Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

المُتَحَرِّر 6

مدينة لين
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

مدينة لين

في الصباح التالي كان الضباب قد انحسر عن السهل، والشمس تظهر بين سحب متفرقة تركت فوق العشب قطرات لامعة.
الطريق الذي سلكوه منذ الفجر أوسع من الطريق القديم، لكنه أكثر ازدحامًا. عربات تجرها الخيول، مزارعون يدفعون عربات صغيرة، رجال يحملون سيوفًا قصيرة أو أقواسًا، ونساء يحملن سلالًا تتصاعد منها روائح الأعشاب والتوابل.

نظر إلى الكوب.

كان العالم الذي رأوه من بعيد قد صار الآن قريبًا بما يكفي لأن يلمسوه. وكانت تلك هي المشكلة. عندما ترى شيئًا من بعيد تستطيع أن تضع له صورة في رأسك. أما حين تقترب… فتبدأ الأشياء التي لم تحسب لها حسابًا بالظهور.

— وأنت؟ لماذا تساعدنا؟

صبي يركض بين عجلات العربات. امرأة تصرخ في بائع. حصان يعض راحة يد صاحبه. رجل يضحك بصوت مرتفع بينما يلف ذراعه حول كتف صديقه. طفلة جالسة على حافة الطريق تأكل ثمرة حمراء أكبر من كفيها. أصوات كثيرة. روائح أكثر. والناس… ناس لا يعرفون آزر، ولا يعرفون قريته، ولا يهتمون بما حدث تحت شجرتهم القديمة.

— إلى الداخل.

لسبب ما، وجد ذلك مريحًا. لم يكن أحد هنا يعرفه. ولأول مرة منذ وصول ريو إلى القرية، لم يشعر أن كل نظرة موجهة إليه بسبب شيء لا يفهمه. كان مجرد وجه آخر وسط المئات.

ابتسم آزر ابتسامة صغيرة.

— لو كان أبي حيًا، لأخبرته أنني رأيت مدينة بهذا الحجم.

— لماذا جيد؟

قال كايو وهو يبتسم وينظر إلى الشوارع. رفع آزر عينيه إليه.

التفت إلى ريو. أجاب:

— كنت ستطلب منه أيضًا أن يأتي معك؟

— لست تابعًا لطائفة.

تغيرت ابتسامته قليلًا.

أجاب رين بسرعة:

— لا.

— كتفك هو الذي يتحرك.

قالها دون تفكير. ثم نظر إلى الطريق.

كان العالم الذي رأوه من بعيد قد صار الآن قريبًا بما يكفي لأن يلمسوه. وكانت تلك هي المشكلة. عندما ترى شيئًا من بعيد تستطيع أن تضع له صورة في رأسك. أما حين تقترب… فتبدأ الأشياء التي لم تحسب لها حسابًا بالظهور.

— كان سيكره الزحام.

ثم فتح الباب.

ضحكت نيرة.

صمت ريو. قالت نيرة:

— ومن قال إن هذا هو السبب؟

— وهل يعني ذلك أنني لا أستطيع الزراعة؟

نظر إليها كايو.

— ما هذا؟

— وما السبب؟

أجابت نيرة:

— ربما لأنه كان يعرف كيف يسحبك من الأماكن التي لا تنفعك.

— اترك الطفل.

خفض كايو عينيه. تغير شيء في وجهه. شيء صغير. لم يلحظ رين ذلك. أما آزر فلاحظ. لكنه لم يسأل. منذ بدأت الرحلة كان يتعلم أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى أن تُطرح في اللحظة التي تولد فيها. ربما تحتاج أن تنضج أولًا.

ضحكت نيرة. أما ريو فلم يقل شيئًا. كان ينظر إلى الشوارع. إلى الأزقة. إلى النوافذ. وكلما مر شخص بقربه، كانت عيناه تتابعانه لحظة ثم تتركانه. قال آزر:

ظهرت مدينة لين قبل الظهر. لم تكن الأسوار هي أول ما رآه آزر. بل الناس. أعداد كبيرة تسير في اتجاه واحد ثم تتفرق عند البوابات. عربات تحمل القمح. رجال يقودون الماشية. تجار يتجادلون على الأسعار. حراس يرتدون دروعًا معدنية خفيفة. وشبان في أعمار متقاربة يقفون في مجموعات صغيرة، بعضهم يحمل سيوفًا وبعضهم يحمل عصيًا طويلة أو أقواسًا. لكن فوق كل ذلك… كانت هناك أبراج. أبراج حجرية تعلو السور وتطل على كل شيء.

— لأنك لا تتدرب.

وقف آزر لحظة وهو ينظر إليها. قال رين:

ثم نظر إلى آزر.

— لا تتوقف.

هز كايو رأسه. ثم قال:

مشى آزر. لكن عينيه بقيتا فوق الأبراج.

— لأنك لو أخبرتني بشيء لا تعرفه، سأضطر إلى البحث عن إجابة له بدلًا منك.

— من بناها؟

لم يعلق آزر. كان يفكر في الجملة.

— لا أعرف. وستجد أشياء كثيرة هنا لا أعرفها.

— هل شعرت بالمَدَد من قبل؟

نظر إليه آزر.

سكت كايو. قال:

— هذا جديد.

لم يقل رين شيئًا. أما نيرة فأعادت الإبرة إلى الجرح. قالت بهدوء:

ضحك رين.

— أنت مزارع؟

— ماذا؟

— اتركهما.

— أنك تعترف بذلك بسهولة.

مشى آزر. قال كايو:

تغير وجه رين. ثم قال:

تراجع الشاب. كان وجهه قد انكسر. مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.

— في القرية كنت أعرف كل حجر تقريبًا. هنا لا أعرف حتى لماذا يضعون تلك الراية فوق ذلك البرج.

— ما هذه؟

— إذن نحن متساويان.

— لا أعرف. وستجد أشياء كثيرة هنا لا أعرفها.

هز رين رأسه.

تغير وجه رين. ثم قال:

— لا تفرح. أنت فقط تجهل أشياء أكثر مني.

تحرك آزر. وقف. قال الرجل:

ابتسم آزر ابتسامة صغيرة.

— ماذا رأيت اليوم؟

عند بوابة المدينة أوقفهم حارسان. كان أحدهما شابًا في منتصف العشرينيات، له ندبة صغيرة عند حاجبه. قال:

تغير وجه رين. ثم قال:

— الأسماء.

رفع آزر عينيه.

تقدم رين. ذكر اسمه. ثم نيرة. ثم كايو. ثم آزر. وأخيرًا ريو.

— هذه إجابة سيئة.

حين شعر بهالة ريو، تغير وجه الحارس. لم يكن خوفًا. مجرد انتباه. قال:

— لا يعرف شيئًا. هو من القرية.

— أنت مزارع؟

ضحك بعض الشبان. حتى الرجل ابتسم. ثم قال:

— نعم.

— كتفك هو الذي يتحرك.

— من أي طائفة؟

— ابتعدوا!

صمت ريو.

— واضح.

— لست تابعًا لطائفة.

ثم عاد إلى ألواحه.

نظر الحارس إلى زميله. ثم أعاد نظره إلى ريو.

— آزر!

— هذا غريب.

في مكان بعيد، خلف جبال لم يرها آزر في حياته، تحرك شيء داخل الظلام. فتح عينين. ثم أغلقهما

— لماذا؟

— ما معنى الزراعة؟

— لأن معظم من يستطيع الوقوف أمامي بهذه الثقة يكون تابعًا لطائفة.

— أنا لا أتحرك.

ضحك كايو. قال ريو:

— كنت ستطلب منه أيضًا أن يأتي معك؟

— معظم؟

لم يتغير وجه ريو. لكن عينيه ثبتتا على يد كايو. قال:

رفع الحارس حاجبه.

— ما هذه؟

— نعم.

رفع كايو رأسه.

ثم نظر إلى آزر.

في تلك الليلة اجتمع الأربعة في الغرفة. رين جلس قرب الباب. نيرة أخرجت بعض الأعشاب. ريو بقي واقفًا. وآزر كان إلى جانب النافذة. قال ريو:

— وأنت؟ ما رتبتك؟

— ومن قال إن هذا هو السبب؟

توقف آزر. لم يعرف ما الذي يقصده. نظر إلى ريو. لكن ريو لم يتكلم. قال الحارس:

ذكر آزر اسم قريته. لم يعرف الرجل الاسم. اقترب أحد مساعديه. همس في أذنه. تغير وجهه. قال:

— ما بالكم جميعًا؟

— هذا ليس كافيًا.

أجاب رين بسرعة:

— إن أرادوا قبولكم.

— لا يعرف شيئًا. هو من القرية.

نظر الحارس إلى زميله. ثم أعاد نظره إلى ريو.

نظر الحارس إلى آزر. ثم إلى رين. ولسبب لم يفهمه آزر، لم يطرح المزيد من الأسئلة. قال:

— إذن نحن متساويان.

— ادخلوا.

ضحك الشيخ.

تحركت العربة. بعد أن ابتعدوا، قال كايو:

تقدم رين. ذكر اسمه. ثم نيرة. ثم كايو. ثم آزر. وأخيرًا ريو.

— ما رتبتك؟

— أعد المحاولة.

التفت إلى ريو. أجاب:

لم يجب الرجل مباشرة. ثم قال:

— ليس الآن.

رفع الحارس حاجبه.

— لماذا؟

رفع رين رأسه.

— لأنك لا تعرف حتى ما معنى السؤال.

وضع يده ثانية. لا شيء. قال الرجل:

— وهذا لم يمنع الرجل من سؤالي.

ابتسم آزر ابتسامة صغيرة.

أجابت نيرة:

— وأحيانًا؟

— لهذا السبب تحديدًا. هناك فرق بين من يسأل لأنه فضولي، ومن يسأل لأنه يتوقع منك أن تملك إجابة.

الشاب ابتسم. ثم جاء الثاني. ظهر ضوء أصفر. قال الرجل:

صمت كايو. ثم نظر إلى آزر.

— للأسف.

— وأنتم الاثنان تتكلمون كما لو أنكم تعرفون كل شيء.

— لا أعرف.

— لا. نحن فقط نعرف أنكم لا تعرفون.

— لا.

ضحك كايو. هذه المرة عاد إلى وجهه شيء من الحياة.

— التالي.

كانت المدينة أكبر مما توقعوا. ليس في الحجم وحده. في الحركة. كل شيء يتحرك. حتى الأشخاص الواقفون كانوا يفعلون شيئًا بأيديهم. رجل يصقل سكينًا. امرأة تنظف سمكة. طفل يحمل كيسًا أثقل من جسمه. شاب يبيع أعشابًا مجففة. ورجل عجوز يجلس أمام متجر صغير ويقرأ شيئًا على ألواح خشبية رقيقة.

— لا. لكنني أكره هذا.

مر آزر بجانبه. توقف الرجل عن القراءة. رفع رأسه. نظر إليه. ثم قال:

الثالث. لم يظهر شيء. تغير وجهه. قال الرجل:

— من أي منطقة؟

ابتسم الشيخ.

توقف آزر.

ضحك رين.

— لا أعرف.

— لا.

ضحك الرجل.

أجاب رين بسرعة:

— هذه إجابة سيئة.

— لماذا؟

— لماذا؟

— والنتيجة؟

— لأنني سأضطر إلى أن أسألك مرة أخرى.

— وأنتم الاثنان تتكلمون كما لو أنكم تعرفون كل شيء.

ثم عاد إلى ألواحه.

— لأنه لا يضيع الوقت.

مشى آزر. قال كايو:

— ربما لأنه كان يعرف كيف يسحبك من الأماكن التي لا تنفعك.

— أعجبني الرجل.

ابتسمت.

— لماذا؟

— أن يصبح هدفك أقسى من كل شيء تفعله للوصول إليه.

— لأنه لا يضيع الوقت.

توقف قلبه لحظة. ليس خوفًا. بل لأن الكلمة التي سمعها منذ الأمس وجدت فجأة بابًا أمامه. قال:

— وأنت تضيع وقت الآخرين منذ طفولتك.

ابتسم الشيخ.

— هذه موهبة.

وقف آزر لحظة وهو ينظر إليها. قال رين:

ضحكت نيرة. أما ريو فلم يقل شيئًا. كان ينظر إلى الشوارع. إلى الأزقة. إلى النوافذ. وكلما مر شخص بقربه، كانت عيناه تتابعانه لحظة ثم تتركانه. قال آزر:

— كفى.

— هل تبحث عن شخص؟

— لماذا؟

— لا.

— أنت مزارع؟

— إذن لماذا تنظر؟

— لست تابعًا لطائفة.

— أبحث عن مكان.

تحركت العربة. بعد أن ابتعدوا، قال كايو:

— لماذا؟

نظر إليها كايو.

— لأن الشخص يمكن أن يكذب.

لكن آزر كان قد سمع شيئًا آخر. بكاء طفل. نظر إلى رين. ثم تحرك. أمسك رين بكتفه.

— أما المكان أصعب عليه ذلك.

لكن آزر كان قد سمع شيئًا آخر. بكاء طفل. نظر إلى رين. ثم تحرك. أمسك رين بكتفه.

لم يعلق آزر. كان يفكر في الجملة.

— لأنك طلبت مني إجابة قبل أن تدفع ثمنها.

وجدوا نزلًا صغيرًا في شارع جانبي. لم يكن رخيصًا. لكن رين دفع ما استطاع. كانت الغرفة الأولى ضيقة. سريران. نافذة. طاولة. وحوض ماء. دخل آزر ووضع حقيبته ثم جلس و لم يخلع حذاءه. قال والده:

أخرج ريو قطعة نقدية صغيرة ووضعها على الطاولة.

— لن تخرج اليوم.

بعد ساعة كان كايو جالسًا في الغرفة، ونيرة تخيط الجرح في كتفه. ضغط على أسنانه. قالت:

نظر إليه.

أخرج كايو نفسًا طويلًا. ثم قال:

— لماذا؟

— وأنت لا ترى مشكلة في ذلك؟

— لأنك لا تعرف المدينة.

رفع كايو رأسه.

— سأعرفها إذا خرجت.

نظر إليه.

رفع الأب عينيه إليه. كان يستطيع أن يجادله. لكنه بدل ذلك أخذ نفسًا طويلًا وقال:

— هذا غريب.

— هناك أماكن لا تحتاج أن تتعلمها بالطريقة الصعبة.

— ليس شأنك.

صمت آزر. قالت أمه من الطرف الآخر:

نظر إليها آزر.

— اجلس.

ظهرت مدينة لين قبل الظهر. لم تكن الأسوار هي أول ما رآه آزر. بل الناس. أعداد كبيرة تسير في اتجاه واحد ثم تتفرق عند البوابات. عربات تحمل القمح. رجال يقودون الماشية. تجار يتجادلون على الأسعار. حراس يرتدون دروعًا معدنية خفيفة. وشبان في أعمار متقاربة يقفون في مجموعات صغيرة، بعضهم يحمل سيوفًا وبعضهم يحمل عصيًا طويلة أو أقواسًا. لكن فوق كل ذلك… كانت هناك أبراج. أبراج حجرية تعلو السور وتطل على كل شيء.

جلس. وضعت أمامه كوبًا من الماء. ثم قالت:

— لم تجب.

— ماذا رأيت اليوم؟

لكن الطريق… كان قد بدأ بالفعل.

فكر.

— إذن نحن متساويان.

— أشياء كثيرة.

هز رأسه.

— وما أكثر شيء أعجبك؟

— أحيانًا يكون ذلك مريحًا.

نظر إلى الكوب.

نظر آزر إليه.

— أن لا أحد يعرفني.

— مشكلة؟

لم تقل شيئًا. لكن يدها توقفت لحظة فوق حافة الكوب. ثم قالت:

— إلى مكان يمكنكم فيه أن تتعلموا.

— أحيانًا يكون ذلك مريحًا.

— من بناها؟

رفع آزر عينيه إليها.

أجابت نيرة:

— وأحيانًا؟

— لأنه لا يضيع الوقت.

ابتسمت.

— أعجبني الرجل.

— أحيانًا تتمنى أن يكون هناك من يعرفك حين تضيع.

— شخص سمعك تتحدث إلى نفسك.

بقي صامتًا. لم يعرف ماذا يقول.

— لن أصل حتى السادسة بهذه الطريقة.

بعد ساعة خرج آزر وحده. لم تمنعه أمه. ربما لأنها عرفت أن منعه لن يفيد. أو ربما لأنه بدا لأول مرة منشغلًا بشيء آخر غير الموت. المشكلة أنه لم يكن يعرف إلى أين يذهب. فمشى. بلا هدف. وهذا كان مختلفًا عليه. هو الذي اعتاد أن يبحث عن سبب لكل شيء، وجد نفسه يمشي دون سبب واضح.

التفت إلى ريو. أجاب:

مر بالسوق. ثم بالحي القديم. ثم وصل إلى ساحة واسعة فيها مبنى حجري ضخم. فوق بابه لوحة: قاعة الاختبار. وقف. خرج منها ثلاثة شبان. الأول يحمل سيفًا. الثاني يمشي ببطء وقد أمسك كتفه. الثالث كان يضحك. قال الأول:

— لماذا؟

— لن أصل حتى السادسة بهذه الطريقة.

— على النجاة.

— لأنك لا تتدرب.

أخرج ريو قطعة نقدية صغيرة ووضعها على الطاولة.

— أنا أتدرب.

— وأنت تضيع وقت الآخرين منذ طفولتك.

— على ماذا؟

— إلى أين؟

— على النجاة.

— هذا جديد.

— ضحك الثالث. ثم ابتعدوا.

رفع رين رأسه.

بقي آزر ينظر إلى الباب.

— لماذا؟

: اقترب رجل منه. ثم قال

وجدوا نزلًا صغيرًا في شارع جانبي. لم يكن رخيصًا. لكن رين دفع ما استطاع. كانت الغرفة الأولى ضيقة. سريران. نافذة. طاولة. وحوض ماء. دخل آزر ووضع حقيبته ثم جلس و لم يخلع حذاءه. قال والده:

— هل تريد الدخول؟

— لا. نحن فقط أصبحنا في مكان يمكنها أن تصل إليه.

نظر آزر إليه.

— اختبار أولي. للزراعة.

— ما هذا؟

— لأنه لا يضيع الوقت.

— اختبار أولي. للزراعة.

— ماذا تريد؟

توقف قلبه لحظة. ليس خوفًا. بل لأن الكلمة التي سمعها منذ الأمس وجدت فجأة بابًا أمامه. قال:

— كنت ستقتله.

— ما معنى الزراعة؟

— أن يصبح هدفك أقسى من كل شيء تفعله للوصول إليه.

ضحك الرجل.

التفت إلى ريو. أجاب:

— من أي قرية أتيت؟

رفع ريو عينيه.

— قرية صغيرة.

ضحك بعض الشبان. حتى الرجل ابتسم. ثم قال:

— واضح.

— جيد.

ثم فتح الباب.

نظر ريو إليه.

— إذا كنت لا تعرف شيئًا، تعال.

— ماذا قالوا؟

دخل آزر. كانت القاعة أكبر من الخارج. في داخلها صفوف من المقاعد، وفي المنتصف منصة حجرية. كان هناك حوالي عشرين شابًا. بعضهم يحمل شارات على ملابسهم. وبعضهم يتحدث مع رفاقه. وفي وسط القاعة وقف رجل في الأربعين تقريبًا، له لحية قصيرة وشعر مربوط للخلف. قال:

نظر آزر إليه.

— من دخل لأول مرة يقف عند الخط.

— لن نبقى هنا طويلًا.

تحرك آزر. وقف. قال الرجل:

بقي صامتًا. لم يعرف ماذا يقول.

— ضع يدك على الحجر.

— التالي.

كان هناك حجر شفاف على المنصة. أبيض في البداية. وضع الشاب الأول يده. ظهر خط أخضر. قال الرجل:

كان يستطيع أن يعود ويترك الأمر لهم. وكانت تلك أسهل الطرق. لكن الطفل كان سيُصاب.

— مناسب.

ابتسم رغم الألم. أما آزر فكان جالسًا قرب النافذة. نظر كايو إليه. ثم قال:

الشاب ابتسم. ثم جاء الثاني. ظهر ضوء أصفر. قال الرجل:

— لأن معظم من يستطيع الوقوف أمامي بهذه الثقة يكون تابعًا لطائفة.

— جيد.

— إلى الشمال.

الثالث. لم يظهر شيء. تغير وجهه. قال الرجل:

صمت كايو. ثم نظر إلى آزر.

— أعد المحاولة.

— بدأت أكره هذه العبارة أقل.

وضع يده ثانية. لا شيء. قال الرجل:

— لديك لسان سيئ.

— التالي.

— لا أعرف. وستجد أشياء كثيرة هنا لا أعرفها.

تراجع الشاب. كان وجهه قد انكسر. مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.

بعد ساعة كان كايو جالسًا في الغرفة، ونيرة تخيط الجرح في كتفه. ضغط على أسنانه. قالت:

دخل آزر. وضع يده على الحجر. لم يحدث شيء. ثانية. ثانيتان. ثم— وميض. ظهر خط أبيض. توقفت القاعة. رفع الرجل رأسه. حدق في الحجر. ثم في آزر. قال:

— قرية صغيرة.

— أعد يدك.

— لا أعرف.

فعل. ظهر الخط من جديد. قال الرجل:

خفض كايو عينيه. تغير شيء في وجهه. شيء صغير. لم يلحظ رين ذلك. أما آزر فلاحظ. لكنه لم يسأل. منذ بدأت الرحلة كان يتعلم أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى أن تُطرح في اللحظة التي تولد فيها. ربما تحتاج أن تنضج أولًا.

— أنت…

— قرية صغيرة.

توقف. اقترب.

في منتصف الليل خرج آزر إلى سطح النزل. كانت المدينة تحت قدميه. آلاف النوافذ. بعضها مضيء. بعضها مظلم. صوت المدينة في الليل لم يكن مثل النهار. كان أخفض. أعمق. كأن لكل شارع حياة سرية لا تظهر تحت الشمس.

— هل سبق أن تدربت؟

— لا شيء.

— لا.

— هذا ليس قرارك.

— هل شعرت بالمَدَد من قبل؟

— أن يعيش رجل أو يموت بناءً على ما يخدم هدفك.

— لا أعرف ما هو.

— ربما لأنه كان يعرف كيف يسحبك من الأماكن التي لا تنفعك.

نظر الرجل إلى الشاب طويلًا. ثم قال:

— ما بالكم جميعًا؟

— ومن أين جئت؟

— اتركهما.

ذكر آزر اسم قريته. لم يعرف الرجل الاسم. اقترب أحد مساعديه. همس في أذنه. تغير وجهه. قال:

ابتسم الشيخ.

— هذه ليست منطقة زراعة.

خفض كايو عينيه. تغير شيء في وجهه. شيء صغير. لم يلحظ رين ذلك. أما آزر فلاحظ. لكنه لم يسأل. منذ بدأت الرحلة كان يتعلم أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى أن تُطرح في اللحظة التي تولد فيها. ربما تحتاج أن تنضج أولًا.

نظر آزر إلى الحجر.

كان يستطيع أن يعود ويترك الأمر لهم. وكانت تلك أسهل الطرق. لكن الطفل كان سيُصاب.

— وهل يعني ذلك أنني لا أستطيع الزراعة؟

نظر كايو إلى يده.

لم يجب الرجل مباشرة. ثم قال:

توقف آزر.

— يعني أن هناك شيئًا فيك لم أعتد رؤيته هنا.

— ما بالكم جميعًا؟

— ما هو؟

مر بالسوق. ثم بالحي القديم. ثم وصل إلى ساحة واسعة فيها مبنى حجري ضخم. فوق بابه لوحة: قاعة الاختبار. وقف. خرج منها ثلاثة شبان. الأول يحمل سيفًا. الثاني يمشي ببطء وقد أمسك كتفه. الثالث كان يضحك. قال الأول:

ابتسم الرجل.

ساد الصمت. رفعت نيرة عينيها إليه. لكنها لم تقل شيئًا. كان رين في الزاوية. نظر إلى آزر طويلًا. ثم قال:

— لا أعرف.

— لا تتحرك.

كان يمكن للجملة أن تكون عادية. لكن آزر شعر بشيء فيها. شيئًا صادقًا. فقال:

ضحكت نيرة.

— جيد.

وجدوا نزلًا صغيرًا في شارع جانبي. لم يكن رخيصًا. لكن رين دفع ما استطاع. كانت الغرفة الأولى ضيقة. سريران. نافذة. طاولة. وحوض ماء. دخل آزر ووضع حقيبته ثم جلس و لم يخلع حذاءه. قال والده:

رفع الرجل حاجبه.

— ماذا؟

— لماذا جيد؟

— ضحك الثالث. ثم ابتعدوا.

— لأنك لو أخبرتني بشيء لا تعرفه، سأضطر إلى البحث عن إجابة له بدلًا منك.

— لماذا؟

ضحك بعض الشبان. حتى الرجل ابتسم. ثم قال:

— لأنني أريد أن أعرف ماذا سيحدث إذا تعلمت أول شيء.

— لديك لسان سيئ.

هز رأسه.

— ربما.

— وقد تقتله وهو يستحق الحياة.

— لكن الحجر استجاب لك. عد بعد ثلاثة أيام.

— هل ستخبرني؟

— لماذا؟

— جيد.

— لأنني أريد أن أعرف ماذا سيحدث إذا تعلمت أول شيء.

— غدًا عند الشروق، اذهب إلى البوابة الشمالية.

في طريق عودته لم يكن آزر يفكر في الرجل. ولا في القاعة. كان يفكر في الحجر. الخط الأبيض. المَدَد. الزراعة. ثلاث كلمات جديدة. لم تخبره كثيرًا. لكنها فتحت له بابًا. وعندما وصل إلى النزل وجد كايو جالسًا عند الدرج. كان يضغط على معصمه. قال آزر:

— لأن الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من هنا.

— ماذا حدث؟

— لماذا؟

رفع كايو رأسه.

وقف آزر لحظة وهو ينظر إليها. قال رين:

— حاولت. الاختبار.

صمت ريو. قالت نيرة:

نظر آزر إلى يده.

— لماذا؟

— والنتيجة؟

رفع عينيه إلى السماء وقال بصوت هادئ:

ابتسم كايو. لكن الابتسامة كانت متعبة.

— هل شعرت بالمَدَد من قبل؟

— لم يعطني شيئًا.

— ليس بعد.

جلس آزر إلى جواره. سأله:

أجابت نيرة:

— هل أنت غاضب؟

— وما أكثر شيء أعجبك؟

هز كايو رأسه. ثم قال:

نظر آزر إلى الرجل.

— لا. لكنني أكره هذا.

ابتسم الرجل.

لم يقل آزر شيئًا. قال كايو:

— وما فائدة «ربما»؟

— رأيت واحدًا أصغر مني يرفع ثلاثة أحجار بيد واحدة. وأنا لم أستطع حتى جعل حجر واحد يتحرك.

— وأحيانًا؟

— ربما يمكنك فعل شيء آخر.

تحرك كايو. أسرع مما توقع الرجل. لكن السكين انحرفت نحوه. صرخ. تراجع. جرح خفيف ظهر على ذراعه.

ضحك كايو بلا فرح.

مشى آزر. لكن عينيه بقيتا فوق الأبراج.

— وما فائدة «ربما»؟

— لم تجب.

لم يجب آزر. جاء ريو من آخر الممر. توقف عندهما. نظر إلى كايو.

— كفى.

— أظهرت النتيجة؟

— بدأت أكره هذه العبارة أقل.

هز رأسه.

— ابتعدوا!

— لا.

صمت كايو. ثم نظر إلى آزر.

— ماذا قالوا؟

— وأنت؟ لماذا تساعدنا؟

— إنني لا أملك موهبة واضحة.

نظر ريو إلى القطعة. ثم قلبها.

لم يتغير وجه ريو. لكن عينيه ثبتتا على يد كايو. قال:

— اترك الطفل.

— وهل تصدقهم؟

— الناس يموتون كل يوم. الفرق أنني هذه المرة أملك القدرة على تغيير ما يحدث.

— لا.

— حاولت. الاختبار.

— جيد.

صمت آزر. قالت أمه من الطرف الآخر:

قالها ريو ببساطة. ثم صعد. نظر كايو إلى آزر.

— مناسب.

— هل هذا كل شيء؟

— كتفك هو الذي يتحرك.

— لا أعرف.

— لأنني أعرف ماذا يحدث للناس الذين يدخلون هذا الطريق دون أن يعرفوا شيئًا.

— بدأت أكره هذه العبارة أقل.

— ما هو؟

في تلك الليلة اجتمع الأربعة في الغرفة. رين جلس قرب الباب. نيرة أخرجت بعض الأعشاب. ريو بقي واقفًا. وآزر كان إلى جانب النافذة. قال ريو:

— لا أعرف.

— لن نبقى هنا طويلًا.

— كان سيكره الزحام.

رفع رين رأسه.

رفع كايو رأسه.

— لماذا؟

وجدوا نزلًا صغيرًا في شارع جانبي. لم يكن رخيصًا. لكن رين دفع ما استطاع. كانت الغرفة الأولى ضيقة. سريران. نافذة. طاولة. وحوض ماء. دخل آزر ووضع حقيبته ثم جلس و لم يخلع حذاءه. قال والده:

— لأنهم سيبحثون عنكم.

— والنتيجة؟

— من؟

ثم فتح الباب.

صمت ريو. قالت نيرة:

عند بوابة المدينة أوقفهم حارسان. كان أحدهما شابًا في منتصف العشرينيات، له ندبة صغيرة عند حاجبه. قال:

— هل المشكلة بدأت الآن؟

— أعرف ما فعله.

نظر إليها.

— ربما يمكنك فعل شيء آخر.

— لا. نحن فقط أصبحنا في مكان يمكنها أن تصل إليه.

— وأنت لا ترى مشكلة في ذلك؟

— إذن أين نذهب؟

— إنني لا أملك موهبة واضحة.

أخرج ريو قطعة نقدية صغيرة ووضعها على الطاولة.

— في القرية كنت أعرف كل حجر تقريبًا. هنا لا أعرف حتى لماذا يضعون تلك الراية فوق ذلك البرج.

— إلى الشمال.

— في القرية كنت أعرف كل حجر تقريبًا. هنا لا أعرف حتى لماذا يضعون تلك الراية فوق ذلك البرج.

نظر آزر إليها. كانت عليها علامة غريبة. ليست الدائرة. لكنها تشبهها قليلًا. قال:

— هل ستخبرني؟

— ما هذه؟

نظر آزر إلى معصمه الذي أمسكه ريو. ثم ترك الخنجر. سقط على الأرض. لكن عينيه بقيتا على الرجل. لم يبدُ نادمًا. ولم يبدُ مرتاحًا. فقط… كان قد اتخذ قراره.

نظر ريو إلى القطعة. ثم قلبها.

فعل. ظهر الخط من جديد. قال الرجل:

— لا شيء.

— أن يعيش رجل أو يموت بناءً على ما يخدم هدفك.

— لم تعد «لا شيء» تقنعني.

نظر آزر إلى الرجل. ثم إلى الطفل. ثم إلى الدم على ذراعه. قال:

ابتسم ريو.

— لأنهم سيبحثون عنكم.

— جيد.

— أحيانًا تتمنى أن يكون هناك من يعرفك حين تضيع.

— أين الشمال؟

— أعد يدك.

— هناك طائفة صغيرة على بعد خمسة أيام.

ولم يكن يعرف أن السؤال الذي نطق به همسًا… كان أكبر من أن يسمعه رجل واحد.

— طائفة؟ وهل سنصبح مزارعين فيها؟

— هذه ليست منطقة زراعة.

نظر ريو إليه.

— وهذا لم يمنع الرجل من سؤالي.

— إن أرادوا قبولكم.

— رأيت واحدًا أصغر مني يرفع ثلاثة أحجار بيد واحدة. وأنا لم أستطع حتى جعل حجر واحد يتحرك.

— وإن لم يريدوا؟

— اجلس.

— نكمل.

اقترب الرجل ذو السكين.

أخرج كايو نفسًا طويلًا. ثم قال:

— مناسب.

— إلى أين؟

نظر آزر إليه.

رفع ريو عينيه.

— وما السبب؟

— إلى مكان يمكنكم فيه أن تتعلموا.

شد ريو يده.

نظر آزر إلى الرجل.

— الناجي يعرف أنه لم ينجُ حقًا.

— وأنت؟ لماذا تساعدنا؟

اقترب الرجل ذو السكين.

سكت ريو. كانت نيرة تراقبه. ورين كذلك. أما كايو فرفع رأسه. لم يجب ريو فورًا. اقترب من النافذة. نظر إلى المدينة. ثم قال:

ابتسم الشيخ.

— لأنني أعرف ماذا يحدث للناس الذين يدخلون هذا الطريق دون أن يعرفوا شيئًا.

— لا.

— وماذا يحدث؟

— هذا غريب.

ظل ريو صامتًا. ثم قال:

تحرك كايو. أسرع مما توقع الرجل. لكن السكين انحرفت نحوه. صرخ. تراجع. جرح خفيف ظهر على ذراعه.

— بعضهم يموت. وبعضهم ينجو.

— أن يعيش رجل أو يموت بناءً على ما يخدم هدفك.

— وما الفرق؟

— وأنت؟ لماذا تساعدنا؟

التفت ريو إليه. هذه المرة لم تكن في عينيه تلك الخفة القديمة.

— ابتعدوا!

— الناجي يعرف أنه لم ينجُ حقًا.

الشاب ابتسم. ثم جاء الثاني. ظهر ضوء أصفر. قال الرجل:

كان عليهم أن يرحلوا في الصباح. لكنهم لم يفعلوا. حدث ما أجبرهم على البقاء ليلة أخرى.

ابتسم الشيخ.

: بدأ كل شيء بصرخة في السوق. خرجت من أحد الأزقة. صرخة امرأة. ثم سقط شيء معدني. ثم تبعها صوت رجل

رفع آزر عينيه.

— ابتعدوا!

— ضع يدك على الحجر.

ركض الناس. أغلق أصحاب المتاجر أبوابهم. أمسك رين بذراع آزر.

رفع كايو رأسه.

— إلى الداخل.

— ربما.

لكن آزر كان قد سمع شيئًا آخر. بكاء طفل. نظر إلى رين. ثم تحرك. أمسك رين بكتفه.

تراجع الشاب. كان وجهه قد انكسر. مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.

— آزر!

— شخص سمعك تتحدث إلى نفسك.

نزعه الشاب عنه. ولم يجرِ بعيدًا. دخل الزقاق. تبعه كايو. صرخ رين:

— وأنت تضيع وقت الآخرين منذ طفولتك.

— عودا!

— الأسماء.

لكن نيرة قالت:

— على ماذا؟

— اتركهما.

سكت آزر. كان يستطيع أن يغضب. لكنه لم يفعل. قال:

نظر إليها.

— لهذا السبب تحديدًا. هناك فرق بين من يسأل لأنه فضولي، ومن يسأل لأنه يتوقع منك أن تملك إجابة.

— لماذا؟

في تلك الليلة اجتمع الأربعة في الغرفة. رين جلس قرب الباب. نيرة أخرجت بعض الأعشاب. ريو بقي واقفًا. وآزر كان إلى جانب النافذة. قال ريو:

— لم تجب.

— ما بالكم جميعًا؟

وصل الاثنان إلى نهاية الزقاق. كان هناك رجلان. أحدهما يحمل سكينًا. والآخر مطروح على الأرض. وفي الزاوية… طفل. صغير. يرتجف.

نظر آزر إليه.

اقترب الرجل ذو السكين.

— إنني لا أملك موهبة واضحة.

— ابتعدا.

تغيرت ابتسامته قليلًا.

: كايو توقف وحمل الطفل. تغير تنفسه. الرجل الآخر أمسك بذراعه. قال

— لا تتوقف.

— اترك الطفل.

أجاب رين بسرعة:

— ليس شأنك.

— مشكلة؟

تحرك كايو. أسرع مما توقع الرجل. لكن السكين انحرفت نحوه. صرخ. تراجع. جرح خفيف ظهر على ذراعه.

قالها دون تفكير. ثم نظر إلى الطريق.

نظر الي الدم . ثم إلى الطفل. تغير وجهه. اندفع. ضرب الرجل. سقطت السكين. لكن الرجل الآخر أخرج خنجرًا.

— لديك لسان سيئ.

كان أسرع . لم ير آزر إلا لمعان المعدن. تحرك كايو أمام الطفل. ارتطم الخنجر بكتفه. صرخ. تراجع. سقط على ركبته.

— إذن لماذا تنظر؟

تجمد آزر. لحظة واحدة. فقط لحظة. كان يستطيع الهرب. كان يستطيع انتظار أحد للمساعدة أو الحراس.

ولم يكن يعرف أن السؤال الذي نطق به همسًا… كان أكبر من أن يسمعه رجل واحد.

كان يستطيع أن يعود ويترك الأمر لهم. وكانت تلك أسهل الطرق. لكن الطفل كان سيُصاب.

— ما معنى الزراعة؟

تحرك آزر. التقط حجرًا من الأرض. وضرب به ركبة الرجل. صرخ. سقط. قبل أن يستطيع النهوض، أمسك آزر بالخنجر. رفعه.

— ماذا تريد؟

وكانت هناك لحظة قصيرة جدًا… نظر فيها إلى الرجل. الرجل ينظر إليه. والطفل يبكي. وكايو ينزف. لم يفكر آزر في الخير. ولا الشر. ولا العقوبة. ولا الرحمة. فكر فقط في شيء واحد: إذا عاش، فقد يفعلها مرة أخرى. رفع الخنجر. لكن يدًا أمسكت معصمه. ريو. قال:

— ابتعدا.

— كفى.

نظر إليها.

نظر آزر إليه.

— من أنت؟

— لماذا؟

ظل ريو صامتًا. ثم قال:

— لأنك لا تعرفه.

— نعم.

— أعرف ما فعله.

— من بناها؟

— هذا ليس كافيًا.

— أين الشمال؟

رفع آزر عينيه.

— لماذا؟

— لو تركته، فقد يؤذي شخصًا آخر.

— لأنه لا يضيع الوقت.

— وقد تقتله وهو يستحق الحياة.

في منتصف الليل خرج آزر إلى سطح النزل. كانت المدينة تحت قدميه. آلاف النوافذ. بعضها مضيء. بعضها مظلم. صوت المدينة في الليل لم يكن مثل النهار. كان أخفض. أعمق. كأن لكل شارع حياة سرية لا تظهر تحت الشمس.

نظر آزر إلى الرجل. ثم إلى الطفل. ثم إلى الدم على ذراعه. قال:

نظر إلى الكوب.

— بالنسبة إلى الطفل، الفرق بين الاحتمالين ليس كبيرًا.

— ربما يمكنك فعل شيء آخر.

شد ريو يده.

— لماذا؟

— هذا ليس قرارك.

ثم اختفى بين درجات السطح. ظل آزر جالسًا. لم يعرف الرجل. لم يعرف من أين أتى. لم يعرف كيف وصل. ولم يعرف لماذا اختار أن يحدثه. لكنه عرف شيئًا واحدًا. في صباح الغد… سيذهب إلى البوابة الشمالية. ليس لأن الرجل طلب. ولا لأنه يثق به. بل لأن هناك سؤالًا جديدًا ظهر أمامه. وسؤال واحد كان يكفي دائمًا كي يجعل آزر يتحرك.

نظر آزر إلى معصمه الذي أمسكه ريو. ثم ترك الخنجر. سقط على الأرض. لكن عينيه بقيتا على الرجل. لم يبدُ نادمًا. ولم يبدُ مرتاحًا. فقط… كان قد اتخذ قراره.

نظر آزر إليه.

بعد ساعة كان كايو جالسًا في الغرفة، ونيرة تخيط الجرح في كتفه. ضغط على أسنانه. قالت:

— لا.

— لا تتحرك.

ابتسمت.

— أنا لا أتحرك.

نظر إليها.

— كتفك هو الذي يتحرك.

— عودا!

— لأنه جزء مني.

— ربما. لكن إن لم أستخدمها، فلن أعرف أبدًا إلى أي مدي وصلت.

— للأسف.

— إلى أين؟

ابتسم رغم الألم. أما آزر فكان جالسًا قرب النافذة. نظر كايو إليه. ثم قال:

— لكن الحجر استجاب لك. عد بعد ثلاثة أيام.

— كنت ستقتله.

— قرية صغيرة.

رفع آزر رأسه.

تغيرت ابتسامته قليلًا.

— نعم.

— إلى الشمال.

سكت كايو. قال:

— ليس بعد.

— لماذا؟

— هناك أماكن لا تحتاج أن تتعلمها بالطريقة الصعبة.

لم يجب آزر فورًا. ثم قال:

مر آزر بجانبه. توقف الرجل عن القراءة. رفع رأسه. نظر إليه. ثم قال:

— لأنه كان سيؤذي الطفل.

— لماذا؟

نظر كايو إلى يده.

تحركت العربة. بعد أن ابتعدوا، قال كايو:

— ولو لم يكن هناك طفل؟

قال كايو وهو يبتسم وينظر إلى الشوارع. رفع آزر عينيه إليه.

— لم أكن لأتدخل.

في تلك الليلة اجتمع الأربعة في الغرفة. رين جلس قرب الباب. نيرة أخرجت بعض الأعشاب. ريو بقي واقفًا. وآزر كان إلى جانب النافذة. قال ريو:

ساد الصمت. رفعت نيرة عينيها إليه. لكنها لم تقل شيئًا. كان رين في الزاوية. نظر إلى آزر طويلًا. ثم قال:

— ماذا؟

— وأنت لا ترى مشكلة في ذلك؟

— ليس الآن.

نظر آزر إليه.

— على ماذا؟

— مشكلة؟

— لا تتوقف.

— أن يعيش رجل أو يموت بناءً على ما يخدم هدفك.

: بدأ كل شيء بصرخة في السوق. خرجت من أحد الأزقة. صرخة امرأة. ثم سقط شيء معدني. ثم تبعها صوت رجل

لم يفهم كايو تمامًا. لكن رين فهم. وأدركت نيرة أيضًا أن الإجابة أهم من السؤال. قال آزر:

تراجع الشاب. كان وجهه قد انكسر. مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.

— الناس يموتون كل يوم. الفرق أنني هذه المرة أملك القدرة على تغيير ما يحدث.

رفع كايو رأسه.

— وهذه القدرة ستغيرك.

— ما هذا؟

— ربما. لكن إن لم أستخدمها، فلن أعرف أبدًا إلى أي مدي وصلت.

اقترب الرجل ذو السكين.

لم يقل رين شيئًا. أما نيرة فأعادت الإبرة إلى الجرح. قالت بهدوء:

كان العالم الذي رأوه من بعيد قد صار الآن قريبًا بما يكفي لأن يلمسوه. وكانت تلك هي المشكلة. عندما ترى شيئًا من بعيد تستطيع أن تضع له صورة في رأسك. أما حين تقترب… فتبدأ الأشياء التي لم تحسب لها حسابًا بالظهور.

— إذن احذر من شيء واحد.

— لا تتوقف.

نظر إليها آزر.

ضحكت نيرة.

— ماذا؟

— بدأت أكره هذه العبارة أقل.

رفعت عينيها إليه.

— لأن معظم من يستطيع الوقوف أمامي بهذه الثقة يكون تابعًا لطائفة.

— أن يصبح هدفك أقسى من كل شيء تفعله للوصول إليه.

ابتسم الرجل.

سكت آزر. لم يجادلها. لكنه لم يوافق أيضًا. وفي تلك اللحظة، لم يكن أحد منهم يعرف أن هذه الجملة ستعود يومًا… بعد سنوات. وفي مكان لا يشبه لين. ولا القرية. ولا هذا العالم كله.

— ضحك الثالث. ثم ابتعدوا.

في منتصف الليل خرج آزر إلى سطح النزل. كانت المدينة تحت قدميه. آلاف النوافذ. بعضها مضيء. بعضها مظلم. صوت المدينة في الليل لم يكن مثل النهار. كان أخفض. أعمق. كأن لكل شارع حياة سرية لا تظهر تحت الشمس.

نظر ريو إليه.

جلس. رفع رأسه إلى السماء. تذكر الرجل الميت في قريته. ثم رين. ريو. كايو. الطفل. الخنجر. والمَدَد. مد يده أمامه. فتح كفه. لم يحدث شيء. أغلقها. حاول مرة أخرى. لا شيء. ضحك بهدوء.

— أعد المحاولة.

— ليس بعد.

— يعني أن هناك شيئًا فيك لم أعتد رؤيته هنا.

لم يكن غاضبًا. كان فقط يعترف بحقيقة. ثم سمع صوتًا خلفه.

— أنت مزارع؟

— من قال لك إن المَدَد يخرج من اليد؟

رفع رين رأسه.

استدار. كان رجلًا مسنًا يجلس فوق حافة السطح الأخرى. لم يسمع آزر وصوله. كان يرتدي ثوبًا رماديًا بسيطًا، وشعره أبيض تمامًا. سأل آزر:

— لماذا؟

— من أنت؟

— ابتعدا.

— شخص سمعك تتحدث إلى نفسك.

— وأحيانًا؟

— ماذا تريد؟

نظر آزر إليه.

ضحك الشيخ.

— لأنك طلبت مني إجابة قبل أن تدفع ثمنها.

— ولا شيء. لكنك تحاول فتح باب دون أن تعرف أين الباب.

— جيد.

— هل تعرف أين هو؟

— مشكلة؟

— ربما.

— لماذا؟

— هل ستخبرني؟

— لأن معظم من يستطيع الوقوف أمامي بهذه الثقة يكون تابعًا لطائفة.

نظر إليه طويلًا. ثم قال:

رفعت عينيها إليه.

— لا.

— لا أعرف.

سكت آزر. كان يستطيع أن يغضب. لكنه لم يفعل. قال:

— هل المشكلة بدأت الآن؟

— لماذا؟

تراجع الشاب. كان وجهه قد انكسر. مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.

ابتسم الشيخ.

— إلى الشمال.

— لأنك طلبت مني إجابة قبل أن تدفع ثمنها.

— لأن معظم من يستطيع الوقوف أمامي بهذه الثقة يكون تابعًا لطائفة.

— وما ثمنها؟

— أنت…

— المعرفة.

— لماذا؟

ثم نهض. وقبل أن يرحل، قال:

— هناك أماكن لا تحتاج أن تتعلمها بالطريقة الصعبة.

— غدًا عند الشروق، اذهب إلى البوابة الشمالية.

— نعم.

توقف آزر.

— ماذا تريد؟

— لماذا؟

— لن تخرج اليوم.

ابتسم الشيخ.

— كتفك هو الذي يتحرك.

— لأن الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من هنا.

ثم عاد إلى ألواحه.

ثم اختفى بين درجات السطح. ظل آزر جالسًا. لم يعرف الرجل. لم يعرف من أين أتى. لم يعرف كيف وصل. ولم يعرف لماذا اختار أن يحدثه. لكنه عرف شيئًا واحدًا. في صباح الغد… سيذهب إلى البوابة الشمالية. ليس لأن الرجل طلب. ولا لأنه يثق به. بل لأن هناك سؤالًا جديدًا ظهر أمامه. وسؤال واحد كان يكفي دائمًا كي يجعل آزر يتحرك.

ضحك كايو. قال ريو:

رفع عينيه إلى السماء وقال بصوت هادئ:

— لا. نحن فقط أصبحنا في مكان يمكنها أن تصل إليه.

— ماذا يوجد بعد هذا العالم؟

ضحك بعض الشبان. حتى الرجل ابتسم. ثم قال:

ولم يكن يعرف أن السؤال الذي نطق به همسًا… كان أكبر من أن يسمعه رجل واحد.

— وما السبب؟

في مكان بعيد، خلف جبال لم يرها آزر في حياته، تحرك شيء داخل الظلام. فتح عينين. ثم أغلقهما

— قرية صغيرة.

. عاد كل شيء ساكنًا. كأن شيئًا لم يحدث.

— لماذا؟

لكن الطريق… كان قد بدأ بالفعل.

— ما هو؟

مشى آزر. لكن عينيه بقيتا فوق الأبراج.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط