البوابة الشمالية
لم ينم آزر تلك الليلة. بقي جالسًا على سطح النُّزل، وظهره مستند إلى الجدار القصير، بينما كانت لين تمتد أمامه في الظلام.
— لا شيء.
من هذا الارتفاع بدت المدينة مختلفة. الضجيج الذي ملأها نهارًا انخفض إلى همهمة بعيدة متقطعة.
— ماذا تريد منه؟
أضواء المصابيح انتشرت بين البيوت كنجوم وُضعت على الأرض بدلا من السماء.
— جيد.
ومن ناحية السوق كان صوت عربة خشبية يجرها حصان يتردد في الشوارع
— لا تبدأ.
ومن مكان أبعد جاء نباح كلب، ثم ساد الصمت من جديد.
— نعم.
رفع آزر عينيه إلى السماء. لم يكن يعرف ماذا يوجد بعد هذا العالم. السؤال ظل عالقًا في رأسه منذ أن قاله. ثم تذكر الشيخ: «اذهب إلى البوابة الشمالية عند الشروق.» لم يقل لماذا. ولم يقل ماذا سيحدث هناك. فقط قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من هنا. نظر آزر إلى المدينة مرة أخيرة، ثم نهض.
— يعني على الأقل أنه ثقيل.
كانت السماء قد بدأت تفتح لونها عندما نزل من سطح النُّزل. في الدرج مرّ بجانب ريو الذي كان جالسًا قرب النافذة الصغيرة في الطابق الثاني، ممسكًا بكوب لم يشرب منه. رفع ريو رأسه.
— ليس من الماء. من تحت الطريق.
— إلى أين؟
— منذ وقت طويل وأنت تمسكه.
توقف آزر لحظة.
سكت رين. ثم قال:
— البوابة الشمالية.
— لا شيء.
ظل ريو ينظر إليه.
— لماذا؟
— الآن؟
رفعت حاجبًا.
— نعم.
— ربما سنعود يوما ما.
وضع ريو الكوب على الأرض.
— لا شيء.
— لماذا؟
— ومن قال إننا نعرف أصلًا أين الآمن؟
نظر آزر إليه.
— وهذا أسوأ سبب أعرفه.
— لأن رجلًا طلب مني أن أذهب إليها.
نظر إلى آزر.
لم يتغير وجه ريو كثيرًا، لكن أصابعه توقفت عن الحركة.
— ما شأنك؟
— أي رجل؟
— إذن لماذا أوقفته؟
— شيخ قابلته على السطح.
ضحك الشيخ. أما آزر فظل صامتًا. قال الشيخ:
بقي الصمت بينهما لثوانٍ. ثم قال ريو:
— هل تعرفنا؟
— هل قال لك اسمه؟
— لأنني أريد أن أعرف أين يبدأ الطريق.
— لا.
— إذن لماذا أوقفته؟
أطلق ريو نفسًا بطيئًا، ونهض.
تأخر جوابه.
— انتظرني.
نظرت إلى الحجر.
استغرق الأمر دقائق قليلة حتى استيقظ الباقون. لم يكن كايو سعيدًا بفكرة الاستيقاظ قبل أن تشرق الشمس بالكامل. جلس على حافة السرير وهو يفرك وجهه.
— كان لون الماء فيه غريبًا.
— أقسم أنني كنت أحلم بأنني آكل.
نهض ريو.
قالت نيرة وهي تربط شعرها:
— كنت أعرف أنك ستسألني هذا السؤال. وهذا يكفيني.
— كنت تتحدث في نومك.
التفت إليها.
— ماذا قلت؟
لم يضحك الشيخ. ولم يبدُ عليه الاستغراب. فقط نظر إليه للحظة طويلة. ثم قال:
— قلت: «اتركوا الطبق لي».
لم يفهم آزر ما قصدته. ولم يسأل.
رفع كايو إصبعه محذرًا.
— جيد. لأنني كذلك.
— هذا ليس كلامًا يُقال عنه نوم.
— تكذب؟
ابتسمت نيرة للمرة الأولى منذ فترة قصيرة. أما رين فاكتفى بحمل حقيبته.
— وهل تعرف ما يوجد في كل واحد؟
— انتهيت؟
قال الشيخ:
— تقريبًا.
— أشياء كثيرة.
كان آزر واقفًا قرب الباب. راقب كايو وهو يربط رباط حذائه، ثم وقف فجأة.
— لم أوقفه.
— أين والدتك الآن؟
— لنعود.
توقف كايو. لم يرفع رأسه.
التفت الشيخ إليه. ثم ابتسم.
— لا أعرف.
نظر الجميع إليه. رفع ريو يده. إشارة إلى الصمت. جلسوا. انحنى. وضع أذنه قرب الأرض. بقي هكذا لحظات. ثم رفع رأسه.
كان الجواب عاديًا، لكن يده بقيت على الرباط أكثر مما ينبغي. قال آزر:
نظر ريو إلى الطريق الثالث.
— ظننت أنك تعرف.
— كنت أعرف أنك ستسألني هذا السؤال. وهذا يكفيني.
ضحك كايو ضحكة قصيرة.
— ربما.
— أتمني .
لم يرد ريو. استدار ولحق بالبقية.
ثم شد الرباط بقوة حتى كاد يقطعه.
— هيا.
— هيا.
— لماذا لم تقل؟
في الشوارع الأولى كانت لين تستيقظ. الباعة يفتحون أبواب محلاتهم، والنساء يرششن الماء أمام البيوت، ورائحة الخبز الساخن بدأت تخرج من المخابز الصغيرة. رجل عجوز كان يرفع مصراع متجره بصعوبة، وحين مرّ كايو بجواره أمسك الرجل بالمصراع وقال:
— من ماذا؟
— ساعدني أيها الأحمق.
وأشار آزر برأسه. نظر الجميع. قال رين:
ضحك كايو.
— ما شأنك؟
— صباح الخير لك أيضًا.
فتح كايو فمه. ثم أغلقه. ضحكت نيرة بصوت منخفض. هز الشيخ رأسه وكأنه اقتنع بشيء. ثم نظر إلى ريو. استقرت عيناه عليه لثانية أطول. لم تعجب ريو تلك النظرة. قال:
أمسك المصراع ورفعه. قال الرجل:
— بالطبع.
— أقوى مما تبدو.
— أبي كان يكره كلمة «ربما».
تدخل ريو من خلفه:
— انتظرني.
— لا تمدحه كثيرًا، سيتعبنا طوال الطريق.
— وهذا أسوأ سبب أعرفه.
— سمعتك!
— لأنني أريد أن أرى أي واحد تختار.
خرجت ضحكة خافتة من نيرة، حتى رين ابتسم قليلًا. أما آزر فتابع السير. كان يراقب المدينة وهي تستيقظ. في الأمس رأى لين كمدينة ضخمة. اليوم بدأ يرى شيئًا آخر. كان لكل شارع رائحته. لكل منطقة أصوات مختلفة. كانت هناك أحياء يكثر فيها التجار، وأخرى يسكنها الحرفيون، وأماكن لم تبدُ من الأساس كأنها مخصصة للناس العاديين. مبانٍ مرتفعة ذات جدران حجرية داكنة، وبوابات عليها رموز لا يعرف معناها.
— أنت كنت تعرف أننا سنفعل هذا.
رأى رجالًا ونساءً يرتدون ملابس مختلفة عن أهل القرية. بعضهم كان يسير وحده. بعضهم تحيط به حاشية. وبعضهم لم يكن يحمل سلاحًا، ومع ذلك كان الناس يبتعدون عنه دون أن يُطلب منهم ذلك. نظر آزر إلى أحدهم طويلًا. لاحظ ريو ذلك.
— ماذا قلت؟
— مزارع.
— احتفظ به.
التفت آزر إليه.
نظرت إلى الحجر.
— ماذا؟
صمتوا. انتظروا. لا شيء. نظر كايو إلى النهر.
— الرجل الذي تنظر إليه.
— هذه عادة سيئة.
تبع آزر نظرته.
— إلى حد ما.
— كيف عرفت؟
— هل هي قريبة؟
ابتسم ريو دون أن يشرح.
— احتفظ به.
— ستعرف.
كانت السماء قد بدأت تفتح لونها عندما نزل من سطح النُّزل. في الدرج مرّ بجانب ريو الذي كان جالسًا قرب النافذة الصغيرة في الطابق الثاني، ممسكًا بكوب لم يشرب منه. رفع ريو رأسه.
ثم أكمل السير.
— الشمس لم تشرق بعد.
ظهرت البوابة الشمالية بعد وقت قصير. كانت أكبر من البوابات التي دخلوا منها إلى المدينة. جدرانها تمتد إلى الجانبين، فوقها أبراج حراسة، وعلى الطريق أمامها عشرات العربات تنتظر التفتيش. لكن آزر لم يهتم بالبوابة. كان يبحث عن شخص. مرّ نظره بين المسافرين. رجال من القرى القريبة. تجار يحملون صناديق. عائلة تجلس في عربة مغلقة. مزارع شاب يقف وحده قرب حصانه. ثم رآه.
بعض الكلمات ليست وصفًا. بعضها… يفعل شيئًا.
كان الشيخ واقفًا خارج البوابة، إلى جانب شجرة قديمة نمت جذورها بين شقوق الحجر. لم يكن يلفت الانتباه. ثياب بسيطة. شعر أبيض غير مرتب . عصا خشبية في يده. وكان يحمل في اليد الأخرى كيسًا صغيرًا من القماش. كأنه رجل خرج من بيته ليشتري شيئًا من السوق. توقف آزر. توقف ريو معه. قال كايو:
— لا شيء.
— ماذا؟
— لأن رجلًا طلب مني أن أذهب إليها.
وأشار آزر برأسه. نظر الجميع. قال رين:
ثم أكمل السير.
— هو؟
تبع آزر نظرته.
— نعم.
نظر آزر إلى السماء.
لم يتحرك الشيخ عندما اقتربوا. كان ينظر إلى العربات التي تمر من البوابة. وعندما وصل آزر إليه قال:
ضحك كايو ضحكة قصيرة.
— تأخرت.
اقترب آزر من الطريق. خطا خطوة. ثم ثانية. توقف. استدار. كان الثلاثة الآخرون لا يزالون في مكانهم. قال رين:
نظر آزر إلى السماء.
— لماذا؟
— الشمس لم تشرق بعد.
— لا شيء.
التفت الشيخ إليه. ثم ابتسم.
اقتربت نيرة. ثم كايو. ثم رين. كانت هناك علامة منحوتة على الحجر. دائرة… وفي أعلاها فراغ. نفس العلامة. لكن هذه المرة لم تكن على شجرة. ولا على باب. ولا على حجر مدفون. كانت على عمود طريق. وتحتها مباشرة كلمات لم يرها آزر من قبل. مرّر ريو أصابعه فوقها. : قرأ ببطء
— ولهذا قلت عند الشروق، لا قبل الشروق بساعة.
ابتسمت.
تدخل كايو:
صمت آزر. تقدم الشيخ خطوة.
— وجدنا شخصًا أخيرًا يتحدث أكثر مما يتنفس.
— هل تعرفنا؟
نظر الشيخ إليه.
ظل ريو ينظر إليه.
— وأنت؟ تبدو كمن يتحدث أكثر مما يفكر.
— هذه ليست نصيحة.
فتح كايو فمه. ثم أغلقه. ضحكت نيرة بصوت منخفض. هز الشيخ رأسه وكأنه اقتنع بشيء. ثم نظر إلى ريو. استقرت عيناه عليه لثانية أطول. لم تعجب ريو تلك النظرة. قال:
جلست نيرة قرب الماء وبدأت تملأ قنينة. لاحظت آزر واقفًا وحده على الجانب الآخر. كان ينظر إلى سطح الماء.
— هل تعرفنا؟
وأخيرًا أشار إلى أرض ترابية ضيقة بين الأشجار.
— لا.
لم يجب أحد. وفي اللحظة نفسها… أصدر الحجر تحت أقدامهم صوتًا خافتًا. ثم انفتح الشق. ليس نحو الأسفل. بل إلى الأمام. كما لو أن الطريق نفسه… كان يفتح عينه.
— إذن لا تنظر إليّ هكذا.
حدق فيه آزر. ضحك كايو.
— أنا لا أنظر إليك.
— ربما سنعود يوما ما.
— هذا أسوأ.
— نعم.
ضحك الشيخ. أما آزر فظل صامتًا. قال الشيخ:
نظر آزر إليه.
— لماذا أتيت؟
— كنت غاضبًا وقتها.
— أنت طلبت مني ذلك.
— عند القوة.
— لا. أنا طلبت منك أن تأتي. لم أسألك لماذا أتيت.
— تقريبًا.
فكر آزر قليلًا.
— ماذا تريد منه؟
— لأنني أريد أن أعرف أين يبدأ الطريق.
فكر.
تغيرت ملامح الشيخ قليلًا. هذه المرة لم يبتسم. نظر إلى آزر طويلًا، ثم قال:
— وأين ظننت أنه يبدأ؟
— ثم مات، وبقيت أنا أكره «لا أعرف» أيضًا.
— عند القوة.
لم يضحك أحد هذه المرة. قال رين:
هز الشيخ رأسه.
لم يتحرك آزر. بقي ينظر إلى الحجر. كان باردًا، لكنه ليس ببرودة الصخر الذي وجدوه تحت القرية. ذلك الشيء كان باردًا بطريقة تجعل اليد تريد الابتعاد عنه. أما هذا فكان مجرد حجر. مع ذلك أعاده إلى كفه وشرع يحركه. : لا أثر. لا علامة. لا شيء. قال كايو
— كثيرون قالوا ذلك.
— أبي كان يكره كلمة «ربما».
— وهم مخطئون؟
— لماذا؟
— بعضهم نعم. والبعض ماتوا قبل أن يكتشفوا.
نظرت نيرة إلى الجدول. ثم قالت:
ظل آزر ينظر إليه. لم يكن الجواب كافيًا. لاحظ الشيخ ذلك. قال:
— افتقد القرية كثيرا.
— جيد.
ضحك كايو. ثم تابعوا.
— ماذا؟
رفع آزر عينيه إلى السماء. لم يكن يعرف ماذا يوجد بعد هذا العالم. السؤال ظل عالقًا في رأسه منذ أن قاله. ثم تذكر الشيخ: «اذهب إلى البوابة الشمالية عند الشروق.» لم يقل لماذا. ولم يقل ماذا سيحدث هناك. فقط قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من هنا. نظر آزر إلى المدينة مرة أخيرة، ثم نهض.
— لم تقتنع.
— ماذا تريد منه؟
— لم تعطِني شيئًا أقتنع به.
في الشوارع الأولى كانت لين تستيقظ. الباعة يفتحون أبواب محلاتهم، والنساء يرششن الماء أمام البيوت، ورائحة الخبز الساخن بدأت تخرج من المخابز الصغيرة. رجل عجوز كان يرفع مصراع متجره بصعوبة، وحين مرّ كايو بجواره أمسك الرجل بالمصراع وقال:
ابتسم الشيخ.
— لماذا؟
— هذه عادة سيئة.
توقف كايو. لم يرفع رأسه.
— لماذا؟
ضحك كايو ضحكة قصيرة.
— لأنها تعتمد على الباب الذي تقف أمامه.
— وكيف عرفتِ؟
نظر آزر إلى البوابة.
أشار إلى الطريق الرئيسي.
— وأي باب هذا؟
رمقه ريو بنظرة. قال كايو:
: أجاب الشيخ بهدوء
— يبدو أن السفر بدأ يؤثر عليك.
— أنت لا تزال تسأل عن الأبواب، بينما لم تتعلم بعد كيف ترى الطريق.
أمسك المصراع ورفعه. قال الرجل:
اقترب ريو خطوة.
رفع الشيخ الكيس الصغير الذي في يده. ثم أخرج منه حجرًا. كان حجمه لا يتجاوز نصف كف. حجر عادي. رمادي. وضعه أمام آزر.
— ماذا تريد منه؟
— ماذا؟
رفع الشيخ عينيه إليه.
— إذن ما فائدتك؟
— أنا؟ لا شيء.
— وهذا ليس مديحًا.
— إذن لماذا أوقفته؟
— أحمق.
— لم أوقفه.
— ماذا؟
نظر ريو إلى آزر. ثم إلى الشيخ.
— أحمق.
— أنت تعرف شيئًا.
— وأي باب هذا؟
— بالطبع.
بقي الصمت بينهما لثوانٍ. ثم قال ريو:
— عن ماذا؟
— لأنني لم أكن متأكدًا أنني رأيتها أصلًا.
— أشياء كثيرة.
نظر آزر إليه.
— ولن تقول؟
: قال رين.
— ليس الآن.
— ماذا تريد؟
ظل ريو صامتًا. كان واضحًا أنه لم يعجبه الأمر. لكن لم يضغط أكثر. كانت هذه إحدى الأشياء التي بدأت نيرة تلاحظها فيه. ريو لم يكن يثق بسهولة. لكن حين يواجه شيئًا يعرف أن معلوماته عنه ناقصة، لا يتظاهر بأنه يفهمه. كان ينسحب خطوة. لا لأنه جبان. بل لأنه رأى ما يكفي من الأمور ليعرف أن الخطأ الواحد قد يكلف أكثر من حياة شخص.
نظر ريو إليه طويلًا. فهم المعنى. لم يكن آزر يعرف إن كان الطريق صحيحًا. ولهذا بالضبط أراد أن يراه. قالت نيرة:
رفع الشيخ الكيس الصغير الذي في يده. ثم أخرج منه حجرًا. كان حجمه لا يتجاوز نصف كف. حجر عادي. رمادي. وضعه أمام آزر.
لكن الشاب لم يكن يقصد السخرية. قال:
— خذه.
صمت آزر. تذكر الشجرة. والعلامة. والحجر الأسود. والطرقات. هذه المرة لم يسمع أحدهم ثلاثًا. ولا أربعًا. جاءت طرقة واحدة. ثم سكت كل شيء. قال كايو بهدوء:
أمسكه آزر. كان باردًا.
قال ريو:
— ماذا أفعل به؟
— لماذا؟
— لا شيء.
— ماذا سمعت؟
— لماذا أعطيتني إياه؟
— شمالًا.
— لا أعرف.
— أحاول.
حدق فيه آزر. ضحك كايو.
— وهذا لا يقودك إلى أي مكان يعرفه أهل لين.
— بدأنا.
— أنا أيضًا.
قال الشيخ:
— لا شأن لي. لكن الطريق بعد هذا المكان ليس آمنًا.
— قلت لك «خذه»، ولم أقل «افهمه».
— هذا يقودك إلى طائفة سحابة الشمال.
— ما فائدته؟
ظل ريو ينظر إليه.
— لا أعرف.
— لا.
نظر ريو إلى الشيخ فجأة. أما آزر فلم يتحرك. بقي ممسكًا بالحجر. بعد لحظة قال:
— لأنني لم أفكر في أن الحجر سر كوني.
— إذن أنت لا تعرف.
— هو؟
— نعم، لكن هل عدم معرفتي يجعله بلا فائدة؟
— أشياء كثيرة.
: نظر آزر إلى الحجر مرة أخرى. لم يُجب. قال الشيخ
سمعت نيرة صوته من خلفه.
— احتفظ به.
— لماذا أتيت؟
ثم استدار ومشى مبتعدًا عن البوابة. نظر كايو إلى آزر.
— لا. هو ليس غريبًا. الغريب هو أنني لا أعرف ماذا يريد. وهذا يزعجني أكثر.
— هل هذا كل شيء؟
— لماذا لم تقل؟
لكن الشيخ رفع يده دون أن يلتفت.
— سنعبر من هناك.
— لا تتبعوني.
نظر إليه آزر. خفض كايو عينيه.
: قال رين.
رفع الشيخ الكيس الصغير الذي في يده. ثم أخرج منه حجرًا. كان حجمه لا يتجاوز نصف كف. حجر عادي. رمادي. وضعه أمام آزر.
— هذا الرجل أغرب من كل شيء حدث لنا.
— لماذا؟
— وهذا ليس مديحًا.
قبل الغروب بقليل وصلوا إلى مبنى صغير عند نهاية الطريق. كان أقرب إلى نقطة استراحة للقوافل. مظلة خشبية، وبئر، وطاولتان قديمتان. جلسوا لتناول الطعام. لم يكن كثيرًا. بعض الخبز، اللحم المجفف، والماء. بينما كانوا يأكلون اقترب منهم شاب في العشرين تقريبًا. كان يحمل عصا معدنية على ظهره، وعلى صدره شارة دائرية. قال:
أما ريو فكان يراقب ظهر الشيخ.
نيرة هزت رأسها.
— لا. هو ليس غريبًا. الغريب هو أنني لا أعرف ماذا يريد. وهذا يزعجني أكثر.
كان الشيخ واقفًا خارج البوابة، إلى جانب شجرة قديمة نمت جذورها بين شقوق الحجر. لم يكن يلفت الانتباه. ثياب بسيطة. شعر أبيض غير مرتب . عصا خشبية في يده. وكان يحمل في اليد الأخرى كيسًا صغيرًا من القماش. كأنه رجل خرج من بيته ليشتري شيئًا من السوق. توقف آزر. توقف ريو معه. قال كايو:
لم يتحرك آزر. بقي ينظر إلى الحجر. كان باردًا، لكنه ليس ببرودة الصخر الذي وجدوه تحت القرية. ذلك الشيء كان باردًا بطريقة تجعل اليد تريد الابتعاد عنه. أما هذا فكان مجرد حجر. مع ذلك أعاده إلى كفه وشرع يحركه.
: لا أثر. لا علامة. لا شيء. قال كايو
فتح كايو فمه. ثم أغلقه. ضحكت نيرة بصوت منخفض. هز الشيخ رأسه وكأنه اقتنع بشيء. ثم نظر إلى ريو. استقرت عيناه عليه لثانية أطول. لم تعجب ريو تلك النظرة. قال:
— ارمه.
ابتسم ريو دون أن يشرح.
نظر آزر إليه.
— بسبب انحدار الأرض.
— لماذا؟
— وهم مخطئون؟
— لأنه أعطاك حجرًا وقال إنه لا يعرف فائدته.
— جيد.
— هذا لا يعني أنه بلا فائدة.
صمت آزر. تذكر الشجرة. والعلامة. والحجر الأسود. والطرقات. هذه المرة لم يسمع أحدهم ثلاثًا. ولا أربعًا. جاءت طرقة واحدة. ثم سكت كل شيء. قال كايو بهدوء:
— يعني على الأقل أنه ثقيل.
— افتقد القرية كثيرا.
قالت نيرة:
ضحك.
— وزنه أقل مما كنت تشتكي منه عندما حملتني يوم إصابتي.
لم يُجب أحد.
— كنت غاضبًا وقتها.
فتح كايو فمه. ثم أغلقه. ضحكت نيرة بصوت منخفض. هز الشيخ رأسه وكأنه اقتنع بشيء. ثم نظر إلى ريو. استقرت عيناه عليه لثانية أطول. لم تعجب ريو تلك النظرة. قال:
— كنت مرهقًا.
التفت إليها.
— نفس الشيء.
— الرجل الذي تنظر إليه.
تدخل رين:
استغرق الأمر دقائق قليلة حتى استيقظ الباقون. لم يكن كايو سعيدًا بفكرة الاستيقاظ قبل أن تشرق الشمس بالكامل. جلس على حافة السرير وهو يفرك وجهه.
— هل ستقفون هنا طوال اليوم؟
— أنت ستذهب؟
بدأوا السير. لكن بعد بضع خطوات التفت آزر. الشيخ كان قد اختفى. لم يكن في الشارع. ولم يرَ أحد متى غادر.
— وهذا أسوأ سبب أعرفه.
خارج لين تغير الطريق بسرعة. المباني اختفت. ثم اختفت الأسوار. وبعد مسافة قصيرة أصبحت المدينة خلفهم مجرد خط حجري في الأفق. الهواء كان أنظف. لكن الريح أقوى. امتدت الأراضي إلى الشمال، حقول واسعة تتخللها الأشجار والجداول الصغيرة، وفي أماكن بعيدة ظهرت تلال زرقاء تحت ضوء الصباح.
— ساعدني أيها الأحمق.
كان الطريق الرئيسي ممتدًا أمامهم. عربات كثيرة تسير فيه. إلى جانبهم مرّ رجل على حصان، وثيابه تحمل شعارًا فضيًا. همس ريو
— لم أقل إنها نصيحة.
— لا تنظروا كثيرًا.
سكت قليلًا. ثم ضحك.
خفض كايو عينيه.
— لا. أنا طلبت منك أن تأتي. لم أسألك لماذا أتيت.
— لماذا؟
بعد الطعام قرروا أن يناموا حتى الفجر. لكن قبل أن يستلقي آزر رأى شيئًا. على الأرض قرب البئر كانت هناك آثار أقدام. ثلاثة. حديثة. لكن الأغرب أن أحدها لم يكتمل. بدأت البصمة ثم انقطعت. اقترب. انحنى. لمس التراب. لم يكن هناك أثر بعد الموضع. كأن صاحب القدم وقف للحظة، ثم لم يعد موجودًا. جاء ريو خلفه. نظر إلى الأرض. ثم قال:
— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.
— قلت لك «خذه»، ولم أقل «افهمه».
ضحك كايو بخفة.
— وأنتِ ماذا كنتِ تتوقعين؟
— نحن في طريق مليء بالناس.
خفض آزر عينيه إلى الطريق الثالث. كان ضيقًا. الأعشاب تغطي حوافه. لا توجد عليه آثار عربات. لا توجد لافتة. لا توجد أي علامة تخبرهم إلى أين يقود. قال رين فورًا:
قال ريو:
— ليس من الماء. من تحت الطريق.
— بعض الناس لا يحتاجون إلى أن يكونوا قريبين.
— إذن لماذا؟
صمت كايو. بدأت حركته تصبح أبطأ. لم يكن رين قد قال شيئًا مخيفًا. لكن منذ أن خرجوا من القرية بدأ العالم نفسه يفرض عليهم نوعًا جديدًا من الحذر. في القرية كانوا يعرفون معظم الأشياء.
اما هنا كان كل شئ مجهولا وخطيرا، هذا الطريق . وكل وجه غريب. وكل شعار جديد. وكل شخص أقوى منهم.
قالت نيرة وهي تسير إلى جوار آزر:
قالت نيرة وهي تسير إلى جوار آزر:
كان آزر واقفًا قرب الباب. راقب كايو وهو يربط رباط حذائه، ثم وقف فجأة.
— ماذا تفعل بالحجر؟
التفت إليها.
— لا شيء.
بقي الصمت بينهما لثوانٍ. ثم قال ريو:
— منذ وقت طويل وأنت تمسكه.
قال الشيخ:
نظر إلى يده. كان لا يزال يمسك الحجر.
— كنت مرهقًا.
— نسيت أن أضعه في الحقيبة.
— لا تنظروا كثيرًا.
مدت يدها.
ابتسم الشاب.
— أعطني.
نيرة هزت رأسها.
أعطاها إياه. قلبته بين أصابعها، ثم أعادته إليه.
لم يتغير وجه ريو كثيرًا، لكن أصابعه توقفت عن الحركة.
— حجر.
— لا تتبعوني.
— كيف عرفت؟
رفع كايو إصبعه محذرًا.
رفعت حاجبًا.
ظل آزر ينظر إليه. لم يكن الجواب كافيًا. لاحظ الشيخ ذلك. قال:
— لأنني لم أفكر في أن الحجر سر كوني.
— أين؟
ابتسم كايو.
— لكنه يشبهه.
— وأنتِ ماذا كنتِ تتوقعين؟
— لم أقل إنها نصيحة.
— لا شيء. وهذا هو الأفضل أحيانًا.
سكت رين. ثم قال:
لم يفهم آزر ما قصدته. ولم يسأل.
نظر ريو إليها. ابتسمت ابتسامة صغيرة.
بعد ساعتين توقفوا عند جدول صغير. كان الماء صافيًا، يجري فوق الحصى بهدوء. جلس كايو وشرب بيديه.
: ثم قال
— هذا لأنك كنت تشرب من البرميل في النزل.
— لم أشرب ماءً بهذا الطعم منذ زمن.
— لأنه أعطاك حجرًا وقال إنه لا يعرف فائدته.
— هذا لأنك كنت تشرب من البرميل في النزل.
— انتظرني.
— وكان نظيفًا.
لكن الشيخ رفع يده دون أن يلتفت.
نظر إليه رين.
— ماذا سمعت؟
— كان لون الماء فيه غريبًا.
نظر إليه آزر. خفض كايو عينيه.
— قليلًا.
— إذن ما فائدتك؟
جلست نيرة قرب الماء وبدأت تملأ قنينة. لاحظت آزر واقفًا وحده على الجانب الآخر. كان ينظر إلى سطح الماء.
— طائفة سحابة الشمال.
— ماذا ترى؟
نظر إليه آزر. خفض كايو عينيه.
— لا شيء.
— وهل تعرف ما يوجد في كل واحد؟
— إذن لماذا تحدق؟
قال رين بهدوء:
— الماء يتحرك دون أن أعرف لماذا.
أطلق ريو نفسًا بطيئًا، ونهض.
نظرت نيرة إلى الجدول. ثم قالت:
— وربما لا.
— بسبب انحدار الأرض.
— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.
التفت إليها.
قال ريو:
— وكيف عرفتِ؟
— نعم.
— لأنني عشت أكثر من ستة عشر عامًا.
رفعت حاجبًا.
قال كايو:
— وهذا ليس مديحًا.
— هذه أقوى إجابة قالها أحد هنا اليوم.
— مزارع.
وضعت نيرة الماء في حقيبتها.
— رأيت مثلها.
— أنت تضحك، لكن هذا أفضل من اختراع أسباب معقدة لكل شيء.
تبع آزر نظرته.
نظر آزر إلى الماء مرة أخرى. هذه المرة بسهولة. أضاف كايو:
اقترب ريو خطوة.
— أنت تحب «ربما» عندما لا يكون هناك شيء آخر.
رفع آزر عينيه إلى السماء. لم يكن يعرف ماذا يوجد بعد هذا العالم. السؤال ظل عالقًا في رأسه منذ أن قاله. ثم تذكر الشيخ: «اذهب إلى البوابة الشمالية عند الشروق.» لم يقل لماذا. ولم يقل ماذا سيحدث هناك. فقط قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من هنا. نظر آزر إلى المدينة مرة أخيرة، ثم نهض.
أجابه ريو:
التفت آزر إليه.
— وأنت تكرهها عندما لا تستطيع فعل شيء.
— إذن عليك أن تتعلم أولًا الفرق بين أن تعرف شيئًا… وأن تملك القدرة على تغييره.
تغير وجه كايو. ولم يرد. التفت نيرة إلى ريو. لكنه كان قد نظر بعيدًا. لم يعتذر. لم يعتذر كايو أيضًا. استمروا في السير. وبعد بضع خطوات قال كايو:
ثم غادر. قال كايو:
— أبي كان يكره كلمة «ربما».
— بدأت أكره الكلمة بسبب كايو.
نظر إليه آزر. خفض كايو عينيه.
ثم التفت إلى آزر.
— كان يقول إن الإنسان إذا عرف الشيء يقوله. وإذا لم يعرفه يقول لا أعرف. «ربما» تجعل الناس ينتظرون.
نظر الجميع إليه. رفع ريو يده. إشارة إلى الصمت. جلسوا. انحنى. وضع أذنه قرب الأرض. بقي هكذا لحظات. ثم رفع رأسه.
سكت قليلًا. ثم ضحك.
— لا أعرف.
— ثم مات، وبقيت أنا أكره «لا أعرف» أيضًا.
نظر إليه رين.
لم يضحك أحد هذه المرة. قال رين:
ابتسمت نيرة للمرة الأولى منذ فترة قصيرة. أما رين فاكتفى بحمل حقيبته.
— كايو…
كانت السماء قد بدأت تفتح لونها عندما نزل من سطح النُّزل. في الدرج مرّ بجانب ريو الذي كان جالسًا قرب النافذة الصغيرة في الطابق الثاني، ممسكًا بكوب لم يشرب منه. رفع ريو رأسه.
لكن كايو رفع يده.
— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.
— لا بأس.
ثم أكمل السير.
ثم تابع السير.
— لا شيء.
قبل الغروب بقليل وصلوا إلى مبنى صغير عند نهاية الطريق. كان أقرب إلى نقطة استراحة للقوافل. مظلة خشبية، وبئر، وطاولتان قديمتان. جلسوا لتناول الطعام. لم يكن كثيرًا. بعض الخبز، اللحم المجفف، والماء. بينما كانوا يأكلون اقترب منهم شاب في العشرين تقريبًا. كان يحمل عصا معدنية على ظهره، وعلى صدره شارة دائرية. قال:
— لأنك لو فعلت شيئًا، لاضطررت إلى تغيير ما كنت سأقوله.
— إلى أين أنتم ذاهبون؟
قال كايو:
— شمالًا.
سمعت نيرة صوته من خلفه.
— إلى أين؟
نظر ريو إلى الطريق الثالث.
تدخل ريو:
— لم تقتنع.
— ما شأنك؟
نيرة نظرت إلى آزر. لم تتكلم. آزر بقي صامتًا. كان يستطيع أن يختار الطريق الرئيسي. طريق واضح. طريق تقوده طائفة. ومعلومات أكثر. وطعام. ومكان للنوم. والأمان النسبي. أما الطريق الآخر فلا شيء فيه. فقط أسئلة. قال ريو:
ابتسم الشاب.
— لا شيء.
— لا شأن لي. لكن الطريق بعد هذا المكان ليس آمنًا.
اقترب آزر من الطريق. خطا خطوة. ثم ثانية. توقف. استدار. كان الثلاثة الآخرون لا يزالون في مكانهم. قال رين:
نظر كايو إلى الشارة.
— بعض الناس لا يحتاجون إلى أن يكونوا قريبين.
— ما هذه؟
— لا.
— طائفة سحابة الشمال.
— وكان نظيفًا.
قال رين بهدوء:
خارج لين تغير الطريق بسرعة. المباني اختفت. ثم اختفت الأسوار. وبعد مسافة قصيرة أصبحت المدينة خلفهم مجرد خط حجري في الأفق. الهواء كان أنظف. لكن الريح أقوى. امتدت الأراضي إلى الشمال، حقول واسعة تتخللها الأشجار والجداول الصغيرة، وفي أماكن بعيدة ظهرت تلال زرقاء تحت ضوء الصباح.
— هل هي قريبة؟
— تأخرت.
— خمسة أيام من هنا.
— أنا لا أنظر إليك.
رفع ريو رأسه. كان هذا نفس الاتجاه الذي ذهب فيه الشيخ بالأمس. قال الشاب:
— الرجل الذي تنظر إليه.
— أنتم ذاهبون إليها؟
سكت قليلًا. ثم ضحك.
— ربما.
— لا تتبعوني.
ضحك.
قال كايو:
— أنت ستذهب؟
بعض الكلمات ليست وصفًا. بعضها… يفعل شيئًا.
نظر كايو إليه.
تغيرت ملامح الشيخ قليلًا. هذه المرة لم يبتسم. نظر إلى آزر طويلًا، ثم قال:
— لا تبدأ.
لماذا يبدو أن كل مكان في هذا العالم فيه شيء يريد قتلنا؟ : قال رين
لكن الشاب لم يكن يقصد السخرية. قال:
سكت قليلًا. ثم ضحك.
— إذا كنتم ذاهبين إليها، فهناك طريق أسرع.
نظر ريو إلى آزر. ثم إلى الشيخ.
وأشار إلى الشرق.
لكن الشيخ رفع يده دون أن يلتفت.
— الغابة القديمة تختصر يومين، لكنني لا أنصح بها لمن ليس مزارعًا.
— شمالًا.
— ما الموجود فيها؟
لم يرد ريو. استدار ولحق بالبقية.
هز الشاب كتفيه.
قالت نيرة وهي تسير إلى جوار آزر:
— أشياء لا تحب أن يقترب منها الناس.
— ربما.
ثم غادر. قال كايو:
— هل سمعتم ذلك؟
لماذا يبدو أن كل مكان في هذا العالم فيه شيء يريد قتلنا؟
: قال رين
— كنت مرهقًا.
— لأننا غالبًا لا نذهب إلى الأماكن الآمنة.
رمقه ريو بنظرة. قال كايو:
رفعت نيرة رأسها.
— إذن لا تنظر إليّ هكذا.
— ومن قال إننا نعرف أصلًا أين الآمن؟
— أشياء كثيرة.
لم يُجب أحد.
وأخيرًا أشار إلى أرض ترابية ضيقة بين الأشجار.
بعد الطعام قرروا أن يناموا حتى الفجر. لكن قبل أن يستلقي آزر رأى شيئًا. على الأرض قرب البئر كانت هناك آثار أقدام. ثلاثة. حديثة. لكن الأغرب أن أحدها لم يكتمل. بدأت البصمة ثم انقطعت. اقترب. انحنى. لمس التراب. لم يكن هناك أثر بعد الموضع. كأن صاحب القدم وقف للحظة، ثم لم يعد موجودًا. جاء ريو خلفه. نظر إلى الأرض. ثم قال:
— هذا لا يعني أنه بلا فائدة.
— رأيت مثلها.
— لم أشرب ماءً بهذا الطعم منذ زمن.
رفع آزر رأسه.
— ماذا فعلت بالحجر؟
— أين؟
— أين والدتك الآن؟
— في الطريق.
— أنت تعرف شيئًا.
— لماذا لم تقل؟
ثم أشار إلى الطريق الفرعي.
ظل ريو ينظر إلى الأثر.
— لو متنا هنا، أريد أن أقول إنني كنت ضد الفكرة.
— لأنني لم أكن متأكدًا أنني رأيتها أصلًا.
— لماذا تعرض علينا ثلاثة؟
قالت نيرة من خلفهما:
— ليس من الماء. من تحت الطريق.
— وماذا يعني ذلك؟
— لن أختاره لهذا السبب.
— لا أعرف.
— ربما سنعود يوما ما.
رفع كايو رأسه من مكانه.
ابتسم الشيخ.
— مرة أخرى.
— أي رجل؟
رمقه ريو بنظرة. قال كايو:
التفت الشيخ إليه. ثم ابتسم.
— ماذا؟
— التفكير لا يُحتسب.
— لا شيء.
تدخل ريو من خلفه:
لكن آزر كان لا يزال ينظر إلى الأثر. لم يشعر بالخوف. ولم يشعر بالفضول كما كان سابقًا. كان هناك شيء آخر. شيء لم يستطع تحديده. المسافة بين موضع القدم واختفائها كانت قصيرة جدًا. خطوة واحدة. فقط خطوة واحدة. ثم لا شيء.
أطلق ريو نفسًا بطيئًا، ونهض.
في منتصف الليل استيقظ آزر. لم يكن هناك صوت. فقط إحساس غريب.
فتح عينيه.
كان الحجر الرمادي الذي أعطاه إياه الشيخ داخل حقيبته.
نهض و أخرج الحجر. تأمل سطحه. شيء ما تغيّر. ليس في الحجر. في يده. كانت هناك حرارة خفيفة في أطراف أصابعه. وكلما وضع يده على الحجر شعر بشيء يمر من داخله. لم يكن ضوءًا. ولا طاقة واضحة. كان أقرب إلى تيار ضعيف.
سحب يده. اختفى الإحساس. أعادها. عاد. نظر إلى أصابعه. ثم إلى الحجر. لم يقل شيئًا. جلس على الأرض وأغمض عينيه. حاول أن يتذكر ما قاله الشيخ: «من قال لك إن المدد يخرج من اليد؟» في الأمس لم يفهم السؤال. الآن تذكر ما قاله الشخص الذي اختبره في قاعة الفحص: «هناك شيء ما.» شيء ما… لكن ماذا؟
— لا شيء.
فتح عينيه. أخذ نفسًا بطيئًا. ثم وضع الحجر على الأرض. مد يده نحوه. لم يحدث شيء. انتظر. لا شيء. ضحك بخفة.
ضحك الشيخ. أما آزر فظل صامتًا. قال الشيخ:
— سخيف.
— كنت تتحدث إليه؟
سمعت نيرة صوته من خلفه.
أطلق ريو نفسًا بطيئًا، ونهض.
— ما هو السخيف؟
التفت الشيخ إليه. ثم ابتسم.
التفت. كانت واقفة عند مدخل المكان.
ضحك.
— لا شيء.
نظرت نيرة إلى الجدول. ثم قالت:
نظرت إلى الحجر.
رفع آزر عينيه إلى السماء. لم يكن يعرف ماذا يوجد بعد هذا العالم. السؤال ظل عالقًا في رأسه منذ أن قاله. ثم تذكر الشيخ: «اذهب إلى البوابة الشمالية عند الشروق.» لم يقل لماذا. ولم يقل ماذا سيحدث هناك. فقط قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من هنا. نظر آزر إلى المدينة مرة أخيرة، ثم نهض.
— كنت تتحدث إليه؟
— نعم.
— أحاول.
— ليس من الماء. من تحت الطريق.
— الحجر؟
— لا تنظروا كثيرًا.
— نعم.
وضعت نيرة الماء في حقيبتها.
هزت رأسها.
نظر آزر إلى البوابة.
— يبدو أن السفر بدأ يؤثر عليك.
خفض آزر عينيه إلى الطريق الثالث. كان ضيقًا. الأعشاب تغطي حوافه. لا توجد عليه آثار عربات. لا توجد لافتة. لا توجد أي علامة تخبرهم إلى أين يقود. قال رين فورًا:
جلس آزر. دخلت نيرة وجلست على مسافة منه. سألت:
— إلى أين أنتم ذاهبون؟
— هل أنت خائف؟
— لماذا؟
نظر إليها.
نظر إلى آزر. ثم إلى الطريق.
— من ماذا؟
ظهرت البوابة الشمالية بعد وقت قصير. كانت أكبر من البوابات التي دخلوا منها إلى المدينة. جدرانها تمتد إلى الجانبين، فوقها أبراج حراسة، وعلى الطريق أمامها عشرات العربات تنتظر التفتيش. لكن آزر لم يهتم بالبوابة. كان يبحث عن شخص. مرّ نظره بين المسافرين. رجال من القرى القريبة. تجار يحملون صناديق. عائلة تجلس في عربة مغلقة. مزارع شاب يقف وحده قرب حصانه. ثم رآه.
— من أنك لا تعرف.
اقترب ريو خطوة.
فكر.
— أقسم أنني كنت أحلم بأنني آكل.
— لا.
التفت. كانت واقفة عند مدخل المكان.
— جيد. لأنني كذلك.
نيرة هزت رأسها.
نظر إليها. هذه المرة لم تجب هي نفسها عن السبب. استلقت على الأرض وأسندت رأسها إلى ذراعها.
في الشوارع الأولى كانت لين تستيقظ. الباعة يفتحون أبواب محلاتهم، والنساء يرششن الماء أمام البيوت، ورائحة الخبز الساخن بدأت تخرج من المخابز الصغيرة. رجل عجوز كان يرفع مصراع متجره بصعوبة، وحين مرّ كايو بجواره أمسك الرجل بالمصراع وقال:
: ثم قالت بصوت متهدج مكسور… .
— وهذا ليس مديحًا.
— افتقد القرية كثيرا.
نظرت نيرة إلى الجدول. ثم قالت:
— ربما سنعود يوما ما.
نظر كايو إليه.
ابتسمت.
ابتسم ريو دون أن يشرح.
— بدأت أكره الكلمة بسبب كايو.
— مرة أخرى.
مع أول ضوء استعدوا للمغادرة. كان الطريق أبرد في الصباح. وعندما خرجوا من مكان الاستراحة وجدوا الشيخ واقفًا عند البئر. كان كأنه لم يغادر أصلًا. توقف الجميع.
: قال كايو
— ماذا تريد؟
— أهذا طبيعي عند الشيوخ؟
— لا.
لم يجبه أحد. رفع الشيخ نظره إلى آزر.
— نفس الشيء.
— ماذا فعلت بالحجر؟
ابتسمت نيرة للمرة الأولى منذ فترة قصيرة. أما رين فاكتفى بحمل حقيبته.
— لا شيء.
ضحك كايو. ثم تابعوا.
— جيد.
نظر آزر إلى الطريق. ثم إلى يده. إلى الحجر الرمادي. ثم قال:
— لماذا؟
— لأنني لم أكن متأكدًا أنني رأيتها أصلًا.
— لأنك لو فعلت شيئًا، لاضطررت إلى تغيير ما كنت سأقوله.
— بدأنا.
صمت آزر. تقدم الشيخ خطوة.
— ماذا؟
— أمامك ثلاثة طرق.
كان الشيخ واقفًا خارج البوابة، إلى جانب شجرة قديمة نمت جذورها بين شقوق الحجر. لم يكن يلفت الانتباه. ثياب بسيطة. شعر أبيض غير مرتب . عصا خشبية في يده. وكان يحمل في اليد الأخرى كيسًا صغيرًا من القماش. كأنه رجل خرج من بيته ليشتري شيئًا من السوق. توقف آزر. توقف ريو معه. قال كايو:
أشار إلى الطريق الرئيسي.
— من أنك لا تعرف.
— هذا يقودك إلى طائفة سحابة الشمال.
— ماذا؟
ثم أشار إلى الطريق الفرعي.
قال الشيخ:
— هذا يقودك إلى ممر شوان.
— كثيرون قالوا ذلك.
وأخيرًا أشار إلى أرض ترابية ضيقة بين الأشجار.
— يعني على الأقل أنه ثقيل.
— وهذا لا يقودك إلى أي مكان يعرفه أهل لين.
لماذا يبدو أن كل مكان في هذا العالم فيه شيء يريد قتلنا؟ : قال رين
نظر ريو إلى الطريق الثالث.
— كنت أفكر فيها.
— لماذا تعرض علينا ثلاثة؟
جلست نيرة قرب الماء وبدأت تملأ قنينة. لاحظت آزر واقفًا وحده على الجانب الآخر. كان ينظر إلى سطح الماء.
— لأنني أريد أن أرى أي واحد تختار.
— أنتم ذاهبون إليها؟
— وهل تعرف ما يوجد في كل واحد؟
— لم أقل إنها نصيحة.
— إلى حد ما.
— لا شيء.
— وما الذي تنصح به؟
— لا تبدأ.
— لا شيء.
— لأن الشيخ قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من لين. وربما كان يقصد هذا.
سكت رين. ثم قال:
— لا أعرف.
— إذن ما فائدتك؟
بعد ساعتين توقفوا عند جدول صغير. كان الماء صافيًا، يجري فوق الحصى بهدوء. جلس كايو وشرب بيديه. : ثم قال
ضحك الشيخ.
— لكنه يشبهه.
— الآن أعجبتني.
— كنت غاضبًا وقتها.
نظر إلى آزر.
— لا. أنا طلبت منك أن تأتي. لم أسألك لماذا أتيت.
— الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من بوابة المدينة. ولا يبدأ من الطائفة. لكنه يبدأ عندما تختار شيئًا لا يخدمك إلا لأنك تريد أن تعرف.
— وهم مخطئون؟
— هذه ليست نصيحة.
— لا تنظروا كثيرًا.
— لم أقل إنها نصيحة.
نظر إلى يده. كان لا يزال يمسك الحجر.
ثم التفت إلى آزر.
— نحن في طريق مليء بالناس.
— ماذا تريد؟
أجابه ريو:
— أن أعرف لماذا يموت كل شيء.
— أتفق.
لم يضحك الشيخ. ولم يبدُ عليه الاستغراب. فقط نظر إليه للحظة طويلة. ثم قال:
— لا شيء.
— إذن عليك أن تتعلم أولًا الفرق بين أن تعرف شيئًا… وأن تملك القدرة على تغييره.
— «إلى من يعبر…»
خفض آزر عينيه إلى الطريق الثالث. كان ضيقًا. الأعشاب تغطي حوافه. لا توجد عليه آثار عربات. لا توجد لافتة. لا توجد أي علامة تخبرهم إلى أين يقود. قال رين فورًا:
— لم أقل إنها نصيحة.
— لن نذهب إلى طريق لا نعرفه.
بعد الطعام قرروا أن يناموا حتى الفجر. لكن قبل أن يستلقي آزر رأى شيئًا. على الأرض قرب البئر كانت هناك آثار أقدام. ثلاثة. حديثة. لكن الأغرب أن أحدها لم يكتمل. بدأت البصمة ثم انقطعت. اقترب. انحنى. لمس التراب. لم يكن هناك أثر بعد الموضع. كأن صاحب القدم وقف للحظة، ثم لم يعد موجودًا. جاء ريو خلفه. نظر إلى الأرض. ثم قال:
— أتفق.
قبل الغروب بقليل وصلوا إلى مبنى صغير عند نهاية الطريق. كان أقرب إلى نقطة استراحة للقوافل. مظلة خشبية، وبئر، وطاولتان قديمتان. جلسوا لتناول الطعام. لم يكن كثيرًا. بعض الخبز، اللحم المجفف، والماء. بينما كانوا يأكلون اقترب منهم شاب في العشرين تقريبًا. كان يحمل عصا معدنية على ظهره، وعلى صدره شارة دائرية. قال:
— وأنا.
— كيف عرفت؟
نيرة نظرت إلى آزر. لم تتكلم. آزر بقي صامتًا. كان يستطيع أن يختار الطريق الرئيسي. طريق واضح. طريق تقوده طائفة. ومعلومات أكثر. وطعام. ومكان للنوم. والأمان النسبي. أما الطريق الآخر فلا شيء فيه. فقط أسئلة. قال ريو:
خفض كايو عينيه.
— آزر. لا تختَر لأنك تريد مخالفة الجميع.
— هذا لأنك كنت تشرب من البرميل في النزل.
نظر آزر إلى الطريق. ثم إلى يده. إلى الحجر الرمادي. ثم قال:
لم يتغير وجه ريو كثيرًا، لكن أصابعه توقفت عن الحركة.
— لن أختاره لهذا السبب.
رفع ريو رأسه. كان هذا نفس الاتجاه الذي ذهب فيه الشيخ بالأمس. قال الشاب:
— إذن لماذا؟
— إذن؟
تأخر جوابه.
— كان لون الماء فيه غريبًا.
— لأنه لا توجد لدي إجابة عنه.
— ماذا؟
نظر ريو إليه طويلًا. فهم المعنى. لم يكن آزر يعرف إن كان الطريق صحيحًا. ولهذا بالضبط أراد أن يراه. قالت نيرة:
— شيخ قابلته على السطح.
— وهذا أسوأ سبب أعرفه.
توقف آزر لحظة.
— لكنه يشبهه.
— كان يقول إن الإنسان إذا عرف الشيء يقوله. وإذا لم يعرفه يقول لا أعرف. «ربما» تجعل الناس ينتظرون.
اقترب آزر من الطريق. خطا خطوة. ثم ثانية. توقف. استدار. كان الثلاثة الآخرون لا يزالون في مكانهم. قال رين:
— أنا؟ لا شيء.
— هل تتوقع أن نتبعك فقط لأنك قررت؟
— لم أقل إنها نصيحة.
— لا.
بدأوا السير. لكن بعد بضع خطوات التفت آزر. الشيخ كان قد اختفى. لم يكن في الشارع. ولم يرَ أحد متى غادر.
صمت رين. ثم حمل حقيبته.
— شيخ قابلته على السطح.
— جيد.
لم يتغير وجه ريو كثيرًا، لكن أصابعه توقفت عن الحركة.
تقدمت نيرة. ثم كايو. أما ريو فبقي واقفًا للحظة أطول. نظر إلى الشيخ.
— هل هذا كل شيء؟
— أنت كنت تعرف أننا سنفعل هذا.
خرجت ضحكة خافتة من نيرة، حتى رين ابتسم قليلًا. أما آزر فتابع السير. كان يراقب المدينة وهي تستيقظ. في الأمس رأى لين كمدينة ضخمة. اليوم بدأ يرى شيئًا آخر. كان لكل شارع رائحته. لكل منطقة أصوات مختلفة. كانت هناك أحياء يكثر فيها التجار، وأخرى يسكنها الحرفيون، وأماكن لم تبدُ من الأساس كأنها مخصصة للناس العاديين. مبانٍ مرتفعة ذات جدران حجرية داكنة، وبوابات عليها رموز لا يعرف معناها.
— لا.
كان الجواب عاديًا، لكن يده بقيت على الرباط أكثر مما ينبغي. قال آزر:
— تكذب؟
ثم غادر. قال كايو:
— لا.
وأشار إلى الشرق.
— إذن؟
قال رين بهدوء:
ابتسم الشيخ.
رفع آزر عينيه إلى السماء. لم يكن يعرف ماذا يوجد بعد هذا العالم. السؤال ظل عالقًا في رأسه منذ أن قاله. ثم تذكر الشيخ: «اذهب إلى البوابة الشمالية عند الشروق.» لم يقل لماذا. ولم يقل ماذا سيحدث هناك. فقط قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من هنا. نظر آزر إلى المدينة مرة أخيرة، ثم نهض.
— كنت أعرف أنك ستسألني هذا السؤال. وهذا يكفيني.
— لا.
لم يرد ريو. استدار ولحق بالبقية.
— مرة أخرى.
كان الطريق ضيقًا أكثر مما بدا من بعيد. في البداية لم يحدث شيء. فقط أشجار. تراب. وصوت حشرات. ثم بدأت أصوات لين تختفي وراءهم. بعد عشر دقائق لم يعد هناك شيء يدل على المدينة. ولا برج. ولا سور. ولا حتى دخان. كأنهم دخلوا عالمًا منفصلًا.
: قال كايو
— الشمس لم تشرق بعد.
— لو متنا هنا، أريد أن أقول إنني كنت ضد الفكرة.
كانت السماء قد بدأت تفتح لونها عندما نزل من سطح النُّزل. في الدرج مرّ بجانب ريو الذي كان جالسًا قرب النافذة الصغيرة في الطابق الثاني، ممسكًا بكوب لم يشرب منه. رفع ريو رأسه.
— لم تقل ذلك.
رفع الشيخ الكيس الصغير الذي في يده. ثم أخرج منه حجرًا. كان حجمه لا يتجاوز نصف كف. حجر عادي. رمادي. وضعه أمام آزر.
— كنت أفكر فيها.
نظر ريو إليه طويلًا. فهم المعنى. لم يكن آزر يعرف إن كان الطريق صحيحًا. ولهذا بالضبط أراد أن يراه. قالت نيرة:
— التفكير لا يُحتسب.
نظر آزر إليه.
— أنت ظالم.
— هذا لأنك كنت تشرب من البرميل في النزل.
— أحمق.
لم يضحك الشيخ. ولم يبدُ عليه الاستغراب. فقط نظر إليه للحظة طويلة. ثم قال:
ضحك كايو. ثم تابعوا.
— هو؟
بعد ساعة وجدوا جسرًا حجريًا صغيرًا. كان نصفه مكسورًا. تحت الجسر نهر ضحل. أشار رين إلى الجانب الآخر.
اقترب آزر من الطريق. خطا خطوة. ثم ثانية. توقف. استدار. كان الثلاثة الآخرون لا يزالون في مكانهم. قال رين:
— سنعبر من هناك.
— كنت أفكر فيها.
تقدم. لكن آزر لم يتحرك. قال ريو:
— وأنت؟ تبدو كمن يتحدث أكثر مما يفكر.
— ماذا؟
— ما شأنك؟
كان آزر ينظر إلى الماء. سأل:
— لكنه يشبهه.
— هل سمعتم ذلك؟
صمتوا. انتظروا. لا شيء. نظر كايو إلى النهر.
— بعضهم نعم. والبعض ماتوا قبل أن يكتشفوا.
— لا.
— ربما.
نيرة هزت رأسها.
هز الشيخ رأسه.
— ماذا سمعت؟
— وربما لا.
— طرقًا.
رأى رجالًا ونساءً يرتدون ملابس مختلفة عن أهل القرية. بعضهم كان يسير وحده. بعضهم تحيط به حاشية. وبعضهم لم يكن يحمل سلاحًا، ومع ذلك كان الناس يبتعدون عنه دون أن يُطلب منهم ذلك. نظر آزر إلى أحدهم طويلًا. لاحظ ريو ذلك.
تغير وجه ريو. أصغى. لثانية. ثانيتين. ثم قال:
توقف كايو. لم يرفع رأسه.
— أنا أيضًا.
: ثم قالت بصوت متهدج مكسور… .
نظر الجميع إليه. رفع ريو يده. إشارة إلى الصمت. جلسوا. انحنى. وضع أذنه قرب الأرض. بقي هكذا لحظات. ثم رفع رأسه.
— ستعرف.
— ليس من الماء. من تحت الطريق.
لماذا يبدو أن كل مكان في هذا العالم فيه شيء يريد قتلنا؟ : قال رين
صمت آزر. تذكر الشجرة. والعلامة. والحجر الأسود. والطرقات. هذه المرة لم يسمع أحدهم ثلاثًا. ولا أربعًا. جاءت طرقة واحدة. ثم سكت كل شيء. قال كايو بهدوء:
لم ينم آزر تلك الليلة. بقي جالسًا على سطح النُّزل، وظهره مستند إلى الجدار القصير، بينما كانت لين تمتد أمامه في الظلام.
— لا أحب هذا.
أجابه ريو:
— لنعود.
— البوابة الشمالية.
نهض ريو.
نظر آزر إلى البوابة.
— انتظر.
— كنت أفكر فيها.
— لماذا؟
— انتظر.
نظر إلى آزر. ثم إلى الطريق.
نظر آزر إليه.
— لأن الشيخ قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من لين. وربما كان يقصد هذا.
رفع كايو إصبعه محذرًا.
— وربما لا.
لم يفهم آزر ما قصدته. ولم يسأل.
نظر ريو إليها. ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— لم تعطِني شيئًا أقتنع به.
— لا تنظر إليّ هكذا. أنا فقط أعيد لك الكلمة.
ثم استدار ومشى مبتعدًا عن البوابة. نظر كايو إلى آزر.
في مكان ما تحت أقدامهم… جاءت طرقة ثانية. لكنها هذه المرة لم تكن عميقة. كانت أقرب. وأبطأ. ثم جاء صوت لم يكن طرقًا. صوت حجر يحتك بالحجر. تراجع رين خطوة. كايو أمسك سلاحه. نيرة أغلقت حقيبتها. أما آزر… فبقي مكانه. لم يتقدم. ولم يتراجع. كان ينظر إلى التراب أمامه. إلى شق صغير لم يكن موجودًا قبل لحظات. امتد الشق تحت قدميه. ثم توقف. رفع آزر رأسه. في الجهة الأخرى من الطريق، بين الأشجار، ظهر شيء أبيض. شيء يشبه طرف طريق حجري قديم. اقترب ريو منه ببطء. مسح التراب عن الحجر. تجمدت يده.
لم يرد ريو. استدار ولحق بالبقية.
— ماذا؟
أطلق ريو نفسًا بطيئًا، ونهض.
اقتربت نيرة. ثم كايو. ثم رين. كانت هناك علامة منحوتة على الحجر. دائرة… وفي أعلاها فراغ.
نفس العلامة. لكن هذه المرة لم تكن على شجرة. ولا على باب. ولا على حجر مدفون. كانت على عمود طريق. وتحتها مباشرة كلمات لم يرها آزر من قبل. مرّر ريو أصابعه فوقها.
: قرأ ببطء
بعد ساعة وجدوا جسرًا حجريًا صغيرًا. كان نصفه مكسورًا. تحت الجسر نهر ضحل. أشار رين إلى الجانب الآخر.
— «إلى من يعبر…»
قالت نيرة:
توقف. كانت بقية الجملة مكسورة. لكن آزر، دون أن يعرف لماذا، مد يده نحو الحروف. توقفت أصابعه قبل أن تلمسها بقليل. قال:
— الحجر؟
بعض الكلمات ليست وصفًا.
بعضها… يفعل شيئًا.
اقترب ريو خطوة.
لم يجب أحد. وفي اللحظة نفسها… أصدر الحجر تحت أقدامهم صوتًا خافتًا.
ثم انفتح الشق. ليس نحو الأسفل. بل إلى الأمام. كما لو أن الطريق نفسه… كان يفتح عينه.
نظر الجميع إليه. رفع ريو يده. إشارة إلى الصمت. جلسوا. انحنى. وضع أذنه قرب الأرض. بقي هكذا لحظات. ثم رفع رأسه.
وللمرة الأولى منذ خرجوا من القرية، أدرك آزر شيئًا بسيطًا. لم يكن الشيخ قد قادهم إلى الطريق.
هو فقط… تركهم يختارون الطريق الذي سيقودهم إليه.
— لا أعرف.
— لماذا؟
