Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

المُتَحَرِّر 6

مدينة لين
PDF

مدينة لين

في الصباح التالي كان الضباب قد انحسر عن السهل، والشمس تظهر بين سحب متفرقة تركت فوق العشب قطرات لامعة.
الطريق الذي سلكوه منذ الفجر أوسع من الطريق القديم، لكنه أكثر ازدحامًا. عربات تجرها الخيول، مزارعون يدفعون عربات صغيرة، رجال يحملون سيوفًا قصيرة أو أقواسًا، ونساء يحملن سلالًا تتصاعد منها روائح الأعشاب والتوابل.

— أين الشمال؟

كان العالم الذي رأوه من بعيد قد صار الآن قريبًا بما يكفي لأن يلمسوه. وكانت تلك هي المشكلة. عندما ترى شيئًا من بعيد تستطيع أن تضع له صورة في رأسك. أما حين تقترب… فتبدأ الأشياء التي لم تحسب لها حسابًا بالظهور.

— من أي منطقة؟

صبي يركض بين عجلات العربات. امرأة تصرخ في بائع. حصان يعض راحة يد صاحبه. رجل يضحك بصوت مرتفع بينما يلف ذراعه حول كتف صديقه. طفلة جالسة على حافة الطريق تأكل ثمرة حمراء أكبر من كفيها. أصوات كثيرة. روائح أكثر. والناس… ناس لا يعرفون آزر، ولا يعرفون قريته، ولا يهتمون بما حدث تحت شجرتهم القديمة.

ضحك كايو. هذه المرة عاد إلى وجهه شيء من الحياة.

لسبب ما، وجد ذلك مريحًا. لم يكن أحد هنا يعرفه. ولأول مرة منذ وصول ريو إلى القرية، لم يشعر أن كل نظرة موجهة إليه بسبب شيء لا يفهمه. كان مجرد وجه آخر وسط المئات.

رفع الأب عينيه إليه. كان يستطيع أن يجادله. لكنه بدل ذلك أخذ نفسًا طويلًا وقال:

— لو كان أبي حيًا، لأخبرته أنني رأيت مدينة بهذا الحجم.

بقي صامتًا. لم يعرف ماذا يقول.

قال كايو وهو يبتسم وينظر إلى الشوارع. رفع آزر عينيه إليه.

— هل سبق أن تدربت؟

— كنت ستطلب منه أيضًا أن يأتي معك؟

— نعم.

تغيرت ابتسامته قليلًا.

— لأن الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من هنا.

— لا.

— لأنك لو أخبرتني بشيء لا تعرفه، سأضطر إلى البحث عن إجابة له بدلًا منك.

قالها دون تفكير. ثم نظر إلى الطريق.

هز رين رأسه.

— كان سيكره الزحام.

— الناس يموتون كل يوم. الفرق أنني هذه المرة أملك القدرة على تغيير ما يحدث.

ضحكت نيرة.

— على النجاة.

— ومن قال إن هذا هو السبب؟

تحرك آزر. وقف. قال الرجل:

نظر إليها كايو.

ضحك كايو. هذه المرة عاد إلى وجهه شيء من الحياة.

— وما السبب؟

تراجع الشاب. كان وجهه قد انكسر. مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.

— ربما لأنه كان يعرف كيف يسحبك من الأماكن التي لا تنفعك.

استدار. كان رجلًا مسنًا يجلس فوق حافة السطح الأخرى. لم يسمع آزر وصوله. كان يرتدي ثوبًا رماديًا بسيطًا، وشعره أبيض تمامًا. سأل آزر:

خفض كايو عينيه. تغير شيء في وجهه. شيء صغير. لم يلحظ رين ذلك. أما آزر فلاحظ. لكنه لم يسأل. منذ بدأت الرحلة كان يتعلم أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى أن تُطرح في اللحظة التي تولد فيها. ربما تحتاج أن تنضج أولًا.

— إلى أين؟

ظهرت مدينة لين قبل الظهر. لم تكن الأسوار هي أول ما رآه آزر. بل الناس. أعداد كبيرة تسير في اتجاه واحد ثم تتفرق عند البوابات. عربات تحمل القمح. رجال يقودون الماشية. تجار يتجادلون على الأسعار. حراس يرتدون دروعًا معدنية خفيفة. وشبان في أعمار متقاربة يقفون في مجموعات صغيرة، بعضهم يحمل سيوفًا وبعضهم يحمل عصيًا طويلة أو أقواسًا. لكن فوق كل ذلك… كانت هناك أبراج. أبراج حجرية تعلو السور وتطل على كل شيء.

— هذه موهبة.

وقف آزر لحظة وهو ينظر إليها. قال رين:

نظر ريو إليه.

— لا تتوقف.

ضحك رين.

مشى آزر. لكن عينيه بقيتا فوق الأبراج.

ابتسم ريو.

— من بناها؟

— إلى الشمال.

— لا أعرف. وستجد أشياء كثيرة هنا لا أعرفها.

نظر إليه آزر.

نظر إليه آزر.

هز رأسه.

— هذا جديد.

رفع آزر رأسه.

ضحك رين.

— هذه ليست منطقة زراعة.

— ماذا؟

— لماذا؟

— أنك تعترف بذلك بسهولة.

— لا أعرف ما هو.

تغير وجه رين. ثم قال:

بقي آزر ينظر إلى الباب.

— في القرية كنت أعرف كل حجر تقريبًا. هنا لا أعرف حتى لماذا يضعون تلك الراية فوق ذلك البرج.

لم يجب آزر. جاء ريو من آخر الممر. توقف عندهما. نظر إلى كايو.

— إذن نحن متساويان.

نظر إلى الكوب.

هز رين رأسه.

— ومن قال إن هذا هو السبب؟

— لا تفرح. أنت فقط تجهل أشياء أكثر مني.

— ربما.

ابتسم آزر ابتسامة صغيرة.

— آزر!

عند بوابة المدينة أوقفهم حارسان. كان أحدهما شابًا في منتصف العشرينيات، له ندبة صغيرة عند حاجبه. قال:

— ماذا؟

— الأسماء.

— مناسب.

تقدم رين. ذكر اسمه. ثم نيرة. ثم كايو. ثم آزر. وأخيرًا ريو.

— لا.

حين شعر بهالة ريو، تغير وجه الحارس. لم يكن خوفًا. مجرد انتباه. قال:

— ضع يدك على الحجر.

— أنت مزارع؟

— ربما.

— نعم.

ذكر آزر اسم قريته. لم يعرف الرجل الاسم. اقترب أحد مساعديه. همس في أذنه. تغير وجهه. قال:

— من أي طائفة؟

— معظم؟

صمت ريو.

— لأنه كان سيؤذي الطفل.

— لست تابعًا لطائفة.

— كنت ستقتله.

نظر الحارس إلى زميله. ثم أعاد نظره إلى ريو.

— لا.

— هذا غريب.

— ربما.

— لماذا؟

— نعم.

— لأن معظم من يستطيع الوقوف أمامي بهذه الثقة يكون تابعًا لطائفة.

لم يعلق آزر. كان يفكر في الجملة.

ضحك كايو. قال ريو:

— إن أرادوا قبولكم.

— معظم؟

— لماذا؟

رفع الحارس حاجبه.

— لن نبقى هنا طويلًا.

— نعم.

بقي آزر ينظر إلى الباب.

ثم نظر إلى آزر.

وضع يده ثانية. لا شيء. قال الرجل:

— وأنت؟ ما رتبتك؟

— إلى مكان يمكنكم فيه أن تتعلموا.

توقف آزر. لم يعرف ما الذي يقصده. نظر إلى ريو. لكن ريو لم يتكلم. قال الحارس:

— من أنت؟

— ما بالكم جميعًا؟

ضحك بعض الشبان. حتى الرجل ابتسم. ثم قال:

أجاب رين بسرعة:

تحرك كايو. أسرع مما توقع الرجل. لكن السكين انحرفت نحوه. صرخ. تراجع. جرح خفيف ظهر على ذراعه.

— لا يعرف شيئًا. هو من القرية.

وصل الاثنان إلى نهاية الزقاق. كان هناك رجلان. أحدهما يحمل سكينًا. والآخر مطروح على الأرض. وفي الزاوية… طفل. صغير. يرتجف.

نظر الحارس إلى آزر. ثم إلى رين. ولسبب لم يفهمه آزر، لم يطرح المزيد من الأسئلة. قال:

— وأنت؟ لماذا تساعدنا؟

— ادخلوا.

تحركت العربة. بعد أن ابتعدوا، قال كايو:

كان عليهم أن يرحلوا في الصباح. لكنهم لم يفعلوا. حدث ما أجبرهم على البقاء ليلة أخرى.

— ما رتبتك؟

ثم نظر إلى آزر.

التفت إلى ريو. أجاب:

— وأنت؟ ما رتبتك؟

— ليس الآن.

لم يقل رين شيئًا. أما نيرة فأعادت الإبرة إلى الجرح. قالت بهدوء:

— لماذا؟

ساد الصمت. رفعت نيرة عينيها إليه. لكنها لم تقل شيئًا. كان رين في الزاوية. نظر إلى آزر طويلًا. ثم قال:

— لأنك لا تعرف حتى ما معنى السؤال.

— أعرف ما فعله.

— وهذا لم يمنع الرجل من سؤالي.

— غدًا عند الشروق، اذهب إلى البوابة الشمالية.

أجابت نيرة:

وقف آزر لحظة وهو ينظر إليها. قال رين:

— لهذا السبب تحديدًا. هناك فرق بين من يسأل لأنه فضولي، ومن يسأل لأنه يتوقع منك أن تملك إجابة.

نظر إليه آزر.

صمت كايو. ثم نظر إلى آزر.

— مشكلة؟

— وأنتم الاثنان تتكلمون كما لو أنكم تعرفون كل شيء.

ضحك الرجل.

— لا. نحن فقط نعرف أنكم لا تعرفون.

لم يقل رين شيئًا. أما نيرة فأعادت الإبرة إلى الجرح. قالت بهدوء:

ضحك كايو. هذه المرة عاد إلى وجهه شيء من الحياة.

رفع كايو رأسه.

كانت المدينة أكبر مما توقعوا. ليس في الحجم وحده. في الحركة. كل شيء يتحرك. حتى الأشخاص الواقفون كانوا يفعلون شيئًا بأيديهم. رجل يصقل سكينًا. امرأة تنظف سمكة. طفل يحمل كيسًا أثقل من جسمه. شاب يبيع أعشابًا مجففة. ورجل عجوز يجلس أمام متجر صغير ويقرأ شيئًا على ألواح خشبية رقيقة.

— وماذا يحدث؟

مر آزر بجانبه. توقف الرجل عن القراءة. رفع رأسه. نظر إليه. ثم قال:

— ابتعدوا!

— من أي منطقة؟

— ادخلوا.

توقف آزر.

: كايو توقف وحمل الطفل. تغير تنفسه. الرجل الآخر أمسك بذراعه. قال

— لا أعرف.

— لأنه جزء مني.

ضحك الرجل.

— ضع يدك على الحجر.

— هذه إجابة سيئة.

— كفى.

— لماذا؟

— من أنت؟

— لأنني سأضطر إلى أن أسألك مرة أخرى.

— إلى الداخل.

ثم عاد إلى ألواحه.

تراجع الشاب. كان وجهه قد انكسر. مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.

مشى آزر. قال كايو:

— سأعرفها إذا خرجت.

— أعجبني الرجل.

رفع آزر عينيه إليها.

— لماذا؟

نظر آزر إليها. كانت عليها علامة غريبة. ليست الدائرة. لكنها تشبهها قليلًا. قال:

— لأنه لا يضيع الوقت.

— لا.

— وأنت تضيع وقت الآخرين منذ طفولتك.

تحرك آزر. وقف. قال الرجل:

— هذه موهبة.

— أعد المحاولة.

ضحكت نيرة. أما ريو فلم يقل شيئًا. كان ينظر إلى الشوارع. إلى الأزقة. إلى النوافذ. وكلما مر شخص بقربه، كانت عيناه تتابعانه لحظة ثم تتركانه. قال آزر:

— لا تفرح. أنت فقط تجهل أشياء أكثر مني.

— هل تبحث عن شخص؟

— هل تريد الدخول؟

— لا.

— من أي قرية أتيت؟

— إذن لماذا تنظر؟

— قرية صغيرة.

— أبحث عن مكان.

تحرك آزر. وقف. قال الرجل:

— لماذا؟

— وأنت؟ لماذا تساعدنا؟

— لأن الشخص يمكن أن يكذب.

— وما أكثر شيء أعجبك؟

— أما المكان أصعب عليه ذلك.

— جيد.

لم يعلق آزر. كان يفكر في الجملة.

— لا تفرح. أنت فقط تجهل أشياء أكثر مني.

وجدوا نزلًا صغيرًا في شارع جانبي. لم يكن رخيصًا. لكن رين دفع ما استطاع. كانت الغرفة الأولى ضيقة. سريران. نافذة. طاولة. وحوض ماء. دخل آزر ووضع حقيبته ثم جلس و لم يخلع حذاءه. قال والده:

دخل آزر. وضع يده على الحجر. لم يحدث شيء. ثانية. ثانيتان. ثم— وميض. ظهر خط أبيض. توقفت القاعة. رفع الرجل رأسه. حدق في الحجر. ثم في آزر. قال:

— لن تخرج اليوم.

نظر آزر إليه.

نظر إليه.

لم يقل آزر شيئًا. قال كايو:

— لماذا؟

استدار. كان رجلًا مسنًا يجلس فوق حافة السطح الأخرى. لم يسمع آزر وصوله. كان يرتدي ثوبًا رماديًا بسيطًا، وشعره أبيض تمامًا. سأل آزر:

— لأنك لا تعرف المدينة.

بعد ساعة كان كايو جالسًا في الغرفة، ونيرة تخيط الجرح في كتفه. ضغط على أسنانه. قالت:

— سأعرفها إذا خرجت.

— أعد المحاولة.

رفع الأب عينيه إليه. كان يستطيع أن يجادله. لكنه بدل ذلك أخذ نفسًا طويلًا وقال:

— وأنت؟ ما رتبتك؟

— هناك أماكن لا تحتاج أن تتعلمها بالطريقة الصعبة.

نظر الحارس إلى آزر. ثم إلى رين. ولسبب لم يفهمه آزر، لم يطرح المزيد من الأسئلة. قال:

صمت آزر. قالت أمه من الطرف الآخر:

التفت إلى ريو. أجاب:

— اجلس.

— الأسماء.

جلس. وضعت أمامه كوبًا من الماء. ثم قالت:

: كايو توقف وحمل الطفل. تغير تنفسه. الرجل الآخر أمسك بذراعه. قال

— ماذا رأيت اليوم؟

— لأنك لا تعرف المدينة.

فكر.

— وماذا يحدث؟

— أشياء كثيرة.

— هذا جديد.

— وما أكثر شيء أعجبك؟

— لديك لسان سيئ.

نظر إلى الكوب.

ضحك كايو بلا فرح.

— أن لا أحد يعرفني.

نظر إلى الكوب.

لم تقل شيئًا. لكن يدها توقفت لحظة فوق حافة الكوب. ثم قالت:

— المعرفة.

— أحيانًا يكون ذلك مريحًا.

— على النجاة.

رفع آزر عينيه إليها.

ساد الصمت. رفعت نيرة عينيها إليه. لكنها لم تقل شيئًا. كان رين في الزاوية. نظر إلى آزر طويلًا. ثم قال:

— وأحيانًا؟

صمت آزر. قالت أمه من الطرف الآخر:

ابتسمت.

— أعد المحاولة.

— أحيانًا تتمنى أن يكون هناك من يعرفك حين تضيع.

— هل تعرف أين هو؟

بقي صامتًا. لم يعرف ماذا يقول.

نظر آزر إلى الحجر.

بعد ساعة خرج آزر وحده. لم تمنعه أمه. ربما لأنها عرفت أن منعه لن يفيد. أو ربما لأنه بدا لأول مرة منشغلًا بشيء آخر غير الموت. المشكلة أنه لم يكن يعرف إلى أين يذهب. فمشى. بلا هدف. وهذا كان مختلفًا عليه. هو الذي اعتاد أن يبحث عن سبب لكل شيء، وجد نفسه يمشي دون سبب واضح.

— شخص سمعك تتحدث إلى نفسك.

مر بالسوق. ثم بالحي القديم. ثم وصل إلى ساحة واسعة فيها مبنى حجري ضخم. فوق بابه لوحة: قاعة الاختبار. وقف. خرج منها ثلاثة شبان. الأول يحمل سيفًا. الثاني يمشي ببطء وقد أمسك كتفه. الثالث كان يضحك. قال الأول:

نظر الرجل إلى الشاب طويلًا. ثم قال:

— لن أصل حتى السادسة بهذه الطريقة.

جلس آزر إلى جواره. سأله:

— لأنك لا تتدرب.

كان يمكن للجملة أن تكون عادية. لكن آزر شعر بشيء فيها. شيئًا صادقًا. فقال:

— أنا أتدرب.

— لأنني سأضطر إلى أن أسألك مرة أخرى.

— على ماذا؟

فعل. ظهر الخط من جديد. قال الرجل:

— على النجاة.

مر بالسوق. ثم بالحي القديم. ثم وصل إلى ساحة واسعة فيها مبنى حجري ضخم. فوق بابه لوحة: قاعة الاختبار. وقف. خرج منها ثلاثة شبان. الأول يحمل سيفًا. الثاني يمشي ببطء وقد أمسك كتفه. الثالث كان يضحك. قال الأول:

— ضحك الثالث. ثم ابتعدوا.

: اقترب رجل منه. ثم قال

بقي آزر ينظر إلى الباب.

— وهذه القدرة ستغيرك.

: اقترب رجل منه. ثم قال

— هذا غريب.

— هل تريد الدخول؟

تحرك آزر. التقط حجرًا من الأرض. وضرب به ركبة الرجل. صرخ. سقط. قبل أن يستطيع النهوض، أمسك آزر بالخنجر. رفعه.

نظر آزر إليه.

— لأنك طلبت مني إجابة قبل أن تدفع ثمنها.

— ما هذا؟

لم يتغير وجه ريو. لكن عينيه ثبتتا على يد كايو. قال:

— اختبار أولي. للزراعة.

— هل أنت غاضب؟

توقف قلبه لحظة. ليس خوفًا. بل لأن الكلمة التي سمعها منذ الأمس وجدت فجأة بابًا أمامه. قال:

تراجع الشاب. كان وجهه قد انكسر. مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.

— ما معنى الزراعة؟

ثم عاد إلى ألواحه.

ضحك الرجل.

— لست تابعًا لطائفة.

— من أي قرية أتيت؟

— عودا!

— قرية صغيرة.

— وهل تصدقهم؟

— واضح.

— لماذا؟

ثم فتح الباب.

— هل ستخبرني؟

— إذا كنت لا تعرف شيئًا، تعال.

— لأنك لو أخبرتني بشيء لا تعرفه، سأضطر إلى البحث عن إجابة له بدلًا منك.

دخل آزر. كانت القاعة أكبر من الخارج. في داخلها صفوف من المقاعد، وفي المنتصف منصة حجرية. كان هناك حوالي عشرين شابًا. بعضهم يحمل شارات على ملابسهم. وبعضهم يتحدث مع رفاقه. وفي وسط القاعة وقف رجل في الأربعين تقريبًا، له لحية قصيرة وشعر مربوط للخلف. قال:

— مناسب.

— من دخل لأول مرة يقف عند الخط.

تقدم رين. ذكر اسمه. ثم نيرة. ثم كايو. ثم آزر. وأخيرًا ريو.

تحرك آزر. وقف. قال الرجل:

في مكان بعيد، خلف جبال لم يرها آزر في حياته، تحرك شيء داخل الظلام. فتح عينين. ثم أغلقهما

— ضع يدك على الحجر.

رفع ريو عينيه.

كان هناك حجر شفاف على المنصة. أبيض في البداية. وضع الشاب الأول يده. ظهر خط أخضر. قال الرجل:

— هذه إجابة سيئة.

— مناسب.

— لأنني سأضطر إلى أن أسألك مرة أخرى.

الشاب ابتسم. ثم جاء الثاني. ظهر ضوء أصفر. قال الرجل:

— كنت ستطلب منه أيضًا أن يأتي معك؟

— جيد.

— وما فائدة «ربما»؟

الثالث. لم يظهر شيء. تغير وجهه. قال الرجل:

سكت كايو. قال:

— أعد المحاولة.

— أظهرت النتيجة؟

وضع يده ثانية. لا شيء. قال الرجل:

. عاد كل شيء ساكنًا. كأن شيئًا لم يحدث.

— التالي.

— أين الشمال؟

تراجع الشاب. كان وجهه قد انكسر. مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.

— ما معنى الزراعة؟

دخل آزر. وضع يده على الحجر. لم يحدث شيء. ثانية. ثانيتان. ثم— وميض. ظهر خط أبيض. توقفت القاعة. رفع الرجل رأسه. حدق في الحجر. ثم في آزر. قال:

نظر ريو إليه.

— أعد يدك.

— ليس الآن.

فعل. ظهر الخط من جديد. قال الرجل:

— لماذا؟

— أنت…

ضحك بعض الشبان. حتى الرجل ابتسم. ثم قال:

توقف. اقترب.

التفت ريو إليه. هذه المرة لم تكن في عينيه تلك الخفة القديمة.

— هل سبق أن تدربت؟

: اقترب رجل منه. ثم قال

— لا.

— إذن احذر من شيء واحد.

— هل شعرت بالمَدَد من قبل؟

نظر ريو إلى القطعة. ثم قلبها.

— لا أعرف ما هو.

— وأنتم الاثنان تتكلمون كما لو أنكم تعرفون كل شيء.

نظر الرجل إلى الشاب طويلًا. ثم قال:

ثم اختفى بين درجات السطح. ظل آزر جالسًا. لم يعرف الرجل. لم يعرف من أين أتى. لم يعرف كيف وصل. ولم يعرف لماذا اختار أن يحدثه. لكنه عرف شيئًا واحدًا. في صباح الغد… سيذهب إلى البوابة الشمالية. ليس لأن الرجل طلب. ولا لأنه يثق به. بل لأن هناك سؤالًا جديدًا ظهر أمامه. وسؤال واحد كان يكفي دائمًا كي يجعل آزر يتحرك.

— ومن أين جئت؟

— هذا ليس قرارك.

ذكر آزر اسم قريته. لم يعرف الرجل الاسم. اقترب أحد مساعديه. همس في أذنه. تغير وجهه. قال:

— لا. نحن فقط أصبحنا في مكان يمكنها أن تصل إليه.

— هذه ليست منطقة زراعة.

— لم تعد «لا شيء» تقنعني.

نظر آزر إلى الحجر.

نظر آزر إلى الرجل. ثم إلى الطفل. ثم إلى الدم على ذراعه. قال:

— وهل يعني ذلك أنني لا أستطيع الزراعة؟

— لا.

لم يجب الرجل مباشرة. ثم قال:

ابتسم الشيخ.

— يعني أن هناك شيئًا فيك لم أعتد رؤيته هنا.

— وما ثمنها؟

— ما هو؟

— وهذه القدرة ستغيرك.

ابتسم الرجل.

صمت آزر. قالت أمه من الطرف الآخر:

— لا أعرف.

لم يقل آزر شيئًا. قال كايو:

كان يمكن للجملة أن تكون عادية. لكن آزر شعر بشيء فيها. شيئًا صادقًا. فقال:

— لا تتوقف.

— جيد.

— اتركهما.

رفع الرجل حاجبه.

كان العالم الذي رأوه من بعيد قد صار الآن قريبًا بما يكفي لأن يلمسوه. وكانت تلك هي المشكلة. عندما ترى شيئًا من بعيد تستطيع أن تضع له صورة في رأسك. أما حين تقترب… فتبدأ الأشياء التي لم تحسب لها حسابًا بالظهور.

— لماذا جيد؟

هز رين رأسه.

— لأنك لو أخبرتني بشيء لا تعرفه، سأضطر إلى البحث عن إجابة له بدلًا منك.

ضحك كايو. هذه المرة عاد إلى وجهه شيء من الحياة.

ضحك بعض الشبان. حتى الرجل ابتسم. ثم قال:

قال كايو وهو يبتسم وينظر إلى الشوارع. رفع آزر عينيه إليه.

— لديك لسان سيئ.

— عودا!

— ربما.

دخل آزر. وضع يده على الحجر. لم يحدث شيء. ثانية. ثانيتان. ثم— وميض. ظهر خط أبيض. توقفت القاعة. رفع الرجل رأسه. حدق في الحجر. ثم في آزر. قال:

— لكن الحجر استجاب لك. عد بعد ثلاثة أيام.

— بدأت أكره هذه العبارة أقل.

— لماذا؟

— شخص سمعك تتحدث إلى نفسك.

— لأنني أريد أن أعرف ماذا سيحدث إذا تعلمت أول شيء.

— لأنني سأضطر إلى أن أسألك مرة أخرى.

في طريق عودته لم يكن آزر يفكر في الرجل. ولا في القاعة. كان يفكر في الحجر. الخط الأبيض. المَدَد. الزراعة. ثلاث كلمات جديدة. لم تخبره كثيرًا. لكنها فتحت له بابًا. وعندما وصل إلى النزل وجد كايو جالسًا عند الدرج. كان يضغط على معصمه. قال آزر:

ثم عاد إلى ألواحه.

— ماذا حدث؟

تحرك آزر. وقف. قال الرجل:

رفع كايو رأسه.

— من أي طائفة؟

— حاولت. الاختبار.

— لأنه لا يضيع الوقت.

نظر آزر إلى يده.

وكانت هناك لحظة قصيرة جدًا… نظر فيها إلى الرجل. الرجل ينظر إليه. والطفل يبكي. وكايو ينزف. لم يفكر آزر في الخير. ولا الشر. ولا العقوبة. ولا الرحمة. فكر فقط في شيء واحد: إذا عاش، فقد يفعلها مرة أخرى. رفع الخنجر. لكن يدًا أمسكت معصمه. ريو. قال:

— والنتيجة؟

— لماذا؟

ابتسم كايو. لكن الابتسامة كانت متعبة.

— لأنه جزء مني.

— لم يعطني شيئًا.

— من قال لك إن المَدَد يخرج من اليد؟

جلس آزر إلى جواره. سأله:

. عاد كل شيء ساكنًا. كأن شيئًا لم يحدث.

— هل أنت غاضب؟

— ربما.

هز كايو رأسه. ثم قال:

— وما ثمنها؟

— لا. لكنني أكره هذا.

توقف آزر.

لم يقل آزر شيئًا. قال كايو:

— هذه موهبة.

— رأيت واحدًا أصغر مني يرفع ثلاثة أحجار بيد واحدة. وأنا لم أستطع حتى جعل حجر واحد يتحرك.

— هل هذا كل شيء؟

— ربما يمكنك فعل شيء آخر.

ضحك كايو بلا فرح.

ضحك كايو بلا فرح.

— ابتعدوا!

— وما فائدة «ربما»؟

— ماذا؟

لم يجب آزر. جاء ريو من آخر الممر. توقف عندهما. نظر إلى كايو.

— واضح.

— أظهرت النتيجة؟

— من دخل لأول مرة يقف عند الخط.

هز رأسه.

— أن يصبح هدفك أقسى من كل شيء تفعله للوصول إليه.

— لا.

رفع الرجل حاجبه.

— ماذا قالوا؟

— لأنني أعرف ماذا يحدث للناس الذين يدخلون هذا الطريق دون أن يعرفوا شيئًا.

— إنني لا أملك موهبة واضحة.

— كنت ستطلب منه أيضًا أن يأتي معك؟

لم يتغير وجه ريو. لكن عينيه ثبتتا على يد كايو. قال:

عند بوابة المدينة أوقفهم حارسان. كان أحدهما شابًا في منتصف العشرينيات، له ندبة صغيرة عند حاجبه. قال:

— وهل تصدقهم؟

— لماذا؟

— لا.

— جيد.

— جيد.

— ومن قال إن هذا هو السبب؟

قالها ريو ببساطة. ثم صعد. نظر كايو إلى آزر.

— لماذا؟

— هل هذا كل شيء؟

— إذن أين نذهب؟

— لا أعرف.

— هناك طائفة صغيرة على بعد خمسة أيام.

— بدأت أكره هذه العبارة أقل.

— لأن الشخص يمكن أن يكذب.

في تلك الليلة اجتمع الأربعة في الغرفة. رين جلس قرب الباب. نيرة أخرجت بعض الأعشاب. ريو بقي واقفًا. وآزر كان إلى جانب النافذة. قال ريو:

وصل الاثنان إلى نهاية الزقاق. كان هناك رجلان. أحدهما يحمل سكينًا. والآخر مطروح على الأرض. وفي الزاوية… طفل. صغير. يرتجف.

— لن نبقى هنا طويلًا.

الثالث. لم يظهر شيء. تغير وجهه. قال الرجل:

رفع رين رأسه.

— التالي.

— لماذا؟

التفت ريو إليه. هذه المرة لم تكن في عينيه تلك الخفة القديمة.

— لأنهم سيبحثون عنكم.

— أظهرت النتيجة؟

— من؟

— إلى مكان يمكنكم فيه أن تتعلموا.

صمت ريو. قالت نيرة:

أخرج كايو نفسًا طويلًا. ثم قال:

— هل المشكلة بدأت الآن؟

بقي آزر ينظر إلى الباب.

نظر إليها.

— ربما لأنه كان يعرف كيف يسحبك من الأماكن التي لا تنفعك.

— لا. نحن فقط أصبحنا في مكان يمكنها أن تصل إليه.

نظر آزر إلى الرجل. ثم إلى الطفل. ثم إلى الدم على ذراعه. قال:

— إذن أين نذهب؟

— ما هذا؟

أخرج ريو قطعة نقدية صغيرة ووضعها على الطاولة.

وضع يده ثانية. لا شيء. قال الرجل:

— إلى الشمال.

— أحيانًا تتمنى أن يكون هناك من يعرفك حين تضيع.

نظر آزر إليها. كانت عليها علامة غريبة. ليست الدائرة. لكنها تشبهها قليلًا. قال:

— لا تفرح. أنت فقط تجهل أشياء أكثر مني.

— ما هذه؟

— أعد يدك.

نظر ريو إلى القطعة. ثم قلبها.

نظر إليه آزر.

— لا شيء.

— اجلس.

— لم تعد «لا شيء» تقنعني.

— لماذا؟

ابتسم ريو.

— لماذا؟

— جيد.

— وما أكثر شيء أعجبك؟

— أين الشمال؟

— لا أعرف.

— هناك طائفة صغيرة على بعد خمسة أيام.

— عودا!

— طائفة؟ وهل سنصبح مزارعين فيها؟

رفع عينيه إلى السماء وقال بصوت هادئ:

نظر ريو إليه.

لكن الطريق… كان قد بدأ بالفعل.

— إن أرادوا قبولكم.

— ماذا؟

— وإن لم يريدوا؟

— لأنه كان سيؤذي الطفل.

— نكمل.

استدار. كان رجلًا مسنًا يجلس فوق حافة السطح الأخرى. لم يسمع آزر وصوله. كان يرتدي ثوبًا رماديًا بسيطًا، وشعره أبيض تمامًا. سأل آزر:

أخرج كايو نفسًا طويلًا. ثم قال:

ضحكت نيرة. أما ريو فلم يقل شيئًا. كان ينظر إلى الشوارع. إلى الأزقة. إلى النوافذ. وكلما مر شخص بقربه، كانت عيناه تتابعانه لحظة ثم تتركانه. قال آزر:

— إلى أين؟

سكت ريو. كانت نيرة تراقبه. ورين كذلك. أما كايو فرفع رأسه. لم يجب ريو فورًا. اقترب من النافذة. نظر إلى المدينة. ثم قال:

رفع ريو عينيه.

— بالنسبة إلى الطفل، الفرق بين الاحتمالين ليس كبيرًا.

— إلى مكان يمكنكم فيه أن تتعلموا.

الشاب ابتسم. ثم جاء الثاني. ظهر ضوء أصفر. قال الرجل:

نظر آزر إلى الرجل.

هز رين رأسه.

— وأنت؟ لماذا تساعدنا؟

نظر إلى الكوب.

سكت ريو. كانت نيرة تراقبه. ورين كذلك. أما كايو فرفع رأسه. لم يجب ريو فورًا. اقترب من النافذة. نظر إلى المدينة. ثم قال:

شد ريو يده.

— لأنني أعرف ماذا يحدث للناس الذين يدخلون هذا الطريق دون أن يعرفوا شيئًا.

— ربما.

— وماذا يحدث؟

لم يجب الرجل مباشرة. ثم قال:

ظل ريو صامتًا. ثم قال:

— على النجاة.

— بعضهم يموت. وبعضهم ينجو.

— لماذا؟

— وما الفرق؟

صمت ريو.

التفت ريو إليه. هذه المرة لم تكن في عينيه تلك الخفة القديمة.

: اقترب رجل منه. ثم قال

— الناجي يعرف أنه لم ينجُ حقًا.

— بعضهم يموت. وبعضهم ينجو.

كان عليهم أن يرحلوا في الصباح. لكنهم لم يفعلوا. حدث ما أجبرهم على البقاء ليلة أخرى.

نظر إليها.

: بدأ كل شيء بصرخة في السوق. خرجت من أحد الأزقة. صرخة امرأة. ثم سقط شيء معدني. ثم تبعها صوت رجل

— لا.

— ابتعدوا!

— أعد المحاولة.

ركض الناس. أغلق أصحاب المتاجر أبوابهم. أمسك رين بذراع آزر.

— إنني لا أملك موهبة واضحة.

— إلى الداخل.

نظر إلى الكوب.

لكن آزر كان قد سمع شيئًا آخر. بكاء طفل. نظر إلى رين. ثم تحرك. أمسك رين بكتفه.

— ربما لأنه كان يعرف كيف يسحبك من الأماكن التي لا تنفعك.

— آزر!

— اجلس.

نزعه الشاب عنه. ولم يجرِ بعيدًا. دخل الزقاق. تبعه كايو. صرخ رين:

ضحكت نيرة. أما ريو فلم يقل شيئًا. كان ينظر إلى الشوارع. إلى الأزقة. إلى النوافذ. وكلما مر شخص بقربه، كانت عيناه تتابعانه لحظة ثم تتركانه. قال آزر:

— عودا!

— لا تتوقف.

لكن نيرة قالت:

لسبب ما، وجد ذلك مريحًا. لم يكن أحد هنا يعرفه. ولأول مرة منذ وصول ريو إلى القرية، لم يشعر أن كل نظرة موجهة إليه بسبب شيء لا يفهمه. كان مجرد وجه آخر وسط المئات.

— اتركهما.

— ربما. لكن إن لم أستخدمها، فلن أعرف أبدًا إلى أي مدي وصلت.

نظر إليها.

في طريق عودته لم يكن آزر يفكر في الرجل. ولا في القاعة. كان يفكر في الحجر. الخط الأبيض. المَدَد. الزراعة. ثلاث كلمات جديدة. لم تخبره كثيرًا. لكنها فتحت له بابًا. وعندما وصل إلى النزل وجد كايو جالسًا عند الدرج. كان يضغط على معصمه. قال آزر:

— لماذا؟

— قرية صغيرة.

— لم تجب.

— رأيت واحدًا أصغر مني يرفع ثلاثة أحجار بيد واحدة. وأنا لم أستطع حتى جعل حجر واحد يتحرك.

وصل الاثنان إلى نهاية الزقاق. كان هناك رجلان. أحدهما يحمل سكينًا. والآخر مطروح على الأرض. وفي الزاوية… طفل. صغير. يرتجف.

قالها دون تفكير. ثم نظر إلى الطريق.

اقترب الرجل ذو السكين.

كانت المدينة أكبر مما توقعوا. ليس في الحجم وحده. في الحركة. كل شيء يتحرك. حتى الأشخاص الواقفون كانوا يفعلون شيئًا بأيديهم. رجل يصقل سكينًا. امرأة تنظف سمكة. طفل يحمل كيسًا أثقل من جسمه. شاب يبيع أعشابًا مجففة. ورجل عجوز يجلس أمام متجر صغير ويقرأ شيئًا على ألواح خشبية رقيقة.

— ابتعدا.

— أعد يدك.

: كايو توقف وحمل الطفل. تغير تنفسه. الرجل الآخر أمسك بذراعه. قال

— لا يعرف شيئًا. هو من القرية.

— اترك الطفل.

ضحك بعض الشبان. حتى الرجل ابتسم. ثم قال:

— ليس شأنك.

— بعضهم يموت. وبعضهم ينجو.

تحرك كايو. أسرع مما توقع الرجل. لكن السكين انحرفت نحوه. صرخ. تراجع. جرح خفيف ظهر على ذراعه.

— جيد.

نظر الي الدم . ثم إلى الطفل. تغير وجهه. اندفع. ضرب الرجل. سقطت السكين. لكن الرجل الآخر أخرج خنجرًا.

— أعد المحاولة.

كان أسرع . لم ير آزر إلا لمعان المعدن. تحرك كايو أمام الطفل. ارتطم الخنجر بكتفه. صرخ. تراجع. سقط على ركبته.

نظر كايو إلى يده.

تجمد آزر. لحظة واحدة. فقط لحظة. كان يستطيع الهرب. كان يستطيع انتظار أحد للمساعدة أو الحراس.

بقي صامتًا. لم يعرف ماذا يقول.

كان يستطيع أن يعود ويترك الأمر لهم. وكانت تلك أسهل الطرق. لكن الطفل كان سيُصاب.

نظر الحارس إلى آزر. ثم إلى رين. ولسبب لم يفهمه آزر، لم يطرح المزيد من الأسئلة. قال:

تحرك آزر. التقط حجرًا من الأرض. وضرب به ركبة الرجل. صرخ. سقط. قبل أن يستطيع النهوض، أمسك آزر بالخنجر. رفعه.

— أنا لا أتحرك.

وكانت هناك لحظة قصيرة جدًا… نظر فيها إلى الرجل. الرجل ينظر إليه. والطفل يبكي. وكايو ينزف. لم يفكر آزر في الخير. ولا الشر. ولا العقوبة. ولا الرحمة. فكر فقط في شيء واحد: إذا عاش، فقد يفعلها مرة أخرى. رفع الخنجر. لكن يدًا أمسكت معصمه. ريو. قال:

— وأنتم الاثنان تتكلمون كما لو أنكم تعرفون كل شيء.

— كفى.

— لا أعرف.

نظر آزر إليه.

— لماذا؟

رفع آزر عينيه إليها.

— لأنك لا تعرفه.

— ربما.

— أعرف ما فعله.

نظر آزر إلى الرجل. ثم إلى الطفل. ثم إلى الدم على ذراعه. قال:

— هذا ليس كافيًا.

ثم نظر إلى آزر.

رفع آزر عينيه.

جلس آزر إلى جواره. سأله:

— لو تركته، فقد يؤذي شخصًا آخر.

— لم تعد «لا شيء» تقنعني.

— وقد تقتله وهو يستحق الحياة.

ابتسم رغم الألم. أما آزر فكان جالسًا قرب النافذة. نظر كايو إليه. ثم قال:

نظر آزر إلى الرجل. ثم إلى الطفل. ثم إلى الدم على ذراعه. قال:

ضحك كايو بلا فرح.

— بالنسبة إلى الطفل، الفرق بين الاحتمالين ليس كبيرًا.

لكن آزر كان قد سمع شيئًا آخر. بكاء طفل. نظر إلى رين. ثم تحرك. أمسك رين بكتفه.

شد ريو يده.

رفع آزر عينيه.

— هذا ليس قرارك.

— أنت مزارع؟

نظر آزر إلى معصمه الذي أمسكه ريو. ثم ترك الخنجر. سقط على الأرض. لكن عينيه بقيتا على الرجل. لم يبدُ نادمًا. ولم يبدُ مرتاحًا. فقط… كان قد اتخذ قراره.

— هل تريد الدخول؟

بعد ساعة كان كايو جالسًا في الغرفة، ونيرة تخيط الجرح في كتفه. ضغط على أسنانه. قالت:

— نعم.

— لا تتحرك.

— لا. لكنني أكره هذا.

— أنا لا أتحرك.

— وما ثمنها؟

— كتفك هو الذي يتحرك.

حين شعر بهالة ريو، تغير وجه الحارس. لم يكن خوفًا. مجرد انتباه. قال:

— لأنه جزء مني.

رفع كايو رأسه.

— للأسف.

— هل شعرت بالمَدَد من قبل؟

ابتسم رغم الألم. أما آزر فكان جالسًا قرب النافذة. نظر كايو إليه. ثم قال:

رفع عينيه إلى السماء وقال بصوت هادئ:

— كنت ستقتله.

— لا تتوقف.

رفع آزر رأسه.

كان هناك حجر شفاف على المنصة. أبيض في البداية. وضع الشاب الأول يده. ظهر خط أخضر. قال الرجل:

— نعم.

ذكر آزر اسم قريته. لم يعرف الرجل الاسم. اقترب أحد مساعديه. همس في أذنه. تغير وجهه. قال:

سكت كايو. قال:

— مشكلة؟

— لماذا؟

نظر إليه.

لم يجب آزر فورًا. ثم قال:

: اقترب رجل منه. ثم قال

— لأنه كان سيؤذي الطفل.

— بدأت أكره هذه العبارة أقل.

نظر كايو إلى يده.

— لو تركته، فقد يؤذي شخصًا آخر.

— ولو لم يكن هناك طفل؟

— كفى.

— لم أكن لأتدخل.

— وأنت؟ لماذا تساعدنا؟

ساد الصمت. رفعت نيرة عينيها إليه. لكنها لم تقل شيئًا. كان رين في الزاوية. نظر إلى آزر طويلًا. ثم قال:

ثم نظر إلى آزر.

— وأنت لا ترى مشكلة في ذلك؟

— ماذا تريد؟

نظر آزر إليه.

أجابت نيرة:

— مشكلة؟

— لأنك لا تتدرب.

— أن يعيش رجل أو يموت بناءً على ما يخدم هدفك.

— بعضهم يموت. وبعضهم ينجو.

لم يفهم كايو تمامًا. لكن رين فهم. وأدركت نيرة أيضًا أن الإجابة أهم من السؤال. قال آزر:

— وهذا لم يمنع الرجل من سؤالي.

— الناس يموتون كل يوم. الفرق أنني هذه المرة أملك القدرة على تغيير ما يحدث.

: بدأ كل شيء بصرخة في السوق. خرجت من أحد الأزقة. صرخة امرأة. ثم سقط شيء معدني. ثم تبعها صوت رجل

— وهذه القدرة ستغيرك.

— هل ستخبرني؟

— ربما. لكن إن لم أستخدمها، فلن أعرف أبدًا إلى أي مدي وصلت.

لكن نيرة قالت:

لم يقل رين شيئًا. أما نيرة فأعادت الإبرة إلى الجرح. قالت بهدوء:

— مناسب.

— إذن احذر من شيء واحد.

الثالث. لم يظهر شيء. تغير وجهه. قال الرجل:

نظر إليها آزر.

التفت ريو إليه. هذه المرة لم تكن في عينيه تلك الخفة القديمة.

— ماذا؟

ابتسم الشيخ.

رفعت عينيها إليه.

— لست تابعًا لطائفة.

— أن يصبح هدفك أقسى من كل شيء تفعله للوصول إليه.

— لأنه جزء مني.

سكت آزر. لم يجادلها. لكنه لم يوافق أيضًا. وفي تلك اللحظة، لم يكن أحد منهم يعرف أن هذه الجملة ستعود يومًا… بعد سنوات. وفي مكان لا يشبه لين. ولا القرية. ولا هذا العالم كله.

— أنا لا أتحرك.

في منتصف الليل خرج آزر إلى سطح النزل. كانت المدينة تحت قدميه. آلاف النوافذ. بعضها مضيء. بعضها مظلم. صوت المدينة في الليل لم يكن مثل النهار. كان أخفض. أعمق. كأن لكل شارع حياة سرية لا تظهر تحت الشمس.

في مكان بعيد، خلف جبال لم يرها آزر في حياته، تحرك شيء داخل الظلام. فتح عينين. ثم أغلقهما

جلس. رفع رأسه إلى السماء. تذكر الرجل الميت في قريته. ثم رين. ريو. كايو. الطفل. الخنجر. والمَدَد. مد يده أمامه. فتح كفه. لم يحدث شيء. أغلقها. حاول مرة أخرى. لا شيء. ضحك بهدوء.

— لماذا؟

— ليس بعد.

— على النجاة.

لم يكن غاضبًا. كان فقط يعترف بحقيقة. ثم سمع صوتًا خلفه.

— وأحيانًا؟

— من قال لك إن المَدَد يخرج من اليد؟

— لديك لسان سيئ.

استدار. كان رجلًا مسنًا يجلس فوق حافة السطح الأخرى. لم يسمع آزر وصوله. كان يرتدي ثوبًا رماديًا بسيطًا، وشعره أبيض تمامًا. سأل آزر:

— لا. نحن فقط نعرف أنكم لا تعرفون.

— من أنت؟

— يعني أن هناك شيئًا فيك لم أعتد رؤيته هنا.

— شخص سمعك تتحدث إلى نفسك.

ذكر آزر اسم قريته. لم يعرف الرجل الاسم. اقترب أحد مساعديه. همس في أذنه. تغير وجهه. قال:

— ماذا تريد؟

نظر إليها.

ضحك الشيخ.

— إذن لماذا تنظر؟

— ولا شيء. لكنك تحاول فتح باب دون أن تعرف أين الباب.

— هل تريد الدخول؟

— هل تعرف أين هو؟

— لأنه لا يضيع الوقت.

— ربما.

— جيد.

— هل ستخبرني؟

— أن يصبح هدفك أقسى من كل شيء تفعله للوصول إليه.

نظر إليه طويلًا. ثم قال:

— لا.

— لا.

توقف آزر.

سكت آزر. كان يستطيع أن يغضب. لكنه لم يفعل. قال:

— هل تريد الدخول؟

— لماذا؟

فعل. ظهر الخط من جديد. قال الرجل:

ابتسم الشيخ.

— كتفك هو الذي يتحرك.

— لأنك طلبت مني إجابة قبل أن تدفع ثمنها.

— ادخلوا.

— وما ثمنها؟

— الناس يموتون كل يوم. الفرق أنني هذه المرة أملك القدرة على تغيير ما يحدث.

— المعرفة.

— لأنك طلبت مني إجابة قبل أن تدفع ثمنها.

ثم نهض. وقبل أن يرحل، قال:

— لأنك لا تعرف حتى ما معنى السؤال.

— غدًا عند الشروق، اذهب إلى البوابة الشمالية.

— من دخل لأول مرة يقف عند الخط.

توقف آزر.

نظر آزر إليها. كانت عليها علامة غريبة. ليست الدائرة. لكنها تشبهها قليلًا. قال:

— لماذا؟

في منتصف الليل خرج آزر إلى سطح النزل. كانت المدينة تحت قدميه. آلاف النوافذ. بعضها مضيء. بعضها مظلم. صوت المدينة في الليل لم يكن مثل النهار. كان أخفض. أعمق. كأن لكل شارع حياة سرية لا تظهر تحت الشمس.

ابتسم الشيخ.

— لماذا؟

— لأن الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من هنا.

في مكان بعيد، خلف جبال لم يرها آزر في حياته، تحرك شيء داخل الظلام. فتح عينين. ثم أغلقهما

ثم اختفى بين درجات السطح. ظل آزر جالسًا. لم يعرف الرجل. لم يعرف من أين أتى. لم يعرف كيف وصل. ولم يعرف لماذا اختار أن يحدثه. لكنه عرف شيئًا واحدًا. في صباح الغد… سيذهب إلى البوابة الشمالية. ليس لأن الرجل طلب. ولا لأنه يثق به. بل لأن هناك سؤالًا جديدًا ظهر أمامه. وسؤال واحد كان يكفي دائمًا كي يجعل آزر يتحرك.

— إن أرادوا قبولكم.

رفع عينيه إلى السماء وقال بصوت هادئ:

رفع الرجل حاجبه.

ماذا يوجد بعد هذا العالم؟

في الصباح التالي كان الضباب قد انحسر عن السهل، والشمس تظهر بين سحب متفرقة تركت فوق العشب قطرات لامعة. الطريق الذي سلكوه منذ الفجر أوسع من الطريق القديم، لكنه أكثر ازدحامًا. عربات تجرها الخيول، مزارعون يدفعون عربات صغيرة، رجال يحملون سيوفًا قصيرة أو أقواسًا، ونساء يحملن سلالًا تتصاعد منها روائح الأعشاب والتوابل.

ولم يكن يعرف أن السؤال الذي نطق به همسًا… كان أكبر من أن يسمعه رجل واحد.

نظر آزر إلى الرجل. ثم إلى الطفل. ثم إلى الدم على ذراعه. قال:

في مكان بعيد، خلف جبال لم يرها آزر في حياته، تحرك شيء داخل الظلام. فتح عينين. ثم أغلقهما

— وما الفرق؟

. عاد كل شيء ساكنًا. كأن شيئًا لم يحدث.

في تلك الليلة اجتمع الأربعة في الغرفة. رين جلس قرب الباب. نيرة أخرجت بعض الأعشاب. ريو بقي واقفًا. وآزر كان إلى جانب النافذة. قال ريو:

لكن الطريق… كان قد بدأ بالفعل.

رفع الأب عينيه إليه. كان يستطيع أن يجادله. لكنه بدل ذلك أخذ نفسًا طويلًا وقال:

نظر إليه آزر.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط