مدينة لين
في الصباح التالي كان الضباب قد انحسر عن السهل، والشمس تظهر بين سحب متفرقة تركت فوق العشب قطرات لامعة.
الطريق الذي سلكوه منذ الفجر أوسع من الطريق القديم، لكنه أكثر ازدحامًا.
عربات تجرها الخيول، مزارعون يدفعون عربات صغيرة، رجال يحملون سيوفًا قصيرة أو أقواسًا، ونساء يحملن سلالًا تتصاعد منها روائح الأعشاب والتوابل.
توقف آزر.
كان العالم الذي رأوه من بعيد قد صار الآن قريبًا بما يكفي لأن يلمسوه.
وكانت تلك هي المشكلة، لأنه عندما ترى شيئًا من بعيد تستطيع أن تضع له صورة في رأسك، أما حين تقترب… فتبدأ الأشياء التي لم تحسب لها حسابًا بالظهور.
أجابت نيرة:
صبي يركض بين عجلات العربات، امرأة تصرخ في بائع، حصان يعض راحة يد صاحبه، رجل يضحك بصوت مرتفع بينما يلف ذراعه حول كتف صديقه.
طفلة جالسة على حافة الطريق تأكل ثمرة حمراء أكبر من كفيها.
أصوات كثيرة، روائح أكثر، والناس… ناس لا يعرفون آزر، ولا يعرفون قريته، ولا يهتمون بما حدث تحت شجرتهم القديمة.
نظر الحارس إلى آزر، ثم إلى رين. ولسبب لم يفهمه آزر، لم يطرح المزيد من الأسئلة.
لسبب ما، وجد ذلك مريحًا.
لم يكن أحد هنا يعرفه، ولأول مرة منذ وصول ريو إلى القرية، لم يشعر أن كل نظرة موجهة إليه بسبب شيء لا يفهمه.
كان مجرد وجه آخر وسط المئات.
بعد ساعة كان كايو جالسًا في الغرفة، ونيرة تخيط الجرح في كتفه. ضغط على أسنانه، وقالت:
— لو كان أبي حيًا، لأخبرته أنني رأيت مدينة بهذا الحجم.
كانت المدينة أكبر مما توقعوا. ليس في الحجم وحده، بل في الحركة. كل شيء يتحرك، حتى الأشخاص الواقفون كانوا يفعلون شيئًا بأيديهم. رجل يصقل سكينًا، امرأة تنظف سمكة، طفل يحمل كيسًا أثقل من جسمه، شاب يبيع أعشابًا مجففة، ورجل عجوز يجلس أمام متجر صغير ويقرأ شيئًا على ألواح خشبية رقيقة.
قال كايو وهو يبتسم وينظر إلى الشوارع.
رفع آزر عينيه إليه.
— لأنك لا تعرفه.
— كنت ستطلب منه أيضًا أن يأتي معك؟
جلس آزر إلى جواره، وسأله:
تغيرت ابتسامته قليلًا.
— سأعرفها إذا خرجت.
— لا.
مشى آزر، لكن عينيه بقيتا فوق الأبراج.
قالها دون تفكير، ثم نظر إلى الطريق.
— إذن لماذا تنظر؟
— كان سيكره الزحام.
— أين الشمال؟
ضحكت نيرة.
— أن يصبح هدفك أقسى من كل شيء تفعله للوصول إليه.
— ومن قال إن هذا هو السبب؟
— ماذا يوجد بعد هذا العالم؟
نظر إليها كايو.
— لا.
— وما السبب؟
لكن الطريق… كان قد بدأ بالفعل.
— ربما لأنه كان يعرف كيف يسحبك من الأماكن التي لا تنفعك.
نظر إليها آزر.
خفض كايو عينيه، وتغير شيء في وجهه.
شيء صغير، ولم يلحظ رين ذلك، أما آزر فلاحظ.
لكنه لم يسأل، فمنذ بدأت الرحلة كان يتعلم أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى أن تُطرح في اللحظة التي تولد فيها، ربما تحتاج أن تنضج أولًا.
— وأنت؟ ما رتبتك؟
ظهرت مدينة لين قبل الظهر.
لم تكن الأسوار هي أول ما رآه آزر، بل الناس.
أعداد كبيرة تسير في اتجاه واحد ثم تتفرق عند البوابات.
عربات تحمل القمح، رجال يقودون الماشية، تجار يتجادلون على الأسعار، حراس يرتدون دروعًا معدنية خفيفة، وشبان في أعمار متقاربة يقفون في مجموعات صغيرة، بعضهم يحمل سيوفًا وبعضهم يحمل عصيًا طويلة أو أقواسًا.
لكن فوق كل ذلك… كانت هناك أبراج، أبراج حجرية تعلو السور وتطل على كل شيء.
— لهذا السبب تحديدًا، هناك فرق بين من يسأل لأنه فضولي، ومن يسأل لأنه يتوقع منك أن تملك إجابة.
وقف آزر لحظة وهو ينظر إليها، ثم قال رين:
— لماذا؟
— لا تتوقف.
وقف، وخرج منها ثلاثة شبان. الأول يحمل سيفًا، الثاني يمشي ببطء وقد أمسك كتفه، والثالث كان يضحك. قال الأول:
مشى آزر، لكن عينيه بقيتا فوق الأبراج.
— نعم.
— من بناها؟
— وما أكثر شيء أعجبك؟
— لا أعرف، وستجد أشياء كثيرة هنا لا أعرفها.
أجاب رين بسرعة:
نظر إليه آزر.
— أبحث عن مكان.
— هذا جديد.
تحرك كايو، كان أسرع مما توقع الرجل، لكن السكين انحرفت نحوه. صرخ، ثم تراجع، وظهر جرح خفيف ظهر على ذراعه.
ضحك رين.
— ربما يمكنك فعل شيء آخر.
— ماذا؟
— لا.
— أنك تعترف بذلك بسهولة.
— ماذا رأيت اليوم؟
تغير وجه رين، ثم قال:
— ليس شأنك.
— في القرية كنت أعرف كل حجر تقريبًا، أما هنا لا أعرف حتى لماذا يضعون تلك الراية فوق ذلك البرج.
— لو تركته، فقد يؤذي شخصًا آخر.
— إذن نحن متساويان.
— رأيت واحدًا أصغر مني يرفع ثلاثة أحجار بيد واحدة، وأنا لم أستطع حتى جعل حجر واحد يتحرك.
هز رين رأسه.
صمت ريو.
— لا تفرح، أنت فقط تجهل أشياء أكثر مني.
نظر آزر إلى الرجل.
ابتسم آزر ابتسامة صغيرة.
— لأنك لا تعرف حتى ما معنى السؤال.
وعند بوابة المدينة أوقفهم حارسان.
كان أحدهما شابًا في منتصف العشرينيات، له ندبة صغيرة عند حاجبه.
ابتسم رغم الألم، أما آزر فكان جالسًا قرب النافذة. نظر كايو إليه، ثم قال:
— الأسماء.
شد ريو يده.
تقدم رين، وذكر اسمه، ثم نيرة، ثم كايو، ثم آزر.
وأخيرًا ريو.
— لأنك لا تتدرب.
حين شعر بهالة ريو، تغير وجه الحارس.
لم يكن خوفًا، بل مجرد انتباه.
— لماذا؟
— أنت مزارع؟
— لأنك لا تتدرب.
— نعم.
— هل تبحث عن شخص؟
— من أي طائفة؟
لم تقل شيئًا، ولكن يدها توقفت لحظة فوق حافة الكوب. ثم قالت:
صمت ريو.
أخرج ريو قطعة نقدية صغيرة ووضعها على الطاولة.
— لست تابعًا لطائفة.
— لو تركته، فقد يؤذي شخصًا آخر.
نظر الحارس إلى زميله، ثم أعاد نظره إلى ريو.
— لديك لسان سيئ.
— هذا غريب.
نظر إليها كايو.
— لماذا؟
رفع آزر عينيه.
— لأن معظم من يستطيع الوقوف أمامي بهذه الثقة يكون تابعًا لطائفة.
تراجع الشاب، وكان وجهه قد انكسر. مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.
ضحك كايو، ثم قال ريو:
— وإن لم يريدوا؟
— معظم؟
— وأنت؟ لماذا تساعدنا؟
رفع الحارس حاجبه.
— هذه إجابة سيئة.
— نعم.
— كنت ستطلب منه أيضًا أن يأتي معك؟
ثم نظر إلى آزر.
جلس، ووضعت أمامه كوبًا من الماء، ثم قالت:
— وأنت؟ ما رتبتك؟
كان العالم الذي رأوه من بعيد قد صار الآن قريبًا بما يكفي لأن يلمسوه. وكانت تلك هي المشكلة، لأنه عندما ترى شيئًا من بعيد تستطيع أن تضع له صورة في رأسك، أما حين تقترب… فتبدأ الأشياء التي لم تحسب لها حسابًا بالظهور.
توقف آزر، ولم يعرف ما الذي يقصده.
نظر إلى ريو، لكن ريو لم يتكلم.
أكمل الحارس:
— لم أكن لأتدخل.
— ما بالكم جميعًا؟
— لو كان أبي حيًا، لأخبرته أنني رأيت مدينة بهذا الحجم.
أجاب رين بسرعة:
— أن يعيش رجل أو يموت بناءً على ما يخدم هدفك.
— لا يعرف شيئًا، هو من القرية.
— طائفة؟ وهل سنصبح مزارعين فيها؟
نظر الحارس إلى آزر، ثم إلى رين.
ولسبب لم يفهمه آزر، لم يطرح المزيد من الأسئلة.
تحرك آزر. التقط حجرًا من الأرض، وضرب به ركبة الرجل. صرخ، ثم سقط، وقبل أن يستطيع النهوض، أمسك آزر بالخنجر ورفعه.
— ادخلوا.
— أن يعيش رجل أو يموت بناءً على ما يخدم هدفك.
تحركت العربة، وبعد أن ابتعدوا، قال كايو:
— أما المكان أصعب عليه ذلك.
— ما رتبتك؟
رفع كايو رأسه.
التفت إلى ريو، فأجاب:
— وأنت لا ترى مشكلة في ذلك؟
— ليس الآن.
— لماذا جيد؟
— لماذا؟
نظر ريو إلى القطعة، ثم قلبها.
— لأنك لا تعرف حتى ما معنى السؤال.
نظر آزر إليه.
— وهذا لم يمنع الرجل من سؤالي.
لم يعلق آزر، وكان يفكر في الجملة.
أجابت نيرة:
ابتسم الشيخ.
— لهذا السبب تحديدًا، هناك فرق بين من يسأل لأنه فضولي، ومن يسأل لأنه يتوقع منك أن تملك إجابة.
كانت هناك لحظة قصيرة جدًا… نظر فيها إلى الرجل. الرجل ينظر إليه، والطفل يبكي. كايو ينزف، ولم يفكر آزر في الخير، ولا الشر، ولا العقوبة، ولا الرحمة. فكر فقط في شيء واحد:
صمت كايو، ثم نظر إلى آزر.
— كان سيكره الزحام.
— وأنتم الاثنان تتكلمون كما لو أنكم تعرفون كل شيء.
ضحكت نيرة.
— لا، نحن فقط نعرف أنكم لا تعرفون.
الثالث. لم يظهر شيء. تغير وجهه، وقال الرجل:
ضحك كايو، وهذه المرة عاد إلى وجهه شيء من الحياة.
— ماذا حدث؟
كانت المدينة أكبر مما توقعوا.
ليس في الحجم وحده، بل في الحركة.
كل شيء يتحرك، حتى الأشخاص الواقفون كانوا يفعلون شيئًا بأيديهم.
رجل يصقل سكينًا، امرأة تنظف سمكة، طفل يحمل كيسًا أثقل من جسمه، شاب يبيع أعشابًا مجففة، ورجل عجوز يجلس أمام متجر صغير ويقرأ شيئًا على ألواح خشبية رقيقة.
— لا.
مر آزر بجانبه.
توقف الرجل عن القراءة، رفع رأسه، ونظر إليه.
ثم قال:
هز كايو رأسه، ثم قال:
— من أي منطقة؟
— هل تبحث عن شخص؟
توقف آزر.
ضحك الشيخ.
— لا أعرف.
أخرج كايو نفسًا طويلًا، ثم قال:
ضحك الرجل.
— لا تتوقف.
— هذه إجابة سيئة.
بعد ساعة خرج آزر وحده. لم تمنعه أمه، وربما لأنها عرفت أن منعه لن يفيد، أو ربما لأنه بدا لأول مرة منشغلًا بشيء آخر غير الموت. المشكلة أنه لم يكن يعرف إلى أين يذهب. فمشى بلا هدف، وهذا كان مختلفًا عليه. هو الذي اعتاد أن يبحث عن سبب لكل شيء، وجد نفسه يمشي دون سبب واضح.
— لماذا؟
جلس، ورفع رأسه إلى السماء. تذكر الرجل الميت في قريته، ثم رين، ريو، كايو، الطفل، الخنجر، والمَدَد. مد يده أمامه، وفتح كفه. لم يحدث شيء. أغلقها، وحاول مرة أخرى، لا شيء.. ضحك بهدوء.
— لأنني سأضطر إلى أن أسألك مرة أخرى.
— وقد تقتله وهو يستحق الحياة.
ثم عاد إلى ألواحه.
— هذه ليست منطقة زراعة.
مشى آزر، وقال كايو:
سكت كايو، وقال:
— أعجبني الرجل.
رفع الخنجر، لكن يدًا أمسكت معصمه. ريو، وقال:
— لماذا؟
— لم تعد “لا شيء” تقنعني.
— لأنه لا يضيع الوقت.
— كان سيكره الزحام.
— وأنت تضيع وقت الآخرين منذ طفولتك.
لم يجب الرجل مباشرة، ثم قال:
— هذه موهبة.
— لماذا؟
ضحكت نيرة، أما ريو فلم يقل شيئًا.
كان ينظر إلى الشوارع، إلى الأزقة، إلى النوافذ، وكلما مر شخص بقربه، كانت عيناه تتابعانه لحظة ثم تتركانه.
قال آزر:
نظر آزر إلى الرجل.
— هل تبحث عن شخص؟
— إن أرادوا قبولكم.
— لا.
بدأ كل شيء بصرخة في السوق. خرجت من أحد الأزقة صرخة امرأة، ثم سقط شيء معدني، وتبعها صوت رجل
— إذن لماذا تنظر؟
— لا.
— أبحث عن مكان.
خفض كايو عينيه، وتغير شيء في وجهه. شيء صغير، ولم يلحظ رين ذلك، أما آزر فلاحظ. لكنه لم يسأل، فمنذ بدأت الرحلة كان يتعلم أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى أن تُطرح في اللحظة التي تولد فيها، ربما تحتاج أن تنضج أولًا.
— لماذا؟
— ربما.
— لأن الشخص يمكن أن يكذب.
ابتسم الشيخ.
— أما المكان أصعب عليه ذلك.
— أبحث عن مكان.
لم يعلق آزر، وكان يفكر في الجملة.
— جيد.
وجدوا نزلًا صغيرًا في شارع جانبي.
لم يكن رخيصًا، لكن رين دفع ما استطاع.
كانت الغرفة الأولى ضيقة.
سريران، نافذة، طاولة، وحوض ماء.
دخل آزر ووضع حقيبته ثم جلس و لم يخلع حذاءه.
قال والده:
— ما بالكم جميعًا؟
— لن تخرج اليوم.
— أنت…
نظر إليه.
— وأنت؟ ما رتبتك؟
— لماذا؟
— شخص سمعك تتحدث إلى نفسك.
— لأنك لا تعرف المدينة.
تحركت العربة، وبعد أن ابتعدوا، قال كايو:
— سأعرفها إذا خرجت.
التفت إلى ريو، فأجاب:
رفع الأب عينيه إليه، وكان يستطيع أن يجادله، لكنه بدلا من ذلك أخذ نفسًا طويلًا وقال:
بقي آزر ينظر إلى الباب. اقترب رجل منه، ثم قال:
— هناك أماكن لا تحتاج أن تتعلمها بالطريقة الصعبة.
ابتسم ريو.
صمت آزر، وقالت أمه من الطرف الآخر:
نظر آزر إلى الرجل.
— اجلس.
— لا أعرف.
جلس، ووضعت أمامه كوبًا من الماء، ثم قالت:
قاعة الاختبار.
— ماذا رأيت اليوم؟
— ما هذا؟
فكر.
— لأنك لا تتدرب.
— أشياء كثيرة.
جلس آزر إلى جواره، وسأله:
— وما أكثر شيء أعجبك؟
— الأسماء.
نظر إلى الكوب.
— لست تابعًا لطائفة.
— أن لا أحد يعرفني.
أجاب رين بسرعة:
لم تقل شيئًا، ولكن يدها توقفت لحظة فوق حافة الكوب.
ثم قالت:
— لأنك لا تتدرب.
— أحيانًا يكون ذلك مريحًا.
— ماذا قالوا؟
رفع آزر عينيه إليها.
— وأنتم الاثنان تتكلمون كما لو أنكم تعرفون كل شيء.
— وأحيانًا؟
نظر آزر إليه.
ابتسمت.
نظر آزر إليه.
— أحيانًا تتمنى أن يكون هناك من يعرفك حين تضيع.
ضحك بعض الشبان، وحتى الرجل ابتسم.
بقي صامتًا، ولم يعرف ماذا يقول.
— أعرف ما فعله.
بعد ساعة خرج آزر وحده.
لم تمنعه أمه، وربما لأنها عرفت أن منعه لن يفيد، أو ربما لأنه بدا لأول مرة منشغلًا بشيء آخر غير الموت.
المشكلة أنه لم يكن يعرف إلى أين يذهب.
فمشى بلا هدف، وهذا كان مختلفًا عليه.
هو الذي اعتاد أن يبحث عن سبب لكل شيء، وجد نفسه يمشي دون سبب واضح.
— هل شعرت بالمَدَد من قبل؟
مر بالسوق، ثم بالحي القديم، ثم وصل إلى ساحة واسعة فيها مبنى حجري ضخم.
فوق بابه لوحة:
— جيد.
قاعة الاختبار.
— إلى الشمال.
وقف، وخرج منها ثلاثة شبان.
الأول يحمل سيفًا، الثاني يمشي ببطء وقد أمسك كتفه، والثالث كان يضحك.
قال الأول:
— من أنت؟
— لن أصل حتى السادسة بهذه الطريقة.
— وهل تصدقهم؟
— لأنك لا تتدرب.
لم يجب الرجل مباشرة، ثم قال:
— أنا أتدرب.
— عودا!
— على ماذا؟
— لا.
— على النجاة.
— هل المشكلة بدأت الآن؟
— ضحك الثالث، ثم ابتعدوا.
وقف آزر لحظة وهو ينظر إليها، ثم قال رين:
بقي آزر ينظر إلى الباب.
اقترب رجل منه، ثم قال:
صبي يركض بين عجلات العربات، امرأة تصرخ في بائع، حصان يعض راحة يد صاحبه، رجل يضحك بصوت مرتفع بينما يلف ذراعه حول كتف صديقه. طفلة جالسة على حافة الطريق تأكل ثمرة حمراء أكبر من كفيها. أصوات كثيرة، روائح أكثر، والناس… ناس لا يعرفون آزر، ولا يعرفون قريته، ولا يهتمون بما حدث تحت شجرتهم القديمة.
— هل تريد الدخول؟
كان هناك حجر شفاف على المنصة. أبيض في البداية، ثم وضع الشاب الأول يده. ظهر خط أخضر، ثم قال الرجل:
نظر آزر إليه.
— من أي طائفة؟
— ما هذا؟
— لأنك لا تعرف المدينة.
— اختبار أولي، للزراعة.
نظر إليها كايو.
توقف قلبه للحظة.
ليس خوفًا، بل لأن الكلمة التي سمعها منذ الأمس وجدت فجأة بابًا أمامه.
قال:
— ادخلوا.
— ما معنى الزراعة؟
نظر آزر إليه.
ضحك الرجل.
بقي صامتًا، ولم يعرف ماذا يقول.
— من أي قرية أتيت؟
— والنتيجة؟
— قرية صغيرة.
— لا تتوقف.
— واضح.
— هذا ليس قرارك.
ثم فتح الباب.
— بالنسبة إلى الطفل، الفرق بين الاحتمالين ليس كبيرًا.
— إذا كنت لا تعرف شيئًا، فتعال.
توقف آزر.
دخل آزر.
كانت القاعة أكبر من الخارج.
في داخلها صفوف من المقاعد، وفي المنتصف منصة حجرية.
كان هناك حوالي عشرين شابًا، بعضهم يحمل شارات على ملابسهم، وبعضهم يتحدث مع رفاقه.
وفي وسط القاعة وقف رجل في الأربعين تقريبًا، له لحية قصيرة وشعر مربوط للخلف.
قال:
— اختبار أولي، للزراعة.
— من دخل لأول مرة يقف عند الخط.
— هل سبق أن تدربت؟
تحرك آزر.
ووقف، ثم قال الرجل:
— هل أنت غاضب؟
— ضع يدك على الحجر.
— ما هو؟
كان هناك حجر شفاف على المنصة.
أبيض في البداية، ثم وضع الشاب الأول يده.
ظهر خط أخضر، ثم قال الرجل:
— أظهرت النتيجة؟
— جيد.
— ربما.
الشاب ابتسم.
ثم جاء الثاني، ظهر ضوء أصفر.
فقال الرجل:
— على ماذا؟
— ممتاز.
— لا.
الثالث.
لم يظهر شيء.
تغير وجهه، وقال الرجل:
نظر آزر إلى الرجل.
— أعد المحاولة.
لم يكن غاضبًا، كان فقط يعترف بحقيقة، ثم سمع صوتًا خلفه.
وضع يده ثانية، ولا شيء.
قال الرجل:
— إلى مكان يمكنكم فيه أن تتعلموا.
— التالي.
— قرية صغيرة.
تراجع الشاب، وكان وجهه قد انكسر.
مر بجانب آزر دون أن ينظر إليه.
نظر إليه طويلًا، ثم قال:
دخل آزر.
وضع يده على الحجر، ولم يحدث شيء.
ثانية، ثانيتان، ثم.. وميض.
ظهر خط أبيض.
توقفت القاعة، ورفع الرجل رأسه.
حدق في الحجر، ثم في آزر، وقال:
ذكر آزر اسم قريته، ولم يعرف الرجل الاسم. اقترب أحد مساعديه، وهمس في أذنه. تغير وجهه، ثم قال:
— أعد يدك.
لم يكن غاضبًا، كان فقط يعترف بحقيقة، ثم سمع صوتًا خلفه.
فعل، وظهر الخط من جديد.
قال الرجل:
— كان سيكره الزحام.
— أنت…
— إنني لا أملك موهبة واضحة.
توقف، واقترب.
— أظهرت النتيجة؟
— هل سبق أن تدربت؟
ثم نظر إلى آزر.
— لا.
قالها ريو ببساطة، ثم صعد. نظر كايو إلى آزر.
— هل شعرت بالمَدَد من قبل؟
— وإن لم يريدوا؟
— لا أعرف ما هو.
— أين الشمال؟
نظر الرجل إلى الشاب طويلًا، ثم قال:
— بعضهم يموت، وبعضهم ينجو.
— ومن أين جئت؟
— لأنه لا يضيع الوقت.
ذكر آزر اسم قريته، ولم يعرف الرجل الاسم.
اقترب أحد مساعديه، وهمس في أذنه.
تغير وجهه، ثم قال:
نظر إليها كايو.
— هذه ليست منطقة زراعة.
إذا عاش، فقد يفعلها مرة أخرى.
نظر آزر إلى الحجر.
— إلى أين؟
— وهل يعني ذلك أنني لا أستطيع الزراعة؟
— لو كان أبي حيًا، لأخبرته أنني رأيت مدينة بهذا الحجم.
لم يجب الرجل مباشرة، ثم قال:
— قرية صغيرة.
— يعني أن هناك شيئًا فيك لم أعتد رؤيته هنا.
تحرك آزر. التقط حجرًا من الأرض، وضرب به ركبة الرجل. صرخ، ثم سقط، وقبل أن يستطيع النهوض، أمسك آزر بالخنجر ورفعه.
— ما هو؟
نظر الحارس إلى آزر، ثم إلى رين. ولسبب لم يفهمه آزر، لم يطرح المزيد من الأسئلة.
ابتسم الرجل.
— ممتاز.
— لا أعرف.
لم يجب الرجل مباشرة، ثم قال:
كان يمكن للجملة أن تكون عادية، لكن آزر شعر بشيء فيها.
شيئًا صادقًا، فقال:
— ولو لم يكن هناك طفل؟
— جيد.
— لا أعرف.
رفع الرجل حاجبه.
ضحك رين.
— لماذا جيد؟
— لا.
— لأنك لو أخبرتني بشيء لا تعرفه، سأضطر إلى البحث عن إجابة له بدلًا منك.
صبي يركض بين عجلات العربات، امرأة تصرخ في بائع، حصان يعض راحة يد صاحبه، رجل يضحك بصوت مرتفع بينما يلف ذراعه حول كتف صديقه. طفلة جالسة على حافة الطريق تأكل ثمرة حمراء أكبر من كفيها. أصوات كثيرة، روائح أكثر، والناس… ناس لا يعرفون آزر، ولا يعرفون قريته، ولا يهتمون بما حدث تحت شجرتهم القديمة.
ضحك بعض الشبان، وحتى الرجل ابتسم.
وعند بوابة المدينة أوقفهم حارسان. كان أحدهما شابًا في منتصف العشرينيات، له ندبة صغيرة عند حاجبه.
— لديك لسان سيئ.
— لماذا؟
— ربما.
— لماذا؟
— لكن الحجر استجاب لك، لذا عد بعد ثلاثة أيام.
— هل شعرت بالمَدَد من قبل؟
— لماذا؟
نظر إليه طويلًا، ثم قال:
— لأنني أريد أن أعرف ماذا سيحدث إذا تعلمت أول شيء.
— وأنت تضيع وقت الآخرين منذ طفولتك.
في طريق عودته لم يكن آزر يفكر في الرجل، ولا في القاعة.
كان يفكر في الحجر.
الخط الأبيض، المَدَد، الزراعة، ثلاث كلمات جديدة لم تخبره كثيرًا.
لكنها فتحت له بابًا، وعندما وصل إلى النزل وجد كايو جالسًا عند الدرج، وكان يضغط على معصمه.
قال آزر:
— لماذا؟
— ماذا حدث؟
سكت آزر. ولم يجادلها، لكنه لم يوافق أيضًا. وفي تلك اللحظة، لم يكن أحد منهم يعرف أن هذه الجملة ستعود يومًا… بعد سنوات، وفي مكان لا يشبه لين، ولا القرية، ولا هذا العالم كله.
رفع كايو رأسه.
نظر ريو إليه.
— حاولت الاختبار.
— لماذا؟
نظر آزر إلى يده.
— أظهرت النتيجة؟
— والنتيجة؟
— لا.
ابتسم كايو، ولكن الابتسامة كانت متعبة.
قالها ريو ببساطة، ثم صعد. نظر كايو إلى آزر.
— لم يعطني شيئًا.
نظر الرجل إلى الشاب طويلًا، ثم قال:
جلس آزر إلى جواره، وسأله:
تقدم رين، وذكر اسمه، ثم نيرة، ثم كايو، ثم آزر. وأخيرًا ريو.
— هل أنت غاضب؟
— لماذا؟
هز كايو رأسه، ثم قال:
— من أي قرية أتيت؟
— لا. لكنني أكره هذا.
— جيد.
لم يقل آزر شيئًا، أكمل كايو:
رفع الحارس حاجبه.
— رأيت واحدًا أصغر مني يرفع ثلاثة أحجار بيد واحدة، وأنا لم أستطع حتى جعل حجر واحد يتحرك.
— ليس شأنك.
— ربما يمكنك فعل شيء آخر.
— لأنك لا تعرفه.
ضحك كايو بلا فرح.
— هل ستخبرني؟
— وما فائدة «ربما»؟
— وأنت؟ ما رتبتك؟
لم يجب آزر، وجاء ريو من آخر الممر.
توقف عندهما، ونظر إلى كايو.
صمت ريو، وقالت نيرة:
— أظهرت النتيجة؟
مر آزر بجانبه. توقف الرجل عن القراءة، رفع رأسه، ونظر إليه. ثم قال:
هز رأسه.
— وما السبب؟
— لا.
لم يجب الرجل مباشرة، ثم قال:
— ماذا قالوا؟
— وما أكثر شيء أعجبك؟
— إنني لا أملك موهبة واضحة.
بدأ كل شيء بصرخة في السوق. خرجت من أحد الأزقة صرخة امرأة، ثم سقط شيء معدني، وتبعها صوت رجل
لم يتغير وجه ريو، لكن عينيه ثبتتا على يد كايو.
نظر الرجل إلى الشاب طويلًا، ثم قال:
— وهل تصدقهم؟
— ابتعدوا!
— لا.
— هل ستخبرني؟
— جيد.
— وهل يعني ذلك أنني لا أستطيع الزراعة؟
قالها ريو ببساطة، ثم صعد.
نظر كايو إلى آزر.
— أظهرت النتيجة؟
— هل هذا كل شيء؟
لكن نيرة قالت:
— لا أعرف.
— اجلس.
— بدأت أكره هذه العبارة أقل.
— ضع يدك على الحجر.
في تلك الليلة اجتمع الأربعة في الغرفة.
رين جلس قرب الباب، ونيرة أخرجت بعض الأعشاب.
ريو بقي واقفًا، وآزر كان إلى جانب النافذة.
قال ريو:
— مشكلة؟
— لن نبقى هنا طويلًا.
كان أسرع، ولم ير آزر إلا لمعان المعدن. تحرك كايو أمام الطفل، وارتطم الخنجر بكتفه. صرخ، وتراجع، ثم سقط على ركبته.
رفع رين رأسه.
بعد ساعة كان كايو جالسًا في الغرفة، ونيرة تخيط الجرح في كتفه. ضغط على أسنانه، وقالت:
— لماذا؟
ابتسم رغم الألم، أما آزر فكان جالسًا قرب النافذة. نظر كايو إليه، ثم قال:
— لأنهم سيبحثون عنكم.
— من؟
رفعت عينيها إليه.
صمت ريو، وقالت نيرة:
— لا.
— هل المشكلة بدأت الآن؟
— لا أعرف، وستجد أشياء كثيرة هنا لا أعرفها.
نظر إليها.
رفعت عينيها إليه.
— لا، نحن فقط أصبحنا في مكان يمكنها أن تصل إليه.
لم يقل آزر شيئًا، أكمل كايو:
— إذن أين نذهب؟
— ربما.
أخرج ريو قطعة نقدية صغيرة ووضعها على الطاولة.
— كنت ستطلب منه أيضًا أن يأتي معك؟
— إلى الشمال.
— ليس شأنك.
نظر آزر إليها، وكانت عليها علامة غريبة، ليست الدائرة.
لكنها تشبهها قليلًا.
— ما بالكم جميعًا؟
— ما هذه؟
— لا تفرح، أنت فقط تجهل أشياء أكثر مني.
نظر ريو إلى القطعة، ثم قلبها.
— ما هذا؟
— لا شيء.
— ماذا رأيت اليوم؟
— لم تعد “لا شيء” تقنعني.
وعند بوابة المدينة أوقفهم حارسان. كان أحدهما شابًا في منتصف العشرينيات، له ندبة صغيرة عند حاجبه.
ابتسم ريو.
قالها ريو ببساطة، ثم صعد. نظر كايو إلى آزر.
— جيد.
— في القرية كنت أعرف كل حجر تقريبًا، أما هنا لا أعرف حتى لماذا يضعون تلك الراية فوق ذلك البرج.
— أين الشمال؟
— ربما يمكنك فعل شيء آخر.
— هناك طائفة صغيرة على بعد خمسة أيام.
رفع كايو رأسه.
— طائفة؟ وهل سنصبح مزارعين فيها؟
ظل ريو صامتًا، ثم قال:
نظر ريو إليه.
نظر إليها كايو.
— إن أرادوا قبولكم.
— نعم.
— وإن لم يريدوا؟
— وما السبب؟
— نكمل.
— أعد يدك.
أخرج كايو نفسًا طويلًا، ثم قال:
ضحكت نيرة.
— إلى أين؟
نظر الي الدم، ثم إلى الطفل. تغير وجهه، اندفع وضرب الرجل. سقطت السكين، لكن الرجل الآخر أخرج خنجرًا.
رفع ريو عينيه.
رفع آزر عينيه إليها.
— إلى مكان يمكنكم فيه أن تتعلموا.
ابتسم الرجل.
نظر آزر إلى الرجل.
— لماذا؟
— وأنت؟ لماذا تساعدنا؟
— المعرفة.
سكت ريو.
وكانت نيرة تراقبه، ورين كذلك.
أما كايو فرفع رأسه، ولم يجب ريو فورًا.
اقترب من النافذة ونظر إلى المدينة، ثم قال:
جلس، ووضعت أمامه كوبًا من الماء، ثم قالت:
— لأنني أعرف ماذا يحدث للناس الذين يدخلون هذا الطريق دون أن يعرفوا شيئًا.
— لماذا؟
— وماذا يحدث؟
— هذه ليست منطقة زراعة.
ظل ريو صامتًا، ثم قال:
نظر آزر إليه.
— بعضهم يموت، وبعضهم ينجو.
— من أي منطقة؟
— وما الفرق؟
— لأن معظم من يستطيع الوقوف أمامي بهذه الثقة يكون تابعًا لطائفة.
التفت ريو إليه، وهذه المرة لم تكن في عينيه تلك الخفة القديمة.
— المعرفة.
— الناجي يعرف أنه لم ينجُ حقًا.
— لماذا؟
كان عليهم أن يرحلوا في الصباح، ولكنهم لم يفعلوا.
حدث ما أجبرهم على البقاء ليلة أخرى.
ركض الناس، أغلق أصحاب المتاجر أبوابهم، ثم أمسك رين بذراع آزر.
بدأ كل شيء بصرخة في السوق.
خرجت من أحد الأزقة صرخة امرأة، ثم سقط شيء معدني، وتبعها صوت رجل
لم يفهم كايو تمامًا. لكن ريو فهم، وأدركت نيرة أيضًا أن الإجابة أهم من السؤال. قال آزر:
— ابتعدوا!
— ادخلوا.
ركض الناس، أغلق أصحاب المتاجر أبوابهم، ثم أمسك رين بذراع آزر.
توقف آزر.
— إلى الداخل.
— قرية صغيرة.
لكن آزر كان قد سمع شيئًا آخر.
بكاء طفل، نظر إلى رين.
ثم تحرك، وأمسك رين بكتفه.
— ابتعدوا!
— آزر!
— شخص سمعك تتحدث إلى نفسك.
نزعه الشاب عنه، ولم يجرِ بعيدًا.
دخل الزقاق، ثم تبعه كايو، وصرخ رين:
— أنت مزارع؟
— عودا!
— إلى أين؟
لكن نيرة قالت:
لم يفهم كايو تمامًا. لكن ريو فهم، وأدركت نيرة أيضًا أن الإجابة أهم من السؤال. قال آزر:
— اتركهما.
هز رين رأسه.
نظر إليها.
جلس، ورفع رأسه إلى السماء. تذكر الرجل الميت في قريته، ثم رين، ريو، كايو، الطفل، الخنجر، والمَدَد. مد يده أمامه، وفتح كفه. لم يحدث شيء. أغلقها، وحاول مرة أخرى، لا شيء.. ضحك بهدوء.
— لماذا؟
رفع عينيه إلى السماء وقال بصوت هادئ:
— لم تجب.
نظر كايو إلى يده.
وصل الاثنان إلى نهاية الزقاق.
كان هناك رجلان، أحدهما يحمل سكينًا، والآخر مطروح على الأرض، وفي الزاوية… طفل صغير يرتجف.
— جيد.
اقترب الرجل ذو السكين.
— وماذا يحدث؟
— ابتعدا.
— وأحيانًا؟
كايو توقف وحمل الطفل، تغير تنفسه.
والرجل الآخر أمسك بذراعه، ثم قال:
— ربما، لكن إن لم أستخدمها، فلن أعرف أبدًا إلى أي مدي وصلت.
— اترك الطفل.
ذكر آزر اسم قريته، ولم يعرف الرجل الاسم. اقترب أحد مساعديه، وهمس في أذنه. تغير وجهه، ثم قال:
— ليس شأنك.
— لماذا؟
تحرك كايو، كان أسرع مما توقع الرجل، لكن السكين انحرفت نحوه.
صرخ، ثم تراجع، وظهر جرح خفيف ظهر على ذراعه.
هز كايو رأسه، ثم قال:
نظر الي الدم، ثم إلى الطفل.
تغير وجهه، اندفع وضرب الرجل.
سقطت السكين، لكن الرجل الآخر أخرج خنجرًا.
لم يتغير وجه ريو، لكن عينيه ثبتتا على يد كايو.
كان أسرع، ولم ير آزر إلا لمعان المعدن.
تحرك كايو أمام الطفل، وارتطم الخنجر بكتفه.
صرخ، وتراجع، ثم سقط على ركبته.
استدار، وكان رجلًا مسنًا يجلس فوق حافة السطح الأخرى. لم يسمع آزر وصوله، وكان يرتدي ثوبًا رماديًا بسيطًا، وشعره أبيض تمامًا. سأل آزر:
تجمد آزر.
لحظة واحدة فقط لحظة.. كان يستطيع الهرب، وكان يستطيع انتظار أحد للمساعدة أو الحراس.
— والنتيجة؟
كان يستطيع أن يعود ويترك الأمر لهم، وكانت تلك أسهل الطرق، لكن الطفل كان سيُصاب.
— إذن احذر من شيء واحد.
تحرك آزر.
التقط حجرًا من الأرض، وضرب به ركبة الرجل.
صرخ، ثم سقط، وقبل أن يستطيع النهوض، أمسك آزر بالخنجر ورفعه.
— كنت ستطلب منه أيضًا أن يأتي معك؟
كانت هناك لحظة قصيرة جدًا… نظر فيها إلى الرجل.
الرجل ينظر إليه، والطفل يبكي.
كايو ينزف، ولم يفكر آزر في الخير، ولا الشر، ولا العقوبة، ولا الرحمة.
فكر فقط في شيء واحد:
— إلى الداخل.
إذا عاش، فقد يفعلها مرة أخرى.
لم يكن غاضبًا، كان فقط يعترف بحقيقة، ثم سمع صوتًا خلفه.
رفع الخنجر، لكن يدًا أمسكت معصمه.
ريو، وقال:
— بدأت أكره هذه العبارة أقل.
— كفى.
إذا عاش، فقد يفعلها مرة أخرى.
نظر آزر إليه.
— هذا غريب.
— لماذا؟
— ليس شأنك.
— لأنك لا تعرفه.
تحركت العربة، وبعد أن ابتعدوا، قال كايو:
— أعرف ما فعله.
— لا أعرف.
— هذا ليس كافيًا.
— كتفك هو الذي يتحرك.
رفع آزر عينيه.
— هل المشكلة بدأت الآن؟
— لو تركته، فقد يؤذي شخصًا آخر.
— لو تركته، فقد يؤذي شخصًا آخر.
— وقد تقتله وهو يستحق الحياة.
— هذا ليس قرارك.
نظر آزر إلى الرجل، ثم إلى الطفل، وأخيرا إلى الدم على ذراعه.
رفعت عينيها إليه.
— بالنسبة إلى الطفل، الفرق بين الاحتمالين ليس كبيرًا.
— هل هذا كل شيء؟
شد ريو يده.
في الصباح التالي كان الضباب قد انحسر عن السهل، والشمس تظهر بين سحب متفرقة تركت فوق العشب قطرات لامعة. الطريق الذي سلكوه منذ الفجر أوسع من الطريق القديم، لكنه أكثر ازدحامًا. عربات تجرها الخيول، مزارعون يدفعون عربات صغيرة، رجال يحملون سيوفًا قصيرة أو أقواسًا، ونساء يحملن سلالًا تتصاعد منها روائح الأعشاب والتوابل.
— هذا ليس قرارك.
— إن أرادوا قبولكم.
نظر آزر إلى معصمه الذي أمسكه ريو، ثم ترك الخنجر، وسقط على الأرض.
لكن عينيه بقيتا على الرجل.
لم يبدُ نادمًا، ولم يبدُ مرتاحًا.
فقط… كان قد اتخذ قراره.
— أنك تعترف بذلك بسهولة.
بعد ساعة كان كايو جالسًا في الغرفة، ونيرة تخيط الجرح في كتفه.
ضغط على أسنانه، وقالت:
— ولا شيء، لكنك تحاول فتح باب دون أن تعرف أين الباب.
— لا تتحرك.
— هناك طائفة صغيرة على بعد خمسة أيام.
— أنا لا أتحرك.
نظر إليه آزر.
— كتفك هو الذي يتحرك.
— وأنت تضيع وقت الآخرين منذ طفولتك.
— لأنه جزء مني.
تغيرت ابتسامته قليلًا.
— للأسف.
— ليس شأنك.
ابتسم رغم الألم، أما آزر فكان جالسًا قرب النافذة.
نظر كايو إليه، ثم قال:
ذكر آزر اسم قريته، ولم يعرف الرجل الاسم. اقترب أحد مساعديه، وهمس في أذنه. تغير وجهه، ثم قال:
— كنت ستقتله.
تغيرت ابتسامته قليلًا.
رفع آزر رأسه.
— كتفك هو الذي يتحرك.
— نعم.
— ابتعدا.
سكت كايو، وقال:
اقترب الرجل ذو السكين.
— لماذا؟
— اتركهما.
لم يجب آزر فورًا، ثم قال:
صمت ريو.
— لأنه كان سيؤذي الطفل.
مر آزر بجانبه. توقف الرجل عن القراءة، رفع رأسه، ونظر إليه. ثم قال:
نظر كايو إلى يده.
ابتسم الشيخ.
— ولو لم يكن هناك طفل؟
— ربما لأنه كان يعرف كيف يسحبك من الأماكن التي لا تنفعك.
— لم أكن لأتدخل.
— غدًا عند الشروق، اذهب إلى البوابة الشمالية.
ساد الصمت.
رفعت نيرة عينيها إليه، ولكنها لم تقل شيئًا.
كان رين في الزاوية، ينظر إلى آزر طويلًا، ثم قال:
— أحيانًا يكون ذلك مريحًا.
— وأنت لا ترى مشكلة في ذلك؟
ضحك الشيخ.
نظر آزر إليه.
هز كايو رأسه، ثم قال:
— مشكلة؟
— وأنت؟ ما رتبتك؟
— أن يعيش رجل أو يموت بناءً على ما يخدم هدفك.
رفع الرجل حاجبه.
لم يفهم كايو تمامًا.
لكن ريو فهم، وأدركت نيرة أيضًا أن الإجابة أهم من السؤال.
قال آزر:
نظر إليها آزر.
— الناس يموتون كل يوم، الفرق أنني هذه المرة أملك القدرة على تغيير ما يحدث.
كان هناك حجر شفاف على المنصة. أبيض في البداية، ثم وضع الشاب الأول يده. ظهر خط أخضر، ثم قال الرجل:
— وهذه القدرة ستغيرك.
دخل آزر. كانت القاعة أكبر من الخارج. في داخلها صفوف من المقاعد، وفي المنتصف منصة حجرية. كان هناك حوالي عشرين شابًا، بعضهم يحمل شارات على ملابسهم، وبعضهم يتحدث مع رفاقه. وفي وسط القاعة وقف رجل في الأربعين تقريبًا، له لحية قصيرة وشعر مربوط للخلف. قال:
— ربما، لكن إن لم أستخدمها، فلن أعرف أبدًا إلى أي مدي وصلت.
— لن نبقى هنا طويلًا.
لم يقل رين شيئًا.
أما نيرة فأعادت الإبرة إلى الجرح وقالت بهدوء:
بعد ساعة كان كايو جالسًا في الغرفة، ونيرة تخيط الجرح في كتفه. ضغط على أسنانه، وقالت:
— إذن احذر من شيء واحد.
— لا.
نظر إليها آزر.
— إذن أين نذهب؟
— ماذا؟
— أعجبني الرجل.
رفعت عينيها إليه.
— لماذا؟
— أن يصبح هدفك أقسى من كل شيء تفعله للوصول إليه.
— ما معنى الزراعة؟
سكت آزر.
ولم يجادلها، لكنه لم يوافق أيضًا.
وفي تلك اللحظة، لم يكن أحد منهم يعرف أن هذه الجملة ستعود يومًا… بعد سنوات، وفي مكان لا يشبه لين، ولا القرية، ولا هذا العالم كله.
— على ماذا؟
وفي منتصف الليل خرج آزر إلى سطح النزل.
كانت المدينة تحت قدميه.
آلاف النوافذ، بعضها مضيء، وبعضها مظلم.
صوت المدينة في الليل لم يكن مثل النهار، كان أخفض، أعمق، وكأن لكل شارع حياة سرية لا تظهر تحت الشمس.
قالها ريو ببساطة، ثم صعد. نظر كايو إلى آزر.
جلس، ورفع رأسه إلى السماء.
تذكر الرجل الميت في قريته، ثم رين، ريو، كايو، الطفل، الخنجر، والمَدَد.
مد يده أمامه، وفتح كفه.
لم يحدث شيء.
أغلقها، وحاول مرة أخرى، لا شيء..
ضحك بهدوء.
— اختبار أولي، للزراعة.
— ليس بعد.
— والنتيجة؟
لم يكن غاضبًا، كان فقط يعترف بحقيقة، ثم سمع صوتًا خلفه.
— الناجي يعرف أنه لم ينجُ حقًا.
— من قال لك إن المَدَد يخرج من اليد؟
— وما ثمنها؟
استدار، وكان رجلًا مسنًا يجلس فوق حافة السطح الأخرى.
لم يسمع آزر وصوله، وكان يرتدي ثوبًا رماديًا بسيطًا، وشعره أبيض تمامًا.
سأل آزر:
— لا.
— من أنت؟
مر آزر بجانبه. توقف الرجل عن القراءة، رفع رأسه، ونظر إليه. ثم قال:
— شخص سمعك تتحدث إلى نفسك.
— ربما، لكن إن لم أستخدمها، فلن أعرف أبدًا إلى أي مدي وصلت.
— ماذا تريد؟
— ومن أين جئت؟
ضحك الشيخ.
— ربما يمكنك فعل شيء آخر.
— ولا شيء، لكنك تحاول فتح باب دون أن تعرف أين الباب.
نظر إليه.
— هل تعرف أين هو؟
— جيد.
— ربما.
— هل شعرت بالمَدَد من قبل؟
— هل ستخبرني؟
— لماذا؟
نظر إليه طويلًا، ثم قال:
— هذا جديد.
— لا.
— ادخلوا.
سكت آزر، وكان يستطيع أن يغضب، لكنه لم يفعل.
— لا تتحرك.
— لماذا؟
— التالي.
ابتسم الشيخ.
نظر الحارس إلى زميله، ثم أعاد نظره إلى ريو.
— لأنك طلبت مني إجابة قبل أن تدفع ثمنها.
— سأعرفها إذا خرجت.
— وما ثمنها؟
— نعم.
— المعرفة.
رفع الحارس حاجبه.
ثم نهض.
وقبل أن يرحل، قال:
— لو كان أبي حيًا، لأخبرته أنني رأيت مدينة بهذا الحجم.
— غدًا عند الشروق، اذهب إلى البوابة الشمالية.
— لن أصل حتى السادسة بهذه الطريقة.
توقف آزر.
— لا أعرف.
— لماذا؟
— كنت ستقتله.
ابتسم الشيخ.
نظر إلى الكوب.
— لأن الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من هنا.
ابتسم ريو.
ثم اختفى بين درجات السطح.
ظل آزر جالسًا، ولم يعرف الرجل.
لم يعرف من أين أتى، لم يعرف كيف وصل، ولم يعرف لماذا اختار أن يحدثه.
لكنه عرف شيئًا واحدًا، في صباح الغد… سيذهب إلى البوابة الشمالية.
ليس لأن الرجل طلب، ولا لأنه يثق به، بل لأن هناك سؤالًا جديدًا ظهر أمامه.
وسؤال واحد كان يكفي دائمًا كي يجعل آزر يتحرك.
رفع الخنجر، لكن يدًا أمسكت معصمه. ريو، وقال:
رفع عينيه إلى السماء وقال بصوت هادئ:
— وأحيانًا؟
— ماذا يوجد بعد هذا العالم؟
— لا تفرح، أنت فقط تجهل أشياء أكثر مني.
ولم يكن يعرف أن السؤال الذي نطق به همسًا… كان أكبر من أن يسمعه رجل واحد.
— اتركهما.
وفي مكان بعيد، خلف جبال لم يرها آزر في حياته، تحرك شيء داخل الظلام.
فتح عينين، ثم أغلقهما
— أنت مزارع؟
وعاد كل شيء ساكنًا، كأن شيئًا لم يحدث.
— كتفك هو الذي يتحرك.
لكن الطريق… كان قد بدأ بالفعل.
— بدأت أكره هذه العبارة أقل.
تجمد آزر. لحظة واحدة فقط لحظة.. كان يستطيع الهرب، وكان يستطيع انتظار أحد للمساعدة أو الحراس.
