البوابة الشمالية
لم ينم آزر تلك الليلة.
ظهرت البوابة الشمالية بعد وقت قصير. كانت أكبر من البوابات التي دخلوا منها إلى المدينة، جدرانها تمتد إلى الجانبين، فوقها أبراج حراسة، وعلى الطريق أمامها عشرات العربات تنتظر التفتيش، لكن آزر لم يهتم بالبوابة. كان يبحث عن شخص، مرّ نظره بين المسافرين، رجال من القرى القريبة، تجار يحملون صناديق، عائلة تجلس في عربة مغلقة، مزارع شاب يقف وحده قرب حصانه، ثم رآه.
بقي جالسًا على سطح النُّزل، وظهره مستند إلى الجدار القصير، بينما كانت لين تمتد أمامه في الظلام.
— هل ستقفون هنا طوال اليوم؟
من هذا الارتفاع بدت المدينة مختلفة، الضجيج الذي ملأها نهارًا انخفض إلى همهمة بعيدة متقطعة.
— صباح الخير لك أيضًا.
أضواء المصابيح انتشرت بين البيوت كنجوم وُضعت على الأرض بدلا من السماء.
ظل ريو ينظر إليه.
ومن ناحية السوق كان صوت عربة خشبية يجرها حصان يتردد في الشوارع
— لا.
ومن مكان أبعد جاء نباح كلب، ثم ساد الصمت من جديد.
ابتسم كايو.
رفع آزر عينيه إلى السماء، لم يكن يعرف ماذا يوجد بعد هذا العالم.
نظرت نيرة إلى الجدول، ثم قالت:
السؤال ظل عالقًا في رأسه منذ أن قاله، ثم تذكر الشيخ: «اذهب إلى البوابة الشمالية عند الشروق.» لم يقل لماذا، ولم يقل ماذا سيحدث هناك، فقط قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من هنا.
وللمرة الأولى منذ خرجوا من القرية، أدرك آزر شيئًا بسيطًا.
نظر آزر إلى المدينة مرة أخيرة، ثم نهض.
— وجدنا شخصًا أخيرًا يتحدث أكثر مما يتنفس.
كانت السماء قد بدأت تفتح لونها عندما نزل من سطح النُّزل، وفي الدرج مرّ بجانب ريو الذي كان جالسًا قرب النافذة الصغيرة في الطابق الثاني، ممسكًا بكوب لم يشرب منه.
— نعم.
رفع ريو رأسه.
— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.
— إلى أين؟
— لن أختاره لهذا السبب.
توقف آزر لحظة.
— نفس الشيء.
— البوابة الشمالية.
— قليلًا.
ظل ريو ينظر إليه.
رفع الشيخ عينيه إليه.
— الآن؟
— هذا لا يعني أنه بلا فائدة.
— نعم.
— إذن عليك أن تتعلم أولًا الفرق بين أن تعرف شيئًا… وأن تملك القدرة على تغييره.
وضع ريو الكوب على الأرض.
— إذن لا تنظر إليّ هكذا.
— لماذا؟
— الماء يتحرك دون أن أعرف لماذا.
نظر آزر إليه.
— الشمس لم تشرق بعد.
— لأن رجلًا طلب مني أن أذهب إليها.
خرجت ضحكة خافتة من نيرة، حتى رين ابتسم قليلًا، أما آزر فتابع السير. كان يراقب المدينة وهي تستيقظ، في الأمس رأى لين كمدينة ضخمة. اليوم بدأ يرى شيئًا آخر، كان لكل شارع رائحته، لكل منطقة أصوات مختلفة، كانت هناك أحياء يكثر فيها التجار، وأخرى يسكنها الحرفيون، وأماكن لم تبدُ من الأساس كأنها مخصصة للناس العاديين. مبانٍ مرتفعة ذات جدران حجرية داكنة، وبوابات عليها رموز لا يعرف معناها.
لم يتغير وجه ريو كثيرًا، لكن أصابعه توقفت عن الحركة.
— هو؟
— أي رجل؟
نظر آزر إلى البوابة.
— شيخ قابلته على السطح.
— وأنت؟ تبدو كمن يتحدث أكثر مما يفكر.
بقي الصمت بينهما لثوانٍ،
— ماذا؟
ثم قال ريو:
جلست نيرة قرب الماء وبدأت تملأ قنينة، لاحظت آزر واقفًا وحده على الجانب الآخر، كان ينظر إلى سطح الماء.
— هل قال لك اسمه؟
— لماذا أعطيتني إياه؟
— لا.
نظر آزر إلى الماء مرة أخرى، هذه المرة بسهولة، أضاف كايو:
أطلق ريو نفسًا بطيئًا، ونهض.
— لأنني أريد أن أرى أي واحد تختار.
— انتظرني.
— لأنك لو فعلت شيئًا، لاضطررت إلى تغيير ما كنت سأقوله.
استغرق الأمر دقائق قليلة حتى استيقظ الباقون، لم يكن كايو سعيدًا بفكرة الاستيقاظ قبل أن تشرق الشمس بالكامل.
نظر ريو إليه طويلًا، فهم المعنى. لم يكن آزر يعرف إن كان الطريق صحيحًا، ولهذا بالضبط أراد أن يراه. قالت نيرة:
جلس على حافة السرير وهو يفرك وجهه.
— يعني على الأقل أنه ثقيل.
— أقسم أنني كنت أحلم بأنني آكل.
— لأنني أريد أن أرى أي واحد تختار.
قالت نيرة وهي تربط شعرها:
ومن ناحية السوق كان صوت عربة خشبية يجرها حصان يتردد في الشوارع
— كنت تتحدث في نومك.
أما ريو فكان يراقب ظهر الشيخ.
— ماذا قلت؟
نظر آزر إلى البوابة.
— قلت: «اتركوا الطبق لي».
وأشار إلى الشرق.
رفع كايو إصبعه محذرًا.
كان الطريق الرئيسي ممتدًا أمامهم. عربات كثيرة تسير فيه، وإلى جانبهم مرّ رجل على حصان، وثيابه تحمل شعارًا فضيًا. همس ريو
— هذا ليس كلامًا يُقال عنه نوم.
هز الشاب كتفيه.
ابتسمت نيرة للمرة الأولى منذ فترة قصيرة، أما رين فاكتفى بحمل حقيبته.
— لن نذهب إلى طريق لا نعرفه.
— انتهيت؟
التفت، كانت واقفة عند مدخل المكان.
— تقريبًا.
كان الشيخ واقفًا خارج البوابة، إلى جانب شجرة قديمة نمت جذورها بين شقوق الحجر. لم يكن يلفت الانتباه، ثياب بسيطة، شعر أبيض غير مرتب،عصا خشبية في يده، وكان يحمل في اليد الأخرى كيسًا صغيرًا من القماش. كأنه رجل خرج من بيته ليشتري شيئًا من السوق، توقف آزر، وتوقف ريو معه، قال كايو:
كان آزر واقفًا قرب الباب، راقب كايو وهو يربط رباط حذائه، ثم وقف فجأة.
هزت رأسها.
— أين والدتك الآن؟
— لا أعرف.
توقف كايو، ولم يرفع رأسه.
— هل هذا كل شيء؟
— لا أعرف.
وللمرة الأولى منذ خرجوا من القرية، أدرك آزر شيئًا بسيطًا.
كان الجواب عاديًا، لكن يده بقيت على الرباط أكثر مما ينبغي، تابع آزر:
ظل آزر ينظر إليه، لم يكن الجواب كافيًا. لاحظ الشيخ ذلك، وقال:
— ظننت أنك تعرف.
لم يُجب أحد.
ضحك كايو ضحكة قصيرة.
— أهذا طبيعي عند الشيوخ؟
— أتمنى.
— انتهيت؟
ثم شد الرباط بقوة حتى كاد يقطعه.
نظر ريو إليها، ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— هيا.
— هذه عادة سيئة.
في الشوارع الأولى كانت لين تستيقظ.
— وهم مخطئون؟
الباعة يفتحون أبواب محلاتهم، والنساء يرششن الماء أمام البيوت، ورائحة الخبز الساخن بدأت تخرج من المخابز الصغيرة، رجل عجوز كان يرفع مصراع متجره بصعوبة، وحين مرّ كايو بجواره أمسك الرجل بالمصراع وقال:
— ما شأنك؟
— ساعدني أيها الأحمق.
استغرق الأمر دقائق قليلة حتى استيقظ الباقون، لم يكن كايو سعيدًا بفكرة الاستيقاظ قبل أن تشرق الشمس بالكامل.
ضحك كايو.
— صباح الخير لك أيضًا.
نظرت إلى الحجر.
أمسك المصراع ورفعه، أكمل الرجل:
— تكذب؟
— أقوى مما تبدو.
تدخل ريو:
تدخل ريو من خلفه:
— وأنت؟ تبدو كمن يتحدث أكثر مما يفكر.
— لا تمدحه كثيرًا، سيتعبنا طوال الطريق.
— جيد.
— سمعتك!
— هل قال لك اسمه؟
خرجت ضحكة خافتة من نيرة، حتى رين ابتسم قليلًا، أما آزر فتابع السير.
كان يراقب المدينة وهي تستيقظ، في الأمس رأى لين كمدينة ضخمة.
اليوم بدأ يرى شيئًا آخر، كان لكل شارع رائحته، لكل منطقة أصوات مختلفة، كانت هناك أحياء يكثر فيها التجار، وأخرى يسكنها الحرفيون، وأماكن لم تبدُ من الأساس كأنها مخصصة للناس العاديين.
مبانٍ مرتفعة ذات جدران حجرية داكنة، وبوابات عليها رموز لا يعرف معناها.
— إذن لماذا أوقفته؟
رأى رجالًا ونساءً يرتدون ملابس مختلفة عن أهل القرية، بعضهم كان يسير وحده، بعضهم تحيط به حاشية، وبعضهم لم يكن يحمل سلاحًا، ومع ذلك كان الناس يبتعدون عنه دون أن يُطلب منهم ذلك.
نظر آزر إلى أحدهم طويلًا، ولاحظ ريو ذلك.
— لا.
— مزارع.
ضحك.
التفت آزر إليه.
— نفس الشيء.
— ماذا؟
قال رين:
— الرجل الذي تنظر إليه.
نظر ريو إليه طويلًا، فهم المعنى. لم يكن آزر يعرف إن كان الطريق صحيحًا، ولهذا بالضبط أراد أن يراه. قالت نيرة:
تبع آزر نظرته.
— إلى أين؟
— كيف عرفت؟
— منذ وقت طويل وأنت تمسكه.
ابتسم ريو دون أن يشرح.
— أنتم ذاهبون إليها؟
— ستعرف.
— أنت لا تزال تسأل عن الأبواب، بينما لم تتعلم بعد كيف ترى الطريق.
ثم أكمل السير.
صمتوا، انتظروا، لا شيء. نظر كايو إلى النهر.
ظهرت البوابة الشمالية بعد وقت قصير.
كانت أكبر من البوابات التي دخلوا منها إلى المدينة، جدرانها تمتد إلى الجانبين، فوقها أبراج حراسة، وعلى الطريق أمامها عشرات العربات تنتظر التفتيش، لكن آزر لم يهتم بالبوابة.
كان يبحث عن شخص، مرّ نظره بين المسافرين، رجال من القرى القريبة، تجار يحملون صناديق، عائلة تجلس في عربة مغلقة، مزارع شاب يقف وحده قرب حصانه، ثم رآه.
رفع الشيخ الكيس الصغير الذي في يده، ثم أخرج منه حجرًا. كان حجمه لا يتجاوز نصف كف، حجر عادي، رمادي، وضعه أمام آزر.
كان الشيخ واقفًا خارج البوابة، إلى جانب شجرة قديمة نمت جذورها بين شقوق الحجر.
لم يكن يلفت الانتباه، ثياب بسيطة، شعر أبيض غير مرتب،عصا خشبية في يده، وكان يحمل في اليد الأخرى كيسًا صغيرًا من القماش.
كأنه رجل خرج من بيته ليشتري شيئًا من السوق، توقف آزر، وتوقف ريو معه، قال كايو:
لم يجب أحد. وفي اللحظة نفسها… أصدر الحجر تحت أقدامهم صوتًا خافتًا. ثم انفتح الشق. ليس نحو الأسفل، بل إلى الأمام. كما لو أن الطريق نفسه… كان يفتح عينه.
— ماذا؟
ظل آزر ينظر إليه، لم يكن الجواب كافيًا. لاحظ الشيخ ذلك، وقال:
وأشار آزر برأسه.
نظر الجميع، قال رين:
— في الطريق.
— هو؟
ضحك كايو، ثم تابعوا.
— نعم.
— ومن قال إننا نعرف أصلًا أين الآمن؟
لم يتحرك الشيخ عندما اقتربوا، كان ينظر إلى العربات التي تمر من البوابة، وعندما وصل آزر إليه قال:
— لماذا لم تقل؟
— تأخرت.
ثم التفت إلى آزر.
نظر آزر إلى السماء.
جلست نيرة قرب الماء وبدأت تملأ قنينة، لاحظت آزر واقفًا وحده على الجانب الآخر، كان ينظر إلى سطح الماء.
— الشمس لم تشرق بعد.
— لا.
التفت الشيخ إليه، ثم ابتسم.
لم يضحك أحد هذه المرة، قال رين:
— ولهذا قلت عند الشروق، لا قبل الشروق بساعة.
— إذن أنت لا تعرف.
تدخل كايو:
— لم أقل إنها نصيحة.
— وجدنا شخصًا أخيرًا يتحدث أكثر مما يتنفس.
— ما الموجود فيها؟
نظر الشيخ إليه.
جلس آزر، دخلت نيرة وجلست على مسافة منه، سألت:
— وأنت؟ تبدو كمن يتحدث أكثر مما يفكر.
— وأنت؟ تبدو كمن يتحدث أكثر مما يفكر.
فتح كايو فمه، ثم أغلقه، ضحكت نيرة بصوت منخفض.
هز الشيخ رأسه وكأنه اقتنع بشيء، ثم نظر إلى ريو، استقرت عيناه عليه لثانية أطول.
لم تعجب ريو تلك النظرة، قال:
— كنت أفكر فيها.
— هل تعرفنا؟
— وأنا.
— لا.
ثم أكمل السير.
— إذن لا تنظر إليّ هكذا.
— لم أقل إنها نصيحة.
— أنا لا أنظر إليك.
— لماذا؟
— هذا أسوأ.
— لا.
ضحك الشيخ، أما آزر فظل صامتًا، قال الشيخ:
— شمالًا.
— لماذا أتيت؟
تدخل ريو من خلفه:
— أنت طلبت مني ذلك.
— بعض الناس لا يحتاجون إلى أن يكونوا قريبين.
— لا. أنا طلبت منك أن تأتي، لم أسألك لماذا أتيت.
جلس على حافة السرير وهو يفرك وجهه.
فكر آزر قليلًا.
— لا أحب هذا.
— لأنني أريد أن أعرف أين يبدأ الطريق.
لم يتحرك آزر، بقي ينظر إلى الحجر. كان باردًا، لكنه ليس ببرودة الصخر الذي وجدوه تحت القرية، ذلك الشيء كان باردًا بطريقة تجعل اليد تريد الابتعاد عنه. أما هذا فكان مجرد حجر، مع ذلك أعاده إلى كفه وشرع يحركه. لا أثر، لا علامة، لا شيء، قال كايو:
تغيرت ملامح الشيخ قليلًا، هذه المرة لم يبتسم.
نظر إلى آزر طويلًا، ثم قال:
توقف آزر لحظة.
— وأين ظننت أنه يبدأ؟
لكن الشيخ رفع يده دون أن يلتفت.
— عند القوة.
— ماذا؟
هز الشيخ رأسه.
نظر إليه رين.
— كثيرون قالوا ذلك.
ثم أشار إلى الطريق الفرعي.
— وهم مخطئون؟
— أحاول.
— بعضهم نعم، والبعض ماتوا قبل أن يكتشفوا.
— هذا يقودك إلى طائفة سحابة الشمال.
ظل آزر ينظر إليه، لم يكن الجواب كافيًا.
لاحظ الشيخ ذلك، وقال:
التفت، كانت واقفة عند مدخل المكان.
— جيد.
تدخل ريو:
— ماذا؟
صمت رين، ثم حمل حقيبته.
— لم تقتنع.
ابتسمت.
— لم تعطِني شيئًا أقتنع به.
فتح كايو فمه، ثم أغلقه، ضحكت نيرة بصوت منخفض. هز الشيخ رأسه وكأنه اقتنع بشيء، ثم نظر إلى ريو، استقرت عيناه عليه لثانية أطول. لم تعجب ريو تلك النظرة، قال:
ابتسم الشيخ.
— لأنني لم أكن متأكدًا أنني رأيتها أصلًا.
— هذه عادة سيئة.
— هذا لأنك كنت تشرب من البرميل في النزل.
— لماذا؟
— ما هذه؟
— لأنها تعتمد على الباب الذي تقف أمامه.
— لا تنظروا كثيرًا.
نظر آزر إلى البوابة.
التفت آزر إليه.
— وأي باب هذا؟
بقي جالسًا على سطح النُّزل، وظهره مستند إلى الجدار القصير، بينما كانت لين تمتد أمامه في الظلام.
أجاب الشيخ بهدوء:
— هل هي قريبة؟
— أنت لا تزال تسأل عن الأبواب، بينما لم تتعلم بعد كيف ترى الطريق.
— الحجر؟
اقترب ريو خطوة.
— ارمه.
— ماذا تريد منه؟
ظل ريو ينظر إليه.
رفع الشيخ عينيه إليه.
— احتفظ به.
— أنا؟ لا شيء.
ثم قالت بصوت متهدج مكسور…
— إذن لماذا أوقفته؟
أمسكه آزر، كان باردًا.
— لم أوقفه.
— لا.
نظر ريو إلى آزر، ثم إلى الشيخ.
ابتسم ريو دون أن يشرح.
— أنت تعرف شيئًا.
— وكان نظيفًا.
— بالطبع.
أعطاها إياه، قلبته بين أصابعها، ثم أعادته إليه.
— عن ماذا؟
— هذه أقوى إجابة قالها أحد هنا اليوم.
— أشياء كثيرة.
— وأنتِ ماذا كنتِ تتوقعين؟
— ولن تقول؟
أمسك المصراع ورفعه، أكمل الرجل:
— ليس الآن.
— كان يقول إن الإنسان إذا عرف الشيء يقوله، وإذا لم يعرفه يقول لا أعرف. «ربما» تجعل الناس ينتظرون.
ظل ريو صامتًا، كان واضحًا أنه لم يعجبه الأمر، لكن لم يضغط أكثر.
كانت هذه إحدى الأشياء التي بدأت نيرة تلاحظها فيه، ريو لم يكن يثق بسهولة، لكن حين يواجه شيئًا يعرف أن معلوماته عنه ناقصة، لا يتظاهر بأنه يفهمه.
كان ينسحب خطوة، لا لأنه جبان، بل لأنه رأى ما يكفي من الأمور ليعرف أن الخطأ الواحد قد يكلف أكثر من حياة شخص.
نهض ريو.
رفع الشيخ الكيس الصغير الذي في يده، ثم أخرج منه حجرًا. كان حجمه لا يتجاوز نصف كف، حجر عادي، رمادي، وضعه أمام آزر.
نظر إلى آزر، ثم إلى الطريق.
— خذه.
— أنا أيضًا.
أمسكه آزر، كان باردًا.
— لا.
— ماذا أفعل به؟
— وأي باب هذا؟
— لا شيء.
التفت الشيخ إليه، ثم ابتسم.
— لماذا أعطيتني إياه؟
لم يُجب أحد.
— لا أعرف.
— هذه ليست نصيحة.
حدق فيه آزر، ضحك كايو.
رفع كايو رأسه من مكانه.
— بدأنا.
تغيرت ملامح الشيخ قليلًا، هذه المرة لم يبتسم. نظر إلى آزر طويلًا، ثم قال:
قال الشيخ:
— إذن لماذا؟
— قلت لك «خذه»، ولم أقل «افهمه».
— أتمنى.
— ما فائدته؟
نظر الجميع إليه. رفع ريو يده، إشارة إلى الصمت. جلسوا، انحنى، وضع أذنه قرب الأرض. بقي هكذا لحظات، ثم رفع رأسه.
— لا أعرف.
نظر ريو إلى آزر، ثم إلى الشيخ.
نظر ريو إلى الشيخ فجأة. أما آزر فلم يتحرك، بقي ممسكًا بالحجر.
بعد لحظة قال:
— إذن لماذا؟
— إذن أنت لا تعرف.
— لا تنظروا كثيرًا.
— نعم، لكن هل عدم معرفتي يجعله بلا فائدة؟
ثم قال ريو:
نظر آزر إلى الحجر مرة أخرى. لم يُجب. قال الشيخ:
— مرة أخرى.
— احتفظ به.
— رأيت مثلها.
ثم استدار ومشى مبتعدًا عن البوابة، نظر كايو إلى آزر.
— لو متنا هنا، أريد أن أقول إنني كنت ضد الفكرة.
— هل هذا كل شيء؟
لم يكن الشيخ قد قادهم إلى الطريق. هو فقط… تركهم يختارون الطريق الذي سيقودهم إليه.
لكن الشيخ رفع يده دون أن يلتفت.
بقي الصمت بينهما لثوانٍ،
— لا تتبعوني.
التفت، كانت واقفة عند مدخل المكان.
قال رين:
هزت رأسها.
— هذا الرجل أغرب من كل شيء حدث لنا.
بعد ساعة وجدوا جسرًا حجريًا صغيرًا. كان نصفه مكسورًا، تحت الجسر نهر ضحل. أشار رين إلى الجانب الآخر.
— وهذا ليس مديحًا.
— أنت كنت تعرف أننا سنفعل هذا.
أما ريو فكان يراقب ظهر الشيخ.
لماذا يبدو أن كل مكان في هذا العالم فيه شيء يريد قتلنا؟ قال رين:
— لا، هو ليس غريبًا، الغريب هو أنني لا أعرف ماذا يريد، وهذا يزعجني أكثر.
— جيد.
لم يتحرك آزر، بقي ينظر إلى الحجر.
كان باردًا، لكنه ليس ببرودة الصخر الذي وجدوه تحت القرية، ذلك الشيء كان باردًا بطريقة تجعل اليد تريد الابتعاد عنه.
أما هذا فكان مجرد حجر، مع ذلك أعاده إلى كفه وشرع يحركه.
لا أثر، لا علامة، لا شيء، قال كايو:
— لا شأن لي، لكن الطريق بعد هذا المكان ليس آمنًا.
— ارمه.
لم يجب أحد. وفي اللحظة نفسها… أصدر الحجر تحت أقدامهم صوتًا خافتًا. ثم انفتح الشق. ليس نحو الأسفل، بل إلى الأمام. كما لو أن الطريق نفسه… كان يفتح عينه.
نظر آزر إليه.
— ماذا؟
— لماذا؟
— خمسة أيام من هنا.
— لأنه أعطاك حجرًا وقال إنه لا يعرف فائدته.
نظر آزر إلى المدينة مرة أخيرة، ثم نهض.
— هذا لا يعني أنه بلا فائدة.
لماذا يبدو أن كل مكان في هذا العالم فيه شيء يريد قتلنا؟ قال رين:
— يعني على الأقل أنه ثقيل.
— يعني على الأقل أنه ثقيل.
قالت نيرة:
لم يضحك أحد هذه المرة، قال رين:
— وزنه أقل مما كنت تشتكي منه عندما حملتني يوم إصابتي.
بعض الكلمات ليست وصفًا. بعضها… يفعل شيئًا.
— كنت غاضبًا وقتها.
— تكذب؟
— كنت مرهقًا.
بعد ساعة وجدوا جسرًا حجريًا صغيرًا. كان نصفه مكسورًا، تحت الجسر نهر ضحل. أشار رين إلى الجانب الآخر.
— نفس الشيء.
صمت آزر. تذكر الشجرة، والعلامة، والحجر الأسود، والطرقات. هذه المرة لم يسمع أحدهم ثلاثًا. ولا أربعًا. جاءت طرقة واحدة، ثم صمت كل شيء. قال كايو بهدوء:
تدخل رين:
— أنا أيضًا.
— هل ستقفون هنا طوال اليوم؟
قبل الغروب بقليل وصلوا إلى مبنى صغير عند نهاية الطريق. كان أقرب إلى نقطة استراحة للقوافل، مظلة خشبية، وبئر، وطاولتان قديمتان، جلسوا لتناول الطعام، لم يكن كثيرًا. بعض الخبز، اللحم المجفف، والماء. بينما كانوا يأكلون اقترب منهم شاب في العشرين تقريبًا، وكان يحمل عصا معدنية على ظهره، وعلى صدره شارة دائرية، قال:
بدأوا السير، لكن بعد بضع خطوات التفت آزر، الشيخ كان قد اختفى.
لم يكن في أي مكان حولهم، ولم يرَ أحد متى غادر.
— أنت طلبت مني ذلك.
خارج لين تغير الطريق بسرعة، المباني اختفت. ثم اختفت الأسوار، وبعد مسافة قصيرة أصبحت المدينة خلفهم مجرد خط حجري في الأفق.
الهواء كان أنظف، لكن الريح أقوى، امتدت الأراضي إلى الشمال، حقول واسعة تتخللها الأشجار والجداول الصغيرة، وفي أماكن بعيدة ظهرت تلال زرقاء تحت ضوء الصباح.
— لا تنظروا كثيرًا.
كان الطريق الرئيسي ممتدًا أمامهم.
عربات كثيرة تسير فيه، وإلى جانبهم مرّ رجل على حصان، وثيابه تحمل شعارًا فضيًا.
همس ريو
— الآن أعجبتني.
— لا تنظروا كثيرًا.
— لماذا؟
خفض كايو عينيه.
بقي الصمت بينهما لثوانٍ،
— لماذا؟
— إذا كنتم ذاهبين إليها، فهناك طريق أسرع.
— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.
الباعة يفتحون أبواب محلاتهم، والنساء يرششن الماء أمام البيوت، ورائحة الخبز الساخن بدأت تخرج من المخابز الصغيرة، رجل عجوز كان يرفع مصراع متجره بصعوبة، وحين مرّ كايو بجواره أمسك الرجل بالمصراع وقال:
ضحك كايو بخفة.
نظر ريو إلى الشيخ فجأة. أما آزر فلم يتحرك، بقي ممسكًا بالحجر. بعد لحظة قال:
— نحن في طريق مليء بالناس.
— لأن رجلًا طلب مني أن أذهب إليها.
قال ريو:
— هذه ليست نصيحة.
— بعض الناس لا يحتاجون إلى أن يكونوا قريبين.
— وأنا.
صمت كايو، بدأت حركته تصبح أبطأ، لم يكن ريو قد قال شيئًا مخيفًا، لكن منذ أن خرجوا من القرية بدأ العالم نفسه يفرض عليهم نوعًا جديدًا من الحذر.
في القرية كانوا يعرفون معظم الأشياء.
اما هنا كان كل شئ مجهولا وخطيرا، هذا الطريق.. وكل وجه غريب،وكل شعار جديد،وكل شخص أقوى منهم.
— ماذا تفعل بالحجر؟
قالت نيرة وهي تسير إلى جوار آزر:
— لا.
— ماذا تفعل بالحجر؟
— تكذب؟
— لا شيء.
— الحجر؟
— منذ وقت طويل وأنت تمسكه.
— لا شيء.
نظر إلى يده، كان لا يزال يمسك الحجر.
أمسك المصراع ورفعه، أكمل الرجل:
— نسيت أن أضعه في الحقيبة.
— هذه عادة سيئة.
مدت يدها.
— لا شيء.
— أعطني.
رأى رجالًا ونساءً يرتدون ملابس مختلفة عن أهل القرية، بعضهم كان يسير وحده، بعضهم تحيط به حاشية، وبعضهم لم يكن يحمل سلاحًا، ومع ذلك كان الناس يبتعدون عنه دون أن يُطلب منهم ذلك. نظر آزر إلى أحدهم طويلًا، ولاحظ ريو ذلك.
أعطاها إياه، قلبته بين أصابعها، ثم أعادته إليه.
— وزنه أقل مما كنت تشتكي منه عندما حملتني يوم إصابتي.
— حجر.
صمت رين، ثم حمل حقيبته.
— كيف عرفت؟
— خذه.
رفعت حاجبًا.
في مكان ما تحت أقدامهم… جاءت طرقة ثانية. لكنها هذه المرة لم تكن عميقة، كانت أقرب، وأبطأ، ثم جاء صوت لم يكن طرقًا. صوت حجر يحتك بالحجر. تراجع رين خطوة، كايو أمسك سلاحه، نيرة أغلقت حقيبتها. أما آزر… فبقي مكانه، لم يتقدم، ولم يتراجع. كان ينظر إلى التراب أمامه، إلى شق صغير لم يكن موجودًا قبل لحظات، امتد الشق تحت قدميه، ثم توقف. رفع آزر رأسه في الجهة الأخرى من الطريق، بين الأشجار، ظهر شيء أبيض. شيء يشبه طرف طريق حجري قديم. اقترب ريو منه ببطء، ومسح التراب عن الحجر. تجمدت يده.
— لأنني لم أفكر في أن الحجر سر كوني.
— من ماذا؟
ابتسم كايو.
— لماذا؟
— وأنتِ ماذا كنتِ تتوقعين؟
— مرة أخرى.
— لا شيء. وهذا هو الأفضل أحيانًا.
— لأنه أعطاك حجرًا وقال إنه لا يعرف فائدته.
لم يفهم آزر ما قصدته، ولم يسأل.
— أنت تعرف شيئًا.
بعد ساعتين توقفوا عند جدول صغير، كان الماء صافيًا، يجري فوق الحصى بهدوء، جلس كايو وشرب بيديه.
ثم قال:
— التفكير لا يُحتسب.
— لم أشرب ماءً بهذا الطعم منذ زمن.
— تكذب؟
— هذا لأنك كنت تشرب من البرميل في النزل.
— لن نذهب إلى طريق لا نعرفه.
— وكان نظيفًا.
نظر إلى يده، كان لا يزال يمسك الحجر.
نظر إليه رين.
— لأنه لا توجد لدي إجابة عنه.
— كان لون الماء فيه غريبًا.
— ظننت أنك تعرف.
— قليلًا.
— لماذا؟
جلست نيرة قرب الماء وبدأت تملأ قنينة، لاحظت آزر واقفًا وحده على الجانب الآخر، كان ينظر إلى سطح الماء.
— ماذا ترى؟
— ماذا ترى؟
قال رين بهدوء:
— لا شيء.
رفع كايو رأسه من مكانه.
— إذن لماذا تحدق؟
— أتفق.
— الماء يتحرك دون أن أعرف لماذا.
رفع آزر رأسه.
نظرت نيرة إلى الجدول، ثم قالت:
— هذه عادة سيئة.
— بسبب انحدار الأرض.
— جيد.
التفت إليها.
— لا.
— وكيف عرفتِ؟
— لماذا لم تقل؟
— لأنني عشت أكثر من ستة عشر عامًا.
— في الطريق.
قال كايو:
— لماذا؟
— هذه أقوى إجابة قالها أحد هنا اليوم.
كان آزر واقفًا قرب الباب، راقب كايو وهو يربط رباط حذائه، ثم وقف فجأة.
وضعت نيرة الماء في حقيبتها.
— أمامك ثلاثة طرق.
— أنت تضحك، لكن هذا أفضل من اختراع أسباب معقدة لكل شيء.
— طائفة سحابة الشمال.
نظر آزر إلى الماء مرة أخرى، هذه المرة بسهولة، أضاف كايو:
رفع كايو رأسه من مكانه.
— أنت تحب «ربما» عندما لا يكون هناك شيء آخر.
— إذن؟
أجابه ريو:
— هذا لا يعني أنه بلا فائدة.
— وأنت تكرهها عندما لا تستطيع فعل شيء.
— رأيت مثلها.
تغير وجه كايو، ولم يرد، التفتت نيرة إلى ريو.
لكنه كان قد نظر بعيدًا، لم يعتذر، ولم يعتذر كايو أيضًا.
استمروا في السير، وبعد بضع خطوات قال كايو:
— أن أعرف لماذا يموت كل شيء.
— أبي كان يكره كلمة «ربما».
رفع ريو رأسه.
نظر إليه آزر، خفض كايو عينيه.
— لأنك لو فعلت شيئًا، لاضطررت إلى تغيير ما كنت سأقوله.
— كان يقول إن الإنسان إذا عرف الشيء يقوله، وإذا لم يعرفه يقول لا أعرف.
«ربما» تجعل الناس ينتظرون.
— ثم مات، وبقيت أنا أكره «لا أعرف» أيضًا.
سكت قليلًا، ثم ضحك.
— نعم.
— ثم مات، وبقيت أنا أكره «لا أعرف» أيضًا.
نظر آزر إليه.
لم يضحك أحد هذه المرة، قال رين:
— كيف عرفت؟
— كايو…
— لم أقل إنها نصيحة.
لكن كايو رفع يده.
اقترب آزر من الطريق، خطا خطوة. ثم ثانية. توقف،واستدار. كان الثلاثة الآخرون لا يزالون في مكانهم، قال رين:
— لا بأس.
تدخل كايو:
ثم تابع السير.
— الماء يتحرك دون أن أعرف لماذا.
قبل الغروب بقليل وصلوا إلى مبنى صغير عند نهاية الطريق.
كان أقرب إلى نقطة استراحة للقوافل، مظلة خشبية، وبئر، وطاولتان قديمتان، جلسوا لتناول الطعام، لم يكن كثيرًا.
بعض الخبز، اللحم المجفف، والماء.
بينما كانوا يأكلون اقترب منهم شاب في العشرين تقريبًا، وكان يحمل عصا معدنية على ظهره، وعلى صدره شارة دائرية، قال:
بعض الكلمات ليست وصفًا. بعضها… يفعل شيئًا.
— إلى أين أنتم ذاهبون؟
— البوابة الشمالية.
— شمالًا.
قالت نيرة وهي تسير إلى جوار آزر:
— إلى أين؟
استغرق الأمر دقائق قليلة حتى استيقظ الباقون، لم يكن كايو سعيدًا بفكرة الاستيقاظ قبل أن تشرق الشمس بالكامل.
تدخل ريو:
أجابه ريو:
— ما شأنك؟
لم يضحك أحد هذه المرة، قال رين:
ابتسم الشاب.
ضحك الشيخ، أما آزر فظل صامتًا، قال الشيخ:
— لا شأن لي، لكن الطريق بعد هذا المكان ليس آمنًا.
— تكذب؟
نظر كايو إلى الشارة.
— الشمس لم تشرق بعد.
— ما هذه؟
— منذ وقت طويل وأنت تمسكه.
— طائفة سحابة الشمال.
— أهذا طبيعي عند الشيوخ؟
قال رين بهدوء:
— أنتم ذاهبون إليها؟
— هل هي قريبة؟
السؤال ظل عالقًا في رأسه منذ أن قاله، ثم تذكر الشيخ: «اذهب إلى البوابة الشمالية عند الشروق.» لم يقل لماذا، ولم يقل ماذا سيحدث هناك، فقط قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من هنا.
— خمسة أيام من هنا.
— أنتم ذاهبون إليها؟
رفع ريو رأسه، كان هذا نفس الاتجاه الذي ذهب فيه الشيخ بالأمس.
قال الشاب:
نظرت إلى الحجر.
— أنتم ذاهبون إليها؟
— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.
— ربما.
— يعني على الأقل أنه ثقيل.
ضحك.
التفت، كانت واقفة عند مدخل المكان.
— أنت ستذهب؟
— لأنها تعتمد على الباب الذي تقف أمامه.
نظر كايو إليه.
— لا.
— لا تبدأ.
— نعم، لكن هل عدم معرفتي يجعله بلا فائدة؟
لكن الشاب لم يكن يقصد السخرية، قال:
— لا.
— إذا كنتم ذاهبين إليها، فهناك طريق أسرع.
ضحك.
وأشار إلى الشرق.
بدأوا السير، لكن بعد بضع خطوات التفت آزر، الشيخ كان قد اختفى. لم يكن في أي مكان حولهم، ولم يرَ أحد متى غادر.
— الغابة القديمة تختصر يومين، لكنني لا أنصح بها لمن ليس مزارعًا.
— بعضهم نعم، والبعض ماتوا قبل أن يكتشفوا.
— ما الموجود فيها؟
قال كايو:
هز الشاب كتفيه.
— لماذا؟
— أشياء لا تحب أن يقترب منها الناس.
مع أول ضوء استعدوا للمغادرة، كان الطريق أبرد في الصباح. وعندما خرجوا من مكان الاستراحة وجدوا الشيخ واقفًا عند البئر، كان كأنه لم يغادر أصلًا. توقف الجميع. قال كايو:
ثم غادر، قال كايو:
— إذن لماذا أوقفته؟
لماذا يبدو أن كل مكان في هذا العالم فيه شيء يريد قتلنا؟
قال رين:
— ظننت أنك تعرف.
— لأننا غالبًا لا نذهب إلى الأماكن الآمنة.
رفع آزر عينيه إلى السماء، لم يكن يعرف ماذا يوجد بعد هذا العالم.
رفعت نيرة رأسها.
التفت الشيخ إليه، ثم ابتسم.
— ومن قال إننا نعرف أصلًا أين الآمن؟
— هذا لأنك كنت تشرب من البرميل في النزل.
لم يُجب أحد.
هز الشاب كتفيه.
بعد الطعام قرروا أن يناموا حتى الفجر، لكن قبل أن يستلقي آزر رأى شيئًا.
على الأرض قرب البئر كانت هناك آثار أقدام.
ثلاثة. حديثة، لكن الأغرب أن أحدها لم يكتمل.
بدأت البصمة ثم انقطعت، اقترب،وانحنى، لمس التراب.
لم يكن هناك أثر بعد الموضع.
كأن صاحب القدم وقف للحظة، ثم لم يعد موجودًا.
جاء ريو خلفه، نظر إلى الأرض، ثم قال:
— إلى أين؟
— رأيت مثلها.
— أي رجل؟
رفع آزر رأسه.
ظل آزر ينظر إليه، لم يكن الجواب كافيًا. لاحظ الشيخ ذلك، وقال:
— أين؟
— أنت ستذهب؟
— في الطريق.
— لا.
— لماذا لم تقل؟
— الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من بوابة المدينة، ولا يبدأ من الطائفة، لكنه يبدأ عندما تختار شيئًا لا يخدمك إلا لأنك تريد أن تعرف.
ظل ريو ينظر إلى الأثر.
— هل هذا كل شيء؟
— لأنني لم أكن متأكدًا أنني رأيتها أصلًا.
صمت رين، ثم قال:
قالت نيرة من خلفهما:
— لماذا؟
— وماذا يعني ذلك؟
— لأنه أعطاك حجرًا وقال إنه لا يعرف فائدته.
— لا أعرف.
تأخر جوابه.
رفع كايو رأسه من مكانه.
— في الطريق.
— مرة أخرى.
— تأخرت.
رمقه ريو بنظرة، قال كايو:
— ربما.
— ماذا؟
— ربما.
— لا شيء.
هز الشاب كتفيه.
لكن آزر كان لا يزال ينظر إلى الأثر.
لم يشعر بالخوف، ولم يشعر بالفضول كما كان سابقًا، كان هناك شيء آخر، شيء لم يستطع تحديده، المسافة بين موضع القدم واختفائها كانت قصيرة جدًا.
خطوة واحدة، فقط خطوة واحدة، ثم لا شيء.
— انتظرني.
في منتصف الليل استيقظ آزر.
لم يكن هناك صوت، فقط إحساس غريب.
فتح عينيه.
كان الحجر الرمادي الذي أعطاه إياه الشيخ داخل حقيبته.
نهض، و أخرج الحجر، تأمل سطحه.
شيء ما تغيّر، ليس في الحجر. في يده، كانت هناك حرارة خفيفة في أطراف أصابعه.
وكلما وضع يده على الحجر شعر بشيء يمر من داخله.
لم يكن ضوءًا، ولا طاقة واضحة، كان أقرب إلى تيار ضعيف.
سحب يده، اختفى الإحساس، أعادها، عاد، نظر إلى أصابعه، ثم إلى الحجر.
لم يقل شيئًا، جلس على الأرض وأغمض عينيه، حاول أن يتذكر ما قاله الشيخ: «من قال لك إن المدد يخرج من اليد؟» في الأمس لم يفهم السؤال.
الآن تذكر ما قاله الشخص الذي اختبره في قاعة الفحص: «هناك شيء ما.» شيء ما… لكن ماذا؟
— لا بأس.
فتح عينيه، أخذ نفسًا بطيئًا.
ثم وضع الحجر على الأرض، مد يده نحوه، لم يحدث شيء، انتظر. لا شيء.
ضحك بخفة.
— هذه عادة سيئة.
— سخيف.
— لأن الشيخ قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من لين. وربما كان يقصد هذا.
سمعت نيرة صوته من خلفه.
ثم قالت بصوت متهدج مكسور…
— ما هو السخيف؟
التفت آزر إليه.
التفت، كانت واقفة عند مدخل المكان.
قبل الغروب بقليل وصلوا إلى مبنى صغير عند نهاية الطريق. كان أقرب إلى نقطة استراحة للقوافل، مظلة خشبية، وبئر، وطاولتان قديمتان، جلسوا لتناول الطعام، لم يكن كثيرًا. بعض الخبز، اللحم المجفف، والماء. بينما كانوا يأكلون اقترب منهم شاب في العشرين تقريبًا، وكان يحمل عصا معدنية على ظهره، وعلى صدره شارة دائرية، قال:
— لا شيء.
ظل ريو صامتًا، كان واضحًا أنه لم يعجبه الأمر، لكن لم يضغط أكثر. كانت هذه إحدى الأشياء التي بدأت نيرة تلاحظها فيه، ريو لم يكن يثق بسهولة، لكن حين يواجه شيئًا يعرف أن معلوماته عنه ناقصة، لا يتظاهر بأنه يفهمه. كان ينسحب خطوة، لا لأنه جبان، بل لأنه رأى ما يكفي من الأمور ليعرف أن الخطأ الواحد قد يكلف أكثر من حياة شخص.
نظرت إلى الحجر.
بعد الطعام قرروا أن يناموا حتى الفجر، لكن قبل أن يستلقي آزر رأى شيئًا. على الأرض قرب البئر كانت هناك آثار أقدام. ثلاثة. حديثة، لكن الأغرب أن أحدها لم يكتمل. بدأت البصمة ثم انقطعت، اقترب،وانحنى، لمس التراب. لم يكن هناك أثر بعد الموضع. كأن صاحب القدم وقف للحظة، ثم لم يعد موجودًا. جاء ريو خلفه، نظر إلى الأرض، ثم قال:
— كنت تتحدث إليه؟
— لن أختاره لهذا السبب.
— أحاول.
لماذا يبدو أن كل مكان في هذا العالم فيه شيء يريد قتلنا؟ قال رين:
— الحجر؟
لم يُجب أحد.
— نعم.
نظر ريو إلى آزر، ثم إلى الشيخ.
هزت رأسها.
— لماذا؟
— يبدو أن السفر بدأ يؤثر عليك.
— ظننت أنك تعرف.
جلس آزر، دخلت نيرة وجلست على مسافة منه، سألت:
— ستعرف.
— هل أنت خائف؟
ثم شد الرباط بقوة حتى كاد يقطعه.
نظر إليها.
— لنعود.
— من ماذا؟
— هل قال لك اسمه؟
— من أنك لا تعرف.
ظل ريو صامتًا، كان واضحًا أنه لم يعجبه الأمر، لكن لم يضغط أكثر. كانت هذه إحدى الأشياء التي بدأت نيرة تلاحظها فيه، ريو لم يكن يثق بسهولة، لكن حين يواجه شيئًا يعرف أن معلوماته عنه ناقصة، لا يتظاهر بأنه يفهمه. كان ينسحب خطوة، لا لأنه جبان، بل لأنه رأى ما يكفي من الأمور ليعرف أن الخطأ الواحد قد يكلف أكثر من حياة شخص.
فكر.
بعد ساعتين توقفوا عند جدول صغير، كان الماء صافيًا، يجري فوق الحصى بهدوء، جلس كايو وشرب بيديه. ثم قال:
— لا.
أمسك المصراع ورفعه، أكمل الرجل:
— جيد، لأنني كذلك.
وضع ريو الكوب على الأرض.
نظر إليها، هذه المرة لم تجب هي نفسها عن السبب.
استلقت على الأرض وأسندت رأسها إلى ذراعها.
— انتظرني.
ثم قالت بصوت متهدج مكسور…
— هذا ليس كلامًا يُقال عنه نوم.
— افتقد القرية كثيرا.
— ماذا ترى؟
— ربما سنعود يوما ما.
لم يفهم آزر ما قصدته، ولم يسأل.
ابتسمت.
— خمسة أيام من هنا.
— بدأت أكره الكلمة بسبب كايو.
— مزارع.
مع أول ضوء استعدوا للمغادرة، كان الطريق أبرد في الصباح.
وعندما خرجوا من مكان الاستراحة وجدوا الشيخ واقفًا عند البئر، كان كأنه لم يغادر أصلًا.
توقف الجميع.
قال كايو:
— ماذا تريد منه؟
— أهذا طبيعي عند الشيوخ؟
— هذا لأنك كنت تشرب من البرميل في النزل.
لم يجبه أحد، رفع الشيخ نظره إلى آزر.
— الماء يتحرك دون أن أعرف لماذا.
— ماذا فعلت بالحجر؟
— لا، هو ليس غريبًا، الغريب هو أنني لا أعرف ماذا يريد، وهذا يزعجني أكثر.
— لا شيء.
— هذا ليس كلامًا يُقال عنه نوم.
— جيد.
— لماذا؟
— لماذا؟
— لا.
— لأنك لو فعلت شيئًا، لاضطررت إلى تغيير ما كنت سأقوله.
توقف كايو، ولم يرفع رأسه.
صمت آزر، تقدم الشيخ خطوة.
— احتفظ به.
— أمامك ثلاثة طرق.
— الآن أعجبتني.
أشار إلى الطريق الرئيسي.
نيرة نظرت إلى آزر، لم تتكلم. آزر بقي صامتًا، كان يستطيع أن يختار الطريق الرئيسي، طريق واضح، طريق تقوده طائفة، ومعلومات أكثر، وطعام، ومكان للنوم، والأمان النسبي. أما الطريق الآخر فلا شيء فيه، فقط أسئلة، قال ريو:
— هذا يقودك إلى طائفة سحابة الشمال.
بعض الكلمات ليست وصفًا. بعضها… يفعل شيئًا.
ثم أشار إلى الطريق الفرعي.
— سخيف.
— هذا يقودك إلى ممر شوان.
— كنت غاضبًا وقتها.
وأخيرًا أشار إلى أرض ترابية ضيقة بين الأشجار.
— بالطبع.
— وهذا لا يقودك إلى أي مكان يعرفه أهل لين.
نظر الجميع إليه. رفع ريو يده، إشارة إلى الصمت. جلسوا، انحنى، وضع أذنه قرب الأرض. بقي هكذا لحظات، ثم رفع رأسه.
نظر ريو إلى الطريق الثالث.
— طائفة سحابة الشمال.
— لماذا تعرض علينا ثلاثة؟
— وأنا.
— لأنني أريد أن أرى أي واحد تختار.
— لا أعرف.
— وهل تعرف ما يوجد في كل واحد؟
— الآن؟
— إلى حد ما.
— بدأت أكره الكلمة بسبب كايو.
— وما الذي تنصح به؟
— لماذا؟
— لا شيء.
— لا أحب هذا.
صمت رين، ثم قال:
— لا شيء.
— إذن ما فائدتك؟
— لا شيء.
ضحك الشيخ.
— لأنه لا توجد لدي إجابة عنه.
— الآن أعجبتني.
— ماذا؟
نظر إلى آزر.
ظل ريو ينظر إليه.
— الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من بوابة المدينة، ولا يبدأ من الطائفة، لكنه يبدأ عندما تختار شيئًا لا يخدمك إلا لأنك تريد أن تعرف.
من هذا الارتفاع بدت المدينة مختلفة، الضجيج الذي ملأها نهارًا انخفض إلى همهمة بعيدة متقطعة.
— هذه ليست نصيحة.
وضع ريو الكوب على الأرض.
— لم أقل إنها نصيحة.
— الشمس لم تشرق بعد.
ثم التفت إلى آزر.
— أنتم ذاهبون إليها؟
— ماذا تريد؟
— ليس الآن.
— أن أعرف لماذا يموت كل شيء.
ثم التفت إلى آزر.
لم يضحك الشيخ، ولم يبدُ عليه الاستغراب، فقط نظر إليه للحظة طويلة، ثم قال:
— ربما سنعود يوما ما.
— إذن عليك أن تتعلم أولًا الفرق بين أن تعرف شيئًا… وأن تملك القدرة على تغييره.
نظر الجميع إليه. رفع ريو يده، إشارة إلى الصمت. جلسوا، انحنى، وضع أذنه قرب الأرض. بقي هكذا لحظات، ثم رفع رأسه.
خفض آزر عينيه إلى الطريق الثالث.
كان ضيقًا، الأعشاب تغطي حوافه، لا توجد عليه آثار عربات، لا توجد لافتة، لا توجد أي علامة تخبرهم إلى أين يقود،
قال رين فورًا:
— الآن أعجبتني.
— لن نذهب إلى طريق لا نعرفه.
رفع آزر عينيه إلى السماء، لم يكن يعرف ماذا يوجد بعد هذا العالم.
— أتفق.
— أتفق.
— وأنا.
— ولهذا قلت عند الشروق، لا قبل الشروق بساعة.
نيرة نظرت إلى آزر، لم تتكلم.
آزر بقي صامتًا، كان يستطيع أن يختار الطريق الرئيسي، طريق واضح، طريق تقوده طائفة، ومعلومات أكثر، وطعام، ومكان للنوم، والأمان النسبي.
أما الطريق الآخر فلا شيء فيه، فقط أسئلة، قال ريو:
— هل تعرفنا؟
— آزر، لا تختَر لأنك تريد مخالفة الجميع.
— ولهذا قلت عند الشروق، لا قبل الشروق بساعة.
نظر آزر إلى الطريق، ثم إلى يده، إلى الحجر الرمادي، ثم قال:
أما ريو فكان يراقب ظهر الشيخ.
— لن أختاره لهذا السبب.
— كنت مرهقًا.
— إذن لماذا؟
رفع كايو رأسه من مكانه.
تأخر جوابه.
— ماذا فعلت بالحجر؟
— لأنه لا توجد لدي إجابة عنه.
— الغابة القديمة تختصر يومين، لكنني لا أنصح بها لمن ليس مزارعًا.
نظر ريو إليه طويلًا، فهم المعنى.
لم يكن آزر يعرف إن كان الطريق صحيحًا، ولهذا بالضبط أراد أن يراه.
قالت نيرة:
— وأنتِ ماذا كنتِ تتوقعين؟
— وهذا أسوأ سبب أعرفه.
— طائفة سحابة الشمال.
— لكنه يشبهه.
— إذا كنتم ذاهبين إليها، فهناك طريق أسرع.
اقترب آزر من الطريق، خطا خطوة. ثم ثانية. توقف،واستدار.
كان الثلاثة الآخرون لا يزالون في مكانهم، قال رين:
ثم التفت إلى آزر.
— هل تتوقع أن نتبعك فقط لأنك قررت؟
— يبدو أن السفر بدأ يؤثر عليك.
— لا.
خرجت ضحكة خافتة من نيرة، حتى رين ابتسم قليلًا، أما آزر فتابع السير. كان يراقب المدينة وهي تستيقظ، في الأمس رأى لين كمدينة ضخمة. اليوم بدأ يرى شيئًا آخر، كان لكل شارع رائحته، لكل منطقة أصوات مختلفة، كانت هناك أحياء يكثر فيها التجار، وأخرى يسكنها الحرفيون، وأماكن لم تبدُ من الأساس كأنها مخصصة للناس العاديين. مبانٍ مرتفعة ذات جدران حجرية داكنة، وبوابات عليها رموز لا يعرف معناها.
صمت رين، ثم حمل حقيبته.
— لماذا؟
— جيد.
نظر ريو إلى الطريق الثالث.
تقدمت نيرة، ثم كايو، أما ريو فبقي واقفًا للحظة أطول.
نظر إلى الشيخ.
— أقوى مما تبدو.
— أنت كنت تعرف أننا سنفعل هذا.
— لا شيء.
— لا.
— لا.
— تكذب؟
ظل ريو ينظر إليه.
— لا.
بعد ساعة وجدوا جسرًا حجريًا صغيرًا. كان نصفه مكسورًا، تحت الجسر نهر ضحل. أشار رين إلى الجانب الآخر.
— إذن؟
تبع آزر نظرته.
ابتسم الشيخ.
— لا شيء.
— كنت أعرف أنك ستسألني هذا السؤال، وهذا يكفيني.
— لا.
لم يرد ريو، استدار ولحق بالبقية.
— الآن؟
كان الطريق ضيقًا أكثر مما بدا من بعيد.
في البداية لم يحدث شيء، فقط أشجار، تراب، وصوت حشرات، ثم بدأت أصوات لين تختفي وراءهم.
بعد عشر دقائق لم يعد هناك شيء يدل على المدينة، ولا برج، ولا سور، ولا حتى دخان.
كأنهم دخلوا عالمًا منفصلًا.
قال كايو:
— لم أوقفه.
— لو متنا هنا، أريد أن أقول إنني كنت ضد الفكرة.
نظر آزر إلى الماء مرة أخرى، هذه المرة بسهولة، أضاف كايو:
— لم تقل ذلك.
— أي رجل؟
— كنت أفكر فيها.
— أنا أيضًا.
— التفكير لا يُحتسب.
— الماء يتحرك دون أن أعرف لماذا.
— أنت ظالم.
— كنت أعرف أنك ستسألني هذا السؤال، وهذا يكفيني.
— أحمق.
— هذا الرجل أغرب من كل شيء حدث لنا.
ضحك كايو، ثم تابعوا.
السؤال ظل عالقًا في رأسه منذ أن قاله، ثم تذكر الشيخ: «اذهب إلى البوابة الشمالية عند الشروق.» لم يقل لماذا، ولم يقل ماذا سيحدث هناك، فقط قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من هنا.
بعد ساعة وجدوا جسرًا حجريًا صغيرًا.
كان نصفه مكسورًا، تحت الجسر نهر ضحل.
أشار رين إلى الجانب الآخر.
— هذه عادة سيئة.
— سنعبر من هناك.
نهض ريو.
تقدم، لكن آزر لم يتحرك،
قال ريو:
— إذن ما فائدتك؟
— ماذا؟
استغرق الأمر دقائق قليلة حتى استيقظ الباقون، لم يكن كايو سعيدًا بفكرة الاستيقاظ قبل أن تشرق الشمس بالكامل.
كان آزر ينظر إلى الماء، سأل:
— البوابة الشمالية.
— هل سمعتم ذلك؟
— كنت تتحدث إليه؟
صمتوا، انتظروا، لا شيء.
نظر كايو إلى النهر.
— الآن أعجبتني.
— لا.
لم يضحك الشيخ، ولم يبدُ عليه الاستغراب، فقط نظر إليه للحظة طويلة، ثم قال:
نيرة هزت رأسها.
— لم تقتنع.
— ماذا سمعت؟
ضحك كايو بخفة.
— طرقًا.
ثم تابع السير.
تغير وجه ريو، أصغى لثانية، ثانيتين، ثم قال:
— وماذا يعني ذلك؟
— أنا أيضًا.
— لماذا تعرض علينا ثلاثة؟
نظر الجميع إليه.
رفع ريو يده، إشارة إلى الصمت.
جلسوا، انحنى، وضع أذنه قرب الأرض.
بقي هكذا لحظات، ثم رفع رأسه.
— لأن رجلًا طلب مني أن أذهب إليها.
— ليس من الماء، من تحت الطريق.
— صباح الخير لك أيضًا.
صمت آزر.
تذكر الشجرة، والعلامة، والحجر الأسود، والطرقات.
هذه المرة لم يسمع أحدهم ثلاثًا. ولا أربعًا.
جاءت طرقة واحدة، ثم صمت كل شيء.
قال كايو بهدوء:
هز الشاب كتفيه.
— لا أحب هذا.
— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.
— لنعود.
— ماذا؟
نهض ريو.
— لا أحب هذا.
— انتظر.
أضواء المصابيح انتشرت بين البيوت كنجوم وُضعت على الأرض بدلا من السماء.
— لماذا؟
كان الطريق الرئيسي ممتدًا أمامهم. عربات كثيرة تسير فيه، وإلى جانبهم مرّ رجل على حصان، وثيابه تحمل شعارًا فضيًا. همس ريو
نظر إلى آزر، ثم إلى الطريق.
— لا شيء.
— لأن الشيخ قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من لين.
وربما كان يقصد هذا.
— عن ماذا؟
— وربما لا.
هز الشاب كتفيه.
نظر ريو إليها، ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— لا.
— لا تنظر إليّ هكذا.
أنا فقط أعيد لك الكلمة.
— انتظرني.
في مكان ما تحت أقدامهم… جاءت طرقة ثانية.
لكنها هذه المرة لم تكن عميقة، كانت أقرب، وأبطأ، ثم جاء صوت لم يكن طرقًا.
صوت حجر يحتك بالحجر.
تراجع رين خطوة، كايو أمسك سلاحه، نيرة أغلقت حقيبتها.
أما آزر… فبقي مكانه، لم يتقدم، ولم يتراجع.
كان ينظر إلى التراب أمامه، إلى شق صغير لم يكن موجودًا قبل لحظات، امتد الشق تحت قدميه، ثم توقف.
رفع آزر رأسه في الجهة الأخرى من الطريق، بين الأشجار، ظهر شيء أبيض.
شيء يشبه طرف طريق حجري قديم.
اقترب ريو منه ببطء، ومسح التراب عن الحجر.
تجمدت يده.
— يعني على الأقل أنه ثقيل.
— ماذا؟
نظر الجميع إليه. رفع ريو يده، إشارة إلى الصمت. جلسوا، انحنى، وضع أذنه قرب الأرض. بقي هكذا لحظات، ثم رفع رأسه.
اقتربت نيرة، ثم كايو، ثم رين.
كانت هناك علامة منحوتة على الحجر.
دائرة… وفي أعلاها فراغ.
نفس العلامة، ولكن هذه المرة لم تكن على شجرة، ولا على باب، ولا على حجر مدفون، كانت على عمود طريق.
وتحتها مباشرة كلمات لم يرها آزر من قبل.
مرّر ريو أصابعه فوقها.
قرأ ببطء:
— سمعتك!
— «إلى من يعبر…»
— وأنت؟ تبدو كمن يتحدث أكثر مما يفكر.
توقف.
كانت بقية الجملة مكسورة.
لكن آزر، دون أن يعرف لماذا، مد يده نحو الحروف، وتوقفت أصابعه قبل أن تلمسها بقليل،
قال:
نظر ريو إلى آزر، ثم إلى الشيخ.
بعض الكلمات ليست وصفًا.
بعضها… يفعل شيئًا.
ثم استدار ومشى مبتعدًا عن البوابة، نظر كايو إلى آزر.
لم يجب أحد.
وفي اللحظة نفسها… أصدر الحجر تحت أقدامهم صوتًا خافتًا.
ثم انفتح الشق.
ليس نحو الأسفل، بل إلى الأمام.
كما لو أن الطريق نفسه… كان يفتح عينه.
— لأن الشيخ قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من لين. وربما كان يقصد هذا.
وللمرة الأولى منذ خرجوا من القرية، أدرك آزر شيئًا بسيطًا.
— هل هذا كل شيء؟
لم يكن الشيخ قد قادهم إلى الطريق.
هو فقط… تركهم يختارون الطريق الذي سيقودهم إليه.
— لا أعرف.
ضحك كايو، ثم تابعوا.
