاً بسيطاً وقاسياً في آن: أن تقول «لا أعلم» أصدق من أن تخترع جواباً يُرضي الآخرين، ويُسكت أسئلتك، لكن أن تقول «لا جواب لهذا السؤال»… فذلك شيء آخر تماماً.
— إذا ماتوا لأنهم حاولوا معرفة الجواب، فهذا يعني أن الجواب موجود، وإلا لما كان هناك ما يخشونه.
شيء يشبه الاعتراف بأن العالم أكبر من أن يُحاط به، وأن من يريد الحقيقة قد يضطر إلى السير في طرق لا يختارها أحد غيره.
— نعم.
ومع طلوع الفجر خرج من منزله.
ظل آزر ينظر إليه، ولم يتحرك. ثم قال، والجملة خرجت منطقية وقاسية في آن، بعد أن سمع ما يكفي ليصل إلى استنتاجه بنفسه:
كانت القرية لا تزال غارقة في سكونها العميق، والشوارع الترابية خالية إلا من بعض الكلاب النائمة عند عتبات البيوت.
— سبب ماذا؟
الدخان الخفيف يتصاعد ببطء من بعض المداخن، فيلتوي مع نسيم الصباح البارد ثم يتلاشى في الهواء الرمادي، ضوء الصباح كان يتسلل ببطء بين البيوت الحجرية والطينية، يرسم ظلالاً طويلة على الأرض، ويجعل حواف الأسطح تلمع بلون فضي باهت. سمع آزر صوت ديك بعيد يصرخ مرة واحدة ثم يصمت، وكأنه يختبر إن كان العالم قد استيقظ حقاً.
— وكيف؟
توجه نحو البيت الذي نُقل إليه الغريب.
ثم أضاف، والجملة خرجت كأنها نصيحة أخيرة خرجت بعد كل ما عاناه:
خطواته كانت هادئة على التراب الرطب من ندى الليل، وكل خطوة تترك أثراً خفيفاً يمحوه النسيم بعد قليل.
لم يكن ينتظر أن يمنحه أحد جواباً جاهزاً، كان يعرف منذ زمن أن الإجابات الحقيقية لا تُعطى، بل تُنتزع.
ابتسم ريو ابتسامة واهنة، كأنها كلفته جهداً. قال:
وكل ما يعتمد عليه في هذا الطريق هو نفسه وحده.
— اسمك أولاً.
كان رين واقفاً عند الباب.
رجل في أواخر الأربعينيات، عريض الكتفين، قوي البنية، بوجه مستدير خشن لوحته الشمس والعمل الطويل تحت السماء المفتوحة، شعره الأسود تتخلل خيوط رمادية عند الصدغين، وعيناه متعبتان على الدوام، وكأن النوم لم يعد قادراً على محو ما تراكم فيهما من سنين.
— وبعدها شعرت أن شيئاً ينظر إليّ.
بالقرب منه وقف كايو، شاب في أوائل العشرينيات، طويل نحيل الجسد، قصير الشعر، ضيق الوجه، حاد الفك، كثير الحركة بعينين لا تستقران طويلاً على شيء، كأنهما تبحثان دائماً عن خطر قادم من جهة لا يراها الآخرون.
— من السماء؟
نظر رين إلى آزر نظرة ثقيلة، ثم قال بصوت خشن منخفض:
السطح المقطوع كان أملس كأنه صُقل.
— ما الذي جاء بك؟
وفي تلك اللحظة أدرك أن بعض الأسئلة لا تفتح أبواباً إلى الحقيقة. .بل تجعل الحقيقة تلتفت إليك..
أجاب آزر دون أن يرفع صوته:
— هذه ليست طريقة طفل في التفكير.
— أريد أن أراه.
كان الغريب مستلقياً على فراش بسيط من القش المغطى ببطانية خشنة، وقد بدا أضعف بكثير مما كان عليه في الليلة السابقة. رجل في منتصف الثلاثينيات، طويل القامة، عريض الكتفين، قوي البنية رغم الهزال الذي أثقل جسده وجعل عظامه بارزة تحت الجلد الشاحب، وشعره الأسود الطويل متشابك وساقط حول وجهه، وعلى عنقه وذراعيه ندوب قديمة متفرقة، بعضها عميق بما يكفي ليخبر عن حياة لم تكن هادئة قط.
زفر رين زفرة طويلة، كأن الهواء الذي في صدره أصبح ثقيلاً فجأة، قال:
— وجدني مرة أخرى.
— أنت طفل يا آزر.
وفي تلك الليلة الطويلة أدرك شيئاً بسيطاً وقاسياً في آن: أن تقول «لا أعلم» أصدق من أن تخترع جواباً يُرضي الآخرين، ويُسكت أسئلتك، لكن أن تقول «لا جواب لهذا السؤال»… فذلك شيء آخر تماماً.
— صحيح.
لم يكن فيهما خوف رجل يخشى الموت، كان فيهما خوف رجل رأى شيئاً لا يستطيع تفسيره، شيئاً بقي عالقاً خلف نظراته كظل لا يزول. فتح الغريب عينيه ببطء، وتلاقت عيناه بعيني آزر. لحظة صمت طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط، ثم قال بصوت خافت أجش:
— ولا تعرف شيئاً عن العالم.
السطح المقطوع كان أملس كأنه صُقل.
— صحيح.
— وكيف عرفت ذلك؟
نظر إليه رين بضيق واضح هذه المرة، وتقدمت خطواته قليلاً نحو الباب كأنه يريد أن يغلقه في وجهه، قال:
ثم قال، والجملة خرجت بطيئة:
— إذن لا تتصرف كأنك تعرف أكثر منا.
قال آزر:
أجابه آزر بهدوء لم يتغير:
— الجميع يقول إنه طبيعة الحياة.
— أنا لا أعرف أكثر منكم.
قال آزر:
صمت لحظة، ثم أضاف والجملة خرجت بطيئة وواضحة:
— الجميع يقول إنه طبيعة الحياة.
— لكنني أعرف أنكم لا تعرفون.
ثم أفلت يده، وخرج آزر.
تبادل رين وكايو نظرة قصيرة صامتة، وفي تلك النظرة شيء من الاندهاش المختلط بالانزعاج، كأن الصبي قال شيئاً لا ينبغي أن يقوله أحد في هذا المكان.
— أريد أن أراه.
ثم فتح رين الباب ببطء، وصوت المفصلات الصدئة امتد في الهواء كأنه تنهيدة قديمة.
وقال بصوت خفيض:
— من السماء؟
— ادخل.
— في البداية ظننت أنني وحدي.
دخل آزر، الغرفة كانت شبه مظلمة رغم أن الشمس بدأت تشرق خارجاً، والنوافذ الصغيرة المغطاة بستائر بالية لا تسمح إلا بخيوط رفيعة من الضوء.
نظر آزر إلى يده، ثم إلى ريو. تركه الرجل فوراً، وقال بصوت منخفض جداً:
كان الغريب مستلقياً على فراش بسيط من القش المغطى ببطانية خشنة، وقد بدا أضعف بكثير مما كان عليه في الليلة السابقة.
رجل في منتصف الثلاثينيات، طويل القامة، عريض الكتفين، قوي البنية رغم الهزال الذي أثقل جسده وجعل عظامه بارزة تحت الجلد الشاحب، وشعره الأسود الطويل متشابك وساقط حول وجهه، وعلى عنقه وذراعيه ندوب قديمة متفرقة، بعضها عميق بما يكفي ليخبر عن حياة لم تكن هادئة قط.
اقترب آزر، ومد يده نحو الجذع، كان سطح القطع بارداً، أبرد من الخشب العادي في هذا الوقت من الصباح.
لكن أكثر ما لفت انتباه آزر كان عينيه.
— صحيح.
لم يكن فيهما خوف رجل يخشى الموت، كان فيهما خوف رجل رأى شيئاً لا يستطيع تفسيره، شيئاً بقي عالقاً خلف نظراته كظل لا يزول.
فتح الغريب عينيه ببطء، وتلاقت عيناه بعيني آزر.
لحظة صمت طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط، ثم قال بصوت خافت أجش:
استلقى على ظهره في الظلام الكثيف الذي ملأ الغرفة الصغيرة، جسده ساكن إلى الحد الذي يجعل أي عابر يظنه نائماً، غير أن عينيه ظلتا مفتوحتين تحدقان في السقف الخشبي الذي لا يُرى. كان الهواء ثقيلاً وباردًا بعض الشيء، يحمل رائحة التبن الجاف والخشب القديم المختلط برائحة الدخان البعيدة القادمة من المداخن.
— من أنت؟
— حين تعرف أنك قد تندم على معرفته… ثم تسأل رغم ذلك.
— آزر.
اقترب آزر قليلاً، صوت خطواته على الأرض الخشبية كان خافتاً. قال:
ظل الرجل ينظر إليه لحظات، كأنما يزن الاسم في رأسه، ثم قال:
— الموت؟
— ماذا تريد؟
— ولا تعرف شيئاً عن العالم.
— أن أسألك عن شيء.
— ماذا تريد؟
— وما هو؟
— ابدأ بأن تتعلم كيف تفرق بين القانون والعادة.
— اسمك أولاً.
ابتسم ريو ابتسامة خافتة هذه المرة، وكأنها الاعتراف الأخير قبل التعب. قال:
ساد الصمت، خارج النافذة الصغيرة سمع آزر صوت طائر بعيد يغرد مرة واحدة ثم يصمت.
ثم أجاب الرجل بصوت منخفض:
— نعم.
— ريو.
— أن أسألك عن شيء.
حفظ آزر الاسم في ذهنه. «ريو». ثم قال، والجملة خرجت ثقيلة قليلاً:
— ولا تعرف شيئاً عن العالم.
— بالأمس قلت شيئاً.
قد يكون الشيء متكرراً لأنه قانون، وقد يكون متكرراً لأننا لم نرَ يوما ما يخالفه ..
تغيرت ملامح ريو قليلاً، الجفون ارتفعت أكثر، والشفاه انقبضت للحظة، ثم قال:
— من ماذا؟
— ماذا قلت؟
خطواته كانت هادئة على التراب الرطب من ندى الليل، وكل خطوة تترك أثراً خفيفاً يمحوه النسيم بعد قليل. لم يكن ينتظر أن يمنحه أحد جواباً جاهزاً، كان يعرف منذ زمن أن الإجابات الحقيقية لا تُعطى، بل تُنتزع.
— قلت: «وجدني… السماء».
— لماذا؟
اختفت بقية الكلمات من وجه ريو.
لم يجب، واكتفى بأن نظر إلى السقف لحظة، ثم إلى النافذة، كأنما يبحث عن شيء في الضوء الباهت.
قال آزر بهدوء:
— هذه ليست طريقة طفل في التفكير.
— هل كنت تهذي؟
— والآن؟
— لا.
بل باعتبارها شيئاً قد يكون ينظر إليه.
كانت الإجابة سريعة، حاسمة، بلا تردد.
قال آزر:
لكن أكثر ما لفت انتباه آزر كان عينيه.
— إذن ماذا قصدت؟
ظل آزر صامتاً، وفي رأسه صورة رجال أقوياء يسقطون واحداً تلو الآخر، لا يدري كيف. ثم سأل:
نظر ريو إلى النافذة طويلاً، الضوء الذي يدخل منها كان يرسم خطاً رفيعاً على الجدار المقابل.
كانت القرية لا تزال غارقة في سكونها العميق، والشوارع الترابية خالية إلا من بعض الكلاب النائمة عند عتبات البيوت.
قال بصوت أخفض:
نظر ريو إلى آزر، وفي عينيه عاد ذلك الخوف القديم، الخوف الذي ليس من الموت بل من شيء أقدم وأعمق. قال:
— لا تسأل عن شيء لم تكن مستعداً لمعرفة جوابه.
لم يكن الندم ما يخشاه، الندم شعور يمكن احتماله إذا كانت الغاية تستحقه.
— وكيف أعرف أنني مستعد؟
ابتسم ريو رغم تعبه، ثم سعل سعالاً جافاً طويلاً، ووضع يده على صدره. انتظر آزر حتى هدأ التنفس، وحتى عادت اليد المرتجفة إلى جانب الجسد. ثم قال:
التفت إليه ريو، وعيناه هذه المرة كانتا أكثر حدة، رغم التعب الواضح فيهما.
قال:
— لا أحد.
— حين تعرف أنك قد تندم على معرفته… ثم تسأل رغم ذلك.
— يولد الإنسان، يكبر، ثم يموت. ولأن هذا يحدث أمامنا كل يوم، سميناه طبيعة. لا مشكلة في ذلك، لكن تكرار الشيء لا يثبت أنه حق.
فكر آزر قليلاً، الكلمات دارت في رأسه مثل حجر يُرمى في بئر عميق.
— لأننا نحتاج إلى كلمة للمجهول.
لم يكن الندم ما يخشاه، الندم شعور يمكن احتماله إذا كانت الغاية تستحقه.
أجاب ريو:
ثم قال، والجملة خرجت بثقة هادئة لم تكن طفولية:
ابتسم ريو ابتسامة واهنة، كأنها كلفته جهداً. قال:
— أنا لا أخشى الندم.
— نعم.
ابتسم ريو ابتسامة واهنة، كأنها كلفته جهداً.
قال:
قال آزر:
— ستتعلم أن الندم ليس دائماً شعوراً.
— لا تسأل.
— ماذا يكون إذن؟
اختفت بقية الكلمات من وجه ريو. لم يجب، واكتفى بأن نظر إلى السقف لحظة، ثم إلى النافذة، كأنما يبحث عن شيء في الضوء الباهت. قال آزر بهدوء:
— أحياناً يكون معرفةً جاءت متأخرة.
— من السماء؟
سكت آزر، الغرفة كانت باردة أكثر مما تبدو، ورائحة الأدوية العشبية المختلطة برائحة الدم الجاف ملات أنفه.
ثم سأل، والجملة جاءت مباشرة:
— سبب ماذا؟
— من كان يطاردك؟
— كنت أظن ذلك.
حدّق ريو فيه، لحظة طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط.
قال:
نظر ريو إلى السماء طويلاً من خلال النافذة الضيقة.
— كيف عرفت أن أحداً كان يطاردني؟
ثبتت عينا ريو عليه، ثم قال :
— لأنك لم تأتِ إلى هنا بإرادتك.
توقف، والسعال عاد للحظة قصيرة ثم هدأ. قال آزر:
— وكيف عرفت ذلك؟
ثم فتح رين الباب ببطء، وصوت المفصلات الصدئة امتد في الهواء كأنه تنهيدة قديمة. وقال بصوت خفيض:
— لأن من يأتي بإرادته لا يبدو كمن نجا من الموت.
صمت لحظة، ثم أضاف والجملة خرجت بطيئة وواضحة:
ظل ريو صامتاً، وعيناه تحركتا نحو النافذة مرة أخرى، ثم عادت إليه.
وقال أخيراً:
بالقرب منه وقف كايو، شاب في أوائل العشرينيات، طويل نحيل الجسد، قصير الشعر، ضيق الوجه، حاد الفك، كثير الحركة بعينين لا تستقران طويلاً على شيء، كأنهما تبحثان دائماً عن خطر قادم من جهة لا يراها الآخرون.
— لا أعرف من كان يطاردني.
— لكنه لم يختفِ.
— لكنك تعرف أنه كان يطاردك.
قال رين بصوت خشن:
— نعم.
— رأيت أثره.
— كيف؟
قال آزر:
خفض ريو عينيه، صوته أصبح أخفض، وكأن الكلمات نفسها تؤلمه:
— ريو.
— حين يطاردك شيء لا تستطيع رؤيته، يصبح السؤال عن ماهيته أقل أهمية من السؤال عن سبب مطاردته لك.
نظر ريو إلى السماء من خلال النافذة.
قال آزر، والجملة خرجت بثبات:
بل باعتبارها شيئاً قد يكون ينظر إليه.
— وأنا أريد أن أعرف السبب.
— من السماء؟
— سبب ماذا؟
— لأن المكان لم يكن يشبه أي مكان عرفته.
— الموت.
خارج الغرفة سمع آزر صوت خطوات خفيفة، ربما كايو يتحرك في الفناء. ثم تابع ريو:
رفع ريو عينيه إليه.
تغيرت ملامح ريو قليلاً، الجفون ارتفعت أكثر، والشفاه انقبضت للحظة، ثم قال:
للحظة بدا وكأنه نسي جراحه كلها، ونسي الألم في صدره، ونسي الغرفة المظلمة.
قال:
خطواته كانت هادئة على التراب الرطب من ندى الليل، وكل خطوة تترك أثراً خفيفاً يمحوه النسيم بعد قليل. لم يكن ينتظر أن يمنحه أحد جواباً جاهزاً، كان يعرف منذ زمن أن الإجابات الحقيقية لا تُعطى، بل تُنتزع.
— الموت؟
— وما الفرق؟
— الجميع يقول إنه طبيعة الحياة.
أجاب ريو:
— وهذا صحيح.
— هل كنت قوياً؟
— كيف عرفت؟
— جميعهم.
سكت ريو. لم يجب هذه المرة.
قال آزر، وبدأ يتكلم ببطء، كأنما يرتب الأفكار وهو يقولها:
— وكيف أعرف أنني مستعد؟
— يولد الإنسان، يكبر، ثم يموت. ولأن هذا يحدث أمامنا كل يوم، سميناه طبيعة.
لا مشكلة في ذلك، لكن تكرار الشيء لا يثبت أنه حق.
أجابه آزر بهدوء لم يتغير:
قد يكون الشيء متكرراً لأنه قانون، وقد يكون متكرراً لأننا لم نرَ يوما ما يخالفه ..
للمرة الأولى تغيرت نظرة ريو إليه، ولم تعد نظرة رجل جريح ينظر إلى صبي فضولي، بل أصبحت نظرة رجل يرى أمامه شيئاً لم يتوقعه. قال بهدوء:
ثبتت عينا ريو عليه، ثم قال :
— وكيف هربت؟
— ومن أخبرك بهذا؟
توقف آزر. يده كانت لا تزال قريبة من العلامة. قال:
— لا أحد.
— ما الذي كان بعد تلك الحدود؟
— إذن لماذا تصر على الشك؟
— ولا تعرف شيئاً عن العالم.
أجاب آزر، والجملة خرجت كاملة هذه المرة:
— كيف؟
— لأنني لا أريد أن أعيش عمراً كاملاً داخل جوابٍ لم أختره.
اقترب آزر قليلاً، صوت خطواته على الأرض الخشبية كان خافتاً. قال:
للمرة الأولى تغيرت نظرة ريو إليه، ولم تعد نظرة رجل جريح ينظر إلى صبي فضولي، بل أصبحت نظرة رجل يرى أمامه شيئاً لم يتوقعه.
قال بهدوء:
ساد الصمت، خارج النافذة الصغيرة سمع آزر صوت طائر بعيد يغرد مرة واحدة ثم يصمت. ثم أجاب الرجل بصوت منخفض:
— هذه ليست طريقة طفل في التفكير.
ابتسم ريو ابتسامة واهنة، كأنها كلفته جهداً. قال:
— أنا لم أقل إنني أفكر كطفل.
ظل آزر ينظر إليه، ولم يتحرك. ثم قال، والجملة خرجت منطقية وقاسية في آن، بعد أن سمع ما يكفي ليصل إلى استنتاجه بنفسه:
ابتسم ريو رغم تعبه، ثم سعل سعالاً جافاً طويلاً، ووضع يده على صدره.
انتظر آزر حتى هدأ التنفس، وحتى عادت اليد المرتجفة إلى جانب الجسد.
ثم قال:
— أنا لا أعرف أكثر منكم.
— هل كنت قوياً؟
— آزر.
سكت ريو قليلاً، وعيناه نظرتا إلى يديه اللتين كانتا ترتعشان خفيفاً فوق البطانية.
قال:
نظر آزر إلى يده، ثم إلى ريو. تركه الرجل فوراً، وقال بصوت منخفض جداً:
— كنت أظن ذلك.
— ماذا تمنحك؟
— والآن؟
كانت صافية، هادئة، ولا شيء فيها سوى زرقة واسعة لا نهاية ظاهرة لها. قال:
— الآن أعرف أن القوة لا تمنحك ما تظنه.
— ريو.
— ماذا تمنحك؟
لم يكن الندم ما يخشاه، الندم شعور يمكن احتماله إذا كانت الغاية تستحقه.
نظر ريو إلى يديه مرة أخرى، وقال بصوت منخفض جداً:
— وبماذا أبدأ؟
— فرصةً أطول لتكتشف كم أنت عاجز.
نظر ريو إلى عينيه.
لم يجب آزر، اكتفى بأن جلس على حافة مقعد خشبي قديم بالقرب من الفراش، وانتظر.
رفع ريو عينيه إليه.
تابع ريو بعد لحظة، وكأن الكلمات كانت مكبوتة فيه منذ زمن طويل:
التفت إليه ريو، وعيناه هذه المرة كانتا أكثر حدة، رغم التعب الواضح فيهما. قال:
— في البداية ظننت أن الطريق واضح، وكلما أصبحت أقوى، أصبح الموت أبعد.
ثم أفلت يده، وخرج آزر.
— وهل أصبح أبعد؟
وفي تلك الليلة الطويلة أدرك شيئاً بسيطاً وقاسياً في آن: أن تقول «لا أعلم» أصدق من أن تخترع جواباً يُرضي الآخرين، ويُسكت أسئلتك، لكن أن تقول «لا جواب لهذا السؤال»… فذلك شيء آخر تماماً.
— نعم.
تغيرت ملامح ريو قليلاً، الجفون ارتفعت أكثر، والشفاه انقبضت للحظة، ثم قال:
رفع ريو عينيه، وفيهما شيء يشبه الاعتراف الثقيل:
— رأيت أناساً بلغوا من القوة ما جعل الآخرين يظنون أنهم تجاوزوا حدود البشر.
— لكنه لم يختفِ.
— كيف عرفت؟
قال آزر:
توجه نحو البيت الذي نُقل إليه الغريب.
— وماذا عن الذين كانوا أقوى منك؟
صمت لحظة، ثم أضاف والجملة خرجت بطيئة وواضحة:
سكت ريو لحظة طويلة.
— وما الفرق؟
ثم قال، والجملة خرجت بطيئة:
لم يكن فيهما خوف رجل يخشى الموت، كان فيهما خوف رجل رأى شيئاً لا يستطيع تفسيره، شيئاً بقي عالقاً خلف نظراته كظل لا يزول. فتح الغريب عينيه ببطء، وتلاقت عيناه بعيني آزر. لحظة صمت طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط، ثم قال بصوت خافت أجش:
— رأيت رجالاً كنت أظن أن العالم نفسه لا يستطيع إيذاءهم.
— إذن لماذا تقول إنهم ماتوا؟
— وماتوا؟
— لكنني أعرف شيئاً واحداً.
— نعم.
— إلى أين؟
— جميعهم؟
— لكنك تعرف أنه كان يطاردك.
— جميعهم.
— لا أعرف.
ظل آزر صامتاً، وفي رأسه صورة رجال أقوياء يسقطون واحداً تلو الآخر، لا يدري كيف.
ثم سأل:
— لا أعرف من كان يطاردني.
— كيف ماتوا؟
— الآن أعرف أن القوة لا تمنحك ما تظنه.
أجاب ريو:
— رأيت رجالاً كنت أظن أن العالم نفسه لا يستطيع إيذاءهم.
— بعضهم قتلهم أعداؤهم.
— والبعض الآخر؟
نظر ريو إلى يديه مرة أخرى، وقال بصوت منخفض جداً:
— قتلته السماء
بالقرب منه وقف كايو، شاب في أوائل العشرينيات، طويل نحيل الجسد، قصير الشعر، ضيق الوجه، حاد الفك، كثير الحركة بعينين لا تستقران طويلاً على شيء، كأنهما تبحثان دائماً عن خطر قادم من جهة لا يراها الآخرون.
سكت آزر، الجملة علقت في الهواء كأنها شيء مادي يمكن لمسه.
ثم قال، والجملة خرجت شبه همس:
لم ينم آزر تلك الليلة.
— السماء لا تقتل.
— لا أحد.
نظر إليه ريو طويلاً، وفي عينيه شيء يشبه الحزن المختلط باليقين.
قال:
— من السماء؟
— كنت أقول ذلك أيضاً.
لكن أكثر ما لفت انتباه آزر كان عينيه.
— وما الذي غير رأيك؟
كانت صافية، هادئة، ولا شيء فيها سوى زرقة واسعة لا نهاية ظاهرة لها. قال:
— رأيت ما يكفي لأتوقف عن الثقة بما أظنه.
ثم اكتشفوا أن البشر ليسوا الشيء الوحيد الذي له حدود.
كانت الجملة بسيطة، لكنها بقيت معلقة في المكان.
قال آزر:
لم يكن الندم ما يخشاه، الندم شعور يمكن احتماله إذا كانت الغاية تستحقه.
— ماذا رأيت؟
— كيف لا تعرف؟
تنفس ريو ببطء، صدره ارتفع وانخفض بصعوبة.
قال:
تنفس ريو ببطء، صدره ارتفع وانخفض بصعوبة. قال:
— رأيت أناساً بلغوا من القوة ما جعل الآخرين يظنون أنهم تجاوزوا حدود البشر.
توقف آزر. يده كانت لا تزال قريبة من العلامة. قال:
ثم اكتشفوا أن البشر ليسوا الشيء الوحيد الذي له حدود.
— لماذا؟
اقترب آزر قليلاً، صوت خطواته على الأرض الخشبية كان خافتاً.
قال:
زفر رين زفرة طويلة، كأن الهواء الذي في صدره أصبح ثقيلاً فجأة، قال:
— ما الذي كان بعد تلك الحدود؟
ثم اكتشفوا أن البشر ليسوا الشيء الوحيد الذي له حدود.
هز ريو رأسه، والحركة كانت بطيئة ومؤلمة:
— ماذا تريد؟
— لا أعرف.
قد يكون الشيء متكرراً لأنه قانون، وقد يكون متكرراً لأننا لم نرَ يوما ما يخالفه ..
— لكنك رأيته.
— كنت أقول ذلك أيضاً.
— رأيت أثره.
ظل ريو صامتاً، وعيناه تحركتا نحو النافذة مرة أخرى، ثم عادت إليه. وقال أخيراً:
— وما الفرق؟
أجاب آزر، والجملة خرجت كاملة هذه المرة:
قال ريو، والجملة خرجت كأنها درس قديم يُعاد:
ظل الرجل ينظر إليه لحظات، كأنما يزن الاسم في رأسه، ثم قال:
— الفرق بين أن ترى الشيء وأن ترى أثره هو الفرق بين أن تعرف وجود السكين وأن تعرف يد من تمسكها.
وفي تلك الليلة الطويلة أدرك شيئاً بسيطاً وقاسياً في آن: أن تقول «لا أعلم» أصدق من أن تخترع جواباً يُرضي الآخرين، ويُسكت أسئلتك، لكن أن تقول «لا جواب لهذا السؤال»… فذلك شيء آخر تماماً.
ساد الصمت.
— ماذا رأيت؟
خارج الغرفة سمع آزر صوت خطوات خفيفة، ربما كايو يتحرك في الفناء.
ثم تابع ريو:
ابتسم ريو ابتسامة واهنة، كأنها كلفته جهداً. قال:
— كلما اقترب أولئك الرجال من ذلك الحد، حدث شيء لا أفهمه، وكأن العالم نفسه يبدأ في رفض وجودهم.
أجسادهم تضعف رغم قوتها، أرواحهم تضطرب، بعضهم فقد أشياء لم يكن ينبغي أن يفقدها، وبعضهم…
أجسادهم تضعف رغم قوتها، أرواحهم تضطرب، بعضهم فقد أشياء لم يكن ينبغي أن يفقدها، وبعضهم…
— لا.
توقف، والسعال عاد للحظة قصيرة ثم هدأ.
قال آزر:
— وجدني مرة أخرى.
— بعضهم ماذا؟
تابع ريو بعد لحظة، وكأن الكلمات كانت مكبوتة فيه منذ زمن طويل:
— اختفى.
نظر ريو إلى السماء طويلاً من خلال النافذة الضيقة.
— مات؟
كانت صافية، هادئة، ولا شيء فيها سوى زرقة واسعة لا نهاية ظاهرة لها. قال:
— لا أعرف.
— كنت أظن ذلك.
قال آزر:
— والآن؟
— إذن لماذا تقول إنهم ماتوا؟
ثم اكتشفوا أن البشر ليسوا الشيء الوحيد الذي له حدود.
نظر ريو إليه، ثم قال، والجملة كانت ثقيلة كحجر:
— كل شيء، فالشيء الذي نراه كل يوم يصبح مألوفاً، وما يصبح مألوفاً يتوقف الإنسان عن السؤال عنه. وهذا أخطر أنواع الجهل.
— لأننا نحتاج إلى كلمة للمجهول.
— لأنك لم تأتِ إلى هنا بإرادتك.
سكت آزر، كانت تلك أول مرة يسمع فيها جملة كهذه.
— أن أسألك عن شيء.
في رأسه بدأت الأفكار تتشابك: الموت، المجهول، الحدود، السماء.
— لهذا قلت لك: لا تبدأ بالقوة.
قال ريو بعد لحظة، وكأنما يكمل فكرة واحدة طويلة خرجت بعد أن مرّ بكل ما مرّ به:
في رأسه بدأت الأفكار تتشابك: الموت، المجهول، الحدود، السماء.
— الإنسان لا يحب الفراغ، فإذا وجد شيئاً لا يفهمه، أعطاه اسماً، وإذا تكرر أمامه، أعطاه قانوناً، وإذا خافه… سماه قدراً.
— يولد الإنسان، يكبر، ثم يموت. ولأن هذا يحدث أمامنا كل يوم، سميناه طبيعة. لا مشكلة في ذلك، لكن تكرار الشيء لا يثبت أنه حق.
خفض آزر عينيه، والكلمات كانت تتردد في أذنيه كصدى.
تغير وجه ريو، هذه المرة لم تكن الإجابة تأخراً، بل كان خوفاً حقيقياً، ظاهراً في اتساع العينين قليلاً وفي انقباض الفك. قال:
ثم سأل، والجملة خرجت هادئة لكنها حادة:
— من السماء؟
— ومن وضع ذلك الحد؟
رفع رأسه. السماء فوقه كانت صافية، لا غيوم، لا طيور، لا شيء. فقط زرقة واسعة ساكنة كأنها تنتظر.
تغير وجه ريو، هذه المرة لم تكن الإجابة تأخراً، بل كان خوفاً حقيقياً، ظاهراً في اتساع العينين قليلاً وفي انقباض الفك.
قال:
— وماتوا؟
— هذا هو السؤال الذي قتل من حاول الإجابة عنه.
نظر ريو إلى عينيه.
ظل آزر ينظر إليه، ولم يتحرك.
ثم قال، والجملة خرجت منطقية وقاسية في آن، بعد أن سمع ما يكفي ليصل إلى استنتاجه بنفسه:
اقترب آزر، ومد يده نحو الجذع، كان سطح القطع بارداً، أبرد من الخشب العادي في هذا الوقت من الصباح.
— إذا ماتوا لأنهم حاولوا معرفة الجواب، فهذا يعني أن الجواب موجود، وإلا لما كان هناك ما يخشونه.
سأل آزر:
صمت آزر.
سكت آزر، كانت تلك أول مرة يسمع فيها جملة كهذه.
ثم تابع ريو:
— لأنك إذا بدأت السؤال عن كل شيء… فلن تستطيع التوقف.
— أنت تفكر بطريقة خطرة.
توجه نحو البيت الذي نُقل إليه الغريب.
— لماذا؟
— لا أحد.
ابتسم ريو ابتسامة خافتة هذه المرة، وكأنها الاعتراف الأخير قبل التعب.
قال:
قال ريو بعد لحظة، وكأنما يكمل فكرة واحدة طويلة خرجت بعد أن مرّ بكل ما مرّ به:
— لأنك لا تسأل كيف تتجاوز الشيء، أنت تسأل أولاً لماذا وُجد.
الدخان الخفيف يتصاعد ببطء من بعض المداخن، فيلتوي مع نسيم الصباح البارد ثم يتلاشى في الهواء الرمادي، ضوء الصباح كان يتسلل ببطء بين البيوت الحجرية والطينية، يرسم ظلالاً طويلة على الأرض، ويجعل حواف الأسطح تلمع بلون فضي باهت. سمع آزر صوت ديك بعيد يصرخ مرة واحدة ثم يصمت، وكأنه يختبر إن كان العالم قد استيقظ حقاً.
لم يجد آزر ما يقوله.
فأكمل ريو، وصوته أصبح أهدأ:
— تعال بسرعة.
— لهذا قلت لك: لا تبدأ بالقوة.
وفي تلك اللحظة أدرك أن بعض الأسئلة لا تفتح أبواباً إلى الحقيقة. .بل تجعل الحقيقة تلتفت إليك..
— وبماذا أبدأ؟
ابتسم ريو رغم تعبه، ثم سعل سعالاً جافاً طويلاً، ووضع يده على صدره. انتظر آزر حتى هدأ التنفس، وحتى عادت اليد المرتجفة إلى جانب الجسد. ثم قال:
نظر ريو إلى السماء من خلال النافذة.
— لكنه لم يختفِ.
كانت صافية، هادئة، ولا شيء فيها سوى زرقة واسعة لا نهاية ظاهرة لها.
قال:
ليست محفورة بأداة، ولا محروقة بنار عادية. كانت كأنها نمت من داخل الخشب نفسه.
— ابدأ بأن تتعلم كيف تفرق بين القانون والعادة.
هز ريو رأسه، والحركة كانت بطيئة ومؤلمة:
— وكيف؟
اقترب آزر قليلاً، صوت خطواته على الأرض الخشبية كان خافتاً. قال:
— راقب.
— كلما اقترب أولئك الرجال من ذلك الحد، حدث شيء لا أفهمه، وكأن العالم نفسه يبدأ في رفض وجودهم.
— ماذا؟
أغمض ريو عينيه، لحظة طويلة، ثم فتحهما. قال:
ثم أضاف، والجملة خرجت كأنها نصيحة أخيرة خرجت بعد كل ما عاناه:
— من كان يطاردك؟
— كل شيء، فالشيء الذي نراه كل يوم يصبح مألوفاً، وما يصبح مألوفاً يتوقف الإنسان عن السؤال عنه.
وهذا أخطر أنواع الجهل.
توقف آزر. يده كانت لا تزال قريبة من العلامة. قال:
نظر آزر إلى السماء من مكانه، الزرقة كانت نقية، لا غيم فيها، ولا طائر يعبر.
ثم سأل:
وكل ما يعتمد عليه في هذا الطريق هو نفسه وحده.
— ماذا رأيت هناك؟
توقف، والسعال عاد للحظة قصيرة ثم هدأ. قال آزر:
لم يجب ريو، وعاد الصمت.
ظل آزر ينظر إليه، ولم يتحرك. ثم قال، والجملة خرجت منطقية وقاسية في آن، بعد أن سمع ما يكفي ليصل إلى استنتاجه بنفسه:
حتى ظن آزر أن الرجل لن يتكلم مرة أخرى.
— وكيف عرفت ذلك؟
ثم قال ريو، وصوته أصبح أخفض من قبل، كأن الكلمات تأتي من مكان بعيد داخل صدره:
اقترب آزر قليلاً، صوت خطواته على الأرض الخشبية كان خافتاً. قال:
— كنت في مكان لا يوجد فيه أحد. لا أصوات، لا رياح، لا أثر لحيوان، ولا إنسان.
— إذن لماذا تصر على الشك؟
— وأين كنت؟
— لهذا قلت لك: لا تبدأ بالقوة.
— لا أعرف.
التفت إليه ريو، وعيناه هذه المرة كانتا أكثر حدة، رغم التعب الواضح فيهما. قال:
— كيف لا تعرف؟
— يولد الإنسان، يكبر، ثم يموت. ولأن هذا يحدث أمامنا كل يوم، سميناه طبيعة. لا مشكلة في ذلك، لكن تكرار الشيء لا يثبت أنه حق.
— لأن المكان لم يكن يشبه أي مكان عرفته.
نظر ريو إلى عينيه.
نظر ريو إلى السماء طويلاً من خلال النافذة الضيقة.
ثم قال، والجملة خرجت بطيئة:
الضوء كان أقوى الآن، يرسم خطوطاً رفيعة على وجهه الشاحب.
قال:
هز ريو رأسه، والحركة كانت بطيئة ومؤلمة:
— في البداية ظننت أنني وحدي.
— إذا ماتوا لأنهم حاولوا معرفة الجواب، فهذا يعني أن الجواب موجود، وإلا لما كان هناك ما يخشونه.
ثم قال، والجملة خرجت أبطأ:
هز ريو رأسه، والحركة كانت بطيئة ومؤلمة:
— وبعدها شعرت أن شيئاً ينظر إليّ.
— من كان يطاردك؟
— من أين؟
— لأنني أدركت أنني إذا بقيت… فلن أخرج.
— من فوقي.
في النظرة شيء من التحذير الحقيقي، لا من الخوف فقط. قال:
— من السماء؟
رفع ريو عينيه إليه.
أغمض ريو عينيه، لحظة طويلة، ثم فتحهما.
قال:
ابتسم ريو ابتسامة خافتة هذه المرة، وكأنها الاعتراف الأخير قبل التعب. قال:
— في البداية نعم، ثم لم يعد هناك فرق بين السماء وما حولي.
خارج الغرفة سمع آزر صوت خطوات خفيفة، ربما كايو يتحرك في الفناء. ثم تابع ريو:
بقي آزر ساكناً، وفي رأسه صورة مكان بلا صوت ولا ريح، وشيء ينظر من فوق.
تابع ريو:
— ركضت.
— صحيح.
— إلى أين؟
كانت صافية، هادئة، ولا شيء فيها سوى زرقة واسعة لا نهاية ظاهرة لها. قال:
— لا أعرف.
— هل كنت قوياً؟
— ولماذا؟
— أن أسألك عن شيء.
— لأنني أدركت أنني إذا بقيت… فلن أخرج.
وكل ما يعتمد عليه في هذا الطريق هو نفسه وحده.
— من ماذا؟
سكت ريو لحظة طويلة.
نظر ريو إلى آزر، وفي عينيه عاد ذلك الخوف القديم، الخوف الذي ليس من الموت بل من شيء أقدم وأعمق.
قال:
— فرصةً أطول لتكتشف كم أنت عاجز.
— من شيء لم أره قط.
— الجميع يقول إنه طبيعة الحياة.
سأل آزر:
— لماذا؟
— وكيف هربت؟
— لكنه لم يختفِ.
أجاب ريو:
رفع ريو عينيه إليه.
— لا أعرف.
— في البداية ظننت أنني وحدي.
ثم أضاف بعد لحظة، والجملة خرجت كأنها الاعتراف الأخير:
— من كان يطاردك؟
— لكنني أعرف شيئاً واحداً.
— ابدأ بأن تتعلم كيف تفرق بين القانون والعادة.
حين وصلت إلى هنا، أدركت أنني لم أكن أهرب من شيء، بل كنت أهرب من أن يُعثر عليّ.
— ماذا قلت؟
في اللحظة نفسها انفتح باب الغرفة بعنف.
— ادخل.
صوت المفصلات صرخ في الهواء، والضوء الخارجي دخل فجأة.
كان كايو يقف عند المدخل، ووجهه شاحب، وعيناه واسعتان كأنه رأى شيئاً لا يُصدق.
صاح:
— والآن؟
— رين!
— لأننا نحتاج إلى كلمة للمجهول.
التفت الجميع إليه.
قال كايو، وصوته مرتجف قليلاً:
— لهذا قلت لك: لا تبدأ بالقوة.
— تعال بسرعة.
ثم سأل، والجملة خرجت هادئة لكنها حادة:
خرج رين فوراً، ونهض آزر خلفه، لكن ريو أمسك معصمه.
ساد الصمت، خارج النافذة الصغيرة سمع آزر صوت طائر بعيد يغرد مرة واحدة ثم يصمت. ثم أجاب الرجل بصوت منخفض:
كانت قبضة الرجل ضعيفة، واهنة، ومع ذلك شعر آزر بشيء غريب، دفء خافت، وكأن شيئاً يتحرك تحت جلد ريو نبضة غريبة ليست من الدم العادي.
نظر ريو إليه، ثم قال، والجملة كانت ثقيلة كحجر:
نظر آزر إلى يده، ثم إلى ريو.
تركه الرجل فوراً، وقال بصوت منخفض جداً:
سكت آزر، الجملة علقت في الهواء كأنها شيء مادي يمكن لمسه. ثم قال، والجملة خرجت شبه همس:
— لا تسأل.
— هذه ليست طريقة طفل في التفكير.
— لماذا؟
قال ريو، والجملة خرجت كأنها درس قديم يُعاد:
نظر ريو إلى عينيه.
تنفس ريو ببطء، صدره ارتفع وانخفض بصعوبة. قال:
في النظرة شيء من التحذير الحقيقي، لا من الخوف فقط.
قال:
— في البداية نعم، ثم لم يعد هناك فرق بين السماء وما حولي.
— لأنك إذا بدأت السؤال عن كل شيء… فلن تستطيع التوقف.
خارج الغرفة سمع آزر صوت خطوات خفيفة، ربما كايو يتحرك في الفناء. ثم تابع ريو:
ثم أفلت يده، وخرج آزر.
— وجدني مرة أخرى.
كان رين وكايو يقفان أمام البيت.
على الأرض، قرب المكان الذي وُجد فيه ريو بالأمس، كانت هناك شجرة يابسة.
لكنها لم تكن كما كانت، جذعها انشق من المنتصف. لم يكن الانشقاق كسراً عادياً ناتجاً عن الريح أو الزمن. كان القطع نظيفاً، مستقيماً، كأن شيئاً حاداً مرّ عبرها دون أن يلمسها، و دون أن يترك شظايا أو آثار احتكاك.
— حين تعرف أنك قد تندم على معرفته… ثم تسأل رغم ذلك.
السطح المقطوع كان أملس كأنه صُقل.
— لا أعرف من كان يطاردني.
اقترب آزر، ومد يده نحو الجذع، كان سطح القطع بارداً، أبرد من الخشب العادي في هذا الوقت من الصباح.
— ركضت.
وفي وسطه ظهرت علامة صغيرة.
دائرة سوداء لا يزيد قطرها على طرف الإصبع.
حدق آزر فيها، ولم يعرف لماذا، لكنه شعر أنها ليست علامة تركها إنسان.
— وماتوا؟
ليست محفورة بأداة، ولا محروقة بنار عادية. كانت كأنها نمت من داخل الخشب نفسه.
— صحيح.
رفع رأسه.
السماء فوقه كانت صافية، لا غيوم، لا طيور، لا شيء.
فقط زرقة واسعة ساكنة كأنها تنتظر.
سكت آزر، كانت تلك أول مرة يسمع فيها جملة كهذه.
قال رين بصوت خشن:
— ريو.
— لا تلمسها.
— ومن أخبرك بهذا؟
توقف آزر. يده كانت لا تزال قريبة من العلامة.
قال:
أجاب آزر، والجملة خرجت كاملة هذه المرة:
— لماذا؟
— وكيف عرفت ذلك؟
لم يجب رين، أما ريو، الذي خرج متكئاً على الباب، فقد رفع عينيه إلى العلامة.
وبدا على وجهه شيء لم يره آزر من قبل.
— ومن وضع ذلك الحد؟
ليس خوفاً، بل يقيناً ثقيلاً، كأنه رأى ما كان ينتظره منذ البداية.
للحظة بدا وكأنه نسي جراحه كلها، ونسي الألم في صدره، ونسي الغرفة المظلمة. قال:
همس ريو، والصوت كان خافتاً جداً لكنه وصل إلى آذان الجميع:
سكت آزر، الغرفة كانت باردة أكثر مما تبدو، ورائحة الأدوية العشبية المختلطة برائحة الدم الجاف ملات أنفه. ثم سأل، والجملة جاءت مباشرة:
— وجدني مرة أخرى.
— من السماء؟
نظر آزر إلى السماء، ثم إلى العلامة، ثم إلى ريو.
وسأل، والجملة خرجت شبه همس:
— وأين كنت؟
— من؟
— أن أسألك عن شيء.
لم يجب أحد، وظلت السماء صامتة.
في النظرة شيء من التحذير الحقيقي، لا من الخوف فقط. قال:
لكن آزر، للمرة الأولى، لم ينظر إليها باعتبارها شيئاً فوق رأسه.
لم ينم آزر تلك الليلة.
بل باعتبارها شيئاً قد يكون ينظر إليه.
اقترب آزر، ومد يده نحو الجذع، كان سطح القطع بارداً، أبرد من الخشب العادي في هذا الوقت من الصباح.
وفي تلك اللحظة أدرك أن بعض الأسئلة لا تفتح أبواباً إلى الحقيقة.
.بل تجعل الحقيقة تلتفت إليك..
— رأيت أثره.
— رأيت ما يكفي لأتوقف عن الثقة بما أظنه.
