الطريق
في اللحظة التي قال فيها كايو:
— كايو، تراجع.
— داخلي.
ساد صمت ثقيل، ورفع الرجل الغريب يده. تقدم اثنان من أتباعه، ثم قال ريو:
لم يسمع آزر شيئًا، لم يتحرك، بقي واقفًا في الفناء، والليل من حولهما ساكنًا إلى درجة جعلت صوت أنفاسهما يبدو غريبًا.
أما كايو، فكان يضع يده فوق صدره.
لم يكن هناك ألم، وهذا ما جعله أكثر خوفًا.
طَق.
— هل ما زلت تسمعه؟
— أخذتم أكثر مما تعرفون.
هز كايو رأسه.
— وأنا أكره الرجال الذين يدخلون قرية لا يعرفونها وكأنها ملكهم.
— لا.
— نريد الأثر.
— إذن لماذا تضع يدك هناك؟
— داخلي.
نظر كايو إلى يده، كأنه انتبه إليها للمرة الأولى.
نظر كايو إلى يده، كأنه انتبه إليها للمرة الأولى.
— لا أعرف.
— ريو!
اقترب آزر، ولم يلمسه.
اكتفى بالنظر.
كان وجه كايو شاحبًا، لكن عينيه ظلتا مفتوحتين.
— العلامة تحركت.
— أخبرني عندما يعود.
— ما هو الأثر؟
رفع كايو رأسه.
رفع كايو رأسه.
— ماذا ستفعل؟
— خذهم وارحل.
فكر آزر قليلًا، ثم قال:
— أعرف.
— سأستمع.
نظر إليه آزر.
ضحك كايو ضحكة قصيرة، متعبة.
كان هذا أول مرة يقول فيها ريو شيئًا بهذه الصراحة، ثم قال آزر:
— وأنت أصلًا لا تسمع شيئًا.
— سيدي.
نظر إليه آزر.
— لقد بدأ.
— لهذا أريدك أن تسمع جيدًا.
نظر آزر إليه، وكانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها ريو مذعورًا حقًا. جاءت الطرقة الثالثة.
لم يرد كايو.
ومن خلفهما، تحركت نافذة بيت ريو مع الريح.
التفت الاثنان، ولم يكن هناك شيء.
وعندما عاد كايو بنظره إلى آزر، كان قد اتخذ قرارًا لم يعلنه.
إذا عاد الصوت… فلن يخفيه.
— ولماذا؟
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت القرية على شيء لم تستطع أن تسميه.
لم يكن هناك حريق، ولا صراخ، ولا جثث، ولم يسقط أحد من السماء.
النهر كان في مكانه، البيوت في أماكنها، والشمس أشرقت كما تفعل كل صباح.
ومع ذلك، خرج الناس من منازلهم ببطء.
وقف بعضهم عند الأبواب، نظروا حولهم.
— هل ما زلت تسمعه؟
وكان أول من لاحظ الأمر طفلًا صغيرًا خرج حافي القدمين إلى الساحة.
وقف، ثم التفت إلى أمه.
— بدأت تشبهنا.
— أمي أين الطيور؟
بدأت الدائرة في السماء بالاتساع.
رفعت المرأة رأسها، وعندها فقط انتبهت، لم يكن هناك صوت واحد.
لا رفرفة أجنحة، لا زقزقة عند الأسطح.
حتى الأشجار بدت ساكنة أكثر من المعتاد.
— ليس طرقًا.
ذهبت امرأة إلى البئر، أنزلت الدلو، صوت الحبل وحده ارتفع من العمق.
وحين سحبته، لم يتكلم أحد.
كان الماء موجودًا، لكن سطحه لم يتحرك.
ظل ساكنًا بصورة غريبة، وحدقت المرأة فيه طويلًا قبل أن تبتعد.
سمعه آزر، والتفت إليه.
انتشر الأمر في القرية بسرعة.
كالعادة، بدأت الكلمات تظهر قبل أن تظهر الإجابات، ماء مريض، عين سيئة، نذير، غضب أرواح. وحين وصلت الكلمة الأخيرة إلى سورا، قال:
— لا، بدأت أفهم فقط أن عدم المعرفة أفضل من الكذب.
— لا أحد ينشرها.
فكر آزر قليلًا، ثم قال:
سأل رجل:
— كنت أتمنى ألا أراك.
— لماذا؟
— لا أعرف.
— لأنها ستصبح حقيقة عند من يسمعها بما يكفي.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت القرية على شيء لم تستطع أن تسميه. لم يكن هناك حريق، ولا صراخ، ولا جثث، ولم يسقط أحد من السماء. النهر كان في مكانه، البيوت في أماكنها، والشمس أشرقت كما تفعل كل صباح. ومع ذلك، خرج الناس من منازلهم ببطء. وقف بعضهم عند الأبواب، نظروا حولهم.
وقف آزر على مسافة.
راقبه، لم يقل سورا ما يعتقد أنه يحدث، ولم يقل ما يخشاه، وهذا وحده كان كافيًا ليفهم آزر أن الرجل يعرف أن شيئًا ما تغيّر.
اقترب منه.
ضحك كايو ضحكة قصيرة، متعبة.
— أنت تعرف.
ابتلع كايو ريقه، وكانت يده ترتجف. لكنه لم يتحرك.
نظر سورا إليه.
— ابتعدوا.
— ماذا؟
— من أن يكون ما أخشاه قد بدأ فعلًا.
— أن هذا ليس طبيعيًا.
— ماذا؟
صمت الشيخ، ثم قال:
— لا أعرف.
— أشياء كثيرة ليست طبيعية.
— من أن يكون ما أخشاه قد بدأ فعلًا.
— لكنك لم تبدُ متفاجئًا.
رد ريو فورًا:
شد سورا على عصاه.
— إلى أي مكان، لكن لا تبقوا هنا.
— لأن المفاجأة لا تمنح الإنسان وقتًا أكثر.
نظر ريو إلى السيف.
نظر آزر إلى يده، ثم قال:
هذه المرة تحرك رين. أمسك بذراع رجل قريب وسحبه إلى الخلف. وأخذ سورا خطوة إلى جانب الشجرة. أما آزر… فلم يتحرك، ونظر ريو إليه.
— أنت خائف.
— وأنا أكره الرجال الذين يدخلون قرية لا يعرفونها وكأنها ملكهم.
رفع سورا عينيه إليه، وللحظة ظن آزر أنه سيغضب لكن الشيخ قال فقط:
جاء صوت ريو من خلف البيوت:
— نعم.
التفت الرجل إليه، وكانت تلك المرة الأولى التي ينظر فيها إلى آزر مباشرة. صمت، ثم قال:
كانت الإجابة صريحة إلى درجة أربكته، قال آزر:
رفع الغريب عينيه إلى الدائرة. كان الخط الأسود قد ازداد، وبدأت فجوة صغيرة تظهر في الخشب. كأن الدائرة تُفتح، ثم قال سورا بصوت منخفض:
— من ماذا؟
سأله آزر:
نظر سورا إلى القرية، إلى الناس، إلى السماء، ثم قال:
ثم أشار إلى الدائرة السوداء.
— من أن يكون ما أخشاه قد بدأ فعلًا.
نظر آزر إلى الخطوط. ثم إلى الناس خلفه، إلى رين، نيرة، كايو، ريو الذي بالكاد يقف، وأخيرًا إلى الرجل الغريب ورجاله. وفهم شيئًا لم يكن متعلقًا بالشجرة، بل كان متعلقًا بنفسه. منذ بدأ كل شيء، كان يظن أن المشكلة هي أن الناس يخفون عنه الحقيقة. أما الآن… فقد أدرك أن الحقيقة أوسع من أن تكون سرًا يخفيه شخص واحد. هناك أسرار قد تكون أخطر من أن تُعرف في المكان الخطأ.
ومضى، بقي آزر مكانه، ولأول مرة منذ عرف سورا، لم يشعر أن الرجل يخفي جوابًا.
بدا له أنه يخفي سؤالًا.
لم يجب أحد، فابتسم الرجل الغريب.
عند بيت ريو، كان كايو هو أول من شعر به، لم يسمع طرقًا.
هذه المرة كان شيئًا آخر.
صوتًا خافتًا، مثل احتكاك معدن بحجر بعيد، ثم توقف، رفع رأسه.
كان ريو جالسًا قرب النافذة، قال:
رفع الجميع رؤوسهم. ولم يكن هناك شيء. السماء صافية، زرقاء، ساكنة. لكن فجأه ظهر خط أبيض بعيد، رفيع جدًا، كأنه شق في أعلى العالم. شعر ريو ببرودة تسري في وجهه، ثم قال:
— سمعت شيئًا.
وصل الصوت إلى القرية قبل أن يصل صاحبه. صوت خافت، معدن يجر فوق الحجر. ثم صوت خطوة، ثم أخرى. خرج أهل القرية إلى الطرقات. تجمعوا دون أن يعرفوا لماذا. وكان رين أول من رأى الرجل.
رد ريو فورًا:
— كان ينتظر.
— ماذا؟
— ما هو الأثر؟
— ليس طرقًا.
— صحيح.
تغير وجه ريو.
تحرك ريو فجأة، ولم يتجه إلى الرجل. بل نحو الشجرة، صرخ سورا:
— من أين؟
— كايو، تراجع.
— لا أعرف.
— على الأقل بما يكفي.
— هل هو قريب؟
— ولا تعرف شيئًا عما يحدث.
— لا.
قبل أن يكمل، جاء صوت آخر. لكن ليس طرقة، كان صوت صخرة تسقط. التفت الجميع، وارتجفت الأرض، شق طويل ظهر في التراب أمام الشجرة أمتد كأنه يبحث عن طريق. ثم توقف عند قدمي آزر، نظر إلى الخط الأسود، مد يده، ولم يلمسه. لكن شيئًا حدث. الشق لم يتقدم، بل انقسم، ممر ضيق من التراب ظهر بين قدميه. وعلى بعد خطوات، خرجت من الأرض قطعة سوداء صغيرة. كانت من الحجر نفسه الذي وجدوه تحت الشجرة.
اقترب ريو من النافذة.
ابتلع كايو ريقه، وكانت يده ترتجف. لكنه لم يتحرك.
— صفه.
ظهر عند مدخل القرية. شاب في أواخر العشرينيات، طويل القامة، نحيل الجسد، يرتدي ثوبًا رماديًا خاليًا من الزينة. شعره الأسود مربوط خلف رأسه، ووجهه هادئ بصورة جعلته يبدو أصغر من عمره. لكن الشيء الذي لفت النظر لم يكن ملابسه. كان ما يحمله.. سيف ليس كبيرًا، ولا مزخرفًا. سيف عادي، غمده أسود، مربوط إلى خصره. ومع ذلك، لم يحب رين وجوده.
عبس كايو.
— أخيرًا.
— وكأن شيئًا يُسحب على الأرض.
قال رجل:
ظل ريو ساكنًا، ثم قال:
نظر آزر إلى يده، ثم قال:
— لا تخرج.
شد سورا على عصاه.
تدخلت نيرة، التي كانت تخلط الأعشاب في وعاء صغير:
— كم واحدًا؟
— ما الذي يحدث؟
— لأنك أتيت وحدك.
لم يجب ريو، وقال كايو:
— وكأن شيئًا يُسحب على الأرض.
— أريد أن أعرف.
— أمي أين الطيور؟
— ونحن أيضًا.
— جريح.
نظر ريو إلى الباب ثم إلى الجرح المغطى.
— لا تسمح له أن يصل إلى الرابعة!
— لم يعد مهمًا ما تريدون معرفته.
نظر سورا إلى القرية، إلى الناس، إلى السماء، ثم قال:
نهض، وتأوه حين شد الجرح اقتربت منه نيرة:
— لم أفعل شيئًا.
— اجلس.
— نعم؟
— ليس لدينا وقت.
— أكره الكذب.
— وهذا لا يغيّر أنك تنزف.
— اجلس.
نظر إليها، ثم قال:
ظل ريو ساكنًا، ثم قال:
— إن بقينا هنا، سينزف الكثيرين.
— لماذا؟
لم تسأله كيف عرف.
هذه المرة فقط، فهمت من وجهه أن الكلام لم يعد افتراضًا.
كان ينتظرهم شيء…
— صفه.
وصل الصوت إلى القرية قبل أن يصل صاحبه.
صوت خافت، معدن يجر فوق الحجر.
ثم صوت خطوة، ثم أخرى.
خرج أهل القرية إلى الطرقات.
تجمعوا دون أن يعرفوا لماذا.
وكان رين أول من رأى الرجل.
فتح سورا عينيه، ثم نظر إلى آزر مباشرة، وهذه المرة لم يكن في عينيه غضب، ولا رغبة في إخفاء شيء، كان هناك فقط الخوف..
ظهر عند مدخل القرية.
شاب في أواخر العشرينيات، طويل القامة، نحيل الجسد، يرتدي ثوبًا رماديًا خاليًا من الزينة.
شعره الأسود مربوط خلف رأسه، ووجهه هادئ بصورة جعلته يبدو أصغر من عمره.
لكن الشيء الذي لفت النظر لم يكن ملابسه.
كان ما يحمله.. سيف ليس كبيرًا، ولا مزخرفًا.
سيف عادي، غمده أسود، مربوط إلى خصره.
ومع ذلك، لم يحب رين وجوده.
— لقد استجابت.
وقف سورا أمام الناس، وقال:
قال آزر:
— ماذا تريد؟
اقترب آزر، ولم يلمسه. اكتفى بالنظر. كان وجه كايو شاحبًا، لكن عينيه ظلتا مفتوحتين.
الرجل لم ينظر إليه.
كانت عيناه تتحركان بين البيوت، ثم قال:
لم يرد كايو. ومن خلفهما، تحركت نافذة بيت ريو مع الريح. التفت الاثنان، ولم يكن هناك شيء. وعندما عاد كايو بنظره إلى آزر، كان قد اتخذ قرارًا لم يعلنه. إذا عاد الصوت… فلن يخفيه.
— جريح.
— ماذا تريد؟
تدخل رين:
ثم التفت إلى ريو.
— لا نعرف عما تتحدث.
التفت الجميع. خرج ريو، كان وجهه شاحبًا، وضغطت يده على الجرح. حين رأى الرجل، توقف. وسكن وجهه تمامًا. قال الرجل:
رفع الرجل يده قليلًا.
لم يخرج السيف، لكن شيئًا في الهواء تغيّر.
توقفت الريح، وتوقفت أصوات الناس، حتى الغبار الذي كان يتحرك عند أطراف الطريق بدا وكأنه علق في مكانه.
شهق أحدهم، وتراجع طفل.
أما آزر، فبقي مكانه.
لم يفهم ما الذي حدث، لكنه شعر بالهواء أثقل.
— إصابتك تمنعك من استخدام معظم قوتك.
— أكره الكذب.
طَق.
جاء صوت ريو من خلف البيوت:
أنتم لا تريدون ريو.
— وأنا أكره الرجال الذين يدخلون قرية لا يعرفونها وكأنها ملكهم.
لم يفهم أحد. ولا حتى آزر، ثم قال كايو:
التفت الجميع.
خرج ريو، كان وجهه شاحبًا، وضغطت يده على الجرح.
حين رأى الرجل، توقف.
وسكن وجهه تمامًا.
قال الرجل:
— لأن المفاجأة لا تمنح الإنسان وقتًا أكثر.
— ريو.
كان سورا ينظر بينهما، ثم قال:
صمت قليلا، ثم قال:
أخذ الرجل الغريب خطوة. لكن كايو تحرك،ثم وقف أمام آزر، وقال:
— كنت أتمنى ألا أراك.
أجابه ريو بصعوبة:
أجابه الرجل:
— لا.
— وأنا كنت أتمنى ألا أبحث عنك.
تقدم الرجل الغريب. وفي اللحظة التي رفع فيها يده، اندفع ريو. ليس بسرعة الرجل الغريب. بل بسرعة جعلت التراب ينهض خلفه. ضرب بقبضته، اصطدمت قبضته بكف الغريب. وانفجر الهواء بينهما، ارتد ريو عشرات الخطوات، وسقط على الأرض، صرخت نيرة:
كان سورا ينظر بينهما، ثم قال:
تغير وجه ريو.
— من أنت؟
في اللحظة التي قال فيها كايو:
نظر الرجل إليه أخيرًا. ثم نظر إلى العلامة السوداء على جذع الشجرة.
تغيرت عيناه، تغيرًا صغيرًا.
لكن آزر رآه، ثم قال الرجل:
كان سورا ينظر بينهما، ثم قال:
— أنتم لا تعرفون ما تحت أقدامكم.
رفع الغريب عينيه إلى الدائرة. كان الخط الأسود قد ازداد، وبدأت فجوة صغيرة تظهر في الخشب. كأن الدائرة تُفتح، ثم قال سورا بصوت منخفض:
قال رجل:
لم يجب أحد، فابتسم الرجل الغريب.
— لا نريد أن نعرف.
تردد ريو للحظة، ثم قال:
— وأنا لا ألومكم.
نهض، وتأوه حين شد الجرح اقتربت منه نيرة:
ثم وضع يده على السيف، وقال ريو:
— سأستمع.
— ابتعدوا.
نظر كايو إلى يده، كأنه انتبه إليها للمرة الأولى.
لم يتحرك أحد، كرر:
— ماذا؟
— ابتعدوا!
تقدم الرجل الغريب. وفي اللحظة التي رفع فيها يده، اندفع ريو. ليس بسرعة الرجل الغريب. بل بسرعة جعلت التراب ينهض خلفه. ضرب بقبضته، اصطدمت قبضته بكف الغريب. وانفجر الهواء بينهما، ارتد ريو عشرات الخطوات، وسقط على الأرض، صرخت نيرة:
هذه المرة تحرك رين.
أمسك بذراع رجل قريب وسحبه إلى الخلف.
وأخذ سورا خطوة إلى جانب الشجرة.
أما آزر… فلم يتحرك، ونظر ريو إليه.
اقترب ريو من النافذة.
— آزر.
— سنرحل.
التفت إليه.
— وأنت لا تسمعه.
— نعم؟
— لأنك أتيت وحدك.
— ارجع.
أخذ الرجل الغريب خطوة. لكن كايو تحرك،ثم وقف أمام آزر، وقال:
— لماذا؟
صمت الشيخ، ثم قال:
تردد ريو للحظة، ثم قال:
تقدم سورا.
— لأن الرجل الذي أمامنا ليس شخصًا يمكن لقريتك أن تتعامل معه.
— العلامة تحركت.
كان هذا أول مرة يقول فيها ريو شيئًا بهذه الصراحة، ثم قال آزر:
— من أن يكون ما أخشاه قد بدأ فعلًا.
— وأنت؟
صمت الشيخ، ثم قال:
نظر ريو إلى السيف.
سأل رجل:
— وأنا لا أستطيع التعامل معه طويلًا.
وضع يده على صدره، صرخ ريو:
كان اعترافًا بسيطًا.
لكنه جعل المكان كله أكثر بردًا.
نظر إليه.
لم يفهم آزر كيف حدثت الضربة الأولى، رأى الرجل يتحرك، ثم لم يره.
وفي اللحظة التالية، دوى صوت اصطدام.
ظهر ريو في منتصف الطريق، وقد رفع ذراعه.
السيف الأسود توقف أمامه مباشرة.
لم يكن بين النصل وجسم ريو إلا مسافة أصابع، لكن شيئًا غير مرئي دفعه إلى الخلف.
انزلقت قدما ريو فوق التراب.
خطوة، ثم أخرى، حتى اصطدم بجدار أحد البيوت.
شهق، وسقطت قطرات دم على الأرض.
لم يصرخ رفع رأسه فقط، ثم قال الرجل:
— لا أعرف.
— إصابتك تمنعك من استخدام معظم قوتك.
جاء صوت ريو من خلف البيوت:
مسح ريو الدم من فمه.
— لأنني أريد أن أعرف.. ولكن هذه المرة، لا أريد أن أعرف ما الذي يوجد هنا.
— كنت أعرف أنك أحمق.
ثم وضع يده على السيف، وقال ريو:
— وما الذي يجعلك متأكدًا؟
— وهذا لا يغيّر أنك تنزف.
— لأنك أتيت وحدك.
— أخبرني عندما يعود.
ابتسم الرجل للمرة الأولى.
— ماذا؟
— لم آتِ وحدي.
رفع الغريب عينيه إلى الدائرة. كان الخط الأسود قد ازداد، وبدأت فجوة صغيرة تظهر في الخشب. كأن الدائرة تُفتح، ثم قال سورا بصوت منخفض:
رفع إصبعه.
وفوق سطح أحد البيوت ظهر رجل آخر، ثم ثالث، ثم رابع، ولم يبدوا كبارًا.
لكن مجرد ظهورهم جعل القرية أصغر، وشعر رين بارتجاف في يده.
أما كايو، فقد تراجع نصف خطوة، وهمس:
رفع كايو عينيه.
— كم واحدًا؟
ظهر عند مدخل القرية. شاب في أواخر العشرينيات، طويل القامة، نحيل الجسد، يرتدي ثوبًا رماديًا خاليًا من الزينة. شعره الأسود مربوط خلف رأسه، ووجهه هادئ بصورة جعلته يبدو أصغر من عمره. لكن الشيء الذي لفت النظر لم يكن ملابسه. كان ما يحمله.. سيف ليس كبيرًا، ولا مزخرفًا. سيف عادي، غمده أسود، مربوط إلى خصره. ومع ذلك، لم يحب رين وجوده.
لم يجب أحد.
نظر آزر إلى الرجال فوق الأسطح، كان كل واحد منهم يقف في مكان مختلف.
ولا أحد ينظر إلى القرية، بل كانوا ينظرون إلى شيء واحد.
الشجرة.
— صحيح.
— قال سورا:
— ما الذي يحدث؟
أنتم لا تريدون ريو.
حاول النهوض، فشل، وظهر الدم على شفتيه. لكن الغريب أيضًا لم يتحرك. وللمرة الأولى، ظهر شيء من المفاجأة في وجهه. نظر إلى كفه، ثم قال:
. التفت إليه الرجل الأول.
نظر إليه ريو.
— لا.
ساد صمت ثقيل، ورفع الرجل الغريب يده. تقدم اثنان من أتباعه، ثم قال ريو:
ثم أشار إلى الدائرة السوداء.
— سأل سورا
— نريد الأثر.
— لا أعرف.
شعر آزر بقبضة باردة في صدره.
الأثر، لم يعرف ماذا يعني.
لكن ريو وسورا عرفا.
نيرة قد لاحظت التغير في وجهيهما.
قالت:
— وهذا لا يغيّر أنك تنزف.
— ما هو الأثر؟
نظر آزر إلى كايو، وكان الشاب يتنفس بسرعة.
لم يجب أحد، فابتسم الرجل الغريب.
— وأنا أكره الرجال الذين يدخلون قرية لا يعرفونها وكأنها ملكهم.
— الآن فقط بدأتم تسألون السؤال الصحيح.
شعر آزر بقبضة باردة في صدره. الأثر، لم يعرف ماذا يعني. لكن ريو وسورا عرفا. نيرة قد لاحظت التغير في وجهيهما. قالت:
تحرك ريو فجأة، ولم يتجه إلى الرجل.
بل نحو الشجرة، صرخ سورا:
— لقد بدأ.
— لا!
لكن ريو كان قد وصل.
وضع كفه على جذعها.
وتغيّرت الدائرة السوداء، لم يلمسها من قبل، ولم يحدث ذلك حين اقترب منها في اليوم الأول.
لكن الآن… تحرك شيء داخلها، خط رفيع ظهر على حافتها.
تراجع ريو بسرعة، وقال سورا:
الرجل الغريب نظر إلى الدائرة. ثم إلى ريو.
— ماذا فعلت؟
لم يجب ريو، وقال كايو:
— لم أفعل شيئًا.
فكر آزر قليلًا، ثم قال:
الرجل الغريب نظر إلى الدائرة.
ثم إلى ريو.
رفع الغريب عينيه إلى الدائرة. كان الخط الأسود قد ازداد، وبدأت فجوة صغيرة تظهر في الخشب. كأن الدائرة تُفتح، ثم قال سورا بصوت منخفض:
— لقد استجابت.
رفع أحد الرجال فوق السطح يده.
— همس ريو، هذا ليس جيدًا.
ظل آزر ينظر إليها. طوال حياته، كان يعتقد أن حدود عالمه هي ما يستطيع رؤيته، القرية، النهر، الجبال البعيدة، السماء، كل شيء كان ثابتًا. أما الآن، فقد ظهرت أمامه للمرة الأولى علامة تقول العكس. العالم أكبر، والسماء ليست بعيدة كما ظن، وربما… لم تكن السماء في الأعلى أصلًا.
سأله آزر:
رفع كايو رأسه.
— لمن؟
— همس ريو، هذا ليس جيدًا.
لم يجب، كانت عينا ريو على الدائرة.
ثم ارتفعتا إلى السماء، وكان ذلك كافيًا.
فهم آزر أن شيئًا في الأعلى يشغل الرجل منذ دخل القرية.
قال الرجل الغريب:
— أشياء كثيرة ليست طبيعية.
— أخذتم أكثر مما تعرفون.
— هل هو قريب؟
تقدم سورا.
— ماذا تفعل؟
— لم نأخذ شيئًا.
— لأنك أتيت وحدك.
— أنتم لا تحتاجون إلى أخذه، يكفي أن تفتحوه.
— لأن القرية لم تعد مكانًا يجهلكم العالم فيه.
— وما الذي فُتح؟
تقدم الرجل الغريب. وفي اللحظة التي رفع فيها يده، اندفع ريو. ليس بسرعة الرجل الغريب. بل بسرعة جعلت التراب ينهض خلفه. ضرب بقبضته، اصطدمت قبضته بكف الغريب. وانفجر الهواء بينهما، ارتد ريو عشرات الخطوات، وسقط على الأرض، صرخت نيرة:
التفت الرجل إليه، وكانت تلك المرة الأولى التي ينظر فيها إلى آزر مباشرة.
صمت، ثم قال:
— ماذا أفعل؟
— أنت لست مزارع.
— لا، بدأت أفهم فقط أن عدم المعرفة أفضل من الكذب.
— لا.
— إن بقينا هنا، سينزف الكثيرين.
— ولا تعرف شيئًا عما يحدث.
اقترب الرجل منه.
— صحيح.
ثم التفت إلى ريو.
نظر الرجل إلى ريو، ثم عاد إلى آزر.
ابتلع كايو ريقه، وكانت يده ترتجف. لكنه لم يتحرك.
— هذا أفضل لك.
لم يرد كايو. ومن خلفهما، تحركت نافذة بيت ريو مع الريح. التفت الاثنان، ولم يكن هناك شيء. وعندما عاد كايو بنظره إلى آزر، كان قد اتخذ قرارًا لم يعلنه. إذا عاد الصوت… فلن يخفيه.
رفع أحد الرجال فوق السطح يده.
شد سورا على عصاه.
— سيدي.
التفت الجميع. خرج ريو، كان وجهه شاحبًا، وضغطت يده على الجرح. حين رأى الرجل، توقف. وسكن وجهه تمامًا. قال الرجل:
التفت إليه.
— صحيح.
— العلامة تحركت.
— لا…
رفع الغريب عينيه إلى الدائرة.
كان الخط الأسود قد ازداد، وبدأت فجوة صغيرة تظهر في الخشب.
كأن الدائرة تُفتح، ثم قال سورا بصوت منخفض:
وكان أول من لاحظ الأمر طفلًا صغيرًا خرج حافي القدمين إلى الساحة. وقف، ثم التفت إلى أمه.
— لا.
لم يسمع آزر شيئًا، لم يتحرك، بقي واقفًا في الفناء، والليل من حولهما ساكنًا إلى درجة جعلت صوت أنفاسهما يبدو غريبًا. أما كايو، فكان يضع يده فوق صدره. لم يكن هناك ألم، وهذا ما جعله أكثر خوفًا.
ثم التفت إلى الناس.
— ماذا بدأ؟
— تراجعوا!
— ماذا؟
لكن الوقت كان قد فات. جاء الصوت.
ضحك كايو وسط خوفه.
طَق.
طَق.
تجمد كايو.
رفع رأسه، وكان الصوت مختلفًا عن السابق، أقرب، أوضح.
اقترب آزر، ولم يلمسه. اكتفى بالنظر. كان وجه كايو شاحبًا، لكن عينيه ظلتا مفتوحتين.
طَق.
— من أنت؟
وضع يده على صدره، صرخ ريو:
— لم نأخذ شيئًا.
— كايو!
— لا أعرف!
نظر إليه.
سأله آزر:
— ماذا؟
تحرك ريو فجأة، ولم يتجه إلى الرجل. بل نحو الشجرة، صرخ سورا:
— لا تسمح له أن يصل إلى الرابعة!
— وهذا لا يغيّر أنك تنزف.
لم يفهم أحد.
ولا حتى آزر، ثم قال كايو:
جاء صوت ريو من خلف البيوت:
— ماذا يعني ذلك؟
اقترب ريو من النافذة.
— لا أعرف!
تدخلت نيرة، التي كانت تخلط الأعشاب في وعاء صغير:
نظر آزر إليه، وكانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها ريو مذعورًا حقًا.
جاءت الطرقة الثالثة.
نظر إلى الطريق.
طَق.
رفع الغريب عينيه إلى الدائرة. كان الخط الأسود قد ازداد، وبدأت فجوة صغيرة تظهر في الخشب. كأن الدائرة تُفتح، ثم قال سورا بصوت منخفض:
ارتجفت الدائرة، ثم ساد الصمت.
كان الجميع ينتظر.
وهذه المرة لم يكن كايو وحده، حتى آزر شعر بشيء.
ليس صوتًا، بل انتظارًا، كأن المكان كله توقف ليرى ماذا سيحدث.
وقف سورا أمام الناس، وقال:
نظر آزر إلى كايو، وكان الشاب يتنفس بسرعة.
مسح ريو الدم من فمه.
— لا…
كان اعترافًا بسيطًا. لكنه جعل المكان كله أكثر بردًا.
قال آزر:
قال آزر:
— لا تفكر في الصوت.
— ارجع.
نظر إليه كايو.
نظر إليه الرجل.
— ماذا؟
— وما الذي يجعلك متأكدًا؟
— لا تحاول أن تسمعه.
— لم يعد مهمًا ما تريدون معرفته.
ارتجف كايو.
— إذن لماذا تضع يدك هناك؟
— لكنه موجود.
طَق.
— أعرف.
— من أن يكون ما أخشاه قد بدأ فعلًا.
— وأنت لا تسمعه.
الرجل الغريب نظر إلى الدائرة. ثم إلى ريو.
— أعرف.
انتشر الأمر في القرية بسرعة. كالعادة، بدأت الكلمات تظهر قبل أن تظهر الإجابات، ماء مريض، عين سيئة، نذير، غضب أرواح. وحين وصلت الكلمة الأخيرة إلى سورا، قال:
نظر كايو إليه، ولم يفهم لماذا لم يكن آزر خائفًا.
لكن فالحقيقة كان آزر خائفًا، لكن خوفه لم يكن من الصوت.
كان من السؤال الذي يقف خلفه، من يطرق؟ ولماذا ينتظر؟ والأهم… لماذا يريد أن يسمعه شخص بعينه؟
تجمد كايو. رفع رأسه، وكان الصوت مختلفًا عن السابق، أقرب، أوضح.
اقترب كايو من آزر، وقال:
تقدم الرجل الغريب. وفي اللحظة التي رفع فيها يده، اندفع ريو. ليس بسرعة الرجل الغريب. بل بسرعة جعلت التراب ينهض خلفه. ضرب بقبضته، اصطدمت قبضته بكف الغريب. وانفجر الهواء بينهما، ارتد ريو عشرات الخطوات، وسقط على الأرض، صرخت نيرة:
— ماذا أفعل؟
نظر إلى الطريق.
نظر آزر إلى صدره، ثم قال:
— الآن تعرفون لماذا قلت: اتركوها مدفونة.
— لا أعرف.
لم يجب، كانت عينا ريو على الدائرة. ثم ارتفعتا إلى السماء، وكان ذلك كافيًا. فهم آزر أن شيئًا في الأعلى يشغل الرجل منذ دخل القرية. قال الرجل الغريب:
ضحك كايو وسط خوفه.
نظر ريو إلى الشجرة.
— أخيرًا.
— ماذا تريد؟
— ماذا؟
— لا، بدأت أفهم فقط أن عدم المعرفة أفضل من الكذب.
— بدأت تشبهنا.
ساد صمت ثقيل، ورفع الرجل الغريب يده. تقدم اثنان من أتباعه، ثم قال ريو:
لم يبتسم آزر، ولكنه قال:
— أريد أن أعرف.
— لا، بدأت أفهم فقط أن عدم المعرفة أفضل من الكذب.
— لكنك لم تبدُ متفاجئًا.
قبل أن يكمل، جاء صوت آخر.
لكن ليس طرقة، كان صوت صخرة تسقط.
التفت الجميع، وارتجفت الأرض، شق طويل ظهر في التراب أمام الشجرة أمتد كأنه يبحث عن طريق.
ثم توقف عند قدمي آزر، نظر إلى الخط الأسود، مد يده، ولم يلمسه.
لكن شيئًا حدث.
الشق لم يتقدم، بل انقسم، ممر ضيق من التراب ظهر بين قدميه.
وعلى بعد خطوات، خرجت من الأرض قطعة سوداء صغيرة.
كانت من الحجر نفسه الذي وجدوه تحت الشجرة.
— ماذا؟
نظر ريو إليها، ثم قال:
— سأستمع.
— الآن فهمت.
لم يفهم أحد. ولا حتى آزر، ثم قال كايو:
— ماذا؟
ضحك كايو ضحكة قصيرة، متعبة.
رفعت نيرة صوتها.
رفع ريو القطعة، وكان وجهه شاحبًا.
اقترب كايو من آزر، وقال:
— لم يكن مدفونًا.
ابتلع كايو ريقه، وكانت يده ترتجف. لكنه لم يتحرك.
— سأل سورا
— لقد استجابت.
إذن؟
ثم أشار إلى الدائرة السوداء.
نظر ريو إلى الشجرة.
قال آزر:
— كان ينتظر.
— إن بقينا هنا، سينزف الكثيرين.
ساد صمت ثقيل، ورفع الرجل الغريب يده.
تقدم اثنان من أتباعه، ثم قال ريو:
طَق.
— إن كنتم تريدونها، خذوها.
— لا…
توقف آزر، ونظر إليه.
— هذا أفضل لك.
— ماذا تفعل؟
رفع سورا عينيه إليه، وللحظة ظن آزر أنه سيغضب لكن الشيخ قال فقط:
— أحاول أن أجعلكم تعيشون.
الرجل لم ينظر إليه. كانت عيناه تتحركان بين البيوت، ثم قال:
— لكنها ليست لك.
— كان ينتظر.
نظر إليه ريو.
ضحك كايو ضحكة قصيرة، متعبة.
— أعرف.
— ولا تعرف شيئًا عما يحدث.
أخذ الرجل الغريب خطوة.
لكن كايو تحرك،ثم وقف أمام آزر، وقال:
— ماذا أفعل؟
— لن تأخذوها.
نظر آزر إلى يده، ثم قال:
نظر إليه الرجل.
— قال سورا:
— ولماذا؟
— ليس لدينا وقت.
ابتلع كايو ريقه، وكانت يده ترتجف.
لكنه لم يتحرك.
— ماذا؟
— لأنكم جئتم إلى قريتنا وأخفتم أهلها.
نظر كايو إلى يده، كأنه انتبه إليها للمرة الأولى.
— هذا سبب؟
طَق.
— نعم.
— تراجعوا!
ابتسم الرجل.
لم يسمع آزر شيئًا، لم يتحرك، بقي واقفًا في الفناء، والليل من حولهما ساكنًا إلى درجة جعلت صوت أنفاسهما يبدو غريبًا. أما كايو، فكان يضع يده فوق صدره. لم يكن هناك ألم، وهذا ما جعله أكثر خوفًا.
— الغضب لا يجعلك قويًا.
— لا.
رفع كايو عينيه.
كان سورا ينظر بينهما، ثم قال:
— لم أقل إنني قوي، لقد قلت إنني لا أريد أن أكون عاجزًا.
ضحك كايو ضحكة قصيرة، متعبة.
قال ريو:
رفع إصبعه. وفوق سطح أحد البيوت ظهر رجل آخر، ثم ثالث، ثم رابع، ولم يبدوا كبارًا. لكن مجرد ظهورهم جعل القرية أصغر، وشعر رين بارتجاف في يده. أما كايو، فقد تراجع نصف خطوة، وهمس:
— كايو، تراجع.
— أعرف.
لكن كايو لم يتحرك، وكان آزر ينظر إليه.
رأى الخوف في وجهه، ورأى معه شيئًا آخر، ذكرى.
ولم يعرف ما هي، لكنه عرف أنها ليست مرتبطة بهذا المكان.
ظهر عند مدخل القرية. شاب في أواخر العشرينيات، طويل القامة، نحيل الجسد، يرتدي ثوبًا رماديًا خاليًا من الزينة. شعره الأسود مربوط خلف رأسه، ووجهه هادئ بصورة جعلته يبدو أصغر من عمره. لكن الشيء الذي لفت النظر لم يكن ملابسه. كان ما يحمله.. سيف ليس كبيرًا، ولا مزخرفًا. سيف عادي، غمده أسود، مربوط إلى خصره. ومع ذلك، لم يحب رين وجوده.
تقدم الرجل الغريب.
وفي اللحظة التي رفع فيها يده، اندفع ريو. ليس بسرعة الرجل الغريب. بل بسرعة جعلت التراب ينهض خلفه.
ضرب بقبضته، اصطدمت قبضته بكف الغريب.
وانفجر الهواء بينهما، ارتد ريو عشرات الخطوات، وسقط على الأرض، صرخت نيرة:
— قال سورا:
— ريو!
— لأن القرية لم تعد مكانًا يجهلكم العالم فيه.
حاول النهوض، فشل، وظهر الدم على شفتيه.
لكن الغريب أيضًا لم يتحرك.
وللمرة الأولى، ظهر شيء من المفاجأة في وجهه.
نظر إلى كفه، ثم قال:
اقترب آزر، ولم يلمسه. اكتفى بالنظر. كان وجه كايو شاحبًا، لكن عينيه ظلتا مفتوحتين.
— ما زلت قادرًا.
جاء صوت ريو من خلف البيوت:
أجابه ريو بصعوبة:
— وأنا لا ألومكم.
— على الأقل بما يكفي.
— وأنا لا ألومكم.
رفع الغريب يده مرة أخرى.
لكن سورا ضرب الأرض بعصاه، وصدر صوت مكتوم.
ولحظتها تبدل شيء، ليس في الهواء، بل في الأرض.
ظهرت خطوط دقيقة حول الشجرة.
لم تكن جديدة، بل كانت موجودة منذ سنوات.
لكن التراب أخفاها، نظر آزر إليها، ثم إلى سورا.
فهم شيئًا واحدًا:
الشيخ لم يكن يحاول حماية الشجرة فقط، بل كان يحاول:
حماية القرية منها.
قال سورا وصوته يرتجف:
وصمت، ثم أضاف:
— الآن تعرفون لماذا قلت:
اتركوها مدفونة.
عبس كايو.
نظر آزر إلى الخطوط.
ثم إلى الناس خلفه، إلى رين، نيرة، كايو، ريو الذي بالكاد يقف، وأخيرًا إلى الرجل الغريب ورجاله.
وفهم شيئًا لم يكن متعلقًا بالشجرة، بل كان متعلقًا بنفسه.
منذ بدأ كل شيء، كان يظن أن المشكلة هي أن الناس يخفون عنه الحقيقة.
أما الآن… فقد أدرك أن الحقيقة أوسع من أن تكون سرًا يخفيه شخص واحد.
هناك أسرار قد تكون أخطر من أن تُعرف في المكان الخطأ.
— لم يعد مهمًا ما تريدون معرفته.
صاح رجل فوق السطح:
نظر ريو إلى الشجرة.
— سيدي!
ومضى، بقي آزر مكانه، ولأول مرة منذ عرف سورا، لم يشعر أن الرجل يخفي جوابًا. بدا له أنه يخفي سؤالًا.
نظر إليه الغريب.
— لا نعرف عما تتحدث.
— ماذا؟
نظر إليه آزر.
— السماء.
رفع الغريب عينيه إلى الدائرة. كان الخط الأسود قد ازداد، وبدأت فجوة صغيرة تظهر في الخشب. كأن الدائرة تُفتح، ثم قال سورا بصوت منخفض:
رفع الجميع رؤوسهم.
ولم يكن هناك شيء.
السماء صافية، زرقاء، ساكنة.
لكن فجأه ظهر خط أبيض بعيد، رفيع جدًا، كأنه شق في أعلى العالم.
شعر ريو ببرودة تسري في وجهه، ثم قال:
الرجل الغريب نظر إلى الدائرة. ثم إلى ريو.
— لا…
رفع الجميع رؤوسهم. ولم يكن هناك شيء. السماء صافية، زرقاء، ساكنة. لكن فجأه ظهر خط أبيض بعيد، رفيع جدًا، كأنه شق في أعلى العالم. شعر ريو ببرودة تسري في وجهه، ثم قال:
اقترب الرجل منه.
— كنت أتمنى ألا أراك.
— ماذا تعرف؟
لم يرد كايو. ومن خلفهما، تحركت نافذة بيت ريو مع الريح. التفت الاثنان، ولم يكن هناك شيء. وعندما عاد كايو بنظره إلى آزر، كان قد اتخذ قرارًا لم يعلنه. إذا عاد الصوت… فلن يخفيه.
لم يجب، كان ريو ينظر إلى الخط.
ثم إلى آزر، وقال:
شعر آزر بقبضة باردة في صدره. الأثر، لم يعرف ماذا يعني. لكن ريو وسورا عرفا. نيرة قد لاحظت التغير في وجهيهما. قالت:
— هربت من شيء.
— لا…
— ظننت أنه يبحث عني.
كانت الإجابة صريحة إلى درجة أربكته، قال آزر:
صمت لحظة.
— صحيح.
— كنت مخطئًا.
وصمت، ثم أضاف:
— سأل آزر
— لا…
عن ماذا يبحث؟
— لا أعرف!
رفع ريو عينيه إليه، وكان يريد أن يجيب.
لكن الكلمات لم تخرج، لأن الطرقة الرابعة جاءت.
— ماذا أفعل؟
طَق.
— تراجعوا!
هذه المرة لم يسمعها كايو وحده.
التفت الجميع، لا أحد يعرف من أين جاء الصوت، لم يكن من الخشب، ولا من الحجر، ولا من الأرض.
بل كان من السماء.
حدق آزر فيها، ولم يسمع طرقًا، لكن للمرة الأولى… رأى شيئًا.
الخط الأبيض في السماء اتسع، ثم ظهر خلفه شيء لا يشبه الغيم. ولا الضوء. ولا الظلام.
مجرد دائرة بعيدة، سوداء تمامًا.
فتحة، شيء يشبه العلامة، لكنها كانت في السماء، ولم يقل أحد شيئًا.
حتى الرجل الذي جاء مسلحًا، تراجع.
سقطت يده عن سيفه، أما سورا… فأغمض عينيه.
كأنه عرف هذه اللحظة قبل الجميع، وقال بصوت خافت:
ثم أشار إلى الدائرة السوداء.
— لقد بدأ.
جاء صوت ريو من خلف البيوت:
سمعه آزر، والتفت إليه.
— اجلس.
— ماذا بدأ؟
— ولماذا؟
فتح سورا عينيه، ثم نظر إلى آزر مباشرة، وهذه المرة لم يكن في عينيه غضب، ولا رغبة في إخفاء شيء، كان هناك فقط الخوف..
— لماذا؟
— الطريق.
— لأن المفاجأة لا تمنح الإنسان وقتًا أكثر.
ثم التفت إلى ريو.
تحرك ريو فجأة، ولم يتجه إلى الرجل. بل نحو الشجرة، صرخ سورا:
— خذهم وارحل.
لم يجب، كانت عينا ريو على الدائرة. ثم ارتفعتا إلى السماء، وكان ذلك كافيًا. فهم آزر أن شيئًا في الأعلى يشغل الرجل منذ دخل القرية. قال الرجل الغريب:
— إلى أين؟
— لم آتِ وحدي.
— إلى أي مكان، لكن لا تبقوا هنا.
نهض، وتأوه حين شد الجرح اقتربت منه نيرة:
— ولماذا؟
— أشياء كثيرة ليست طبيعية.
— لأن القرية لم تعد مكانًا يجهلكم العالم فيه.
— أن هذا ليس طبيعيًا.
وصمت، ثم أضاف:
نظر سورا إلى القرية، إلى الناس، إلى السماء، ثم قال:
— والآن…
وكان أول من لاحظ الأمر طفلًا صغيرًا خرج حافي القدمين إلى الساحة. وقف، ثم التفت إلى أمه.
بدأت الدائرة في السماء بالاتساع.
رفعت المرأة رأسها، وعندها فقط انتبهت، لم يكن هناك صوت واحد. لا رفرفة أجنحة، لا زقزقة عند الأسطح. حتى الأشجار بدت ساكنة أكثر من المعتاد.
— بدأ العالم يعرف أنكم موجودون..
— لأنك أتيت وحدك.
ظل آزر ينظر إليها.
طوال حياته، كان يعتقد أن حدود عالمه هي ما يستطيع رؤيته، القرية، النهر، الجبال البعيدة، السماء، كل شيء كان ثابتًا.
أما الآن، فقد ظهرت أمامه للمرة الأولى علامة تقول العكس.
العالم أكبر، والسماء ليست بعيدة كما ظن، وربما… لم تكن السماء في الأعلى أصلًا.
— أريد أن أعرف.
نظر إلى ريو، إلى كايو، إلى الطريق الممتد خلف القرية، ثم إلى الدائرة السوداء فوقهم، وقال:
لم يفهم آزر كيف حدثت الضربة الأولى، رأى الرجل يتحرك، ثم لم يره. وفي اللحظة التالية، دوى صوت اصطدام. ظهر ريو في منتصف الطريق، وقد رفع ذراعه. السيف الأسود توقف أمامه مباشرة. لم يكن بين النصل وجسم ريو إلا مسافة أصابع، لكن شيئًا غير مرئي دفعه إلى الخلف. انزلقت قدما ريو فوق التراب. خطوة، ثم أخرى، حتى اصطدم بجدار أحد البيوت. شهق، وسقطت قطرات دم على الأرض. لم يصرخ رفع رأسه فقط، ثم قال الرجل:
— سنرحل.
إذن؟
نظر إليه ريو.
— إلى أي مكان، لكن لا تبقوا هنا.
— لماذا؟
سمعه آزر، والتفت إليه.
أجاب آزر:
— لا نعرف عما تتحدث.
— لأنني أريد أن أعرف.. ولكن هذه المرة، لا أريد أن أعرف ما الذي يوجد هنا.
رفع الغريب عينيه إلى الدائرة. كان الخط الأسود قد ازداد، وبدأت فجوة صغيرة تظهر في الخشب. كأن الدائرة تُفتح، ثم قال سورا بصوت منخفض:
نظر إلى الطريق.
طَق.
— أريد أن أعرف ما الذي يوجد هناك.
شعر آزر بقبضة باردة في صدره. الأثر، لم يعرف ماذا يعني. لكن ريو وسورا عرفا. نيرة قد لاحظت التغير في وجهيهما. قالت:
ولأول مرة منذ بدأ كل شيء… لم يكن آزر ينظر إلى الموت.
— ماذا؟
بل كان ينظر إلى الطريق الذي قد يقوده إليه، وراء القرية.
— لأن الرجل الذي أمامنا ليس شخصًا يمكن لقريتك أن تتعامل معه.
وراء الجبال، وراء كل شيء ظنه يومًا نهاية العالم.
وهناك،
في مكان لا يعرفه أحد منهم، كان شيء آخر قد بدأ يتحرك.
— أريد أن أعرف.
— لأنها ستصبح حقيقة عند من يسمعها بما يكفي.
