Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

المُتَحَرِّر 7

البوابة الشمالية
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

البوابة الشمالية

لم ينم آزر تلك الليلة.

— تكذب؟

بقي جالسًا على سطح النُّزل، وظهره مستند إلى الجدار القصير، بينما كانت لين تمتد أمامه في الظلام.

— بدأنا.

من هذا الارتفاع بدت المدينة مختلفة، الضجيج الذي ملأها نهارًا انخفض إلى همهمة بعيدة متقطعة.

— الآن؟

أضواء المصابيح انتشرت بين البيوت كنجوم وُضعت على الأرض بدلا من السماء.

— خمسة أيام من هنا.

ومن ناحية السوق كان صوت عربة خشبية يجرها حصان يتردد في الشوارع

— ماذا تريد؟

ومن مكان أبعد جاء نباح كلب، ثم ساد الصمت من جديد.

ابتسم الشيخ.

رفع آزر عينيه إلى السماء، ولم يكن يعرف ماذا يوجد بعد هذا العالم.

— لأن رجلًا طلب مني أن أذهب إليها.

السؤال ظل عالقًا في رأسه منذ أن قاله، ثم تذكر الشيخ:
«اذهب إلى البوابة الشمالية عند الشروق.»
لم يقل لماذا، ولم يقل ماذا سيحدث هناك، فقط قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من هنا.

ظل ريو صامتًا، وكان واضحًا أنه لم يعجبه الأمر، لكن لم يضغط أكثر. كانت هذه إحدى الأشياء التي بدأت نيرة تلاحظها فيه، ريو لم يكن يثق بسهولة، لكن حين يواجه شيئًا يعرف أن معلوماته عنه ناقصة، لا يتظاهر بأنه يفهمه. كان ينسحب خطوة، ليس لأنه جبان، بل لأنه رأى ما يكفي من الأمور ليعرف أن الخطأ الواحد قد يكلف أكثر من حياة شخص.

نظر آزر إلى المدينة مرة أخيرة، ثم نهض.

— وأنت؟ تبدو كمن يتحدث أكثر مما يفكر.

كانت السماء قد بدأت تفتح لونها عندما نزل من سطح النُّزل، وفي الدرج مرّ بجانب ريو الذي كان جالسًا قرب النافذة الصغيرة في الطابق الثاني، ممسكًا بكوب لم يشرب منه.

ابتسم الشيخ.

رفع ريو رأسه.

— لا شأن لي، لكن الطريق بعد هذا المكان ليس آمنًا.

— إلى أين؟

— وماذا يعني ذلك؟

توقف آزر لحظة.

— مزارع.

— البوابة الشمالية.

قال رين:

ظل ريو ينظر إليه.

— كنت غاضبًا وقتها.

— الآن؟

— صباح الخير لك أيضًا.

— نعم.

— قليلًا.

وضع ريو الكوب على الأرض.

— إلى أين؟

— لماذا؟

هزت رأسها.

نظر آزر إليه.

— ماذا تريد منه؟

— لأن رجلًا طلب مني أن أذهب إليها.

رفعت نيرة رأسها.

لم يتغير وجه ريو كثيرًا، لكن أصابعه توقفت عن الحركة.

في مكان ما تحت أقدامهم… جاءت طرقة ثانية. لكنها هذه المرة لم تكن عميقة، بل كانت أقرب، وأبطأ، ثم جاء صوت لم يكن طرقًا. صوت حجر يحتك بالحجر. تراجع رين خطوة، كايو أمسك سلاحه، نيرة أغلقت حقيبتها. أما آزر… فبقي مكانه، لم يتقدم، ولم يتراجع. كان ينظر إلى التراب أمامه، إلى شق صغير لم يكن موجودًا قبل لحظات، امتد الشق تحت قدميه، ثم توقف. رفع آزر رأسه في الجهة الأخرى من الطريق، بين الأشجار، ظهر شيء أبيض. شيء يشبه طرف طريق حجري قديم. اقترب ريو منه ببطء، ومسح التراب عن الحجر. تجمدت يده.

— أي رجل؟

— أنت لا تزال تسأل عن الأبواب، بينما لم تتعلم بعد كيف ترى الطريق.

— شيخ قابلته على السطح.

— يبدو أن السفر بدأ يؤثر عليك.

بقي الصمت بينهما لثوانٍ،

— كان لون الماء فيه غريبًا.

ثم قال ريو:

— إذن لماذا؟

— هل قال لك اسمه؟

— إذن ما فائدتك؟

— لا.

— أنت لا تزال تسأل عن الأبواب، بينما لم تتعلم بعد كيف ترى الطريق.

أطلق ريو نفسًا بطيئًا، ونهض.

— سخيف.

— انتظرني.

في مكان ما تحت أقدامهم… جاءت طرقة ثانية. لكنها هذه المرة لم تكن عميقة، بل كانت أقرب، وأبطأ، ثم جاء صوت لم يكن طرقًا. صوت حجر يحتك بالحجر. تراجع رين خطوة، كايو أمسك سلاحه، نيرة أغلقت حقيبتها. أما آزر… فبقي مكانه، لم يتقدم، ولم يتراجع. كان ينظر إلى التراب أمامه، إلى شق صغير لم يكن موجودًا قبل لحظات، امتد الشق تحت قدميه، ثم توقف. رفع آزر رأسه في الجهة الأخرى من الطريق، بين الأشجار، ظهر شيء أبيض. شيء يشبه طرف طريق حجري قديم. اقترب ريو منه ببطء، ومسح التراب عن الحجر. تجمدت يده.

استغرق الأمر دقائق قليلة حتى استيقظ الباقون، لم يكن كايو سعيدًا بفكرة الاستيقاظ قبل أن تشرق الشمس بالكامل.

وأشار آزر برأسه. نظر الجميع، قال رين:

جلس على حافة السرير وهو يفرك وجهه.

التفت الشيخ إليه، ثم ابتسم.

— أقسم أنني كنت أحلم بأنني آكل.

ثم استدار ومشى مبتعدًا عن البوابة، نظر كايو إلى آزر.

قالت نيرة وهي تربط شعرها:

وأخيرًا أشار إلى أرض ترابية ضيقة بين الأشجار.

— كنت تتحدث في نومك.

— أهذا طبيعي عند الشيوخ؟

— ماذا قلت؟

ظهرت البوابة الشمالية بعد وقت قصير. كانت أكبر من البوابات التي دخلوا منها إلى المدينة، جدرانها تمتد إلى الجانبين، فوقها أبراج حراسة، وعلى الطريق أمامها عشرات العربات تنتظر التفتيش، لكن آزر لم يهتم بالبوابة. كان يبحث عن شخص، مرّ نظره بين المسافرين، رجال من القرى القريبة، تجار يحملون صناديق، عائلة تجلس في عربة مغلقة، مزارع شاب يقف وحده قرب حصانه، ثم رآه.

— قلت: «اتركوا الطبق لي».

لم يجب أحد. وفي اللحظة نفسها… أصدر الحجر تحت أقدامهم صوتًا خافتًا. ثم انفتح الشق. ليس نحو الأسفل، بل إلى الأمام. كما لو أن الطريق نفسه… كان يفتح عينه.

رفع كايو إصبعه محذرًا.

— كيف عرفت؟

— لا تقتربوا ابدا من طبقي!

صمتوا، انتظروا، لا شيء. نظر كايو إلى النهر.

ابتسمت نيرة للمرة الأولى منذ فترة قصيرة، أما رين فاكتفى بحمل حقيبته.

— أي رجل؟

— انتهيت؟

رفع الشيخ الكيس الصغير الذي في يده، ثم أخرج منه حجرًا. كان حجمه لا يتجاوز نصف كف، حجر عادي، رمادي، ووضعه أمام آزر.

— تقريبًا.

— كايو…

كان آزر واقفًا قرب الباب، يراقب كايو وهو يربط رباط حذائه، ثم وقف فجأة.

— هل تتوقع منا أن نتبعك فقط لأنك قررت؟

— أين والدتك الآن؟

— الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من بوابة المدينة، ولا يبدأ من الطائفة، لكنه يبدأ عندما تختار شيئًا لا يخدمك إلا لأنك تريد أن تعرف.

توقف كايو، ولم يرفع رأسه.

— إلى حد ما.

— لا أعرف.

تغير وجه كايو، ولم يرد، التفتت نيرة إلى ريو. لكنه كان قد نظر بعيدًا، لم يعتذر، ولم يعتذر كايو أيضًا. استمروا في السير، وبعد بضع خطوات قال كايو:

كان الجواب عاديًا، لكن يده بقيت على الرباط أكثر مما ينبغي، تابع آزر:

ضحك كايو ضحكة قصيرة.

— ظننت أنك تعرف.

— لأنني أريد أن أعرف أين يبدأ الطريق.

ضحك كايو ضحكة قصيرة.

السؤال ظل عالقًا في رأسه منذ أن قاله، ثم تذكر الشيخ: «اذهب إلى البوابة الشمالية عند الشروق.» لم يقل لماذا، ولم يقل ماذا سيحدث هناك، فقط قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من هنا.

— أتمنى.

— أنتم ذاهبون إليها؟

ثم شد الرباط بقوة حتى كاد يقطعه.

— لأنني عشت أكثر من ستة عشر عامًا.

— هيا.

— ما شأنك؟

في الشوارع الأولى كانت لين تستيقظ.

نظر آزر إلى السماء.

الباعة يفتحون أبواب محلاتهم، والنساء يرششن الماء أمام البيوت، ورائحة الخبز الساخن بدأت تخرج من المخابز الصغيرة، رجل عجوز كان يرفع مصراع متجره بصعوبة، وحين مرّ كايو بجواره أمسك الرجل بالمصراع وقال:

— ارمه.

— ساعدني أيها الأحمق.

— كايو…

ضحك كايو.

— أنت لا تزال تسأل عن الأبواب، بينما لم تتعلم بعد كيف ترى الطريق.

— صباح الخير لك أيضًا.

— أنت لا تزال تسأل عن الأبواب، بينما لم تتعلم بعد كيف ترى الطريق.

أمسك المصراع ورفعه، أكمل الرجل:

نيرة هزت رأسها.

— أقوى مما تبدو.

رفعت نيرة رأسها.

تدخل ريو من خلفه:

— أنتم ذاهبون إليها؟

— لا تمدحه كثيرًا، سيتعبنا طوال الطريق.

بعض الكلمات ليست وصفًا. ربما بعضها… يفعل شيئًا.

— سمعتك!

— هذه ليست نصيحة.

خرجت ضحكة خافتة من نيرة، حتى رين ابتسم قليلًا، أما آزر فتابع السير.
كان يراقب المدينة وهي تستيقظ، في الأمس رأى لين كمدينة ضخمة.
اليوم بدأ يرى شيئًا آخر، كان لكل شارع رائحته، لكل منطقة أصوات مختلفة، كانت هناك أحياء يكثر فيها التجار، وأخرى يسكنها الحرفيون، وأماكن لم تبدُ من الأساس كأنها مخصصة للناس العاديين.
مبانٍ مرتفعة ذات جدران حجرية داكنة، وبوابات عليها رموز لا يعرف معناها.

— بدأت أكره الكلمة بسبب كايو.

رأى رجالًا ونساءً يرتدون ملابس مختلفة عن أهل القرية، بعضهم كان يسير وحده، بعضهم تحيط به حاشية، وبعضهم لم يكن يحمل سلاحًا، ومع ذلك كان الناس يبتعدون عنه دون أن يُطلب منهم ذلك.
نظر آزر إلى أحدهم طويلًا، ولاحظ ريو ذلك.

تدخل رين:

— مزارع.

— أنا لا أنظر إليك.

التفت آزر إليه.

— كنت أعرف أنك ستسألني هذا السؤال، وهذا يكفيني.

— ماذا؟

— الرجل الذي تنظر إليه.

— الرجل الذي تنظر إليه.

— وماذا يعني ذلك؟

تبع آزر نظرته.

نظر إليها.

— كيف عرفت؟

أشار إلى الطريق الرئيسي.

ابتسم ريو دون أن يشرح.

أضواء المصابيح انتشرت بين البيوت كنجوم وُضعت على الأرض بدلا من السماء.

— ستعرف.

نظر آزر إلى الحجر مرة أخرى. لم يُجب، وقال الشيخ:

ثم أكمل السير.

نظر آزر إلى البوابة.

ظهرت البوابة الشمالية بعد وقت قصير.
كانت أكبر من البوابات التي دخلوا منها إلى المدينة، جدرانها تمتد إلى الجانبين، فوقها أبراج حراسة، وعلى الطريق أمامها عشرات العربات تنتظر التفتيش، لكن آزر لم يهتم بالبوابة.
كان يبحث عن شخص، مرّ نظره بين المسافرين، رجال من القرى القريبة، تجار يحملون صناديق، عائلة تجلس في عربة مغلقة، مزارع شاب يقف وحده قرب حصانه، ثم رآه.

— لا تقتربوا ابدا من طبقي!

كان الشيخ واقفًا خارج البوابة، إلى جانب شجرة قديمة نمت جذورها بين شقوق الحجر.
لم يكن يلفت الانتباه، ثياب بسيطة، شعر أبيض غير مرتب،عصا خشبية في يده، وكان يحمل في اليد الأخرى كيسًا صغيرًا من القماش.
كأنه رجل خرج من بيته ليشتري شيئًا من السوق، توقف آزر، وتوقف ريو معه، ثم قال كايو:

ابتسمت نيرة للمرة الأولى منذ فترة قصيرة، أما رين فاكتفى بحمل حقيبته.

— ماذا؟

هز الشيخ رأسه.

وأشار آزر برأسه.
نظر الجميع، قال رين:

قالت نيرة من خلفهما:

— هو؟

ثم شد الرباط بقوة حتى كاد يقطعه.

— نعم.

— وكان نظيفًا.

لم يتحرك الشيخ عندما اقتربوا، كان ينظر إلى العربات التي تمر من البوابة، وعندما وصل آزر إليه قال:

— لأنني لم أكن متأكدًا أنني رأيتها أصلًا.

— تأخرت.

نظرت إلى الحجر.

نظر آزر إلى السماء.

— وهذه عادة سيئة.

— الشمس لم تشرق بعد.

— كنت تتحدث إليه؟

التفت الشيخ إليه، ثم ابتسم.

رفع الشيخ عينيه إليه.

— ولهذا قلت عند الشروق، لا قبل الشروق بساعة.

— وأنتِ ماذا كنتِ تتوقعين؟

تدخل كايو:

رفع كايو إصبعه محذرًا.

— وجدنا شخصًا أخيرًا يتحدث أكثر مما يتنفس.

رفع كايو إصبعه محذرًا.

نظر الشيخ إليه.

تدخل رين:

— وأنت؟ تبدو كمن يتحدث أكثر مما يفكر.

— هل هي قريبة؟

فتح كايو فمه، ثم أغلقه، ضحكت نيرة بصوت منخفض.
هز الشيخ رأسه وكأنه اقتنع بشيء، ثم نظر إلى ريو، استقرت عيناه عليه لثانية أطول.
لم تعجب ريو تلك النظرة، وقال:

تغير وجه ريو، أصغى لثانية، ثانيتين، ثم قال:

— هل تعرفنا؟

— بالطبع.

— لا.

— لأنه لا توجد لدي إجابة عنه.

— إذن لا تنظر إليّ هكذا.

نظر كايو إلى الشارة.

— أنا لا أنظر إليك.

رفع الشيخ عينيه إليه.

— هذا أسوأ.

— البوابة الشمالية.

ضحك الشيخ، أما آزر فظل صامتًا، أكمل الشيخ:

استغرق الأمر دقائق قليلة حتى استيقظ الباقون، لم يكن كايو سعيدًا بفكرة الاستيقاظ قبل أن تشرق الشمس بالكامل.

— لماذا أتيت؟

— لا شيء.

— أنت طلبت مني ذلك.

— ليس من الماء، من تحت الطريق.

— لا. أنا طلبت منك أن تأتي، لم أسألك لماذا أتيت.

— الشمس لم تشرق بعد.

فكر آزر قليلًا.

— أتمنى.

— لأنني أريد أن أعرف أين يبدأ الطريق.

— إلى أين؟

تغيرت ملامح الشيخ قليلًا، وهذه المرة لم يبتسم.
نظر إلى آزر طويلًا، ثم قال:

— لا شيء.

— وأين ظننت أنه يبدأ؟

— ربما.

— عند القوة.

— وأي باب هذا؟

هز الشيخ رأسه.

— أين والدتك الآن؟

— كثيرون قالوا ذلك.

تقدم، لكن آزر لم يتحرك، قال ريو:

— وهم مخطئون؟

حدق فيه آزر، وضحك كايو.

— بعضهم نعم، والبعض ماتوا قبل أن يكتشفوا.

— لماذا؟

ظل آزر ينظر إليه، لم يكن الجواب كافيًا.
لاحظ الشيخ ذلك، وقال:

— ستعرف.

— جيد.

— ما الموجود فيها؟

— ماذا؟

قالت نيرة من خلفهما:

— لم تقتنع.

ثم شد الرباط بقوة حتى كاد يقطعه.

— لم تعطِني شيئًا أقتنع به.

قبل الغروب بقليل وصلوا إلى مبنى صغير عند نهاية الطريق. كان أقرب إلى نقطة استراحة للقوافل، مظلة خشبية، وبئر، وطاولتان قديمتان، جلسوا لتناول الطعام، ولم يكن كثيرًا. بعض الخبز، اللحم المجفف، والماء. بينما كانوا يأكلون اقترب منهم شاب في العشرين تقريبًا، وكان يحمل عصا معدنية على ظهره، وعلى صدره شارة دائرية.

ابتسم الشيخ.

رفعت نيرة رأسها.

— وهذه عادة سيئة.

لم يُجب أحد.

— لماذا؟

فتح كايو فمه، ثم أغلقه، ضحكت نيرة بصوت منخفض. هز الشيخ رأسه وكأنه اقتنع بشيء، ثم نظر إلى ريو، استقرت عيناه عليه لثانية أطول. لم تعجب ريو تلك النظرة، وقال:

— لأنها تعتمد على الباب الذي تقف أمامه.

نظر آزر إليه.

نظر آزر إلى البوابة.

— الحجر؟

— وأي باب هذا؟

— هذه ليست نصيحة.

أجاب الشيخ بهدوء:

السؤال ظل عالقًا في رأسه منذ أن قاله، ثم تذكر الشيخ: «اذهب إلى البوابة الشمالية عند الشروق.» لم يقل لماذا، ولم يقل ماذا سيحدث هناك، فقط قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من هنا.

— أنت لا تزال تسأل عن الأبواب، بينما لم تتعلم بعد كيف ترى الطريق.

— لماذا أعطيتني إياه؟

اقترب ريو خطوة.

— تأخرت.

— ماذا تريد منه؟

— مرة أخرى.

رفع الشيخ عينيه إليه.

ظهرت البوابة الشمالية بعد وقت قصير. كانت أكبر من البوابات التي دخلوا منها إلى المدينة، جدرانها تمتد إلى الجانبين، فوقها أبراج حراسة، وعلى الطريق أمامها عشرات العربات تنتظر التفتيش، لكن آزر لم يهتم بالبوابة. كان يبحث عن شخص، مرّ نظره بين المسافرين، رجال من القرى القريبة، تجار يحملون صناديق، عائلة تجلس في عربة مغلقة، مزارع شاب يقف وحده قرب حصانه، ثم رآه.

— أنا؟ لا شيء.

— إذن لماذا تحدق؟

— إذن لماذا أوقفته؟

— الغابة القديمة تختصر يومين، لكنني لا أنصح بها لمن ليس مزارعًا.

— لم أوقفه.

— لماذا لم تقل؟

نظر ريو إلى آزر، ثم إلى الشيخ.

— احتفظ به.

— أنت تعرف شيئًا.

ضحك كايو ضحكة قصيرة.

— بالطبع.

— أحمق.

— عن ماذا؟

— أنت كنت تعرف أننا سنفعل هذا.

— أشياء كثيرة.

— قليلًا.

— ولن تقول؟

— كنت تتحدث في نومك.

— ليس الآن.

بقي جالسًا على سطح النُّزل، وظهره مستند إلى الجدار القصير، بينما كانت لين تمتد أمامه في الظلام.

ظل ريو صامتًا، وكان واضحًا أنه لم يعجبه الأمر، لكن لم يضغط أكثر.
كانت هذه إحدى الأشياء التي بدأت نيرة تلاحظها فيه، ريو لم يكن يثق بسهولة، لكن حين يواجه شيئًا يعرف أن معلوماته عنه ناقصة، لا يتظاهر بأنه يفهمه.
كان ينسحب خطوة، ليس لأنه جبان، بل لأنه رأى ما يكفي من الأمور ليعرف أن الخطأ الواحد قد يكلف أكثر من حياة شخص.

— وأنت؟ تبدو كمن يتحدث أكثر مما يفكر.

رفع الشيخ الكيس الصغير الذي في يده، ثم أخرج منه حجرًا.
كان حجمه لا يتجاوز نصف كف، حجر عادي، رمادي، ووضعه أمام آزر.

— بالطبع.

— خذه.

— هل تعرفنا؟

أمسكه آزر، كان باردًا.

— نحن في طريق مليء بالناس.

— ماذا أفعل به؟

صمت آزر. تذكر الشجرة، والعلامة، والحجر الأسود، والطرقات. هذه المرة لم يسمع أحدهم ثلاثًا. ولا أربعًا. جاءت طرقة واحدة، ثم صمت كل شيء. قال كايو بهدوء:

— لا شيء.

— إذا كنتم ذاهبين إليها، فهناك طريق أسرع.

— لماذا أعطيتني إياه؟

— لم أشرب ماءً بهذا الطعم منذ زمن.

— لا أعرف.

— وأين ظننت أنه يبدأ؟

حدق فيه آزر، وضحك كايو.

لم يجب أحد. وفي اللحظة نفسها… أصدر الحجر تحت أقدامهم صوتًا خافتًا. ثم انفتح الشق. ليس نحو الأسفل، بل إلى الأمام. كما لو أن الطريق نفسه… كان يفتح عينه.

— بدأنا.

— هل هذا كل شيء؟

قال الشيخ:

لكن كايو رفع يده.

— قلت لك خذه، ولم أقل افهمه.

أمسكه آزر، كان باردًا.

— ما فائدته؟

— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.

— لا أعرف.

— لا.

نظر ريو إلى الشيخ فجأة.
أما آزر فلم يتحرك، وبقي ممسكًا بالحجر.
بعد لحظة قال:

تدخل ريو:

— إذن أنت لا تعرف.

— لأنني عشت أكثر من ستة عشر عامًا.

— نعم، لكن هل عدم معرفتي يجعله بلا فائدة؟

تدخل رين:

نظر آزر إلى الحجر مرة أخرى.
لم يُجب، وقال الشيخ:

— لا شيء. وهذا هو الأفضل أحيانًا.

— احتفظ به.

جلس على حافة السرير وهو يفرك وجهه.

ثم استدار ومشى مبتعدًا عن البوابة، نظر كايو إلى آزر.

— طرقًا.

— هل هذا كل شيء؟

كان الطريق ضيقًا أكثر مما بدا من بعيد. في البداية لم يحدث شيء، فقط أشجار، تراب، وصوت حشرات، ثم بدأت أصوات لين تختفي وراءهم. بعد عشر دقائق لم يعد هناك شيء يدل على المدينة، ولا برج، ولا سور، ولا حتى دخان. كأنهم دخلوا عالمًا منفصلًا. قال كايو:

لكن الشيخ رفع يده دون أن يلتفت.

— لكنه يشبهه.

— لا تتبعوني.

— لو متنا هنا، أريد أن أقول إنني كنت ضد الفكرة.

قال رين:

— لنعود.

— هذا الرجل أغرب من كل شيء حدث لنا.

— ماذا تريد؟

— وهذا ليس مديحًا.

— لأنني لم أكن متأكدًا أنني رأيتها أصلًا.

أما ريو فكان يراقب ظهر الشيخ.

— لماذا أعطيتني إياه؟

— لا، هو ليس غريبًا، فالغريب هو أنني لا أعرف ماذا يريد، وهذا يزعجني أكثر.

— ماذا أفعل به؟

لم يتحرك آزر، بقي ينظر إلى الحجر.
كان باردًا، لكنه ليس ببرودة الصخر الذي وجدوه تحت القرية، ذلك الشيء كان باردًا بطريقة تجعل اليد تريد الابتعاد عنه.
أما هذا فكان مجرد حجر، ومع ذلك أعاده إلى كفه وشرع يحركه.
لا أثر، لا علامة، لا شيء، قال كايو:

— ما شأنك؟

— ارمه.

في مكان ما تحت أقدامهم… جاءت طرقة ثانية. لكنها هذه المرة لم تكن عميقة، بل كانت أقرب، وأبطأ، ثم جاء صوت لم يكن طرقًا. صوت حجر يحتك بالحجر. تراجع رين خطوة، كايو أمسك سلاحه، نيرة أغلقت حقيبتها. أما آزر… فبقي مكانه، لم يتقدم، ولم يتراجع. كان ينظر إلى التراب أمامه، إلى شق صغير لم يكن موجودًا قبل لحظات، امتد الشق تحت قدميه، ثم توقف. رفع آزر رأسه في الجهة الأخرى من الطريق، بين الأشجار، ظهر شيء أبيض. شيء يشبه طرف طريق حجري قديم. اقترب ريو منه ببطء، ومسح التراب عن الحجر. تجمدت يده.

نظر آزر إليه.

— أقسم أنني كنت أحلم بأنني آكل.

— لماذا؟

— خذه.

— لأنه أعطاك حجرًا وقال إنه لا يعرف فائدته.

— ربما.

— هذا لا يعني أنه بلا فائدة.

— لم تقتنع.

— يعني على الأقل أنه ثقيل.

في الشوارع الأولى كانت لين تستيقظ.

قالت نيرة:

— الآن؟

— وزنه أقل مما كنت تشتكي منه عندما حملتني يوم إصابتي.

التفت، كانت واقفة عند مدخل المكان.

— كنت غاضبًا وقتها.

كانت السماء قد بدأت تفتح لونها عندما نزل من سطح النُّزل، وفي الدرج مرّ بجانب ريو الذي كان جالسًا قرب النافذة الصغيرة في الطابق الثاني، ممسكًا بكوب لم يشرب منه.

— كنت مرهقًا.

— لا.

— نفس الشيء.

— لماذا؟

تدخل رين:

صمت رين، ثم حمل حقيبته.

— هل ستقفون هنا طوال اليوم؟

— نفس الشيء.

بدأوا السير، لكن بعد بضع خطوات التفت آزر، والشيخ كان قد اختفى.
لم يكن في أي مكان حولهم، ولم يرَ أحد متى غادر.

ضحك.

خارج لين تغير الطريق بسرعة، المباني اختفت، ثم اختفت الأسوار، وبعد مسافة قصيرة أصبحت المدينة خلفهم مجرد خط حجري في الأفق.
الهواء كان أنظف، لكن الريح أقوى، امتدت الأراضي إلى الشمال، حقول واسعة تتخللها الأشجار والجداول الصغيرة، وفي أماكن بعيدة ظهرت تلال زرقاء تحت ضوء الصباح.

— سنعبر من هناك.

كان الطريق الرئيسي ممتدًا أمامهم.
عربات كثيرة تسير فيه، وإلى جانبهم مرّ رجل على حصان، وثيابه تحمل شعارًا فضيًا.
همس ريو:

— لأنني أريد أن أعرف أين يبدأ الطريق.

— لا تنظروا كثيرًا.

وأخيرًا أشار إلى أرض ترابية ضيقة بين الأشجار.

خفض كايو عينيه.

ثم استدار ومشى مبتعدًا عن البوابة، نظر كايو إلى آزر.

— لماذا؟

— لا شيء. وهذا هو الأفضل أحيانًا.

— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.

وللمرة الأولى منذ خرجوا من القرية، أدرك آزر شيئًا بسيطًا.

ضحك كايو بخفة.

صمت رين، ثم حمل حقيبته.

— نحن في طريق مليء بالناس.

ابتسم ريو دون أن يشرح.

قال ريو:

— لا شيء.

— بعض الناس لا يحتاجون إلى أن يكونوا قريبين.

— بسبب انحدار الأرض.

صمت كايو، وبدأت حركته تصبح أبطأ، لم يكن ريو قد قال شيئًا مخيفًا، لكن منذ أن خرجوا من القرية بدأ العالم نفسه يفرض عليهم نوعًا جديدًا من الحذر.
في القرية كانوا يعرفون معظم الأشياء.
اما هنا كان كل شئ مجهولا وخطيرا، هذا الطريق.. وكل وجه غريب،وكل شعار جديد،وكل شخص أقوى منهم.

رفع كايو إصبعه محذرًا.

قالت نيرة وهي تسير إلى جوار آزر:

— خمسة أيام من هنا.

— ماذا تفعل بالحجر؟

خرجت ضحكة خافتة من نيرة، حتى رين ابتسم قليلًا، أما آزر فتابع السير. كان يراقب المدينة وهي تستيقظ، في الأمس رأى لين كمدينة ضخمة. اليوم بدأ يرى شيئًا آخر، كان لكل شارع رائحته، لكل منطقة أصوات مختلفة، كانت هناك أحياء يكثر فيها التجار، وأخرى يسكنها الحرفيون، وأماكن لم تبدُ من الأساس كأنها مخصصة للناس العاديين. مبانٍ مرتفعة ذات جدران حجرية داكنة، وبوابات عليها رموز لا يعرف معناها.

— لا شيء.

بدأوا السير، لكن بعد بضع خطوات التفت آزر، والشيخ كان قد اختفى. لم يكن في أي مكان حولهم، ولم يرَ أحد متى غادر.

— منذ وقت طويل وأنت تمسكه.

ظل ريو ينظر إلى الأثر.

نظر إلى يده، كان لا يزال يمسك الحجر.

ابتسم الشيخ.

— نسيت أن أضعه في الحقيبة.

بعد ساعة وجدوا جسرًا حجريًا صغيرًا. كان نصفه مكسورًا، وتحت الجسر نهر ضحل. أشار رين إلى الجانب الآخر.

مدت يدها.

تدخل كايو:

— أعطني.

— هذا يقودك إلى ممر شوان.

أعطاها إياه، قلبته بين أصابعها، ثم أعادته إليه.

توقف. كانت بقية الجملة مكسورة. لكن آزر، دون أن يعرف لماذا، مد يده نحو الحروف، وتوقفت أصابعه قبل أن تلمسها بقليل. قال:

— حجر.

ثم قالت بصوت متهدج مكسور…

— كيف عرفت؟

لم ينم آزر تلك الليلة.

رفعت حاجبًا.

— أقسم أنني كنت أحلم بأنني آكل.

— لأنني لم أفكر في أن الحجر سر كوني.

— جيد.

ابتسم كايو.

— قلت: «اتركوا الطبق لي».

— وأنتِ ماذا كنتِ تتوقعين؟

أجابه ريو:

— لا شيء. وهذا هو الأفضل أحيانًا.

تغيرت ملامح الشيخ قليلًا، وهذه المرة لم يبتسم. نظر إلى آزر طويلًا، ثم قال:

لم يفهم آزر ما قصدته، ولم يسأل.

— أنت تضحك، لكن هذا أفضل من اختراع أسباب معقدة لكل شيء.

بعد ساعتين توقفوا عند جدول صغير، كان الماء صافيًا، يجري فوق الحصى بهدوء، جلس كايو وشرب بيديه.
ثم قال:

تدخل ريو:

— لم أشرب ماءً بهذا الطعم منذ زمن.

أجابه ريو:

— هذا لأنك كنت تشرب من البرميل في النزل.

— قلت: «اتركوا الطبق لي».

— وكان نظيفًا.

— هل هي قريبة؟

نظر إليه رين.

— أين والدتك الآن؟

— كان لون الماء فيه غريبًا.

رفع كايو إصبعه محذرًا.

— قليلًا.

قال رين بهدوء:

جلست نيرة قرب الماء وبدأت تملأ قنينة، لاحظت آزر واقفًا وحده على الجانب الآخر، وكان ينظر إلى سطح الماء.

— هو؟

— ماذا ترى؟

قبل الغروب بقليل وصلوا إلى مبنى صغير عند نهاية الطريق. كان أقرب إلى نقطة استراحة للقوافل، مظلة خشبية، وبئر، وطاولتان قديمتان، جلسوا لتناول الطعام، ولم يكن كثيرًا. بعض الخبز، اللحم المجفف، والماء. بينما كانوا يأكلون اقترب منهم شاب في العشرين تقريبًا، وكان يحمل عصا معدنية على ظهره، وعلى صدره شارة دائرية.

— لا شيء.

خفض كايو عينيه.

— إذن لماذا تحدق؟

— ماذا؟

— الماء يتحرك دون أن أعرف لماذا.

— وكيف عرفتِ؟

نظرت نيرة إلى الجدول، ثم قالت:

— إذن لماذا أوقفته؟

— بسبب انحدار الأرض.

تغير وجه كايو، ولم يرد، التفتت نيرة إلى ريو. لكنه كان قد نظر بعيدًا، لم يعتذر، ولم يعتذر كايو أيضًا. استمروا في السير، وبعد بضع خطوات قال كايو:

التفت إليها.

لم يضحك الشيخ، ولم يبدُ عليه الاستغراب، فقط نظر إليه للحظة طويلة، ثم قال:

— وكيف عرفتِ؟

— هل هي قريبة؟

— لأنني عشت أكثر من ستة عشر عامًا.

— لأنني عشت أكثر من ستة عشر عامًا.

قال كايو:

ضحك كايو، ثم تابعوا.

— هذه أقوى إجابة قالها أحد هنا اليوم.

— إلى أين؟

وضعت نيرة الماء في حقيبتها.

— هل سمعتم ذلك؟

— أنت تضحك، لكن هذا أفضل من اختراع أسباب معقدة لكل شيء.

هز الشاب كتفيه.

نظر آزر إلى الماء مرة أخرى وهذه المرة بسهولة، ثم أضاف كايو:

سكت قليلًا، ثم ضحك.

— أنت تحب «ربما» عندما لا يكون هناك شيء آخر.

— الرجل الذي تنظر إليه.

أجابه ريو:

فتح كايو فمه، ثم أغلقه، ضحكت نيرة بصوت منخفض. هز الشيخ رأسه وكأنه اقتنع بشيء، ثم نظر إلى ريو، استقرت عيناه عليه لثانية أطول. لم تعجب ريو تلك النظرة، وقال:

— وأنت تكرهها عندما لا تستطيع فعل شيء.

— ليس من الماء، من تحت الطريق.

تغير وجه كايو، ولم يرد، التفتت نيرة إلى ريو.
لكنه كان قد نظر بعيدًا، لم يعتذر، ولم يعتذر كايو أيضًا.
استمروا في السير، وبعد بضع خطوات قال كايو:

— أنا أيضًا.

— أبي كان يكره كلمة «ربما».

— هذا يقودك إلى ممر شوان.

نظر إليه آزر، وخفض كايو عينيه.

تبع آزر نظرته.

— كان يقول إن الإنسان إذا عرف الشيء يقوله، وإذا لم يعرفه يقول لا أعرف.
«ربما» تجعل الناس ينتظرون.

— تكذب؟

سكت قليلًا، ثم ضحك.

— لا.

— ثم مات، وبقيت أنا أكره «لا أعرف» أيضًا.

تغير وجه ريو، أصغى لثانية، ثانيتين، ثم قال:

لم يضحك أحد هذه المرة، ثم قال رين:

كانت السماء قد بدأت تفتح لونها عندما نزل من سطح النُّزل، وفي الدرج مرّ بجانب ريو الذي كان جالسًا قرب النافذة الصغيرة في الطابق الثاني، ممسكًا بكوب لم يشرب منه.

— كايو…

صمت رين، ثم حمل حقيبته.

لكن كايو رفع يده.

— في الطريق.

— لا بأس.

— لأنني عشت أكثر من ستة عشر عامًا.

ثم تابع السير.

ثم أكمل السير.

قبل الغروب بقليل وصلوا إلى مبنى صغير عند نهاية الطريق.
كان أقرب إلى نقطة استراحة للقوافل، مظلة خشبية، وبئر، وطاولتان قديمتان، جلسوا لتناول الطعام، ولم يكن كثيرًا.
بعض الخبز، اللحم المجفف، والماء.
بينما كانوا يأكلون اقترب منهم شاب في العشرين تقريبًا، وكان يحمل عصا معدنية على ظهره، وعلى صدره شارة دائرية.

— هل سمعتم ذلك؟

— إلى أين أنتم ذاهبون؟

لم يجبه أحد، ورفع الشيخ نظره إلى آزر.

— شمالًا.

— ما فائدته؟

— إلى أين؟

— هذه أقوى إجابة قالها أحد هنا اليوم.

تدخل ريو:

— الماء يتحرك دون أن أعرف لماذا.

— ما شأنك؟

تأخر جوابه.

ابتسم الشاب.

— مرة أخرى.

— لا شأن لي، لكن الطريق بعد هذا المكان ليس آمنًا.

— عن ماذا؟

نظر كايو إلى الشارة.

نظر إلى آزر، ثم إلى الطريق.

— ما هذه؟

— لا.

— طائفة سحابة الشمال.

— الغابة القديمة تختصر يومين، لكنني لا أنصح بها لمن ليس مزارعًا.

قال رين بهدوء:

— إذا كنتم ذاهبين إليها، فهناك طريق أسرع.

— هل هي قريبة؟

تدخل رين:

— خمسة أيام من هنا.

— لم تقتنع.

رفع ريو رأسه، كان هذا نفس الاتجاه الذي ذهب فيه الشيخ بالأمس.
قال الشاب:

— أن أعرف لماذا يموت كل شيء.

— أنتم ذاهبون إليها؟

— لن نذهب إلى طريق لا نعرفه.

— ربما.

رفعت نيرة رأسها.

ضحك.

— ارمه.

— أنت ستذهب؟

رفع آزر رأسه.

نظر كايو إليه.

ظل آزر ينظر إليه، لم يكن الجواب كافيًا. لاحظ الشيخ ذلك، وقال:

— لا تبدأ.

رفعت حاجبًا.

لكن الشاب لم يكن يقصد السخرية، وقال:

— كنت أعرف أنك ستسألني هذا السؤال، وهذا يكفيني.

— إذا كنتم ذاهبين إليها، فهناك طريق أسرع.

— أنا لا أنظر إليك.

وأشار إلى الشرق.

تقدمت نيرة، ثم كايو، أما ريو فبقي واقفًا للحظة أطول.. نظر إلى الشيخ.

— الغابة القديمة تختصر يومين، لكنني لا أنصح بها لمن ليس مزارعًا.

أما ريو فكان يراقب ظهر الشيخ.

— ما الموجود فيها؟

— وجدنا شخصًا أخيرًا يتحدث أكثر مما يتنفس.

هز الشاب كتفيه.

— الحجر؟

— أشياء لا تحب أن يقترب منها الناس.

— قلت لك خذه، ولم أقل افهمه.

ثم غادر، وقال كايو:

— وكيف عرفتِ؟

لماذا يبدو أن كل مكان في هذا العالم فيه شيء يريد قتلنا؟
قال رين:

لم يُجب أحد.

— لأننا غالبًا لا نذهب إلى الأماكن الآمنة.

— ليس الآن.

رفعت نيرة رأسها.

ابتسم الشاب.

— ومن قال إننا نعرف أصلًا أين الآمن؟

ثم قالت بصوت متهدج مكسور…

لم يُجب أحد.

لم يتحرك الشيخ عندما اقتربوا، كان ينظر إلى العربات التي تمر من البوابة، وعندما وصل آزر إليه قال:

بعد الطعام قرروا أن يناموا حتى الفجر، ولكن قبل أن يستلقي آزر رأى شيئًا.
على الأرض قرب البئر كانت هناك آثار أقدام.
ثلاثة، حديثة، لكن الأغرب أن أحدها لم يكتمل.
بدأت البصمة ثم انقطعت، اقترب،وانحنى، ولمس التراب.
لم يكن هناك أثر بعد الموضع.
كأن صاحب القدم وقف للحظة، ثم لم يعد موجودًا.
جاء ريو خلفه، ونظر إلى الأرض، ثم قال:

من هذا الارتفاع بدت المدينة مختلفة، الضجيج الذي ملأها نهارًا انخفض إلى همهمة بعيدة متقطعة.

— رأيت مثلها.

ثم غادر، وقال كايو:

رفع آزر رأسه.

— لن أختاره لهذا السبب.

— أين؟

التفت إليها.

— في الطريق.

— أقوى مما تبدو.

— لماذا لم تقل؟

خفض آزر عينيه إلى الطريق الثالث. كان ضيقًا، الأعشاب تغطي حوافه، ولا توجد عليه آثار عربات، لا توجد لافتة، لا توجد أي علامة تخبرهم إلى أين يقود، قال رين فورًا:

ظل ريو ينظر إلى الأثر.

أمسكه آزر، كان باردًا.

— لأنني لم أكن متأكدًا أنني رأيتها أصلًا.

— ومن قال إننا نعرف أصلًا أين الآمن؟

قالت نيرة من خلفهما:

— لا تنظر إليّ هكذا. أنا فقط أعيد لك الكلمة.

— وماذا يعني ذلك؟

نيرة هزت رأسها.

— لا أعرف.

التفت إليها.

رفع كايو رأسه من مكانه.

لكن كايو رفع يده.

— مرة أخرى.

قالت نيرة وهي تسير إلى جوار آزر:

رمقه ريو بنظرة، قال كايو:

— وكان نظيفًا.

— ماذا؟

مدت يدها.

— لا شيء.

— لا تبدأ.

لكن آزر كان لا يزال ينظر إلى الأثر.
لم يشعر بالخوف، ولم يشعر بالفضول كما كان سابقًا، كان هناك شيء آخر، شيء لم يستطع تحديده، أن المسافة بين موضع القدم واختفائها كانت قصيرة جدًا.
خطوة واحدة، فقط خطوة واحدة، ثم لا شيء.

— لم أشرب ماءً بهذا الطعم منذ زمن.

في منتصف الليل استيقظ آزر.
لم يكن هناك صوت، فقط إحساس غريب.
فتح عينيه.
وكان الحجر الرمادي الذي أعطاه إياه الشيخ داخل حقيبته.
نهض، و أخرج الحجر، ثم تأمل سطحه.
شيء ما تغيّر، ليس في الحجر، بل في يده، كانت هناك حرارة خفيفة في أطراف أصابعه.
وكلما وضع يده على الحجر شعر بشيء يمر من داخله.
لم يكن ضوءًا، ولا طاقة واضحة، كان أقرب إلى تيار ضعيف.
سحب يده، واختفى الإحساس، أعادها، عاد، نظر إلى أصابعه، ثم إلى الحجر.
لم يقل شيئًا، جلس على الأرض وأغمض عينيه، حاول أن يتذكر ما قاله الشيخ:
«من قال لك إن المدد يخرج من اليد؟»
في الأمس لم يفهم السؤال.
أما الآن تذكر ما قاله الشخص الذي اختبره في قاعة الفحص:
«هناك شيء ما.» شيء ما… لكن ماذا؟

— هذه ليست نصيحة.

فتح عينيه، وأخذ نفسًا بطيئًا.
ثم وضع الحجر على الأرض، مد يده نحوه، لم يحدث شيء.
انتظر، لا شيء.
ضحك بخفة.

اقترب ريو خطوة.

— سخيف.

— لأنه أعطاك حجرًا وقال إنه لا يعرف فائدته.

سمعت نيرة صوته من خلفه.

— انتظرني.

— ما هو السخيف؟

ضحك كايو.

التفت، كانت واقفة عند مدخل المكان.

في مكان ما تحت أقدامهم… جاءت طرقة ثانية. لكنها هذه المرة لم تكن عميقة، بل كانت أقرب، وأبطأ، ثم جاء صوت لم يكن طرقًا. صوت حجر يحتك بالحجر. تراجع رين خطوة، كايو أمسك سلاحه، نيرة أغلقت حقيبتها. أما آزر… فبقي مكانه، لم يتقدم، ولم يتراجع. كان ينظر إلى التراب أمامه، إلى شق صغير لم يكن موجودًا قبل لحظات، امتد الشق تحت قدميه، ثم توقف. رفع آزر رأسه في الجهة الأخرى من الطريق، بين الأشجار، ظهر شيء أبيض. شيء يشبه طرف طريق حجري قديم. اقترب ريو منه ببطء، ومسح التراب عن الحجر. تجمدت يده.

— لا شيء.

بعد ساعتين توقفوا عند جدول صغير، كان الماء صافيًا، يجري فوق الحصى بهدوء، جلس كايو وشرب بيديه. ثم قال:

نظرت إلى الحجر.

— أشياء لا تحب أن يقترب منها الناس.

— كنت تتحدث إليه؟

— لا.

— أحاول.

— طائفة سحابة الشمال.

— الحجر؟

تبع آزر نظرته.

— نعم.

فتح كايو فمه، ثم أغلقه، ضحكت نيرة بصوت منخفض. هز الشيخ رأسه وكأنه اقتنع بشيء، ثم نظر إلى ريو، استقرت عيناه عليه لثانية أطول. لم تعجب ريو تلك النظرة، وقال:

هزت رأسها.

لم ينم آزر تلك الليلة.

— يبدو أن السفر بدأ يؤثر عليك.

— أنا لا أنظر إليك.

جلس آزر، دخلت نيرة وجلست على مسافة منه، ثم سألت:

نيرة هزت رأسها.

— هل أنت خائف؟

— أنت تعرف شيئًا.

نظر إليها.

— هل تعرفنا؟

— من ماذا؟

— لكنه يشبهه.

— من أنك لا تعرف.

وأشار آزر برأسه. نظر الجميع، قال رين:

فكر.

— لا شيء.

— لا.

قال كايو:

— جيد، لأنني كذلك.

— انتهيت؟

نظر إليها، وهذه المرة لم تجب هي نفسها عن السبب.
استلقت على الأرض وأسندت رأسها إلى ذراعها.

— أتمنى.

ثم قالت بصوت متهدج مكسور…

نظر إليها، وهذه المرة لم تجب هي نفسها عن السبب. استلقت على الأرض وأسندت رأسها إلى ذراعها.

— افتقد القرية كثيرا.

تدخل رين:

— ربما سنعود يوما ما.

— الحجر؟

ابتسمت.

— تكذب؟

— بدأت أكره الكلمة بسبب كايو.

سكت قليلًا، ثم ضحك.

مع أول ضوء استعدوا للمغادرة، كان الطريق أبرد في الصباح.
وعندما خرجوا من مكان الاستراحة وجدوا الشيخ واقفًا عند البئر، كان كأنه لم يغادر أصلًا.
توقف الجميع.
قال كايو:

— لنعود.

— أهذا طبيعي عند الشيوخ؟

— نعم.

لم يجبه أحد، ورفع الشيخ نظره إلى آزر.

— كايو…

— ماذا فعلت بالحجر؟

— أعطني.

— لا شيء.

— طرقًا.

— جيد.

— رأيت مثلها.

— لماذا؟

نظر إلى آزر، ثم إلى الطريق.

— لأنك لو فعلت شيئًا، لاضطررت إلى تغيير ما كنت سأقوله.

نيرة نظرت إلى آزر، لم تتكلم. آزر بقي صامتًا، كان يستطيع أن يختار الطريق الرئيسي، طريق واضح، طريق تقوده طائفة، ومعلومات أكثر، وطعام، ومكان للنوم، والأمان النسبي. أما الطريق الآخر فلا شيء فيه، فقط أسئلة، قال ريو:

صمت آزر، وتقدم الشيخ خطوة.

تغير وجه ريو، أصغى لثانية، ثانيتين، ثم قال:

— أمامك ثلاثة طرق.

— هذا يقودك إلى ممر شوان.

أشار إلى الطريق الرئيسي.

— انتظر.

— هذا يقودك إلى طائفة سحابة الشمال.

قالت نيرة وهي تربط شعرها:

ثم أشار إلى الطريق الفرعي.

التفت، كانت واقفة عند مدخل المكان.

— هذا يقودك إلى ممر شوان.

— هل تعرفنا؟

وأخيرًا أشار إلى أرض ترابية ضيقة بين الأشجار.

فكر آزر قليلًا.

— وهذا لا يقودك إلى أي مكان يعرفه أهل لين.

مدت يدها.

نظر ريو إلى الطريق الثالث.

خارج لين تغير الطريق بسرعة، المباني اختفت، ثم اختفت الأسوار، وبعد مسافة قصيرة أصبحت المدينة خلفهم مجرد خط حجري في الأفق. الهواء كان أنظف، لكن الريح أقوى، امتدت الأراضي إلى الشمال، حقول واسعة تتخللها الأشجار والجداول الصغيرة، وفي أماكن بعيدة ظهرت تلال زرقاء تحت ضوء الصباح.

— لماذا تعرض علينا ثلاثة؟

ضحك كايو.

— لأنني أريد أن أرى أي واحد تختار.

— أحاول.

— وهل تعرف ما يوجد في كل واحد؟

نظر ريو إلى آزر، ثم إلى الشيخ.

— إلى حد ما.

رفعت حاجبًا.

— وما الذي تنصح به؟

— لم تعطِني شيئًا أقتنع به.

— لا شيء.

ثم التفت إلى آزر.

صمت رين، ثم قال:

كان آزر ينظر إلى الماء، سأل:

— إذن ما فائدتك؟

— لم تقتنع.

ضحك الشيخ.

خرجت ضحكة خافتة من نيرة، حتى رين ابتسم قليلًا، أما آزر فتابع السير. كان يراقب المدينة وهي تستيقظ، في الأمس رأى لين كمدينة ضخمة. اليوم بدأ يرى شيئًا آخر، كان لكل شارع رائحته، لكل منطقة أصوات مختلفة، كانت هناك أحياء يكثر فيها التجار، وأخرى يسكنها الحرفيون، وأماكن لم تبدُ من الأساس كأنها مخصصة للناس العاديين. مبانٍ مرتفعة ذات جدران حجرية داكنة، وبوابات عليها رموز لا يعرف معناها.

— الآن أعجبتني.

قال رين:

نظر إلى آزر.

قال رين:

— الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من بوابة المدينة، ولا يبدأ من الطائفة، لكنه يبدأ عندما تختار شيئًا لا يخدمك إلا لأنك تريد أن تعرف.

— أحمق.

— هذه ليست نصيحة.

أجابه ريو:

— لم أقل إنها نصيحة.

فتح عينيه، وأخذ نفسًا بطيئًا. ثم وضع الحجر على الأرض، مد يده نحوه، لم يحدث شيء. انتظر، لا شيء. ضحك بخفة.

ثم التفت إلى آزر.

— لا شيء.

— ماذا تريد؟

— لا شيء.

— أن أعرف لماذا يموت كل شيء.

استغرق الأمر دقائق قليلة حتى استيقظ الباقون، لم يكن كايو سعيدًا بفكرة الاستيقاظ قبل أن تشرق الشمس بالكامل.

لم يضحك الشيخ، ولم يبدُ عليه الاستغراب، فقط نظر إليه للحظة طويلة، ثم قال:

— وأنت؟ تبدو كمن يتحدث أكثر مما يفكر.

— إذن عليك أن تتعلم أولًا الفرق بين أن تعرف شيئًا… وأن تملك القدرة على تغييره.

— هذا لأنك كنت تشرب من البرميل في النزل.

خفض آزر عينيه إلى الطريق الثالث.
كان ضيقًا، الأعشاب تغطي حوافه، ولا توجد عليه آثار عربات، لا توجد لافتة، لا توجد أي علامة تخبرهم إلى أين يقود،
قال رين فورًا:

— وما الذي تنصح به؟

— لن نذهب إلى طريق لا نعرفه.

من هذا الارتفاع بدت المدينة مختلفة، الضجيج الذي ملأها نهارًا انخفض إلى همهمة بعيدة متقطعة.

— أتفق.

— لا.

— وأنا.

تدخل رين:

نيرة نظرت إلى آزر، لم تتكلم.
آزر بقي صامتًا، كان يستطيع أن يختار الطريق الرئيسي، طريق واضح، طريق تقوده طائفة، ومعلومات أكثر، وطعام، ومكان للنوم، والأمان النسبي.
أما الطريق الآخر فلا شيء فيه، فقط أسئلة، قال ريو:

ومن ناحية السوق كان صوت عربة خشبية يجرها حصان يتردد في الشوارع

— آزر، لا تختَر لأنك تريد مخالفة الجميع.

نظر آزر إلى الماء مرة أخرى وهذه المرة بسهولة، ثم أضاف كايو:

نظر آزر إلى الطريق، ثم إلى يده، وإلى الحجر الرمادي، ثم قال:

— هل ستقفون هنا طوال اليوم؟

— لن أختاره لهذا السبب.

— هو؟

— إذن لماذا؟

نظر آزر إلى الطريق، ثم إلى يده، وإلى الحجر الرمادي، ثم قال:

تأخر جوابه.

من هذا الارتفاع بدت المدينة مختلفة، الضجيج الذي ملأها نهارًا انخفض إلى همهمة بعيدة متقطعة.

— لأنه لا توجد لدي إجابة عنه.

— ماذا أفعل به؟

نظر ريو إليه طويلًا، لقد فهم المعنى.
لم يكن آزر يعرف إن كان الطريق صحيحًا، ولهذا بالضبط أراد أن يراه.
قالت نيرة:

نظر آزر إلى الماء مرة أخرى وهذه المرة بسهولة، ثم أضاف كايو:

— وهذا أسوأ سبب أعرفه.

رفع ريو رأسه.

— لكنه يشبهه.

صمتوا، انتظروا، لا شيء. نظر كايو إلى النهر.

اقترب آزر من الطريق، خطا خطوة، ثم ثانية.
توقف،واستدار.
كان الثلاثة الآخرون لا يزالون في مكانهم، قال رين:

قالت نيرة من خلفهما:

— هل تتوقع منا أن نتبعك فقط لأنك قررت؟

بقي الصمت بينهما لثوانٍ،

— لا.

— أنت تحب «ربما» عندما لا يكون هناك شيء آخر.

صمت رين، ثم حمل حقيبته.

— ما شأنك؟

— جيد.

لماذا يبدو أن كل مكان في هذا العالم فيه شيء يريد قتلنا؟ قال رين:

تقدمت نيرة، ثم كايو، أما ريو فبقي واقفًا للحظة أطول..
نظر إلى الشيخ.

بقي جالسًا على سطح النُّزل، وظهره مستند إلى الجدار القصير، بينما كانت لين تمتد أمامه في الظلام.

— أنت كنت تعرف أننا سنفعل هذا.

— لأنها تعتمد على الباب الذي تقف أمامه.

— لا.

بعض الكلمات ليست وصفًا. ربما بعضها… يفعل شيئًا.

— تكذب؟

قال ريو:

— لا.

ثم استدار ومشى مبتعدًا عن البوابة، نظر كايو إلى آزر.

— إذن؟

— إذن لماذا؟

ابتسم الشيخ.

ثم استدار ومشى مبتعدًا عن البوابة، نظر كايو إلى آزر.

— كنت أعرف أنك ستسألني هذا السؤال، وهذا يكفيني.

— لماذا؟

لم يرد ريو، استدار ولحق بالبقية.

— ما هو السخيف؟

كان الطريق ضيقًا أكثر مما بدا من بعيد.
في البداية لم يحدث شيء، فقط أشجار، تراب، وصوت حشرات، ثم بدأت أصوات لين تختفي وراءهم.
بعد عشر دقائق لم يعد هناك شيء يدل على المدينة، ولا برج، ولا سور، ولا حتى دخان.
كأنهم دخلوا عالمًا منفصلًا.
قال كايو:

— إلى أين؟

— لو متنا هنا، أريد أن أقول إنني كنت ضد الفكرة.

رفع آزر رأسه.

— لم تقل ذلك.

— لا.

— كنت أفكر فيها.

— لماذا لم تقل؟

— التفكير لا يُحتسب.

— لم أقل إنها نصيحة.

— أنت ظالم.

نظر آزر إلى المدينة مرة أخيرة، ثم نهض.

— أحمق.

لكن كايو رفع يده.

ضحك كايو، ثم تابعوا.

ثم قالت بصوت متهدج مكسور…

بعد ساعة وجدوا جسرًا حجريًا صغيرًا.
كان نصفه مكسورًا، وتحت الجسر نهر ضحل.
أشار رين إلى الجانب الآخر.

— لم تقل ذلك.

— سنعبر من هناك.

— كنت تتحدث في نومك.

تقدم، لكن آزر لم يتحرك،
قال ريو:

— مزارع.

— ماذا؟

صمت رين، ثم حمل حقيبته.

كان آزر ينظر إلى الماء، سأل:

— لا أعرف.

— هل سمعتم ذلك؟

ثم التفت إلى آزر.

صمتوا، انتظروا، لا شيء.
نظر كايو إلى النهر.

— ماذا ترى؟

— لا.

— لماذا؟

نيرة هزت رأسها.

— بعضهم نعم، والبعض ماتوا قبل أن يكتشفوا.

— ماذا سمعت؟

مع أول ضوء استعدوا للمغادرة، كان الطريق أبرد في الصباح. وعندما خرجوا من مكان الاستراحة وجدوا الشيخ واقفًا عند البئر، كان كأنه لم يغادر أصلًا. توقف الجميع. قال كايو:

— طرقًا.

أعطاها إياه، قلبته بين أصابعها، ثم أعادته إليه.

تغير وجه ريو، أصغى لثانية، ثانيتين، ثم قال:

ومن ناحية السوق كان صوت عربة خشبية يجرها حصان يتردد في الشوارع

— أنا أيضًا.

— وجدنا شخصًا أخيرًا يتحدث أكثر مما يتنفس.

نظر الجميع إليه.
رفع ريو يده، إشارة إلى الصمت.
جلسوا، انحنى، وضع أذنه قرب الأرض.
بقي هكذا لحظات، ثم رفع رأسه.

توقف. كانت بقية الجملة مكسورة. لكن آزر، دون أن يعرف لماذا، مد يده نحو الحروف، وتوقفت أصابعه قبل أن تلمسها بقليل. قال:

— ليس من الماء، من تحت الطريق.

— كثيرون قالوا ذلك.

صمت آزر.
تذكر الشجرة، والعلامة، والحجر الأسود، والطرقات.
هذه المرة لم يسمع أحدهم ثلاثًا. ولا أربعًا.
جاءت طرقة واحدة، ثم صمت كل شيء.
قال كايو بهدوء:

تدخل ريو:

— لا أحب هذا.

— البوابة الشمالية.

— لنعود.

تغير وجه كايو، ولم يرد، التفتت نيرة إلى ريو. لكنه كان قد نظر بعيدًا، لم يعتذر، ولم يعتذر كايو أيضًا. استمروا في السير، وبعد بضع خطوات قال كايو:

نهض ريو.

لم يجب أحد. وفي اللحظة نفسها… أصدر الحجر تحت أقدامهم صوتًا خافتًا. ثم انفتح الشق. ليس نحو الأسفل، بل إلى الأمام. كما لو أن الطريق نفسه… كان يفتح عينه.

— انتظر.

— هذا يقودك إلى ممر شوان.

— لماذا؟

— لكنه يشبهه.

نظر إلى آزر، ثم إلى الطريق.

— ارمه.

— لأن الشيخ قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من لين.
وربما كان يقصد هذا.

— إذن لا تنظر إليّ هكذا.

— وربما لا.

صمت رين، ثم قال:

نظر ريو إليها، وابتسمت ابتسامة صغيرة.

— إذن لا تنظر إليّ هكذا.

— لا تنظر إليّ هكذا.
أنا فقط أعيد لك الكلمة.

— أين؟

في مكان ما تحت أقدامهم… جاءت طرقة ثانية.
لكنها هذه المرة لم تكن عميقة، بل كانت أقرب، وأبطأ، ثم جاء صوت لم يكن طرقًا.
صوت حجر يحتك بالحجر.
تراجع رين خطوة، كايو أمسك سلاحه، نيرة أغلقت حقيبتها.
أما آزر… فبقي مكانه، لم يتقدم، ولم يتراجع.
كان ينظر إلى التراب أمامه، إلى شق صغير لم يكن موجودًا قبل لحظات، امتد الشق تحت قدميه، ثم توقف.
رفع آزر رأسه في الجهة الأخرى من الطريق، بين الأشجار، ظهر شيء أبيض.
شيء يشبه طرف طريق حجري قديم.
اقترب ريو منه ببطء، ومسح التراب عن الحجر.
تجمدت يده.

نيرة نظرت إلى آزر، لم تتكلم. آزر بقي صامتًا، كان يستطيع أن يختار الطريق الرئيسي، طريق واضح، طريق تقوده طائفة، ومعلومات أكثر، وطعام، ومكان للنوم، والأمان النسبي. أما الطريق الآخر فلا شيء فيه، فقط أسئلة، قال ريو:

— ماذا؟

نظر ريو إليه طويلًا، لقد فهم المعنى. لم يكن آزر يعرف إن كان الطريق صحيحًا، ولهذا بالضبط أراد أن يراه. قالت نيرة:

اقتربت نيرة، ثم كايو، ثم رين.
كانت هناك علامة منحوتة على الحجر.
دائرة… وفي أعلاها فراغ.
نفس العلامة، ولكن هذه المرة لم تكن على شجرة، ولا على باب، ولا على حجر مدفون، كانت على عمود طريق.
وتحتها مباشرة كلمات لم يرها آزر من قبل.
مرّر ريو أصابعه فوقها.
قرأ ببطء:

رفع الشيخ الكيس الصغير الذي في يده، ثم أخرج منه حجرًا. كان حجمه لا يتجاوز نصف كف، حجر عادي، رمادي، ووضعه أمام آزر.

— «إلى من يعبر…»

— ماذا؟

توقف.
كانت بقية الجملة مكسورة.
لكن آزر، دون أن يعرف لماذا، مد يده نحو الحروف، وتوقفت أصابعه قبل أن تلمسها بقليل.
قال:

نظر إليه آزر، وخفض كايو عينيه.

بعض الكلمات ليست وصفًا.
ربما بعضها… يفعل شيئًا.

لكن آزر كان لا يزال ينظر إلى الأثر. لم يشعر بالخوف، ولم يشعر بالفضول كما كان سابقًا، كان هناك شيء آخر، شيء لم يستطع تحديده، أن المسافة بين موضع القدم واختفائها كانت قصيرة جدًا. خطوة واحدة، فقط خطوة واحدة، ثم لا شيء.

لم يجب أحد.
وفي اللحظة نفسها… أصدر الحجر تحت أقدامهم صوتًا خافتًا.
ثم انفتح الشق.
ليس نحو الأسفل، بل إلى الأمام.
كما لو أن الطريق نفسه… كان يفتح عينه.

— ماذا؟

وللمرة الأولى منذ خرجوا من القرية، أدرك آزر شيئًا بسيطًا.

— ما هذه؟

لم يكن الشيخ قد قادهم إلى الطريق.
هو فقط… تركهم يختارون الطريق الذي سيقودهم إليه.

في مكان ما تحت أقدامهم… جاءت طرقة ثانية. لكنها هذه المرة لم تكن عميقة، بل كانت أقرب، وأبطأ، ثم جاء صوت لم يكن طرقًا. صوت حجر يحتك بالحجر. تراجع رين خطوة، كايو أمسك سلاحه، نيرة أغلقت حقيبتها. أما آزر… فبقي مكانه، لم يتقدم، ولم يتراجع. كان ينظر إلى التراب أمامه، إلى شق صغير لم يكن موجودًا قبل لحظات، امتد الشق تحت قدميه، ثم توقف. رفع آزر رأسه في الجهة الأخرى من الطريق، بين الأشجار، ظهر شيء أبيض. شيء يشبه طرف طريق حجري قديم. اقترب ريو منه ببطء، ومسح التراب عن الحجر. تجمدت يده.

نظر آزر إلى المدينة مرة أخيرة، ثم نهض.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط