الرجل الذي رأي السماء
لم ينم آزر تلك الليلة. استلقى على ظهره في الظلام الكثيف الذي ملأ الغرفة الصغيرة، جسده ساكن إلى الحد الذي يجعل أي عابر يظنه نائماً، غير أن عينيه ظلتا مفتوحتين تحدقان في السقف الخشبي الذي لا يُرى. كان الهواء ثقيلاً وباردًا بعض الشيء، يحمل رائحة التبن الجاف والخشب القديم المختلط برائحة الدخان البعيدة القادمة من المداخن. لم يكن هناك صوت سوى تنفسه البطيء، وخفقة قلبه التي بدت له أعلى من المعتاد في الصمت المطبق.
— حين يطاردك شيء لا تستطيع رؤيته، يصبح السؤال عن ماهيته أقل أهمية من السؤال عن سبب مطاردته لك.
لم يستطع إخراج الكلمات من رأسه. كانت تدور فيه كأنها حلقة مغلقة لا مخرج منها: «وجدني… السماء». ما الذي يعنيه رجل أن تقول السماء إنها وجدته؟ لو كان الرجل يهذي من شدة الجراح والتعب، فلماذا اختار السماء تحديداً؟ ولو كان واعياً تماماً بما يقول، فما الذي يمكن أن يراه إنسان حتى يخشاه إلى ذلك الحد الذي يجعل صوته يرتجف وهو ينطق بتلك الجملة؟
— كيف ماتوا؟
تقلب آزر على فراشه، فصرير الحشائش الجافة تحته كسر الصمت لحظة ثم عاد كل شيء إلى سكونه. كان أهل القرية يقولون إن الإنسان يخاف حين يجهل ما ينتظره خلف الباب أو وراء التل أو تحت السماء نفسها. أما هو فلم يكن يخاف الجهل. كان يكره أن يُطلب منه أن يقبله جواباً نهائياً ويغلق عليه فمه. وفي تلك الليلة الطويلة أدرك شيئاً بسيطاً وقاسياً في آن: أن تقول «لا أعلم» أصدق من أن تخترع جواباً يُرضي الآخرين ويُسكت أسئلتك. لكن أن تقول «لا جواب لهذا السؤال»… فذلك شيء آخر تماماً. شيء يشبه الاعتراف بأن العالم أكبر من أن يُحاط به، وأن من يريد الحقيقة قد يضطر إلى السير في طرق لا يختارها أحد غيره.
— اسمك أولاً.
مع طلوع الفجر خرج من منزله. كانت القرية لا تزال غارقة في سكونها العميق، والشوارع الترابية خالية إلا من بعض الكلاب النائمة عند عتبات البيوت. الدخان الخفيف يتصاعد ببطء من بعض المداخن، فيلتوي مع نسيم الصباح البارد ثم يتلاشى في الهواء الرمادي. ضوء الصباح كان يتسلل ببطء بين البيوت الحجرية والطينية، يرسم ظلالاً طويلة على الأرض، ويجعل حواف الأسطح تلمع بلون فضي باهت. سمع آزر صوت ديك بعيد يصرخ مرة واحدة ثم يسكت، وكأنه يختبر إن كان العالم قد استيقظ حقاً.
حفظ آزر الاسم في ذهنه. «ريو». ثم قال، والجملة خرجت ثقيلة قليلاً:
توجه نحو البيت الذي نُقل إليه الغريب. خطواته كانت هادئة على التراب الرطب من ندى الليل، وكل خطوة تترك أثراً خفيفاً يمحوه النسيم بعد قليل. لم يكن ينتظر أن يمنحه أحد جواباً جاهزاً. كان يعرف منذ زمن أن الإجابات الحقيقية لا تُعطى، بل تُنتزع. وكل ما يعتمد عليه في هذا الطريق هو نفسه وحده.
تقلب آزر على فراشه، فصرير الحشائش الجافة تحته كسر الصمت لحظة ثم عاد كل شيء إلى سكونه. كان أهل القرية يقولون إن الإنسان يخاف حين يجهل ما ينتظره خلف الباب أو وراء التل أو تحت السماء نفسها. أما هو فلم يكن يخاف الجهل. كان يكره أن يُطلب منه أن يقبله جواباً نهائياً ويغلق عليه فمه. وفي تلك الليلة الطويلة أدرك شيئاً بسيطاً وقاسياً في آن: أن تقول «لا أعلم» أصدق من أن تخترع جواباً يُرضي الآخرين ويُسكت أسئلتك. لكن أن تقول «لا جواب لهذا السؤال»… فذلك شيء آخر تماماً. شيء يشبه الاعتراف بأن العالم أكبر من أن يُحاط به، وأن من يريد الحقيقة قد يضطر إلى السير في طرق لا يختارها أحد غيره.
كان رين واقفاً عند الباب. رجل في أواخر الأربعينيات، عريض الكتفين، قوي البنية، بوجه مستدير خشن لوحته الشمس والعمل الطويل تحت السماء المفتوحة. شعره الأسود تتخلل خيوط رمادية عند الصدغين، وعيناه متعبتان على الدوام، كأن النوم لم يعد قادراً على محو ما تراكم فيهما من سنين. بالقرب منه وقف كايو، شاب في أوائل العشرينيات، طويل نحيل الجسد، قصير الشعر، ضيق الوجه، حاد الفك، كثير الحركة بعينين لا تستقران طويلاً على شيء، كأنهما تبحثان دائماً عن خطر قادم من جهة لا يراها الآخرون.
سأل آزر:
نظر رين إلى آزر نظرة ثقيلة، ثم قال بصوت خشن منخفض:
— لأنك إذا بدأت السؤال عن كل شيء… فلن تستطيع التوقف.
— ما الذي جاء بك؟
توقف آزر. يده كانت لا تزال قريبة من العلامة. قال:
أجاب آزر دون أن يرفع صوته:
— من السماء؟
— أريد أن أراه.
— وما الذي غير رأيك؟
زفر رين زفرة طويلة، كأن الهواء الذي في صدره أصبح ثقيلاً فجأة. قال:
ابتسم ريو رغم تعبه. ثم سعل سعالاً جافاً طويلاً، ووضع يده على صدره. انتظر آزر حتى هدأ التنفس، وحتى عادت اليد المرتجفة إلى جانب الجسد. ثم قال:
— أنت طفل يا آزر.
— أنا لا أعرف أكثر منكم.
— صحيح.
— لا أعرف.
— ولا تعرف شيئاً عن العالم.
— رأيت أثره.
— صحيح.
— وهذا صحيح.
نظر إليه رين بضيق واضح هذه المرة، وتقدمت خطواته قليلاً نحو الباب كأنه يريد أن يغلقه في وجهه. قال:
فكر آزر قليلاً. الكلمات دارت في رأسه مثل حجر يُرمى في بئر عميق. لم يكن الندم ما يخشاه. الندم شعور يمكن احتماله إذا كانت الغاية تستحقه. ثم قال، والجملة خرجت بثقة هادئة لم تكن طفولية:
— إذن لا تتصرف كأنك تعرف أكثر منا.
نظر ريو إلى السماء من خلال النافذة. كانت صافية. هادئة. لا شيء فيها سوى زرقة واسعة لا نهاية ظاهرة لها. قال:
أجابه آزر بهدوء لم يتغير:
— نعم.
— أنا لا أعرف أكثر منكم.
— لكنك تعرف أنه كان يطاردك.
سكت لحظة، ثم أضاف والجملة خرجت بطيئة وواضحة:
— لا أعرف.
— لكنني أعرف أنكم لا تعرفون.
— لا تلمسها.
تبادل رين وكايو نظرة قصيرة صامتة. في تلك النظرة شيء من الاندهاش المختلط بالانزعاج، كأن الصبي قال شيئاً لا ينبغي أن يقوله أحد في هذا المكان. ثم فتح رين الباب ببطء، وصوت المفصلات الصدئة امتد في الهواء كأنه تنهيدة قديمة. قال بصوت خفيض:
— قتلته السماء
— ادخل.
— ماذا تمنحك؟
دخل آزر. الغرفة كانت شبه مظلمة رغم أن الشمس بدأت تشرق خارجاً، والنوافذ الصغيرة المغطاة بستائر بالية لا تسمح إلا بخيوط رفيعة من الضوء. كان الغريب مستلقياً على فراش بسيط من القش المغطى ببطانية خشنة، وقد بدا أضعف بكثير مما كان عليه في الليلة السابقة. رجل في منتصف الثلاثينيات، طويل القامة، عريض الكتفين، قوي البنية رغم الهزال الذي أثقل جسده وجعل عظامه بارزة تحت الجلد الشاحب. شعره الأسود الطويل متشابك وساقط حول وجهه، وعلى عنقه وذراعيه ندوب قديمة متفرقة، بعضها عميق بما يكفي ليخبر عن حياة لم تكن هادئة قط.
— إذن لا تتصرف كأنك تعرف أكثر منا.
لكن أكثر ما لفت انتباه آزر كان عينيه. لم يكن فيهما خوف رجل يخشى الموت. كان فيهما خوف رجل رأى شيئاً لا يستطيع تفسيره، شيئاً بقي عالقاً خلف نظراته كظل لا يزول. فتح الغريب عينيه ببطء، وتلاقت عيناه بعيني آزر. لحظة صمت طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط، ثم قال بصوت خافت أجش:
— لا تسأل عن شيء لم تكن مستعداً لمعرفة جوابه.
— من أنت؟
كانت الإجابة سريعة، حاسمة، بلا تردد. قال آزر:
— آزر.
في اللحظة نفسها انفتح باب الغرفة بعنف. صوت المفصلات صرخ في الهواء، والضوء الخارجي دخل فجأة. كان كايو يقف عند المدخل، ووجهه شاحب، وعيناه واسعتان كأنه رأى شيئاً لا يُصدق. صاح:
ظل الرجل ينظر إليه لحظات، كأنما يزن الاسم في رأسه، ثم قال:
— ماذا تريد؟
— ما الذي جاء بك؟
— أن أسألك عن شيء.
— ركضت.
— وما هو؟
— لأن من يأتي بإرادته لا يبدو كمن نجا من الموت.
— اسمك أولاً.
— حين يطاردك شيء لا تستطيع رؤيته، يصبح السؤال عن ماهيته أقل أهمية من السؤال عن سبب مطاردته لك.
ساد الصمت. خارج النافذة الصغيرة سمع آزر صوت طائر بعيد يغرد مرة واحدة ثم يسكت. ثم أجاب الرجل بصوت منخفض:
— لا أعرف من كان يطاردني.
— ريو.
مع طلوع الفجر خرج من منزله. كانت القرية لا تزال غارقة في سكونها العميق، والشوارع الترابية خالية إلا من بعض الكلاب النائمة عند عتبات البيوت. الدخان الخفيف يتصاعد ببطء من بعض المداخن، فيلتوي مع نسيم الصباح البارد ثم يتلاشى في الهواء الرمادي. ضوء الصباح كان يتسلل ببطء بين البيوت الحجرية والطينية، يرسم ظلالاً طويلة على الأرض، ويجعل حواف الأسطح تلمع بلون فضي باهت. سمع آزر صوت ديك بعيد يصرخ مرة واحدة ثم يسكت، وكأنه يختبر إن كان العالم قد استيقظ حقاً.
حفظ آزر الاسم في ذهنه. «ريو». ثم قال، والجملة خرجت ثقيلة قليلاً:
— أنا لا أعرف أكثر منكم.
— بالأمس قلت شيئاً.
لم ينم آزر تلك الليلة. استلقى على ظهره في الظلام الكثيف الذي ملأ الغرفة الصغيرة، جسده ساكن إلى الحد الذي يجعل أي عابر يظنه نائماً، غير أن عينيه ظلتا مفتوحتين تحدقان في السقف الخشبي الذي لا يُرى. كان الهواء ثقيلاً وباردًا بعض الشيء، يحمل رائحة التبن الجاف والخشب القديم المختلط برائحة الدخان البعيدة القادمة من المداخن. لم يكن هناك صوت سوى تنفسه البطيء، وخفقة قلبه التي بدت له أعلى من المعتاد في الصمت المطبق.
تغيرت ملامح ريو قليلاً. الجفون ارتفعت أكثر، والشفاه انقبضت للحظة. قال:
لكن أكثر ما لفت انتباه آزر كان عينيه. لم يكن فيهما خوف رجل يخشى الموت. كان فيهما خوف رجل رأى شيئاً لا يستطيع تفسيره، شيئاً بقي عالقاً خلف نظراته كظل لا يزول. فتح الغريب عينيه ببطء، وتلاقت عيناه بعيني آزر. لحظة صمت طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط، ثم قال بصوت خافت أجش:
— ماذا قلت؟
خفض ريو عينيه. صوته أصبح أخفض، كأن الكلمات نفسها تؤلمه:
— قلت: «وجدني… السماء».
— ادخل.
اختفت بقية الكلمات من وجه ريو. لم يجب. اكتفى بأن نظر إلى السقف لحظة، ثم إلى النافذة، كأنما يبحث عن شيء في الضوء الباهت. قال آزر بهدوء:
— من السماء؟
— هل كنت تهذي؟
— آزر.
— لا.
ظل آزر ينظر إليه. لم يتحرك. ثم قال، والجملة خرجت منطقية وقاسية في آن، بعد أن سمع ما يكفي ليصل إلى استنتاجه بنفسه:
كانت الإجابة سريعة، حاسمة، بلا تردد. قال آزر:
تغيرت ملامح ريو قليلاً. الجفون ارتفعت أكثر، والشفاه انقبضت للحظة. قال:
— إذن ماذا قصدت؟
ابتسم ريو ابتسامة خافتة هذه المرة، كأنها الاعتراف الأخير قبل التعب. قال:
نظر ريو إلى النافذة طويلاً. الضوء الذي يدخل منها كان يرسم خطاً رفيعاً على الجدار المقابل. قال بصوت أخفض:
رفع رأسه. السماء فوقه كانت صافية. لا غيوم. لا طيور. لا شيء. فقط زرقة واسعة ساكنة كأنها تنتظر. قال رين بصوت خشن:
— لا تسأل عن شيء لم تكن مستعداً لمعرفة جوابه.
أغمض ريو عينيه. لحظة طويلة. ثم فتحهما. قال:
— وكيف أعرف أنني مستعد؟
— لا أحد.
التفت إليه ريو. عيناه هذه المرة كانتا أكثر حدة، رغم التعب الواضح فيهما. قال:
— أنت تفكر بطريقة خطرة.
— حين تعرف أنك قد تندم على معرفته… ثم تسأل رغم ذلك.
— فرصةً أطول لتكتشف كم أنت عاجز.
فكر آزر قليلاً. الكلمات دارت في رأسه مثل حجر يُرمى في بئر عميق. لم يكن الندم ما يخشاه. الندم شعور يمكن احتماله إذا كانت الغاية تستحقه. ثم قال، والجملة خرجت بثقة هادئة لم تكن طفولية:
— لكنني أعرف شيئاً واحداً. حين وصلت إلى هنا، أدركت أنني لم أكن أهرب من شيء. كنت أهرب من أن يُعثر عليّ.
— أنا لا أخشى الندم.
— رأيت رجالاً كنت أظن أن العالم نفسه لا يستطيع إيذاءهم.
ابتسم ريو ابتسامة واهنة، كأنها كلفته جهداً. قال:
— حين يطاردك شيء لا تستطيع رؤيته، يصبح السؤال عن ماهيته أقل أهمية من السؤال عن سبب مطاردته لك.
— ستتعلم أن الندم ليس دائماً شعوراً.
— في البداية نعم. ثم لم يعد هناك فرق بين السماء وما حولي.
— ماذا يكون إذن؟
— السماء لا تقتل.
— أحياناً يكون معرفةً جاءت متأخرة.
— من كان يطاردك؟
سكت آزر. الغرفة كانت باردة أكثر مما تبدو، ورائحة الأدوية العشبية المختلطة برائحة الدم الجاف ملأته أنفه. ثم سأل، والجملة جاءت مباشرة:
نظر ريو إلى السماء من خلال النافذة. كانت صافية. هادئة. لا شيء فيها سوى زرقة واسعة لا نهاية ظاهرة لها. قال:
— من كان يطاردك؟
— وهذا صحيح.
حدّق ريو فيه. لحظة طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط. قال:
بقي آزر ساكناً. في رأسه صورة مكان بلا صوت ولا ريح، وشيء ينظر من فوق. قال ريو:
— كيف عرفت أن أحداً كان يطاردني؟
— إذا ماتوا لأنهم حاولوا معرفة الجواب، فهذا يعني أن الجواب موجود. وإلا لما كان هناك ما يخشونه.
— لأنك لم تأتِ إلى هنا بإرادتك.
— لأنك لا تسأل كيف تتجاوز الشيء. أنت تسأل أولاً لماذا وُجد.
— وكيف عرفت ذلك؟
ثم أضاف بعد لحظة، والجملة خرجت كأنها الاعتراف الأخير:
— لأن من يأتي بإرادته لا يبدو كمن نجا من الموت.
— هذا هو السؤال الذي قتل من حاول الإجابة عنه.
ظل ريو صامتاً. عيناه تحركتا نحو النافذة مرة أخرى، ثم عادت إليه. قال أخيراً:
— السماء لا تقتل.
— لا أعرف من كان يطاردني.
— هل كنت تهذي؟
— لكنك تعرف أنه كان يطاردك.
حدّق ريو فيه. لحظة طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط. قال:
— نعم.
كان رين واقفاً عند الباب. رجل في أواخر الأربعينيات، عريض الكتفين، قوي البنية، بوجه مستدير خشن لوحته الشمس والعمل الطويل تحت السماء المفتوحة. شعره الأسود تتخلل خيوط رمادية عند الصدغين، وعيناه متعبتان على الدوام، كأن النوم لم يعد قادراً على محو ما تراكم فيهما من سنين. بالقرب منه وقف كايو، شاب في أوائل العشرينيات، طويل نحيل الجسد، قصير الشعر، ضيق الوجه، حاد الفك، كثير الحركة بعينين لا تستقران طويلاً على شيء، كأنهما تبحثان دائماً عن خطر قادم من جهة لا يراها الآخرون.
— كيف؟
— ماذا قلت؟
خفض ريو عينيه. صوته أصبح أخفض، كأن الكلمات نفسها تؤلمه:
— هذا هو السؤال الذي قتل من حاول الإجابة عنه.
— حين يطاردك شيء لا تستطيع رؤيته، يصبح السؤال عن ماهيته أقل أهمية من السؤال عن سبب مطاردته لك.
— في البداية ظننت أنني وحدي.
قال آزر، والجملة خرجت بثبات:
تنفس ريو ببطء. صدره ارتفع وانخفض بصعوبة. قال:
— وأنا أريد أن أعرف السبب.
— صحيح.
— سبب ماذا؟
— من؟
— الموت.
أجابه آزر بهدوء لم يتغير:
رفع ريو عينيه إليه. للحظة بدا وكأنه نسي جراحه كلها، ونسي الألم في صدره، ونسي الغرفة المظلمة. قال:
— ابدأ بأن تتعلم كيف تفرق بين القانون والعادة.
— الموت؟
— لا تلمسها.
— الجميع يقول إنه طبيعة الحياة.
— لأنك إذا بدأت السؤال عن كل شيء… فلن تستطيع التوقف.
— وهذا صحيح.
— وهذا صحيح.
— كيف عرفت؟
نظر إليه رين بضيق واضح هذه المرة، وتقدمت خطواته قليلاً نحو الباب كأنه يريد أن يغلقه في وجهه. قال:
سكت ريو. لم يجب هذه المرة. قال آزر، وبدأ يتكلم ببطء، كأنما يرتب الأفكار وهو يقولها:
— صحيح.
— يولد الإنسان، يكبر، ثم يموت. ولأن هذا يحدث أمامنا كل يوم، سميناه طبيعة. لا مشكلة في ذلك. لكن تكرار الشيء لا يثبت أنه حق. قد يكون الشيء متكرراً لأنه قانون. وقد يكون متكرراً لأننا لم نرَ يوما ما يخالفه ..
خفض آزر عينيه. الكلمات كانت تتردد في أذنيه كصدى. ثم سأل، والجملة خرجت هادئة لكنها حادة:
ثبتت عينا ريو عليه . ثم قال :
— وهل أصبح أبعد؟
— ومن أخبرك بهذا؟
— لأنك لم تأتِ إلى هنا بإرادتك.
— لا أحد.
خرج رين فوراً. نهض آزر خلفه، لكن ريو أمسك معصمه. كانت قبضة الرجل ضعيفة، واهنة، ومع ذلك شعر آزر بشيء غريب. دفء خافت. كأن شيئاً يتحرك تحت جلد ريو، نبضة غريبة ليست من الدم العادي. نظر آزر إلى يده، ثم إلى ريو. تركه الرجل فوراً. قال بصوت منخفض جداً:
— إذن لماذا تصر على الشك؟
— لا أعرف.
أجاب آزر، والجملة خرجت كاملة هذه المرة:
— كيف عرفت؟
— لأنني لا أريد أن أعيش عمراً كاملاً داخل جوابٍ لم أختره.
خرج رين فوراً. نهض آزر خلفه، لكن ريو أمسك معصمه. كانت قبضة الرجل ضعيفة، واهنة، ومع ذلك شعر آزر بشيء غريب. دفء خافت. كأن شيئاً يتحرك تحت جلد ريو، نبضة غريبة ليست من الدم العادي. نظر آزر إلى يده، ثم إلى ريو. تركه الرجل فوراً. قال بصوت منخفض جداً:
للمرة الأولى تغيرت نظرة ريو إليه. لم تعد نظرة رجل جريح ينظر إلى صبي فضولي. أصبحت نظرة رجل يرى أمامه شيئاً لم يتوقعه. قال بهدوء:
ابتسم ريو ابتسامة خافتة هذه المرة، كأنها الاعتراف الأخير قبل التعب. قال:
— هذه ليست طريقة طفل في التفكير.
ثم أضاف، والجملة خرجت كأنها نصيحة أخيرة خرجت بعد كل ما عاناه:
— أنا لم أقل إنني أفكر كطفل.
نظر ريو إلى السماء من خلال النافذة. كانت صافية. هادئة. لا شيء فيها سوى زرقة واسعة لا نهاية ظاهرة لها. قال:
ابتسم ريو رغم تعبه. ثم سعل سعالاً جافاً طويلاً، ووضع يده على صدره. انتظر آزر حتى هدأ التنفس، وحتى عادت اليد المرتجفة إلى جانب الجسد. ثم قال:
— وما الفرق؟
— هل كنت قوياً؟
نظر ريو إلى يديه مرة أخرى. قال بصوت منخفض جداً:
سكت ريو قليلاً. عيناه نظرتا إلى يديه اللتين كانتا ترتعشان خفيفاً فوق البطانية. قال:
— يولد الإنسان، يكبر، ثم يموت. ولأن هذا يحدث أمامنا كل يوم، سميناه طبيعة. لا مشكلة في ذلك. لكن تكرار الشيء لا يثبت أنه حق. قد يكون الشيء متكرراً لأنه قانون. وقد يكون متكرراً لأننا لم نرَ يوما ما يخالفه ..
— كنت أظن ذلك.
— وبعدها شعرت أن شيئاً ينظر إليّ.
— والآن؟
— وهذا صحيح.
— الآن أعرف أن القوة لا تمنحك ما تظنه.
— هذه ليست طريقة طفل في التفكير.
— ماذا تمنحك؟
— إذن ماذا قصدت؟
نظر ريو إلى يديه مرة أخرى. قال بصوت منخفض جداً:
— في البداية ظننت أنني وحدي.
— فرصةً أطول لتكتشف كم أنت عاجز.
قال ريو، والجملة خرجت كأنها درس قديم يُعاد:
لم يجب آزر. اكتفى بأن جلس على حافة مقعد خشبي قديم بالقرب من الفراش، وانتظر. تابع ريو بعد لحظة، وكأن الكلمات كانت مكبوتة فيه منذ زمن طويل:
— السماء لا تقتل.
— في البداية ظننت أن الطريق واضح. كلما أصبحت أقوى، أصبح الموت أبعد.
رفع رأسه. السماء فوقه كانت صافية. لا غيوم. لا طيور. لا شيء. فقط زرقة واسعة ساكنة كأنها تنتظر. قال رين بصوت خشن:
— وهل أصبح أبعد؟
— وبماذا أبدأ؟
— نعم.
سكت آزر. كانت تلك أول مرة يسمع فيها جملة كهذه. في رأسه بدأت الأفكار تتشابك: الموت، المجهول، الحدود، السماء. قال ريو بعد لحظة، وكأنما يكمل فكرة واحدة طويلة خرجت بعد أن مرّ بكل ما مرّ به:
رفع ريو عينيه. فيهما شيء يشبه الاعتراف الثقيل:
أجاب آزر، والجملة خرجت كاملة هذه المرة:
— لكنه لم يختفِ.
حدّق ريو فيه. لحظة طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط. قال:
قال آزر:
— لماذا؟
— وماذا عن الذين كانوا أقوى منك؟
— من فوقي.
سكت ريو لحظة طويلة. ثم قال، والجملة خرجت بطيئة:
— لأن المكان لم يكن يشبه أي مكان عرفته.
— رأيت رجالاً كنت أظن أن العالم نفسه لا يستطيع إيذاءهم.
— وهل أصبح أبعد؟
— وماتوا؟
كانت الإجابة سريعة، حاسمة، بلا تردد. قال آزر:
— نعم.
كان رين واقفاً عند الباب. رجل في أواخر الأربعينيات، عريض الكتفين، قوي البنية، بوجه مستدير خشن لوحته الشمس والعمل الطويل تحت السماء المفتوحة. شعره الأسود تتخلل خيوط رمادية عند الصدغين، وعيناه متعبتان على الدوام، كأن النوم لم يعد قادراً على محو ما تراكم فيهما من سنين. بالقرب منه وقف كايو، شاب في أوائل العشرينيات، طويل نحيل الجسد، قصير الشعر، ضيق الوجه، حاد الفك، كثير الحركة بعينين لا تستقران طويلاً على شيء، كأنهما تبحثان دائماً عن خطر قادم من جهة لا يراها الآخرون.
— جميعهم؟
— لا تلمسها.
— جميعهم.
— كيف ماتوا؟
ظل آزر صامتاً. في رأسه صورة رجال أقوياء يسقطون واحداً تلو الآخر، لا يدري كيف. ثم سأل:
ابتسم ريو ابتسامة واهنة، كأنها كلفته جهداً. قال:
— كيف ماتوا؟
— أنا لم أقل إنني أفكر كطفل.
أجاب ريو:
رفع ريو عينيه. فيهما شيء يشبه الاعتراف الثقيل:
— بعضهم قتلهم أعداؤهم.
— بالأمس قلت شيئاً.
— والبعض الآخر؟
— لكنني أعرف أنكم لا تعرفون.
— قتلته السماء
في اللحظة نفسها انفتح باب الغرفة بعنف. صوت المفصلات صرخ في الهواء، والضوء الخارجي دخل فجأة. كان كايو يقف عند المدخل، ووجهه شاحب، وعيناه واسعتان كأنه رأى شيئاً لا يُصدق. صاح:
سكت آزر. الجملة علقت في الهواء كأنها شيء مادي يمكن لمسه. ثم قال، والجملة خرجت شبه همس:
— حين تعرف أنك قد تندم على معرفته… ثم تسأل رغم ذلك.
— السماء لا تقتل.
— من ماذا؟
نظر إليه ريو طويلاً. في عينيه شيء يشبه الحزن المختلط باليقين. قال:
حدّق ريو فيه. لحظة طويلة امتلأت بصوت تنفسه الخافت فقط. قال:
— كنت أقول ذلك أيضاً.
— من ماذا؟
— وما الذي غير رأيك؟
ثبتت عينا ريو عليه . ثم قال :
— رأيت ما يكفي لأتوقف عن الثقة بما أظنه.
ثم أفلت يده. خرج آزر.
كانت الجملة بسيطة، لكنها بقيت معلقة في المكان. قال آزر:
— بالأمس قلت شيئاً.
— ماذا رأيت؟
للمرة الأولى تغيرت نظرة ريو إليه. لم تعد نظرة رجل جريح ينظر إلى صبي فضولي. أصبحت نظرة رجل يرى أمامه شيئاً لم يتوقعه. قال بهدوء:
تنفس ريو ببطء. صدره ارتفع وانخفض بصعوبة. قال:
— ولا تعرف شيئاً عن العالم.
— رأيت أناساً بلغوا من القوة ما جعل الآخرين يظنون أنهم تجاوزوا حدود البشر. ثم اكتشفوا أن البشر ليسوا الشيء الوحيد الذي له حدود.
— أنا لا أخشى الندم.
اقترب آزر قليلاً. صوت خطواته على الأرض الخشبية كان خافتاً. قال:
— ماذا قلت؟
— ما الذي كان بعد تلك الحدود؟
سكت ريو لحظة طويلة. ثم قال، والجملة خرجت بطيئة:
هز ريو رأسه. الحركة كانت بطيئة ومؤلمة:
— لأنني لا أريد أن أعيش عمراً كاملاً داخل جوابٍ لم أختره.
— لا أعرف.
— رأيت أثره.
— لكنك رأيته.
— لا أعرف من كان يطاردني.
— رأيت أثره.
— ماذا رأيت؟
— وما الفرق؟
لم يجب رين. أما ريو، الذي خرج متكئاً على الباب، فقد رفع عينيه إلى العلامة. وبدا على وجهه شيء لم يره آزر من قبل. ليس خوفاً. بل يقيناً ثقيلاً، كأنه رأى ما كان ينتظره منذ البداية. همس ريو، والصوت كان خافتاً جداً لكنه وصل إلى آذان الجميع:
قال ريو، والجملة خرجت كأنها درس قديم يُعاد:
— وبماذا أبدأ؟
— الفرق بين أن ترى الشيء وأن ترى أثره هو الفرق بين أن تعرف وجود السكين وأن تعرف يد من تمسكها.
— لكنك رأيته.
ساد الصمت. خارج الغرفة سمع آزر صوت خطوات خفيفة، ربما كايو يتحرك في الفناء. ثم تابع ريو:
توقف. السعال عاد للحظة قصيرة ثم هدأ. قال آزر:
— كلما اقترب أولئك الرجال من ذلك الحد، حدث شيء لا أفهمه. كأن العالم نفسه يبدأ في رفض وجودهم. أجسادهم تضعف رغم قوتها. أرواحهم تضطرب. بعضهم فقد أشياء لم يكن ينبغي أن يفقدها. وبعضهم…
— لا.
توقف. السعال عاد للحظة قصيرة ثم هدأ. قال آزر:
اقترب آزر. مد يده نحو الجذع. كان سطح القطع بارداً، أبرد من الخشب العادي في هذا الوقت من الصباح. وفي وسطه ظهرت علامة صغيرة. دائرة سوداء لا يزيد قطرها على طرف الإصبع. حدق آزر فيها. لم يعرف لماذا، لكنه شعر أنها ليست علامة تركها إنسان. ليست محفورة بأداة، ولا محروقة بنار عادية. كانت كأنها نمت من داخل الخشب نفسه.
— بعضهم ماذا؟
سكت ريو. لم يجب هذه المرة. قال آزر، وبدأ يتكلم ببطء، كأنما يرتب الأفكار وهو يقولها:
— اختفى.
— إذن لماذا تقول إنهم ماتوا؟
— مات؟
— ماذا تريد؟
— لا أعرف.
— الفرق بين أن ترى الشيء وأن ترى أثره هو الفرق بين أن تعرف وجود السكين وأن تعرف يد من تمسكها.
قال آزر:
سكت ريو. لم يجب هذه المرة. قال آزر، وبدأ يتكلم ببطء، كأنما يرتب الأفكار وهو يقولها:
— إذن لماذا تقول إنهم ماتوا؟
— رين!
نظر ريو إليه. ثم قال، والجملة كانت ثقيلة كحجر:
— رأيت أناساً بلغوا من القوة ما جعل الآخرين يظنون أنهم تجاوزوا حدود البشر. ثم اكتشفوا أن البشر ليسوا الشيء الوحيد الذي له حدود.
— لأننا نحتاج إلى كلمة للمجهول.
— وماذا عن الذين كانوا أقوى منك؟
سكت آزر. كانت تلك أول مرة يسمع فيها جملة كهذه. في رأسه بدأت الأفكار تتشابك: الموت، المجهول، الحدود، السماء. قال ريو بعد لحظة، وكأنما يكمل فكرة واحدة طويلة خرجت بعد أن مرّ بكل ما مرّ به:
— من أنت؟
— الإنسان لا يحب الفراغ. فإذا وجد شيئاً لا يفهمه، أعطاه اسماً. وإذا تكرر أمامه، أعطاه قانوناً. وإذا خافه، سماه قدراً.
— جميعهم.
خفض آزر عينيه. الكلمات كانت تتردد في أذنيه كصدى. ثم سأل، والجملة خرجت هادئة لكنها حادة:
— أن أسألك عن شيء.
— ومن وضع ذلك الحد؟
— لماذا؟
تغير وجه ريو. هذه المرة لم تكن الإجابة تأخراً. كان خوفاً حقيقياً، ظاهراً في اتساع العينين قليلاً وفي انقباض الفك. قال:
— لكنني أعرف شيئاً واحداً. حين وصلت إلى هنا، أدركت أنني لم أكن أهرب من شيء. كنت أهرب من أن يُعثر عليّ.
— هذا هو السؤال الذي قتل من حاول الإجابة عنه.
— أريد أن أراه.
ظل آزر ينظر إليه. لم يتحرك. ثم قال، والجملة خرجت منطقية وقاسية في آن، بعد أن سمع ما يكفي ليصل إلى استنتاجه بنفسه:
مع طلوع الفجر خرج من منزله. كانت القرية لا تزال غارقة في سكونها العميق، والشوارع الترابية خالية إلا من بعض الكلاب النائمة عند عتبات البيوت. الدخان الخفيف يتصاعد ببطء من بعض المداخن، فيلتوي مع نسيم الصباح البارد ثم يتلاشى في الهواء الرمادي. ضوء الصباح كان يتسلل ببطء بين البيوت الحجرية والطينية، يرسم ظلالاً طويلة على الأرض، ويجعل حواف الأسطح تلمع بلون فضي باهت. سمع آزر صوت ديك بعيد يصرخ مرة واحدة ثم يسكت، وكأنه يختبر إن كان العالم قد استيقظ حقاً.
— إذا ماتوا لأنهم حاولوا معرفة الجواب، فهذا يعني أن الجواب موجود. وإلا لما كان هناك ما يخشونه.
— حين تعرف أنك قد تندم على معرفته… ثم تسأل رغم ذلك.
لم يجب ريو. تابع آزر:
رفع ريو عينيه. فيهما شيء يشبه الاعتراف الثقيل:
— أنت تفكر بطريقة خطرة.
ظل الرجل ينظر إليه لحظات، كأنما يزن الاسم في رأسه، ثم قال:
— لماذا؟
ثبتت عينا ريو عليه . ثم قال :
ابتسم ريو ابتسامة خافتة هذه المرة، كأنها الاعتراف الأخير قبل التعب. قال:
— كلما اقترب أولئك الرجال من ذلك الحد، حدث شيء لا أفهمه. كأن العالم نفسه يبدأ في رفض وجودهم. أجسادهم تضعف رغم قوتها. أرواحهم تضطرب. بعضهم فقد أشياء لم يكن ينبغي أن يفقدها. وبعضهم…
— لأنك لا تسأل كيف تتجاوز الشيء. أنت تسأل أولاً لماذا وُجد.
— ومن وضع ذلك الحد؟
لم يجد آزر ما يقوله. فأكمل ريو، وصوته أصبح أهدأ:
دخل آزر. الغرفة كانت شبه مظلمة رغم أن الشمس بدأت تشرق خارجاً، والنوافذ الصغيرة المغطاة بستائر بالية لا تسمح إلا بخيوط رفيعة من الضوء. كان الغريب مستلقياً على فراش بسيط من القش المغطى ببطانية خشنة، وقد بدا أضعف بكثير مما كان عليه في الليلة السابقة. رجل في منتصف الثلاثينيات، طويل القامة، عريض الكتفين، قوي البنية رغم الهزال الذي أثقل جسده وجعل عظامه بارزة تحت الجلد الشاحب. شعره الأسود الطويل متشابك وساقط حول وجهه، وعلى عنقه وذراعيه ندوب قديمة متفرقة، بعضها عميق بما يكفي ليخبر عن حياة لم تكن هادئة قط.
— لهذا قلت لك: لا تبدأ بالقوة.
— لأنك لم تأتِ إلى هنا بإرادتك.
— وبماذا أبدأ؟
اختفت بقية الكلمات من وجه ريو. لم يجب. اكتفى بأن نظر إلى السقف لحظة، ثم إلى النافذة، كأنما يبحث عن شيء في الضوء الباهت. قال آزر بهدوء:
نظر ريو إلى السماء من خلال النافذة. كانت صافية. هادئة. لا شيء فيها سوى زرقة واسعة لا نهاية ظاهرة لها. قال:
سكت ريو. لم يجب هذه المرة. قال آزر، وبدأ يتكلم ببطء، كأنما يرتب الأفكار وهو يقولها:
— ابدأ بأن تتعلم كيف تفرق بين القانون والعادة.
— ادخل.
— وكيف؟
نظر إليه ريو طويلاً. في عينيه شيء يشبه الحزن المختلط باليقين. قال:
— راقب.
— رين!
— ماذا؟
— قلت: «وجدني… السماء».
ثم أضاف، والجملة خرجت كأنها نصيحة أخيرة خرجت بعد كل ما عاناه:
— اسمك أولاً.
— كل شيء. فالشيء الذي نراه كل يوم يصبح مألوفاً، وما يصبح مألوفاً يتوقف الإنسان عن السؤال عنه. وهذه أخطر أنواع الجهل.
دخل آزر. الغرفة كانت شبه مظلمة رغم أن الشمس بدأت تشرق خارجاً، والنوافذ الصغيرة المغطاة بستائر بالية لا تسمح إلا بخيوط رفيعة من الضوء. كان الغريب مستلقياً على فراش بسيط من القش المغطى ببطانية خشنة، وقد بدا أضعف بكثير مما كان عليه في الليلة السابقة. رجل في منتصف الثلاثينيات، طويل القامة، عريض الكتفين، قوي البنية رغم الهزال الذي أثقل جسده وجعل عظامه بارزة تحت الجلد الشاحب. شعره الأسود الطويل متشابك وساقط حول وجهه، وعلى عنقه وذراعيه ندوب قديمة متفرقة، بعضها عميق بما يكفي ليخبر عن حياة لم تكن هادئة قط.
نظر آزر إلى السماء من مكانه. الزرقة كانت نقية، لا غيم فيها، ولا طائر يعبر. ثم سأل:
— الموت؟
— ماذا رأيت هناك؟
— أريد أن أراه.
لم يجب ريو. عاد الصمت. حتى ظن آزر أن الرجل لن يتكلم مرة أخرى. ثم قال ريو، وصوته أصبح أخفض من قبل، كأن الكلمات تأتي من مكان بعيد داخل صدره:
رفع ريو عينيه إليه. للحظة بدا وكأنه نسي جراحه كلها، ونسي الألم في صدره، ونسي الغرفة المظلمة. قال:
— كنت في مكان لا يوجد فيه أحد. لا أصوات. لا رياح. لا أثر لحيوان، ولا إنسان.
— لأنني أدركت أنني إذا بقيت… فلن أخرج.
— وأين كنت؟
— رأيت ما يكفي لأتوقف عن الثقة بما أظنه.
— لا أعرف.
نظر آزر إلى السماء. ثم إلى العلامة. ثم إلى ريو. وسأل، والجملة خرجت شبه همس:
— كيف لا تعرف؟
— يولد الإنسان، يكبر، ثم يموت. ولأن هذا يحدث أمامنا كل يوم، سميناه طبيعة. لا مشكلة في ذلك. لكن تكرار الشيء لا يثبت أنه حق. قد يكون الشيء متكرراً لأنه قانون. وقد يكون متكرراً لأننا لم نرَ يوما ما يخالفه ..
— لأن المكان لم يكن يشبه أي مكان عرفته.
هز ريو رأسه. الحركة كانت بطيئة ومؤلمة:
نظر ريو إلى السماء طويلاً من خلال النافذة الضيقة. الضوء كان أقوى الآن، يرسم خطوطاً رفيعة على وجهه الشاحب. قال:
كان رين وكايو يقفان أمام البيت. على الأرض، قرب المكان الذي وُجد فيه ريو بالأمس، كانت هناك شجرة يابسة. لكنها لم تكن كما كانت. جذعها انشق من المنتصف. لم يكن الانشقاق كسراً عادياً ناتجاً عن الريح أو الزمن. كان القطع نظيفاً، مستقيماً، كأن شيئاً حاداً مرّ عبرها دون أن يلمسها، دون أن يترك شظايا أو آثار احتكاك. السطح المقطوع كان أملس كأنه صُقل.
— في البداية ظننت أنني وحدي.
ثم قال، والجملة خرجت أبطأ:
ثم قال، والجملة خرجت أبطأ:
— اسمك أولاً.
— وبعدها شعرت أن شيئاً ينظر إليّ.
— رأيت أناساً بلغوا من القوة ما جعل الآخرين يظنون أنهم تجاوزوا حدود البشر. ثم اكتشفوا أن البشر ليسوا الشيء الوحيد الذي له حدود.
— من أين؟
التفت إليه ريو. عيناه هذه المرة كانتا أكثر حدة، رغم التعب الواضح فيهما. قال:
— من فوقي.
كانت الجملة بسيطة، لكنها بقيت معلقة في المكان. قال آزر:
— من السماء؟
— ماذا؟
أغمض ريو عينيه. لحظة طويلة. ثم فتحهما. قال:
ظل آزر صامتاً. في رأسه صورة رجال أقوياء يسقطون واحداً تلو الآخر، لا يدري كيف. ثم سأل:
— في البداية نعم. ثم لم يعد هناك فرق بين السماء وما حولي.
توقف آزر. يده كانت لا تزال قريبة من العلامة. قال:
بقي آزر ساكناً. في رأسه صورة مكان بلا صوت ولا ريح، وشيء ينظر من فوق. قال ريو:
تقلب آزر على فراشه، فصرير الحشائش الجافة تحته كسر الصمت لحظة ثم عاد كل شيء إلى سكونه. كان أهل القرية يقولون إن الإنسان يخاف حين يجهل ما ينتظره خلف الباب أو وراء التل أو تحت السماء نفسها. أما هو فلم يكن يخاف الجهل. كان يكره أن يُطلب منه أن يقبله جواباً نهائياً ويغلق عليه فمه. وفي تلك الليلة الطويلة أدرك شيئاً بسيطاً وقاسياً في آن: أن تقول «لا أعلم» أصدق من أن تخترع جواباً يُرضي الآخرين ويُسكت أسئلتك. لكن أن تقول «لا جواب لهذا السؤال»… فذلك شيء آخر تماماً. شيء يشبه الاعتراف بأن العالم أكبر من أن يُحاط به، وأن من يريد الحقيقة قد يضطر إلى السير في طرق لا يختارها أحد غيره.
— ركضت.
— وكيف هربت؟
— إلى أين؟
نظر ريو إليه. ثم قال، والجملة كانت ثقيلة كحجر:
— لا أعرف.
— أنت تفكر بطريقة خطرة.
— ولماذا؟
في اللحظة نفسها انفتح باب الغرفة بعنف. صوت المفصلات صرخ في الهواء، والضوء الخارجي دخل فجأة. كان كايو يقف عند المدخل، ووجهه شاحب، وعيناه واسعتان كأنه رأى شيئاً لا يُصدق. صاح:
— لأنني أدركت أنني إذا بقيت… فلن أخرج.
— ما الذي كان بعد تلك الحدود؟
— من ماذا؟
— لا أحد.
نظر ريو إلى آزر. وفي عينيه عاد ذلك الخوف القديم، الخوف الذي ليس من الموت بل من شيء أقدم وأعمق. قال:
— من أنت؟
— من شيء لم أره قط.
رفع ريو عينيه إليه. للحظة بدا وكأنه نسي جراحه كلها، ونسي الألم في صدره، ونسي الغرفة المظلمة. قال:
سأل آزر:
— بعضهم ماذا؟
— وكيف هربت؟
— وجدني مرة أخرى.
أجاب ريو:
— أنت تفكر بطريقة خطرة.
— لا أعرف.
— من كان يطاردك؟
ثم أضاف بعد لحظة، والجملة خرجت كأنها الاعتراف الأخير:
ثم أضاف بعد لحظة، والجملة خرجت كأنها الاعتراف الأخير:
— لكنني أعرف شيئاً واحداً. حين وصلت إلى هنا، أدركت أنني لم أكن أهرب من شيء. كنت أهرب من أن يُعثر عليّ.
نظر إليه ريو طويلاً. في عينيه شيء يشبه الحزن المختلط باليقين. قال:
في اللحظة نفسها انفتح باب الغرفة بعنف. صوت المفصلات صرخ في الهواء، والضوء الخارجي دخل فجأة. كان كايو يقف عند المدخل، ووجهه شاحب، وعيناه واسعتان كأنه رأى شيئاً لا يُصدق. صاح:
— الموت.
— رين!
— بعضهم ماذا؟
التفت الجميع إليه. قال كايو، وصوته مرتجف قليلاً:
— لكنني أعرف شيئاً واحداً. حين وصلت إلى هنا، أدركت أنني لم أكن أهرب من شيء. كنت أهرب من أن يُعثر عليّ.
— تعال بسرعة.
نظر آزر إلى السماء. ثم إلى العلامة. ثم إلى ريو. وسأل، والجملة خرجت شبه همس:
خرج رين فوراً. نهض آزر خلفه، لكن ريو أمسك معصمه. كانت قبضة الرجل ضعيفة، واهنة، ومع ذلك شعر آزر بشيء غريب. دفء خافت. كأن شيئاً يتحرك تحت جلد ريو، نبضة غريبة ليست من الدم العادي. نظر آزر إلى يده، ثم إلى ريو. تركه الرجل فوراً. قال بصوت منخفض جداً:
سكت آزر. كانت تلك أول مرة يسمع فيها جملة كهذه. في رأسه بدأت الأفكار تتشابك: الموت، المجهول، الحدود، السماء. قال ريو بعد لحظة، وكأنما يكمل فكرة واحدة طويلة خرجت بعد أن مرّ بكل ما مرّ به:
— لا تسأل.
— حين يطاردك شيء لا تستطيع رؤيته، يصبح السؤال عن ماهيته أقل أهمية من السؤال عن سبب مطاردته لك.
— لماذا؟
هز ريو رأسه. الحركة كانت بطيئة ومؤلمة:
نظر ريو إلى عينيه. في النظرة شيء من التحذير الحقيقي، لا من الخوف فقط. قال:
فكر آزر قليلاً. الكلمات دارت في رأسه مثل حجر يُرمى في بئر عميق. لم يكن الندم ما يخشاه. الندم شعور يمكن احتماله إذا كانت الغاية تستحقه. ثم قال، والجملة خرجت بثقة هادئة لم تكن طفولية:
— لأنك إذا بدأت السؤال عن كل شيء… فلن تستطيع التوقف.
— لا تسأل عن شيء لم تكن مستعداً لمعرفة جوابه.
ثم أفلت يده. خرج آزر.
— رأيت أثره.
كان رين وكايو يقفان أمام البيت. على الأرض، قرب المكان الذي وُجد فيه ريو بالأمس، كانت هناك شجرة يابسة. لكنها لم تكن كما كانت. جذعها انشق من المنتصف. لم يكن الانشقاق كسراً عادياً ناتجاً عن الريح أو الزمن. كان القطع نظيفاً، مستقيماً، كأن شيئاً حاداً مرّ عبرها دون أن يلمسها، دون أن يترك شظايا أو آثار احتكاك. السطح المقطوع كان أملس كأنه صُقل.
— في البداية نعم. ثم لم يعد هناك فرق بين السماء وما حولي.
اقترب آزر. مد يده نحو الجذع. كان سطح القطع بارداً، أبرد من الخشب العادي في هذا الوقت من الصباح. وفي وسطه ظهرت علامة صغيرة. دائرة سوداء لا يزيد قطرها على طرف الإصبع. حدق آزر فيها. لم يعرف لماذا، لكنه شعر أنها ليست علامة تركها إنسان. ليست محفورة بأداة، ولا محروقة بنار عادية. كانت كأنها نمت من داخل الخشب نفسه.
— وكيف هربت؟
رفع رأسه. السماء فوقه كانت صافية. لا غيوم. لا طيور. لا شيء. فقط زرقة واسعة ساكنة كأنها تنتظر. قال رين بصوت خشن:
— إذن لا تتصرف كأنك تعرف أكثر منا.
— لا تلمسها.
— لكنني أعرف أنكم لا تعرفون.
توقف آزر. يده كانت لا تزال قريبة من العلامة. قال:
— من أين؟
— لماذا؟
— كيف؟
لم يجب رين. أما ريو، الذي خرج متكئاً على الباب، فقد رفع عينيه إلى العلامة. وبدا على وجهه شيء لم يره آزر من قبل. ليس خوفاً. بل يقيناً ثقيلاً، كأنه رأى ما كان ينتظره منذ البداية. همس ريو، والصوت كان خافتاً جداً لكنه وصل إلى آذان الجميع:
— تعال بسرعة.
— وجدني مرة أخرى.
— هل كنت قوياً؟
نظر آزر إلى السماء. ثم إلى العلامة. ثم إلى ريو. وسأل، والجملة خرجت شبه همس:
للمرة الأولى تغيرت نظرة ريو إليه. لم تعد نظرة رجل جريح ينظر إلى صبي فضولي. أصبحت نظرة رجل يرى أمامه شيئاً لم يتوقعه. قال بهدوء:
— من؟
ساد الصمت. خارج النافذة الصغيرة سمع آزر صوت طائر بعيد يغرد مرة واحدة ثم يسكت. ثم أجاب الرجل بصوت منخفض:
لم يجب أحد. وظلت السماء صامتة. لكن آزر، للمرة الأولى، لم ينظر إليها باعتبارها شيئاً فوق رأسه. بل باعتبارها شيئاً قد يكون ينظر إليه. وفي تلك اللحظة أدرك أن بعض الأسئلة لا تفتح أبواباً إلى الحقيقة.
.بل تجعل الحقيقة تلتفت إليك..
— من أين؟
— إذا ماتوا لأنهم حاولوا معرفة الجواب، فهذا يعني أن الجواب موجود. وإلا لما كان هناك ما يخشونه.
