Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

المُتَحَرِّر 6

مدينة لين
PDF

مدينة لين

في الصباح التالي كان الضباب قد انحسر عن السهل، والشمس تظهر بين سحب متفرقة تركت فوق العشب قطرات لامعة.
الطريق الذي سلكوه منذ الفجر أوسع من الطريق القديم، لكنه أكثر ازدحامًا. عربات تجرها الخيول، مزارعون يدفعون عربات صغيرة، رجال يحملون سيوفًا قصيرة أو أقواسًا، ونساء يحملن سلالًا تتصاعد منها روائح الأعشاب والتوابل.

— جيد.

كان العالم الذي رأوه من بعيد قد صار الآن قريبًا بما يكفي لأن يلمسوه. وكانت تلك هي المشكلة. عندما ترى شيئًا من بعيد تستطيع أن تضع له صورة في رأسك. أما حين تقترب… فتبدأ الأشياء التي لم تحسب لها حسابًا بالظهور.

— لو كان أبي حيًا، لأخبرته أنني رأيت مدينة بهذا الحجم.

صبي يركض بين عجلات العربات. امرأة تصرخ في بائع. حصان يعض راحة يد صاحبه. رجل يضحك بصوت مرتفع بينما يلف ذراعه حول كتف صديقه. طفلة جالسة على حافة الطريق تأكل ثمرة حمراء أكبر من كفيها. أصوات كثيرة. روائح أكثر. والناس… ناس لا يعرفون آزر، ولا يعرفون قريته، ولا يهتمون بما حدث تحت شجرتهم القديمة.

رفع آزر رأسه.

لسبب ما، وجد ذلك مريحًا. لم يكن أحد هنا يعرفه. ولأول مرة منذ وصول ريو إلى القرية، لم يشعر أن كل نظرة موجهة إليه بسبب شيء لا يفهمه. كان مجرد وجه آخر وسط المئات.

— أما المكان أصعب عليه ذلك.

— لو كان أبي حيًا، لأخبرته أنني رأيت مدينة بهذا الحجم.

رفع الرجل حاجبه.

قال كايو وهو يبتسم وينظر إلى الشوارع. رفع آزر عينيه إليه.

ابتسمت.

— كنت ستطلب منه أيضًا أن يأتي معك؟

— شخص سمعك تتحدث إلى نفسك.

تغيرت ابتسامته قليلًا.

— لا.

— لا.

رفع الرجل حاجبه.

قالها دون تفكير. ثم نظر إلى الطريق.

الشاب ابتسم. ثم جاء الثاني. ظهر ضوء أصفر. قال الرجل:

— كان سيكره الزحام.

كان يمكن للجملة أن تكون عادية. لكن آزر شعر بشيء فيها. شيئًا صادقًا. فقال:

ضحكت نيرة.

— لن أصل حتى السادسة بهذه الطريقة.

— ومن قال إن هذا هو السبب؟

— أنت مزارع؟

نظر إليها كايو.

التفت إلى ريو. أجاب:

— وما السبب؟

التفت إلى ريو. أجاب:

— ربما لأنه كان يعرف كيف يسحبك من الأماكن التي لا تنفعك.

سكت آزر. كان يستطيع أن يغضب. لكنه لم يفعل. قال:

خفض كايو عينيه. تغير شيء في وجهه. شيء صغير. لم يلحظ رين ذلك. أما آزر فلاحظ. لكنه لم يسأل. منذ بدأت الرحلة كان يتعلم أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى أن تُطرح في اللحظة التي تولد فيها. ربما تحتاج أن تنضج أولًا.

خفض كايو عينيه. تغير شيء في وجهه. شيء صغير. لم يلحظ رين ذلك. أما آزر فلاحظ. لكنه لم يسأل. منذ بدأت الرحلة كان يتعلم أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى أن تُطرح في اللحظة التي تولد فيها. ربما تحتاج أن تنضج أولًا.

ظهرت مدينة لين قبل الظهر. لم تكن الأسوار هي أول ما رآه آزر. بل الناس. أعداد كبيرة تسير في اتجاه واحد ثم تتفرق عند البوابات. عربات تحمل القمح. رجال يقودون الماشية. تجار يتجادلون على الأسعار. حراس يرتدون دروعًا معدنية خفيفة. وشبان في أعمار متقاربة يقفون في مجموعات صغيرة، بعضهم يحمل سيوفًا وبعضهم يحمل عصيًا طويلة أو أقواسًا. لكن فوق كل ذلك… كانت هناك أبراج. أبراج حجرية تعلو السور وتطل على كل شيء.

قالها ريو ببساطة. ثم صعد. نظر كايو إلى آزر.

وقف آزر لحظة وهو ينظر إليها. قال رين:

رفع عينيه إلى السماء وقال بصوت هادئ:

— لا تتوقف.

— هذا غريب.

مشى آزر. لكن عينيه بقيتا فوق الأبراج.

— معظم؟

— من بناها؟

— أن يعيش رجل أو يموت بناءً على ما يخدم هدفك.

— لا أعرف. وستجد أشياء كثيرة هنا لا أعرفها.

— معظم؟

نظر إليه آزر.

ضحك الرجل.

— هذا جديد.

— لأنني أعرف ماذا يحدث للناس الذين يدخلون هذا الطريق دون أن يعرفوا شيئًا.

ضحك رين.

ضحك كايو. قال ريو:

— ماذا؟

— أن يصبح هدفك أقسى من كل شيء تفعله للوصول إليه.

— أنك تعترف بذلك بسهولة.

بعد ساعة خرج آزر وحده. لم تمنعه أمه. ربما لأنها عرفت أن منعه لن يفيد. أو ربما لأنه بدا لأول مرة منشغلًا بشيء آخر غير الموت. المشكلة أنه لم يكن يعرف إلى أين يذهب. فمشى. بلا هدف. وهذا كان مختلفًا عليه. هو الذي اعتاد أن يبحث عن سبب لكل شيء، وجد نفسه يمشي دون سبب واضح.

تغير وجه رين. ثم قال:

— لا تفرح. أنت فقط تجهل أشياء أكثر مني.

— في القرية كنت أعرف كل حجر تقريبًا. هنا لا أعرف حتى لماذا يضعون تلك الراية فوق ذلك البرج.

— لا تتوقف.

— إذن نحن متساويان.

في مكان بعيد، خلف جبال لم يرها آزر في حياته، تحرك شيء داخل الظلام. فتح عينين. ثم أغلقهما

هز رين رأسه.

— إذن لماذا تنظر؟

— لا تفرح. أنت فقط تجهل أشياء أكثر مني.

نظر الحارس إلى زميله. ثم أعاد نظره إلى ريو.

ابتسم آزر ابتسامة صغيرة.

كان أسرع . لم ير آزر إلا لمعان المعدن. تحرك كايو أمام الطفل. ارتطم الخنجر بكتفه. صرخ. تراجع. سقط على ركبته.

عند بوابة المدينة أوقفهم حارسان. كان أحدهما شابًا في منتصف العشرينيات، له ندبة صغيرة عند حاجبه. قال:

ثم فتح الباب.

— الأسماء.

— لو كان أبي حيًا، لأخبرته أنني رأيت مدينة بهذا الحجم.

تقدم رين. ذكر اسمه. ثم نيرة. ثم كايو. ثم آزر. وأخيرًا ريو.

لم يقل آزر شيئًا. قال كايو:

حين شعر بهالة ريو، تغير وجه الحارس. لم يكن خوفًا. مجرد انتباه. قال:

— لا. نحن فقط نعرف أنكم لا تعرفون.

— أنت مزارع؟

— ربما. لكن إن لم أستخدمها، فلن أعرف أبدًا إلى أي مدي وصلت.

— نعم.

— من دخل لأول مرة يقف عند الخط.

— من أي طائفة؟

— لأنه لا يضيع الوقت.

صمت ريو.

— لا.

— لست تابعًا لطائفة.

هز رين رأسه.

نظر الحارس إلى زميله. ثم أعاد نظره إلى ريو.

— لم تعد «لا شيء» تقنعني.

— هذا غريب.

بعد ساعة خرج آزر وحده. لم تمنعه أمه. ربما لأنها عرفت أن منعه لن يفيد. أو ربما لأنه بدا لأول مرة منشغلًا بشيء آخر غير الموت. المشكلة أنه لم يكن يعرف إلى أين يذهب. فمشى. بلا هدف. وهذا كان مختلفًا عليه. هو الذي اعتاد أن يبحث عن سبب لكل شيء، وجد نفسه يمشي دون سبب واضح.

— لماذا؟

— جيد.

— لأن معظم من يستطيع الوقوف أمامي بهذه الثقة يكون تابعًا لطائفة.

— هل تبحث عن شخص؟

ضحك كايو. قال ريو:

رفع رين رأسه.

— معظم؟

ثم فتح الباب.

رفع الحارس حاجبه.

— من بناها؟

— نعم.

اقترب الرجل ذو السكين.

ثم نظر إلى آزر.

نظر إلى الكوب.

— وأنت؟ ما رتبتك؟

بعد ساعة كان كايو جالسًا في الغرفة، ونيرة تخيط الجرح في كتفه. ضغط على أسنانه. قالت:

توقف آزر. لم يعرف ما الذي يقصده. نظر إلى ريو. لكن ريو لم يتكلم. قال الحارس:

توقف آزر.

— ما بالكم جميعًا؟

— لأنك لا تتدرب.

أجاب رين بسرعة:

ثم فتح الباب.

— لا يعرف شيئًا. هو من القرية.

مر آزر بجانبه. توقف الرجل عن القراءة. رفع رأسه. نظر إليه. ثم قال:

نظر الحارس إلى آزر. ثم إلى رين. ولسبب لم يفهمه آزر، لم يطرح المزيد من الأسئلة. قال:

— ربما. لكن إن لم أستخدمها، فلن أعرف أبدًا إلى أي مدي وصلت.

— ادخلوا.

لم يعلق آزر. كان يفكر في الجملة.

تحركت العربة. بعد أن ابتعدوا، قال كايو:

— لا أعرف. وستجد أشياء كثيرة هنا لا أعرفها.

— ما رتبتك؟

— ما هذا؟

التفت إلى ريو. أجاب:

نظر الي الدم . ثم إلى الطفل. تغير وجهه. اندفع. ضرب الرجل. سقطت السكين. لكن الرجل الآخر أخرج خنجرًا.

— ليس الآن.

نظر آزر إليه.

— لماذا؟

ضحكت نيرة. أما ريو فلم يقل شيئًا. كان ينظر إلى الشوارع. إلى الأزقة. إلى النوافذ. وكلما مر شخص بقربه، كانت عيناه تتابعانه لحظة ثم تتركانه. قال آزر:

— لأنك لا تعرف حتى ما معنى السؤال.

ضحك بعض الشبان. حتى الرجل ابتسم. ثم قال:

— وهذا لم يمنع الرجل من سؤالي.

التفت ريو إليه. هذه المرة لم تكن في عينيه تلك الخفة القديمة.

أجابت نيرة:

اقترب الرجل ذو السكين.

— لهذا السبب تحديدًا. هناك فرق بين من يسأل لأنه فضولي، ومن يسأل لأنه يتوقع منك أن تملك إجابة.

— أنت…

صمت كايو. ثم نظر إلى آزر.

— لماذا؟

— وأنتم الاثنان تتكلمون كما لو أنكم تعرفون كل شيء.

رفع الرجل حاجبه.

— لا. نحن فقط نعرف أنكم لا تعرفون.

توقف. اقترب.

ضحك كايو. هذه المرة عاد إلى وجهه شيء من الحياة.

نظر آزر إليه.

كانت المدينة أكبر مما توقعوا. ليس في الحجم وحده. في الحركة. كل شيء يتحرك. حتى الأشخاص الواقفون كانوا يفعلون شيئًا بأيديهم. رجل يصقل سكينًا. امرأة تنظف سمكة. طفل يحمل كيسًا أثقل من جسمه. شاب يبيع أعشابًا مجففة. ورجل عجوز يجلس أمام متجر صغير ويقرأ شيئًا على ألواح خشبية رقيقة.

ابتسم الرجل.

مر آزر بجانبه. توقف الرجل عن القراءة. رفع رأسه. نظر إليه. ثم قال:

— هناك أماكن لا تحتاج أن تتعلمها بالطريقة الصعبة.

— من أي منطقة؟

فعل. ظهر الخط من جديد. قال الرجل:

توقف آزر.

بقي صامتًا. لم يعرف ماذا يقول.

— لا أعرف.

— أين الشمال؟

ضحك الرجل.

— وما السبب؟

— هذه إجابة سيئة.

صمت آزر. قالت أمه من الطرف الآخر:

— لماذا؟

نظر إليها كايو.

— لأنني سأضطر إلى أن أسألك مرة أخرى.

— ليس بعد.

ثم عاد إلى ألواحه.

— لا أعرف.

مشى آزر. قال كايو:

— هل أنت غاضب؟

— أعجبني الرجل.

ضحك كايو. هذه المرة عاد إلى وجهه شيء من الحياة.

— لماذا؟

قالها ريو ببساطة. ثم صعد. نظر كايو إلى آزر.

— لأنه لا يضيع الوقت.

رفع ريو عينيه.

— وأنت تضيع وقت الآخرين منذ طفولتك.

— هل سبق أن تدربت؟

— هذه موهبة.

توقف آزر.

ضحكت نيرة. أما ريو فلم يقل شيئًا. كان ينظر إلى الشوارع. إلى الأزقة. إلى النوافذ. وكلما مر شخص بقربه، كانت عيناه تتابعانه لحظة ثم تتركانه. قال آزر:

رفع كايو رأسه.

— هل تبحث عن شخص؟

صمت ريو. قالت نيرة:

— لا.

— جيد.

— إذن لماذا تنظر؟

— لماذا؟

— أبحث عن مكان.

ابتسم آزر ابتسامة صغيرة.

— لماذا؟

لسبب ما، وجد ذلك مريحًا. لم يكن أحد هنا يعرفه. ولأول مرة منذ وصول ريو إلى القرية، لم يشعر أن كل نظرة موجهة إليه بسبب شيء لا يفهمه. كان مجرد وجه آخر وسط المئات.

— لأن الشخص يمكن أن يكذب.

توقف. اقترب.

— أما المكان أصعب عليه ذلك.

رفع كايو رأسه.

لم يعلق آزر. كان يفكر في الجملة.

— أن يصبح هدفك أقسى من كل شيء تفعله للوصول إليه.

وجدوا نزلًا صغيرًا في شارع جانبي. لم يكن رخيصًا. لكن رين دفع ما استطاع. كانت الغرفة الأولى ضيقة. سريران. نافذة. طاولة. وحوض ماء. دخل آزر ووضع حقيبته ثم جلس و لم يخلع حذاءه. قال والده:

— غدًا عند الشروق، اذهب إلى البوابة الشمالية.

— لن تخرج اليوم.

— بالنسبة إلى الطفل، الفرق بين الاحتمالين ليس كبيرًا.

نظر إليه.

دخل آزر. وضع يده على الحجر. لم يحدث شيء. ثانية. ثانيتان. ثم— وميض. ظهر خط أبيض. توقفت القاعة. رفع الرجل رأسه. حدق في الحجر. ثم في آزر. قال:

— لماذا؟

ضحك الرجل.

— لأنك لا تعرف المدينة.

— لا تتحرك.

— سأعرفها إذا خرجت.

نظر إليها كايو.

رفع الأب عينيه إليه. كان يستطيع أن يجادله. لكنه بدل ذلك أخذ نفسًا طويلًا وقال:

— لأن الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من هنا.

— هناك أماكن لا تحتاج أن تتعلمها بالطريقة الصعبة.

قالها ريو ببساطة. ثم صعد. نظر كايو إلى آزر.

صمت آزر. قالت أمه من الطرف الآخر:

— لست تابعًا لطائفة.

— اجلس.

— نعم.

جلس. وضعت أمامه كوبًا من الماء. ثم قالت:

بقي آزر ينظر إلى الباب.

— ماذا رأيت اليوم؟

— هذا ليس قرارك.

فكر.

— الناجي يعرف أنه لم ينجُ حقًا.

— أشياء كثيرة.

أخرج كايو نفسًا طويلًا. ثم قال:

— وما أكثر شيء أعجبك؟

— لا تتحرك.

نظر إلى الكوب.

تقدم رين. ذكر اسمه. ثم نيرة. ثم كايو. ثم آزر. وأخيرًا ريو.

— أن لا أحد يعرفني.

في طريق عودته لم يكن آزر يفكر في الرجل. ولا في القاعة. كان يفكر في الحجر. الخط الأبيض. المَدَد. الزراعة. ثلاث كلمات جديدة. لم تخبره كثيرًا. لكنها فتحت له بابًا. وعندما وصل إلى النزل وجد كايو جالسًا عند الدرج. كان يضغط على معصمه. قال آزر:

لم تقل شيئًا. لكن يدها توقفت لحظة فوق حافة الكوب. ثم قالت:

رفع كايو رأسه.

— أحيانًا يكون ذلك مريحًا.

صمت ريو. قالت نيرة:

رفع آزر عينيه إليها.

— جيد.

— وأحيانًا؟

— لكن الحجر استجاب لك. عد بعد ثلاثة أيام.

ابتسمت.

سكت آزر. كان يستطيع أن يغضب. لكنه لم يفعل. قال:

— أحيانًا تتمنى أن يكون هناك من يعرفك حين تضيع.

نظر آزر إلى الرجل.

بقي صامتًا. لم يعرف ماذا يقول.

— لا. نحن فقط نعرف أنكم لا تعرفون.

بعد ساعة خرج آزر وحده. لم تمنعه أمه. ربما لأنها عرفت أن منعه لن يفيد. أو ربما لأنه بدا لأول مرة منشغلًا بشيء آخر غير الموت. المشكلة أنه لم يكن يعرف إلى أين يذهب. فمشى. بلا هدف. وهذا كان مختلفًا عليه. هو الذي اعتاد أن يبحث عن سبب لكل شيء، وجد نفسه يمشي دون سبب واضح.

— لو تركته، فقد يؤذي شخصًا آخر.

مر بالسوق. ثم بالحي القديم. ثم وصل إلى ساحة واسعة فيها مبنى حجري ضخم. فوق بابه لوحة: قاعة الاختبار. وقف. خرج منها ثلاثة شبان. الأول يحمل سيفًا. الثاني يمشي ببطء وقد أمسك كتفه. الثالث كان يضحك. قال الأول:

— ضحك الثالث. ثم ابتعدوا.

— لن أصل حتى السادسة بهذه الطريقة.

— وهذه القدرة ستغيرك.

— لأنك لا تتدرب.

— كنت ستطلب منه أيضًا أن يأتي معك؟

— أنا أتدرب.

نزعه الشاب عنه. ولم يجرِ بعيدًا. دخل الزقاق. تبعه كايو. صرخ رين:

— على ماذا؟

صمت آزر. قالت أمه من الطرف الآخر:

— على النجاة.

— أنا لا أتحرك.

— ضحك الثالث. ثم ابتعدوا.

— لهذا السبب تحديدًا. هناك فرق بين من يسأل لأنه فضولي، ومن يسأل لأنه يتوقع منك أن تملك إجابة.

بقي آزر ينظر إلى الباب.

وصل الاثنان إلى نهاية الزقاق. كان هناك رجلان. أحدهما يحمل سكينًا. والآخر مطروح على الأرض. وفي الزاوية… طفل. صغير. يرتجف.

: اقترب رجل منه. ثم قال

في الصباح التالي كان الضباب قد انحسر عن السهل، والشمس تظهر بين سحب متفرقة تركت فوق العشب قطرات لامعة. الطريق الذي سلكوه منذ الفجر أوسع من الطريق القديم، لكنه أكثر ازدحامًا. عربات تجرها الخيول، مزارعون يدفعون عربات صغيرة، رجال يحملون سيوفًا قصيرة أو أقواسًا، ونساء يحملن سلالًا تتصاعد منها روائح الأعشاب والتوابل.

— هل تريد الدخول؟

— أعرف ما فعله.

نظر آزر إليه.

— جيد.

— ما هذا؟

— ما رتبتك؟

— اختبار أولي. للزراعة.

— الناس يموتون كل يوم. الفرق أنني هذه المرة أملك القدرة على تغيير ما يحدث.

توقف قلبه لحظة. ليس خوفًا. بل لأن الكلمة التي سمعها منذ الأمس وجدت فجأة بابًا أمامه. قال:

— ربما لأنه كان يعرف كيف يسحبك من الأماكن التي لا تنفعك.

— ما معنى الزراعة؟

— اختبار أولي. للزراعة.

ضحك الرجل.

ابتسم ريو.

— من أي قرية أتيت؟

صمت كايو. ثم نظر إلى آزر.

— قرية صغيرة.

— لا تتحرك.

— واضح.

— لماذا جيد؟

ثم فتح الباب.

— في القرية كنت أعرف كل حجر تقريبًا. هنا لا أعرف حتى لماذا يضعون تلك الراية فوق ذلك البرج.

— إذا كنت لا تعرف شيئًا، تعال.

— وهل يعني ذلك أنني لا أستطيع الزراعة؟

دخل آزر. كانت القاعة أكبر من الخارج. في داخلها صفوف من المقاعد، وفي المنتصف منصة حجرية. كان هناك حوالي عشرين شابًا. بعضهم يحمل شارات على ملابسهم. وبعضهم يتحدث مع رفاقه. وفي وسط القاعة وقف رجل في الأربعين تقريبًا، له لحية قصيرة وشعر مربوط للخلف. قال:

— ضحك الثالث. ثم ابتعدوا.

— من دخل لأول مرة يقف عند الخط.

— لا.

تحرك آزر. وقف. قال الرجل:

ضحك الرجل.

— ضع يدك على الحجر.

— لا أعرف.

كان هناك حجر شفاف على المنصة. أبيض في البداية. وضع الشاب الأول يده. ظهر خط أخضر. قال الرجل:

— رأيت واحدًا أصغر مني يرفع ثلاثة أحجار بيد واحدة. وأنا لم أستطع حتى جعل حجر واحد يتحرك.

— مناسب.

نظر كايو إلى يده.

الشاب ابتسم. ثم جاء الثاني. ظهر ضوء أصفر. قال الرجل:

— ما معنى الزراعة؟

— جيد.

— ماذا؟

الثالث. لم يظهر شيء. تغير وجهه. قال الرجل:

لم تقل شيئًا. لكن يدها توقفت لحظة فوق حافة الكوب. ثم قالت:

— أعد المحاولة.

— لماذا؟

وضع يده ثانية. لا شيء. قال الرجل:

كان هناك حجر شفاف على المنصة. أبيض في البداية. وضع الشاب الأول يده. ظهر خط أخضر. قال الرجل:

— التالي.

ثم نظر إلى آزر.

تراجع الشاب. كان وجهه قد انكسر. مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.

— وقد تقتله وهو يستحق الحياة.

دخل آزر. وضع يده على الحجر. لم يحدث شيء. ثانية. ثانيتان. ثم— وميض. ظهر خط أبيض. توقفت القاعة. رفع الرجل رأسه. حدق في الحجر. ثم في آزر. قال:

كان يمكن للجملة أن تكون عادية. لكن آزر شعر بشيء فيها. شيئًا صادقًا. فقال:

— أعد يدك.

لم يقل رين شيئًا. أما نيرة فأعادت الإبرة إلى الجرح. قالت بهدوء:

فعل. ظهر الخط من جديد. قال الرجل:

هز رين رأسه.

— أنت…

ركض الناس. أغلق أصحاب المتاجر أبوابهم. أمسك رين بذراع آزر.

توقف. اقترب.

خفض كايو عينيه. تغير شيء في وجهه. شيء صغير. لم يلحظ رين ذلك. أما آزر فلاحظ. لكنه لم يسأل. منذ بدأت الرحلة كان يتعلم أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى أن تُطرح في اللحظة التي تولد فيها. ربما تحتاج أن تنضج أولًا.

— هل سبق أن تدربت؟

هز كايو رأسه. ثم قال:

— لا.

ضحك الرجل.

— هل شعرت بالمَدَد من قبل؟

فكر.

— لا أعرف ما هو.

— إذن احذر من شيء واحد.

نظر الرجل إلى الشاب طويلًا. ثم قال:

— إلى الشمال.

— ومن أين جئت؟

— لا.

ذكر آزر اسم قريته. لم يعرف الرجل الاسم. اقترب أحد مساعديه. همس في أذنه. تغير وجهه. قال:

— لأنه كان سيؤذي الطفل.

— هذه ليست منطقة زراعة.

تراجع الشاب. كان وجهه قد انكسر. مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.

نظر آزر إلى الحجر.

— وما فائدة «ربما»؟

— وهل يعني ذلك أنني لا أستطيع الزراعة؟

— للأسف.

لم يجب الرجل مباشرة. ثم قال:

نظر آزر إلى يده.

— يعني أن هناك شيئًا فيك لم أعتد رؤيته هنا.

— إلى الشمال.

— ما هو؟

— ما معنى الزراعة؟

ابتسم الرجل.

— وأنت؟ ما رتبتك؟

— لا أعرف.

— لماذا؟

كان يمكن للجملة أن تكون عادية. لكن آزر شعر بشيء فيها. شيئًا صادقًا. فقال:

— ما هذه؟

— جيد.

سكت ريو. كانت نيرة تراقبه. ورين كذلك. أما كايو فرفع رأسه. لم يجب ريو فورًا. اقترب من النافذة. نظر إلى المدينة. ثم قال:

رفع الرجل حاجبه.

تحركت العربة. بعد أن ابتعدوا، قال كايو:

— لماذا جيد؟

نظر الحارس إلى آزر. ثم إلى رين. ولسبب لم يفهمه آزر، لم يطرح المزيد من الأسئلة. قال:

— لأنك لو أخبرتني بشيء لا تعرفه، سأضطر إلى البحث عن إجابة له بدلًا منك.

نظر آزر إلى الرجل. ثم إلى الطفل. ثم إلى الدم على ذراعه. قال:

ضحك بعض الشبان. حتى الرجل ابتسم. ثم قال:

— لم تجب.

— لديك لسان سيئ.

— إذن أين نذهب؟

— ربما.

صمت كايو. ثم نظر إلى آزر.

— لكن الحجر استجاب لك. عد بعد ثلاثة أيام.

اقترب الرجل ذو السكين.

— لماذا؟

ضحك كايو. قال ريو:

— لأنني أريد أن أعرف ماذا سيحدث إذا تعلمت أول شيء.

ابتسم الشيخ.

في طريق عودته لم يكن آزر يفكر في الرجل. ولا في القاعة. كان يفكر في الحجر. الخط الأبيض. المَدَد. الزراعة. ثلاث كلمات جديدة. لم تخبره كثيرًا. لكنها فتحت له بابًا. وعندما وصل إلى النزل وجد كايو جالسًا عند الدرج. كان يضغط على معصمه. قال آزر:

— ربما. لكن إن لم أستخدمها، فلن أعرف أبدًا إلى أي مدي وصلت.

— ماذا حدث؟

ثم اختفى بين درجات السطح. ظل آزر جالسًا. لم يعرف الرجل. لم يعرف من أين أتى. لم يعرف كيف وصل. ولم يعرف لماذا اختار أن يحدثه. لكنه عرف شيئًا واحدًا. في صباح الغد… سيذهب إلى البوابة الشمالية. ليس لأن الرجل طلب. ولا لأنه يثق به. بل لأن هناك سؤالًا جديدًا ظهر أمامه. وسؤال واحد كان يكفي دائمًا كي يجعل آزر يتحرك.

رفع كايو رأسه.

سكت ريو. كانت نيرة تراقبه. ورين كذلك. أما كايو فرفع رأسه. لم يجب ريو فورًا. اقترب من النافذة. نظر إلى المدينة. ثم قال:

— حاولت. الاختبار.

في الصباح التالي كان الضباب قد انحسر عن السهل، والشمس تظهر بين سحب متفرقة تركت فوق العشب قطرات لامعة. الطريق الذي سلكوه منذ الفجر أوسع من الطريق القديم، لكنه أكثر ازدحامًا. عربات تجرها الخيول، مزارعون يدفعون عربات صغيرة، رجال يحملون سيوفًا قصيرة أو أقواسًا، ونساء يحملن سلالًا تتصاعد منها روائح الأعشاب والتوابل.

نظر آزر إلى يده.

وكانت هناك لحظة قصيرة جدًا… نظر فيها إلى الرجل. الرجل ينظر إليه. والطفل يبكي. وكايو ينزف. لم يفكر آزر في الخير. ولا الشر. ولا العقوبة. ولا الرحمة. فكر فقط في شيء واحد: إذا عاش، فقد يفعلها مرة أخرى. رفع الخنجر. لكن يدًا أمسكت معصمه. ريو. قال:

— والنتيجة؟

— ومن أين جئت؟

ابتسم كايو. لكن الابتسامة كانت متعبة.

— ضع يدك على الحجر.

— لم يعطني شيئًا.

— ربما.

جلس آزر إلى جواره. سأله:

— لأنه كان سيؤذي الطفل.

— هل أنت غاضب؟

نظر آزر إلى الرجل. ثم إلى الطفل. ثم إلى الدم على ذراعه. قال:

هز كايو رأسه. ثم قال:

— وأحيانًا؟

— لا. لكنني أكره هذا.

ابتسم الشيخ.

لم يقل آزر شيئًا. قال كايو:

— ضحك الثالث. ثم ابتعدوا.

— رأيت واحدًا أصغر مني يرفع ثلاثة أحجار بيد واحدة. وأنا لم أستطع حتى جعل حجر واحد يتحرك.

في تلك الليلة اجتمع الأربعة في الغرفة. رين جلس قرب الباب. نيرة أخرجت بعض الأعشاب. ريو بقي واقفًا. وآزر كان إلى جانب النافذة. قال ريو:

— ربما يمكنك فعل شيء آخر.

— ولا شيء. لكنك تحاول فتح باب دون أن تعرف أين الباب.

ضحك كايو بلا فرح.

— ليس الآن.

— وما فائدة «ربما»؟

— لماذا؟

لم يجب آزر. جاء ريو من آخر الممر. توقف عندهما. نظر إلى كايو.

— ما رتبتك؟

— أظهرت النتيجة؟

استدار. كان رجلًا مسنًا يجلس فوق حافة السطح الأخرى. لم يسمع آزر وصوله. كان يرتدي ثوبًا رماديًا بسيطًا، وشعره أبيض تمامًا. سأل آزر:

هز رأسه.

لم يجب آزر فورًا. ثم قال:

— لا.

نظر آزر إليه.

— ماذا قالوا؟

— لا.

— إنني لا أملك موهبة واضحة.

— لا أعرف.

لم يتغير وجه ريو. لكن عينيه ثبتتا على يد كايو. قال:

— كنت ستطلب منه أيضًا أن يأتي معك؟

— وهل تصدقهم؟

نظر آزر إلى الرجل.

— لا.

— لا.

— جيد.

— أبحث عن مكان.

قالها ريو ببساطة. ثم صعد. نظر كايو إلى آزر.

— لا أعرف. وستجد أشياء كثيرة هنا لا أعرفها.

— هل هذا كل شيء؟

لم يقل رين شيئًا. أما نيرة فأعادت الإبرة إلى الجرح. قالت بهدوء:

— لا أعرف.

ضحك رين.

— بدأت أكره هذه العبارة أقل.

— إذن لماذا تنظر؟

في تلك الليلة اجتمع الأربعة في الغرفة. رين جلس قرب الباب. نيرة أخرجت بعض الأعشاب. ريو بقي واقفًا. وآزر كان إلى جانب النافذة. قال ريو:

— أعجبني الرجل.

— لن نبقى هنا طويلًا.

— أما المكان أصعب عليه ذلك.

رفع رين رأسه.

— أعرف ما فعله.

— لماذا؟

بقي آزر ينظر إلى الباب.

— لأنهم سيبحثون عنكم.

سكت آزر. لم يجادلها. لكنه لم يوافق أيضًا. وفي تلك اللحظة، لم يكن أحد منهم يعرف أن هذه الجملة ستعود يومًا… بعد سنوات. وفي مكان لا يشبه لين. ولا القرية. ولا هذا العالم كله.

— من؟

ضحك بعض الشبان. حتى الرجل ابتسم. ثم قال:

صمت ريو. قالت نيرة:

— لكن الحجر استجاب لك. عد بعد ثلاثة أيام.

— هل المشكلة بدأت الآن؟

رفع رين رأسه.

نظر إليها.

— وما أكثر شيء أعجبك؟

— لا. نحن فقط أصبحنا في مكان يمكنها أن تصل إليه.

— إلى أين؟

— إذن أين نذهب؟

— لا.

أخرج ريو قطعة نقدية صغيرة ووضعها على الطاولة.

هز رين رأسه.

— إلى الشمال.

— ماذا؟

نظر آزر إليها. كانت عليها علامة غريبة. ليست الدائرة. لكنها تشبهها قليلًا. قال:

— حاولت. الاختبار.

— ما هذه؟

ضحك بعض الشبان. حتى الرجل ابتسم. ثم قال:

نظر ريو إلى القطعة. ثم قلبها.

— لماذا؟

— لا شيء.

— وما فائدة «ربما»؟

— لم تعد «لا شيء» تقنعني.

— وأنتم الاثنان تتكلمون كما لو أنكم تعرفون كل شيء.

ابتسم ريو.

هز رأسه.

— جيد.

— لم يعطني شيئًا.

— أين الشمال؟

نظر آزر إلى الحجر.

— هناك طائفة صغيرة على بعد خمسة أيام.

لم يجب آزر فورًا. ثم قال:

— طائفة؟ وهل سنصبح مزارعين فيها؟

— أعرف ما فعله.

نظر ريو إليه.

— وما فائدة «ربما»؟

— إن أرادوا قبولكم.

نظر إليه آزر.

— وإن لم يريدوا؟

— ابتعدوا!

— نكمل.

— ربما.

أخرج كايو نفسًا طويلًا. ثم قال:

تحرك آزر. التقط حجرًا من الأرض. وضرب به ركبة الرجل. صرخ. سقط. قبل أن يستطيع النهوض، أمسك آزر بالخنجر. رفعه.

— إلى أين؟

— لا. نحن فقط أصبحنا في مكان يمكنها أن تصل إليه.

رفع ريو عينيه.

— ولو لم يكن هناك طفل؟

— إلى مكان يمكنكم فيه أن تتعلموا.

— لديك لسان سيئ.

نظر آزر إلى الرجل.

— هل المشكلة بدأت الآن؟

— وأنت؟ لماذا تساعدنا؟

— إلى مكان يمكنكم فيه أن تتعلموا.

سكت ريو. كانت نيرة تراقبه. ورين كذلك. أما كايو فرفع رأسه. لم يجب ريو فورًا. اقترب من النافذة. نظر إلى المدينة. ثم قال:

نظر الرجل إلى الشاب طويلًا. ثم قال:

— لأنني أعرف ماذا يحدث للناس الذين يدخلون هذا الطريق دون أن يعرفوا شيئًا.

دخل آزر. كانت القاعة أكبر من الخارج. في داخلها صفوف من المقاعد، وفي المنتصف منصة حجرية. كان هناك حوالي عشرين شابًا. بعضهم يحمل شارات على ملابسهم. وبعضهم يتحدث مع رفاقه. وفي وسط القاعة وقف رجل في الأربعين تقريبًا، له لحية قصيرة وشعر مربوط للخلف. قال:

— وماذا يحدث؟

— إنني لا أملك موهبة واضحة.

ظل ريو صامتًا. ثم قال:

ضحك الرجل.

— بعضهم يموت. وبعضهم ينجو.

— لا.

— وما الفرق؟

نزعه الشاب عنه. ولم يجرِ بعيدًا. دخل الزقاق. تبعه كايو. صرخ رين:

التفت ريو إليه. هذه المرة لم تكن في عينيه تلك الخفة القديمة.

قالها ريو ببساطة. ثم صعد. نظر كايو إلى آزر.

— الناجي يعرف أنه لم ينجُ حقًا.

— المعرفة.

كان عليهم أن يرحلوا في الصباح. لكنهم لم يفعلوا. حدث ما أجبرهم على البقاء ليلة أخرى.

— جيد.

: بدأ كل شيء بصرخة في السوق. خرجت من أحد الأزقة. صرخة امرأة. ثم سقط شيء معدني. ثم تبعها صوت رجل

— جيد.

— ابتعدوا!

— لماذا؟

ركض الناس. أغلق أصحاب المتاجر أبوابهم. أمسك رين بذراع آزر.

ابتسم الشيخ.

— إلى الداخل.

— أنا لا أتحرك.

لكن آزر كان قد سمع شيئًا آخر. بكاء طفل. نظر إلى رين. ثم تحرك. أمسك رين بكتفه.

ابتسم آزر ابتسامة صغيرة.

— آزر!

فعل. ظهر الخط من جديد. قال الرجل:

نزعه الشاب عنه. ولم يجرِ بعيدًا. دخل الزقاق. تبعه كايو. صرخ رين:

— إذن أين نذهب؟

— عودا!

تراجع الشاب. كان وجهه قد انكسر. مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.

لكن نيرة قالت:

— أعجبني الرجل.

— اتركهما.

رفع رين رأسه.

نظر إليها.

— لماذا؟

— لماذا؟

عند بوابة المدينة أوقفهم حارسان. كان أحدهما شابًا في منتصف العشرينيات، له ندبة صغيرة عند حاجبه. قال:

— لم تجب.

قالها ريو ببساطة. ثم صعد. نظر كايو إلى آزر.

وصل الاثنان إلى نهاية الزقاق. كان هناك رجلان. أحدهما يحمل سكينًا. والآخر مطروح على الأرض. وفي الزاوية… طفل. صغير. يرتجف.

وجدوا نزلًا صغيرًا في شارع جانبي. لم يكن رخيصًا. لكن رين دفع ما استطاع. كانت الغرفة الأولى ضيقة. سريران. نافذة. طاولة. وحوض ماء. دخل آزر ووضع حقيبته ثم جلس و لم يخلع حذاءه. قال والده:

اقترب الرجل ذو السكين.

— ربما.

— ابتعدا.

صمت كايو. ثم نظر إلى آزر.

: كايو توقف وحمل الطفل. تغير تنفسه. الرجل الآخر أمسك بذراعه. قال

نظر إليه.

— اترك الطفل.

حين شعر بهالة ريو، تغير وجه الحارس. لم يكن خوفًا. مجرد انتباه. قال:

— ليس شأنك.

— من أنت؟

تحرك كايو. أسرع مما توقع الرجل. لكن السكين انحرفت نحوه. صرخ. تراجع. جرح خفيف ظهر على ذراعه.

— حاولت. الاختبار.

نظر الي الدم . ثم إلى الطفل. تغير وجهه. اندفع. ضرب الرجل. سقطت السكين. لكن الرجل الآخر أخرج خنجرًا.

— للأسف.

كان أسرع . لم ير آزر إلا لمعان المعدن. تحرك كايو أمام الطفل. ارتطم الخنجر بكتفه. صرخ. تراجع. سقط على ركبته.

— وما السبب؟

تجمد آزر. لحظة واحدة. فقط لحظة. كان يستطيع الهرب. كان يستطيع انتظار أحد للمساعدة أو الحراس.

لكن الطريق… كان قد بدأ بالفعل.

كان يستطيع أن يعود ويترك الأمر لهم. وكانت تلك أسهل الطرق. لكن الطفل كان سيُصاب.

نظر آزر إليه.

تحرك آزر. التقط حجرًا من الأرض. وضرب به ركبة الرجل. صرخ. سقط. قبل أن يستطيع النهوض، أمسك آزر بالخنجر. رفعه.

— هذا ليس قرارك.

وكانت هناك لحظة قصيرة جدًا… نظر فيها إلى الرجل. الرجل ينظر إليه. والطفل يبكي. وكايو ينزف. لم يفكر آزر في الخير. ولا الشر. ولا العقوبة. ولا الرحمة. فكر فقط في شيء واحد: إذا عاش، فقد يفعلها مرة أخرى. رفع الخنجر. لكن يدًا أمسكت معصمه. ريو. قال:

— هل ستخبرني؟

— كفى.

رفع رين رأسه.

نظر آزر إليه.

— لا أعرف. وستجد أشياء كثيرة هنا لا أعرفها.

— لماذا؟

— ليس الآن.

— لأنك لا تعرفه.

— ربما يمكنك فعل شيء آخر.

— أعرف ما فعله.

— غدًا عند الشروق، اذهب إلى البوابة الشمالية.

— هذا ليس كافيًا.

لم يجب الرجل مباشرة. ثم قال:

رفع آزر عينيه.

هز رين رأسه.

— لو تركته، فقد يؤذي شخصًا آخر.

— وماذا يحدث؟

— وقد تقتله وهو يستحق الحياة.

— وأنت؟ لماذا تساعدنا؟

نظر آزر إلى الرجل. ثم إلى الطفل. ثم إلى الدم على ذراعه. قال:

— لم يعطني شيئًا.

— بالنسبة إلى الطفل، الفرق بين الاحتمالين ليس كبيرًا.

— لماذا؟

شد ريو يده.

بعد ساعة كان كايو جالسًا في الغرفة، ونيرة تخيط الجرح في كتفه. ضغط على أسنانه. قالت:

— هذا ليس قرارك.

كان يمكن للجملة أن تكون عادية. لكن آزر شعر بشيء فيها. شيئًا صادقًا. فقال:

نظر آزر إلى معصمه الذي أمسكه ريو. ثم ترك الخنجر. سقط على الأرض. لكن عينيه بقيتا على الرجل. لم يبدُ نادمًا. ولم يبدُ مرتاحًا. فقط… كان قد اتخذ قراره.

لم يقل رين شيئًا. أما نيرة فأعادت الإبرة إلى الجرح. قالت بهدوء:

بعد ساعة كان كايو جالسًا في الغرفة، ونيرة تخيط الجرح في كتفه. ضغط على أسنانه. قالت:

— لأن الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من هنا.

— لا تتحرك.

— قرية صغيرة.

— أنا لا أتحرك.

— هذا ليس كافيًا.

— كتفك هو الذي يتحرك.

اقترب الرجل ذو السكين.

— لأنه جزء مني.

— لن نبقى هنا طويلًا.

— للأسف.

— لأنني سأضطر إلى أن أسألك مرة أخرى.

ابتسم رغم الألم. أما آزر فكان جالسًا قرب النافذة. نظر كايو إليه. ثم قال:

— لا تتوقف.

— كنت ستقتله.

الثالث. لم يظهر شيء. تغير وجهه. قال الرجل:

رفع آزر رأسه.

— وما فائدة «ربما»؟

— نعم.

قالها ريو ببساطة. ثم صعد. نظر كايو إلى آزر.

سكت كايو. قال:

— هل المشكلة بدأت الآن؟

— لماذا؟

ضحك بعض الشبان. حتى الرجل ابتسم. ثم قال:

لم يجب آزر فورًا. ثم قال:

— لا تفرح. أنت فقط تجهل أشياء أكثر مني.

— لأنه كان سيؤذي الطفل.

— لا.

نظر كايو إلى يده.

— لماذا؟

— ولو لم يكن هناك طفل؟

— هناك طائفة صغيرة على بعد خمسة أيام.

— لم أكن لأتدخل.

— بدأت أكره هذه العبارة أقل.

ساد الصمت. رفعت نيرة عينيها إليه. لكنها لم تقل شيئًا. كان رين في الزاوية. نظر إلى آزر طويلًا. ثم قال:

— من أي قرية أتيت؟

— وأنت لا ترى مشكلة في ذلك؟

— ضع يدك على الحجر.

نظر آزر إليه.

— لماذا؟

— مشكلة؟

نظر آزر إلى معصمه الذي أمسكه ريو. ثم ترك الخنجر. سقط على الأرض. لكن عينيه بقيتا على الرجل. لم يبدُ نادمًا. ولم يبدُ مرتاحًا. فقط… كان قد اتخذ قراره.

— أن يعيش رجل أو يموت بناءً على ما يخدم هدفك.

— إلى أين؟

لم يفهم كايو تمامًا. لكن رين فهم. وأدركت نيرة أيضًا أن الإجابة أهم من السؤال. قال آزر:

— لا تتوقف.

— الناس يموتون كل يوم. الفرق أنني هذه المرة أملك القدرة على تغيير ما يحدث.

— وهل تصدقهم؟

— وهذه القدرة ستغيرك.

— ضحك الثالث. ثم ابتعدوا.

— ربما. لكن إن لم أستخدمها، فلن أعرف أبدًا إلى أي مدي وصلت.

ضحك كايو. قال ريو:

لم يقل رين شيئًا. أما نيرة فأعادت الإبرة إلى الجرح. قالت بهدوء:

توقف قلبه لحظة. ليس خوفًا. بل لأن الكلمة التي سمعها منذ الأمس وجدت فجأة بابًا أمامه. قال:

— إذن احذر من شيء واحد.

قال كايو وهو يبتسم وينظر إلى الشوارع. رفع آزر عينيه إليه.

نظر إليها آزر.

وقف آزر لحظة وهو ينظر إليها. قال رين:

— ماذا؟

— أظهرت النتيجة؟

رفعت عينيها إليه.

نظر إليه آزر.

— أن يصبح هدفك أقسى من كل شيء تفعله للوصول إليه.

— اتركهما.

سكت آزر. لم يجادلها. لكنه لم يوافق أيضًا. وفي تلك اللحظة، لم يكن أحد منهم يعرف أن هذه الجملة ستعود يومًا… بعد سنوات. وفي مكان لا يشبه لين. ولا القرية. ولا هذا العالم كله.

— وأنت؟ ما رتبتك؟

في منتصف الليل خرج آزر إلى سطح النزل. كانت المدينة تحت قدميه. آلاف النوافذ. بعضها مضيء. بعضها مظلم. صوت المدينة في الليل لم يكن مثل النهار. كان أخفض. أعمق. كأن لكل شارع حياة سرية لا تظهر تحت الشمس.

— الناجي يعرف أنه لم ينجُ حقًا.

جلس. رفع رأسه إلى السماء. تذكر الرجل الميت في قريته. ثم رين. ريو. كايو. الطفل. الخنجر. والمَدَد. مد يده أمامه. فتح كفه. لم يحدث شيء. أغلقها. حاول مرة أخرى. لا شيء. ضحك بهدوء.

— ربما.

— ليس بعد.

— لماذا؟

لم يكن غاضبًا. كان فقط يعترف بحقيقة. ثم سمع صوتًا خلفه.

أجابت نيرة:

— من قال لك إن المَدَد يخرج من اليد؟

— ماذا حدث؟

استدار. كان رجلًا مسنًا يجلس فوق حافة السطح الأخرى. لم يسمع آزر وصوله. كان يرتدي ثوبًا رماديًا بسيطًا، وشعره أبيض تمامًا. سأل آزر:

هز رين رأسه.

— من أنت؟

حين شعر بهالة ريو، تغير وجه الحارس. لم يكن خوفًا. مجرد انتباه. قال:

— شخص سمعك تتحدث إلى نفسك.

— لا.

— ماذا تريد؟

— لا.

ضحك الشيخ.

— واضح.

— ولا شيء. لكنك تحاول فتح باب دون أن تعرف أين الباب.

وجدوا نزلًا صغيرًا في شارع جانبي. لم يكن رخيصًا. لكن رين دفع ما استطاع. كانت الغرفة الأولى ضيقة. سريران. نافذة. طاولة. وحوض ماء. دخل آزر ووضع حقيبته ثم جلس و لم يخلع حذاءه. قال والده:

— هل تعرف أين هو؟

الشاب ابتسم. ثم جاء الثاني. ظهر ضوء أصفر. قال الرجل:

— ربما.

— إذن نحن متساويان.

— هل ستخبرني؟

خفض كايو عينيه. تغير شيء في وجهه. شيء صغير. لم يلحظ رين ذلك. أما آزر فلاحظ. لكنه لم يسأل. منذ بدأت الرحلة كان يتعلم أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى أن تُطرح في اللحظة التي تولد فيها. ربما تحتاج أن تنضج أولًا.

نظر إليه طويلًا. ثم قال:

— أحيانًا تتمنى أن يكون هناك من يعرفك حين تضيع.

— لا.

نظر الي الدم . ثم إلى الطفل. تغير وجهه. اندفع. ضرب الرجل. سقطت السكين. لكن الرجل الآخر أخرج خنجرًا.

سكت آزر. كان يستطيع أن يغضب. لكنه لم يفعل. قال:

وصل الاثنان إلى نهاية الزقاق. كان هناك رجلان. أحدهما يحمل سكينًا. والآخر مطروح على الأرض. وفي الزاوية… طفل. صغير. يرتجف.

— لماذا؟

— ما هو؟

ابتسم الشيخ.

— ربما يمكنك فعل شيء آخر.

— لأنك طلبت مني إجابة قبل أن تدفع ثمنها.

— جيد.

— وما ثمنها؟

— هناك أماكن لا تحتاج أن تتعلمها بالطريقة الصعبة.

— المعرفة.

— لهذا السبب تحديدًا. هناك فرق بين من يسأل لأنه فضولي، ومن يسأل لأنه يتوقع منك أن تملك إجابة.

ثم نهض. وقبل أن يرحل، قال:

— هذا ليس قرارك.

— غدًا عند الشروق، اذهب إلى البوابة الشمالية.

— ما بالكم جميعًا؟

توقف آزر.

— وهذا لم يمنع الرجل من سؤالي.

— لماذا؟

— أعجبني الرجل.

ابتسم الشيخ.

— لماذا؟

— لأن الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من هنا.

— لأنه لا يضيع الوقت.

ثم اختفى بين درجات السطح. ظل آزر جالسًا. لم يعرف الرجل. لم يعرف من أين أتى. لم يعرف كيف وصل. ولم يعرف لماذا اختار أن يحدثه. لكنه عرف شيئًا واحدًا. في صباح الغد… سيذهب إلى البوابة الشمالية. ليس لأن الرجل طلب. ولا لأنه يثق به. بل لأن هناك سؤالًا جديدًا ظهر أمامه. وسؤال واحد كان يكفي دائمًا كي يجعل آزر يتحرك.

في مكان بعيد، خلف جبال لم يرها آزر في حياته، تحرك شيء داخل الظلام. فتح عينين. ثم أغلقهما

رفع عينيه إلى السماء وقال بصوت هادئ:

— ماذا؟

ماذا يوجد بعد هذا العالم؟

— الناجي يعرف أنه لم ينجُ حقًا.

ولم يكن يعرف أن السؤال الذي نطق به همسًا… كان أكبر من أن يسمعه رجل واحد.

رفع آزر رأسه.

في مكان بعيد، خلف جبال لم يرها آزر في حياته، تحرك شيء داخل الظلام. فتح عينين. ثم أغلقهما

— وأنت؟ ما رتبتك؟

. عاد كل شيء ساكنًا. كأن شيئًا لم يحدث.

— نعم.

لكن الطريق… كان قد بدأ بالفعل.

— لأنك لو أخبرتني بشيء لا تعرفه، سأضطر إلى البحث عن إجابة له بدلًا منك.

— التالي.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط