الطريق
:في اللحظة التي قال فيها كايو
— لكنه موجود.
— داخلي.
— أريد أن أعرف.
لم يسمع آزر شيئًا. لم يتحرك. بقي واقفًا في الفناء، والليل من حولهما ساكنًا إلى درجة جعلت صوت أنفاسهما يبدو غريبًا. أما كايو، فكان يضع يده فوق صدره. لم يكن هناك ألم. وهذا ما جعله أكثر خوفًا.
ومضى. بقي آزر مكانه. لأول مرة منذ عرف سورا، لم يشعر أن الرجل يخفي جوابًا. بدا له أنه يخفي سؤالًا.
— هل ما زلت تسمعه؟
عن ماذا يبحث؟
هز كايو رأسه.
تقدم الرجل الغريب. وفي اللحظة التي رفع فيها يده— اندفع ريو. ليس بسرعة الرجل الغريب. بل بسرعة جعلت التراب ينهض خلفه. ضرب بقبضته. اصطدمت قبضته بكف الغريب. وانفجر الهواء بينهما. ارتد ريو عشرات الخطوات. سقط على الأرض. صرخت نيرة:
— لا.
رفع الغريب عينيه إلى الدائرة. كان الخط الأسود قد ازداد. وبدأت فجوة صغيرة تظهر في الخشب. كأن الدائرة تُفتح. قال سورا بصوت منخفض:
— إذن لماذا تضع يدك هناك؟
— نريد الأثر.
نظر كايو إلى يده، كأنه انتبه إليها للمرة الأولى.
ظهر عند مدخل القرية. شاب في أواخر العشرينيات، طويل القامة، نحيل الجسد، يرتدي ثوبًا رماديًا خاليًا من الزينة. شعره الأسود مربوط خلف رأسه، ووجهه هادئ بصورة جعلته يبدو أصغر من عمره. لكن الشيء الذي لفت النظر لم يكن ملابسه. كان ما يحمله. سيف. ليس كبيرًا. ولا مزخرفًا. سيف عادي، غمده أسود، مربوط إلى خصره. ومع ذلك، لم يحب رين وجوده.
— لا أعرف.
— ماذا ستفعل؟
اقترب آزر. لم يلمسه. اكتفى بالنظر. كان وجه كايو شاحبًا، لكن عينيه ظلتا مفتوحتين.
وصل الصوت إلى القرية قبل أن يصل صاحبه. صوت خافت. معدن يجر فوق الحجر. ثم صوت خطوة. ثم أخرى. خرج أهل القرية إلى الطرقات. تجمعوا دون أن يعرفوا لماذا. كان رين أول من رأى الرجل.
— أخبرني عندما يعود.
— ليس طرقًا.
رفع كايو رأسه.
عن ماذا يبحث؟
— ماذا ستفعل؟
نظر آزر إلى صدره. ثم قال:
فكر آزر قليلًا. ثم قال:
— لا. بدأت أفهم فقط أن عدم المعرفة أفضل من الكذب.
— سأستمع.
لم يجب ريو. قال كايو:
ضحك كايو ضحكة قصيرة، متعبة.
رفع الغريب يده مرة أخرى. لكن سورا ضرب الأرض بعصاه. صدر صوت مكتوم. ولحظتها تبدل شيء. ليس في الهواء. بل في الأرض. ظهرت خطوط دقيقة حول الشجرة. لم تكن جديدة. كانت موجودة منذ سنوات. لكن التراب أخفاها. نظر آزر إليها. ثم إلى سورا. فهم شيئًا واحدًا: الشيخ لم يكن يحاول حماية الشجرة فقط. بل كان يحاول :حماية القرية منها. قال سورا وصوته يرتجف
— وأنت أصلًا لا تسمع شيئًا.
تحرك ريو فجأة. لم يتجه إلى الرجل. بل نحو الشجرة. صرخ سورا:
نظر إليه آزر.
— وما الذي فُتح؟
— لهذا أريدك أن تسمع جيدًا.
لم يجب أحد. نظر آزر إلى الرجال فوق الأسطح. كل واحد منهم يقف في مكان مختلف. ولا أحد ينظر إلى القرية. كانوا ينظرون إلى شيء واحد. الشجرة.
لم يرد كايو. من خلفهما، تحركت نافذة بيت ريو مع الريح. التفت الاثنان. لم يكن هناك شيء. وعندما عاد كايو بنظره إلى آزر، كان قد اتخذ قرارًا لم يعلنه. إذا عاد الصوت… فلن يخفيه.
— السماء.
في صباح اليوم التالي، استيقظت القرية على شيء لم تستطع أن تسميه. لم يكن هناك حريق. ولا صراخ. ولا جثث. لم يسقط أحد من السماء. النهر كان في مكانه. البيوت في أماكنها. والشمس أشرقت كما تفعل كل صباح. ومع ذلك، خرج الناس من منازلهم ببطء. وقف بعضهم عند الأبواب. نظروا حولهم.
— همس ريو هذا ليس جيدًا.
وكان أول من لاحظ الأمر طفلًا صغيرًا خرج حافي القدمين إلى الساحة. وقف. ثم التفت إلى أمه.
انتشر الأمر في القرية بسرعة. كالعادة، بدأت الكلمات تظهر قبل أن تظهر الإجابات. ماء مريض. عين سيئة. نذير. غضب أرواح. وحين وصلت الكلمة الأخيرة إلى سورا، قال:
— امي أين الطيور؟
— أعرف.
رفعت المرأة رأسها. عندها فقط انتبهت. لم يكن هناك صوت واحد. لا رفرفة أجنحة. لا زقزقة عند الأسطح. حتى الأشجار بدت ساكنة أكثر من المعتاد.
ارتجف كايو.
ذهبت امرأة إلى البئر. أنزلت الدلو. صوت الحبل وحده ارتفع من العمق. وحين سحبته، لم يتكلم أحد. كان الماء موجودًا. لكن سطحه لم يتحرك. ظل ساكنًا بصورة غريبة. وحدقت المرأة فيه طويلًا قبل أن تبتعد.
— من أن يكون ما أخشاه قد بدأ فعلًا.
انتشر الأمر في القرية بسرعة. كالعادة، بدأت الكلمات تظهر قبل أن تظهر الإجابات. ماء مريض. عين سيئة. نذير. غضب أرواح. وحين وصلت الكلمة الأخيرة إلى سورا، قال:
لم يجب. ثم قال:
— لا أحد ينشرها.
— ماذا ستفعل؟
سأل رجل:
رفع سورا عينيه إليه. للحظة، ظن آزر أنه سيغضب. لكن الشيخ قال فقط:
— لماذا؟
— سأل سورا
— لأنها ستصبح حقيقة عند من يسمعها بما يكفي.
ثم وضع يده على السيف. قال ريو:
وقف آزر على مسافة. راقبه. لم يقل سورا ما يعتقد أنه يحدث. ولم يقل ما يخشاه. وهذا وحده كان كافيًا ليفهم آزر أن الرجل يعرف أن شيئًا ما تغيّر. اقترب منه.
بل كان ينظر إلى الطريق الذي قد يقوده إليه. وراء القرية.
— أنت تعرف.
نظر إلى الطريق.
نظر سورا إليه.
— أخذتم أكثر مما تعرفون.
— ماذا؟
— ما هو الأثر؟
— أن هذا ليس طبيعيًا.
— لا أعرف!
صمت الشيخ. ثم قال:
— ماذا يعني ذلك؟
— أشياء كثيرة ليست طبيعية.
طَق.
— لكنك لم تبدُ متفاجئًا.
طَق.
شد سورا على عصاه.
— لا…
— لأن المفاجأة لا تمنح الإنسان وقتًا أكثر.
توقف آزر. نظر إليه.
نظر آزر إلى يده. ثم قال:
— لا أعرف.
— أنت خائف.
— هذا سبب؟
رفع سورا عينيه إليه. للحظة، ظن آزر أنه سيغضب. لكن الشيخ قال فقط:
— ماذا؟
— نعم.
رفع الغريب يده مرة أخرى. لكن سورا ضرب الأرض بعصاه. صدر صوت مكتوم. ولحظتها تبدل شيء. ليس في الهواء. بل في الأرض. ظهرت خطوط دقيقة حول الشجرة. لم تكن جديدة. كانت موجودة منذ سنوات. لكن التراب أخفاها. نظر آزر إليها. ثم إلى سورا. فهم شيئًا واحدًا: الشيخ لم يكن يحاول حماية الشجرة فقط. بل كان يحاول :حماية القرية منها. قال سورا وصوته يرتجف
كانت الإجابة صريحة إلى درجة أربكته. قال آزر:
لم يجب. كانت عينا ريو على الدائرة. ثم ارتفعتا إلى السماء. كان ذلك كافيًا. فهم آزر أن شيئًا في الأعلى يشغل الرجل منذ دخل القرية. قال الرجل الغريب:
— من ماذا؟
سمعه آزر. التفت إليه.
نظر سورا إلى القرية. إلى الناس. إلى السماء. ثم قال:
نظر ريو إليها. ثم قال:
— من أن يكون ما أخشاه قد بدأ فعلًا.
— لأن القرية لم تعد مكانًا يجهلكم العالم فيه.
ومضى. بقي آزر مكانه. لأول مرة منذ عرف سورا، لم يشعر أن الرجل يخفي جوابًا. بدا له أنه يخفي سؤالًا.
نظر إلى الطريق.
عند بيت ريو، كان كايو هو أول من شعر به. لم يسمع طرقًا. هذه المرة كان شيئًا آخر. صوتًا خافتًا، مثل احتكاك معدن بحجر بعيد. ثم توقف. رفع رأسه. كان ريو جالسًا قرب النافذة. قال:
— وأنا لا أستطيع التعامل معه طويلًا.
— سمعت شيئًا.
تغير وجه ريو.
رد ريو فورًا:
نظر إليه ريو.
— ماذا؟
— ابتعدوا!
— ليس طرقًا.
طَق.
تغير وجه ريو.
— همس ريو هذا ليس جيدًا.
— من أين؟
لكن الوقت كان قد فات. جاء الصوت.
— لا أعرف.
— من ماذا؟
— هل هو قريب؟
وراء الجبال. وراء كل شيء ظنه يومًا نهاية العالم. وهناك، في مكان لا يعرفه أحد منهم، كان شيء آخر قد بدأ يتحرك.
— لا.
بدأت الدائرة في السماء بالاتساع.
اقترب ريو من النافذة.
— لأن المفاجأة لا تمنح الإنسان وقتًا أكثر.
— صفه.
— لأن القرية لم تعد مكانًا يجهلكم العالم فيه.
عبس كايو.
اقترب ريو من النافذة.
— كأن شيئًا يُسحب على الأرض.
ظل ريو ساكنًا. ثم قال:
ظل ريو ساكنًا. ثم قال:
— ماذا تفعل؟
— لا تخرج.
— صحيح.
تدخلت نيرة، التي كانت تخلط الأعشاب في وعاء صغير:
اقترب آزر. لم يلمسه. اكتفى بالنظر. كان وجه كايو شاحبًا، لكن عينيه ظلتا مفتوحتين.
— ما الذي يحدث؟
سكت لحظة.
لم يجب ريو. قال كايو:
وصل الصوت إلى القرية قبل أن يصل صاحبه. صوت خافت. معدن يجر فوق الحجر. ثم صوت خطوة. ثم أخرى. خرج أهل القرية إلى الطرقات. تجمعوا دون أن يعرفوا لماذا. كان رين أول من رأى الرجل.
— أريد أن أعرف.
— صفه.
— ونحن أيضًا.
— إن بقينا هنا، سينزف الكثيرين.
نظر ريو إلى الباب. ثم إلى الجرح المغطى. قال:
— لأنها ستصبح حقيقة عند من يسمعها بما يكفي.
— لم يعد مهمًا ما تريدون معرفته.
— وأنا لا أستطيع التعامل معه طويلًا.
نهض. تأوه حين شد الجرح. اقتربت منه نيرة.
— لا أعرف.
— اجلس.
— لا…
— ليس لدينا وقت.
— جريح.
— وهذا لا يغيّر أنك تنزف.
كانت الإجابة صريحة إلى درجة أربكته. قال آزر:
نظر إليها. ثم قال:
لم يبتسم آزر. لكنه قال:
— إن بقينا هنا، سينزف الكثيرين.
قبل أن يكمل، جاء صوت آخر. لكن ليس طرقة. كان صوت صخرة تسقط. التفت الجميع. ارتجفت الأرض. شق طويل ظهر في التراب أمام الشجرة. امتد كأنه يبحث عن طريق. ثم توقف عند قدمي آزر. نظر إلى الخط الأسود. مد يده. لم يلمسه. لكن شيئًا حدث. الشق لم يتقدم. بل انقسم. ممر ضيق من التراب ظهر بين قدميه. وعلى بعد خطوات، خرجت من الأرض قطعة سوداء صغيرة. كانت من الحجر نفسه الذي وجدوه تحت الشجرة.
لم تسأله كيف عرف. هذه المرة فقط، فهمت من وجهه أن الكلام لم يعد افتراضًا. كان ينتظرهم شيء.
نظر كايو إليه. لم يفهم لماذا لم يكن آزر خائفًا. لكن فالحقيقة كان آزر خائفًا . لكن خوفه لم يكن من الصوت. كان من السؤال الذي يقف خلفه. من يطرق؟ ولماذا ينتظر؟ والأهم… لماذا يريد أن يسمعه شخص بعينه؟
وصل الصوت إلى القرية قبل أن يصل صاحبه. صوت خافت. معدن يجر فوق الحجر. ثم صوت خطوة. ثم أخرى. خرج أهل القرية إلى الطرقات. تجمعوا دون أن يعرفوا لماذا. كان رين أول من رأى الرجل.
رفعت نيرة صوتها. رفع ريو القطعة. كان وجهه شاحبًا.
ظهر عند مدخل القرية. شاب في أواخر العشرينيات، طويل القامة، نحيل الجسد، يرتدي ثوبًا رماديًا خاليًا من الزينة. شعره الأسود مربوط خلف رأسه، ووجهه هادئ بصورة جعلته يبدو أصغر من عمره. لكن الشيء الذي لفت النظر لم يكن ملابسه. كان ما يحمله. سيف. ليس كبيرًا. ولا مزخرفًا. سيف عادي، غمده أسود، مربوط إلى خصره. ومع ذلك، لم يحب رين وجوده.
رفع أحد الرجال فوق السطح يده.
وقف سورا أمام الناس. قال:
— إلى أي مكان. لكن لا تبقوا هنا.
— ماذا تريد؟
— لا…
الرجل لم ينظر إليه. كانت عيناه تتحركان بين البيوت. ثم قال:
نظر إليها. ثم قال:
— جريح.
— إن كنتم تريدونها، خذوها.
تدخل رين:
نظر إليه.
— لا نعرف عما تتحدث.
انتشر الأمر في القرية بسرعة. كالعادة، بدأت الكلمات تظهر قبل أن تظهر الإجابات. ماء مريض. عين سيئة. نذير. غضب أرواح. وحين وصلت الكلمة الأخيرة إلى سورا، قال:
رفع الرجل يده قليلًا. لم يخرج السيف. لكن شيئًا في الهواء تغيّر. توقفت الريح. توقفت أصوات الناس. حتى الغبار الذي كان يتحرك عند أطراف الطريق بدا وكأنه علق في مكانه. شهق أحدهم. تراجع طفل. أما آزر، فبقي مكانه. لم يفهم ما الذي حدث. لكنه شعر بالهواء أثقل.
— لأنك أتيت وحدك.
— أكره الكذب.
— لكنه موجود.
جاء صوت ريو من خلف البيوت:
— ليس طرقًا.
— وأنا أكره الرجال الذين يدخلون قرية لا يعرفونها وكأنها ملكهم.
— هذا أفضل لك.
التفت الجميع. خرج ريو. كان وجهه شاحبًا. وضغطت يده على الجرح. حين رأى الرجل، توقف. وسكن وجهه تمامًا. قال الرجل:
نظر ريو إلى الباب. ثم إلى الجرح المغطى. قال:
— ريو.
هذه المرة تحرك رين. أمسك بذراع رجل قريب وسحبه إلى الخلف. وأخذ سورا خطوة إلى جانب الشجرة. أما آزر… فلم يتحرك. نظر ريو إليه.
لم يجب. ثم قال:
ثم وضع يده على السيف. قال ريو:
— كنت أتمنى ألا أراك.
— بدأت تشبهنا.
أجابه الرجل:
— لماذا؟
— وأنا كنت أتمنى ألا أبحث عنك.
وراء الجبال. وراء كل شيء ظنه يومًا نهاية العالم. وهناك، في مكان لا يعرفه أحد منهم، كان شيء آخر قد بدأ يتحرك.
كان سورا ينظر بينهما. ثم قال:
— ماذا؟
— من أنت؟
— كأن شيئًا يُسحب على الأرض.
نظر الرجل إليه أخيرًا. ثم نظر إلى العلامة السوداء على جذع الشجرة. تغيرت عيناه. تغيرًا صغيرًا. لكن آزر رآه. قال الرجل:
— ابتعدوا!
— أنتم لا تعرفون ما تحت أقدامكم.
ثم التفت إلى ريو.
— قال رجل لا نريد أن نعرف.
ثم التفت إلى الناس.
— وأنا لا ألومكم.
سكت لحظة.
ثم وضع يده على السيف. قال ريو:
— لا نعرف عما تتحدث.
— ابتعدوا.
— إلى أي مكان. لكن لا تبقوا هنا.
لم يتحرك أحد. كرر:
— أشياء كثيرة ليست طبيعية.
— ابتعدوا!
— لماذا؟
هذه المرة تحرك رين. أمسك بذراع رجل قريب وسحبه إلى الخلف. وأخذ سورا خطوة إلى جانب الشجرة. أما آزر… فلم يتحرك. نظر ريو إليه.
رفعت نيرة صوتها. رفع ريو القطعة. كان وجهه شاحبًا.
— آزر.
— لم يعد مهمًا ما تريدون معرفته.
التفت إليه.
ظل آزر ينظر إليها. طوال حياته، كان يعتقد أن حدود عالمه هي ما يستطيع رؤيته. القرية. النهر. الجبال البعيدة. السماء. كل شيء كان ثابتًا. أما الآن، فقد ظهرت أمامه للمرة الأولى علامة تقول العكس. العالم أكبر. والسماء ليست بعيدة كما ظن. وربما… لم تكن السماء في الأعلى أصلًا.
— نعم؟
أجاب آزر:
— ارجع.
أجابه الرجل:
— لماذا؟
وقف آزر على مسافة. راقبه. لم يقل سورا ما يعتقد أنه يحدث. ولم يقل ما يخشاه. وهذا وحده كان كافيًا ليفهم آزر أن الرجل يعرف أن شيئًا ما تغيّر. اقترب منه.
تردد ريو لحظة. ثم قال:
— لا أحد ينشرها.
— لأن الرجل الذي أمامنا ليس شخصًا يمكن لقريتك أن تتعامل معه.
— ليس لدينا وقت.
كان هذا أول مرة يقول فيها ريو شيئًا بهذه الصراحة. قال آزر:
— لقد بدأ.
— وأنت؟
— الآن تعرفون لماذا قلت: اتركوها مدفونة.
نظر ريو إلى السيف.
— أكره الكذب.
— وأنا لا أستطيع التعامل معه طويلًا.
— بدأت تشبهنا.
كان اعترافًا بسيطًا. لكنه جعل المكان كله أكثر بردًا.
كان هذا أول مرة يقول فيها ريو شيئًا بهذه الصراحة. قال آزر:
لم يفهم آزر كيف حدثت الضربة الأولى. رأى الرجل يتحرك. ثم لم يره. وفي اللحظة التالية، دوى صوت اصطدام. ظهر ريو في منتصف الطريق. وقد رفع ذراعه. السيف الأسود توقف أمامه مباشرة. لم يكن بين النصل وجسم ريو إلا مسافة أصابع. لكن شيئًا غير مرئي دفعه إلى الخلف. انزلقت قدما ريو فوق التراب. خطوة. ثم أخرى. حتى اصطدم بجدار أحد البيوت. شهق. وسقطت قطرات دم على الأرض. لم يصرخ. رفع رأسه فقط. قال الرجل:
رفع أحد الرجال فوق السطح يده.
— إصابتك تمنعك من استخدام معظم قوتك.
— الآن تعرفون لماذا قلت: اتركوها مدفونة.
مسح ريو الدم من فمه.
— لم آتِ وحدي.
— كنت أعرف أنك أحمق.
التفت إليه.
— وما الذي يجعلك متأكدًا؟
— أحاول أن أجعلكم تعيشون.
— لأنك أتيت وحدك.
سأله آزر:
ابتسم الرجل للمرة الأولى.
نظر آزر إلى يده. ثم قال:
— لم آتِ وحدي.
عن ماذا يبحث؟
رفع إصبعه. وفوق سطح أحد البيوت ظهر رجل آخر. ثم ثالث. ثم رابع. لم يبدوا كبارًا. لكن مجرد ظهورهم جعل القرية أصغر. شعر رين بارتجاف في يده. أما كايو، فقد تراجع نصف خطوة. همس:
رفعت المرأة رأسها. عندها فقط انتبهت. لم يكن هناك صوت واحد. لا رفرفة أجنحة. لا زقزقة عند الأسطح. حتى الأشجار بدت ساكنة أكثر من المعتاد.
— كم واحدًا؟
أجاب آزر:
لم يجب أحد. نظر آزر إلى الرجال فوق الأسطح. كل واحد منهم يقف في مكان مختلف. ولا أحد ينظر إلى القرية. كانوا ينظرون إلى شيء واحد. الشجرة.
شعر آزر بقبضة باردة في صدره. الأثر. لم يعرف ماذا يعني. لكن ريو وسورا عرفا. نيرة لاحظت التغير في وجهيهما. قالت:
— قال سورا
ابتسم الرجل.
أنتم لا تريدون ريو.
— ابتعدوا!
. التفت إليه الرجل الأول.
— ماذا؟
— لا.
— اجلس.
ثم أشار إلى الدائرة السوداء.
نظر سورا إليه.
— نريد الأثر.
كان سورا ينظر بينهما. ثم قال:
شعر آزر بقبضة باردة في صدره. الأثر. لم يعرف ماذا يعني. لكن ريو وسورا عرفا. نيرة لاحظت التغير في وجهيهما. قالت:
— أعرف.
— ما هو الأثر؟
— ماذا تفعل؟
لم يجب أحد. ابتسم الرجل الغريب.
— إن كنتم تريدونها، خذوها.
— الآن فقط بدأتم تسألون السؤال الصحيح.
— كنت أتمنى ألا أراك.
تحرك ريو فجأة. لم يتجه إلى الرجل. بل نحو الشجرة. صرخ سورا:
تقدم سورا.
— لا!
رفعت المرأة رأسها. عندها فقط انتبهت. لم يكن هناك صوت واحد. لا رفرفة أجنحة. لا زقزقة عند الأسطح. حتى الأشجار بدت ساكنة أكثر من المعتاد.
لكن ريو كان قد وصل. وضع كفه على جذعها. تغيّرت الدائرة السوداء. لم يلمسها من قبل. ولم يحدث ذلك حين اقترب منها في اليوم الأول. لكن الآن… تحرك شيء داخلها. خط رفيع ظهر على حافتها. تراجع ريو بسرعة. قال سورا:
أجابه الرجل:
— ماذا فعلت؟
— لم آتِ وحدي.
— لم أفعل شيئًا.
حاول النهوض. فشل. ظهر الدم على شفتيه. لكن الغريب أيضًا لم يتحرك. للمرة الأولى، ظهر شيء من المفاجأة في وجهه. نظر إلى كفه. ثم قال:
الرجل الغريب نظر إلى الدائرة. ثم إلى ريو.
— قال رجل لا نريد أن نعرف.
— لقد استجابت.
رفع الرجل يده قليلًا. لم يخرج السيف. لكن شيئًا في الهواء تغيّر. توقفت الريح. توقفت أصوات الناس. حتى الغبار الذي كان يتحرك عند أطراف الطريق بدا وكأنه علق في مكانه. شهق أحدهم. تراجع طفل. أما آزر، فبقي مكانه. لم يفهم ما الذي حدث. لكنه شعر بالهواء أثقل.
— همس ريو هذا ليس جيدًا.
— لن تأخذوها.
سأله آزر:
— وأنا أكره الرجال الذين يدخلون قرية لا يعرفونها وكأنها ملكهم.
— لمن؟
— ماذا تريد؟
لم يجب. كانت عينا ريو على الدائرة. ثم ارتفعتا إلى السماء. كان ذلك كافيًا. فهم آزر أن شيئًا في الأعلى يشغل الرجل منذ دخل القرية. قال الرجل الغريب:
— لم أفعل شيئًا.
— أخذتم أكثر مما تعرفون.
— وهذا لا يغيّر أنك تنزف.
تقدم سورا.
— لم أقل إنني قوي. قلت إنني لا أريد أن أكون عاجزًا.
— لم نأخذ شيئًا.
— ماذا ستفعل؟
— أنتم لا تحتاجون إلى أخذه. يكفي أن تفتحوه.
لكن ريو كان قد وصل. وضع كفه على جذعها. تغيّرت الدائرة السوداء. لم يلمسها من قبل. ولم يحدث ذلك حين اقترب منها في اليوم الأول. لكن الآن… تحرك شيء داخلها. خط رفيع ظهر على حافتها. تراجع ريو بسرعة. قال سورا:
— وما الذي فُتح؟
لكن ريو كان قد وصل. وضع كفه على جذعها. تغيّرت الدائرة السوداء. لم يلمسها من قبل. ولم يحدث ذلك حين اقترب منها في اليوم الأول. لكن الآن… تحرك شيء داخلها. خط رفيع ظهر على حافتها. تراجع ريو بسرعة. قال سورا:
التفت الرجل إليه. كانت تلك المرة الأولى التي ينظر فيها إلى آزر مباشرة. صمت. ثم قال:
— لا.
— أنت لست مزارع.
— أخبرني عندما يعود.
— لا.
كان سورا ينظر بينهما. ثم قال:
— ولا تعرف شيئًا عما يحدث.
لم يسمع آزر شيئًا. لم يتحرك. بقي واقفًا في الفناء، والليل من حولهما ساكنًا إلى درجة جعلت صوت أنفاسهما يبدو غريبًا. أما كايو، فكان يضع يده فوق صدره. لم يكن هناك ألم. وهذا ما جعله أكثر خوفًا.
— صحيح.
— …بدأ العالم يعرف أنكم موجودون.
نظر الرجل إلى ريو. ثم عاد إلى آزر.
— لا أعرف.
— هذا أفضل لك.
— من أن يكون ما أخشاه قد بدأ فعلًا.
رفع أحد الرجال فوق السطح يده.
— أنتم لا تعرفون ما تحت أقدامكم.
— سيدي.
— لأنني أريد أن أعرف. لكن هذه المرة، لا أريد أن أعرف ما الذي يوجد هنا.
التفت إليه.
— سمعت شيئًا.
— العلامة تحركت.
— الآن فهمت.
رفع الغريب عينيه إلى الدائرة. كان الخط الأسود قد ازداد. وبدأت فجوة صغيرة تظهر في الخشب. كأن الدائرة تُفتح. قال سورا بصوت منخفض:
— لا أعرف.
— لا.
— إلى أين؟
ثم التفت إلى الناس.
— ما الذي يحدث؟
— تراجعوا!
صاح رجل فوق السطح:
لكن الوقت كان قد فات. جاء الصوت.
— لم آتِ وحدي.
طَق.
— من أن يكون ما أخشاه قد بدأ فعلًا.
تجمد كايو. رفع رأسه. كان الصوت مختلفًا عن السابق. أقرب. أوضح.
— سيدي!
طَق.
— قال سورا
وضع يده على صدره. صرخ ريو:
— الآن فقط بدأتم تسألون السؤال الصحيح.
— كايو!
— امي أين الطيور؟
نظر إليه.
— نعم؟
— ماذا؟
— نعم.
— لا تسمح له أن يصل إلى الرابعة!
— أعرف.
لم يفهم أحد. ولا حتى آزر. قال كايو:
— أنتم لا تعرفون ما تحت أقدامكم.
— ماذا يعني ذلك؟
— ماذا؟
— لا أعرف!
— ماذا؟
نظر آزر إليه. كانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها ريو مذعورًا حقًا. جاءت الطرقة الثالثة.
— لأنكم جئتم إلى قريتنا وأخفتم أهلها.
طَق.
ثم التفت إلى ريو.
ارتجفت الدائرة. ثم ساد الصمت. كان الجميع ينتظر. هذه المرة لم يكن كايو وحده. حتى آزر شعر بشيء. ليس صوتًا. بل انتظارًا. كأن المكان كله توقف ليرى ماذا سيحدث.
رفعت المرأة رأسها. عندها فقط انتبهت. لم يكن هناك صوت واحد. لا رفرفة أجنحة. لا زقزقة عند الأسطح. حتى الأشجار بدت ساكنة أكثر من المعتاد.
نظر آزر إلى كايو. كان الشاب يتنفس بسرعة.
— كايو، تراجع.
— لا…
— وأنت أصلًا لا تسمع شيئًا.
: قال آزر
:في اللحظة التي قال فيها كايو
— لا تفكر في الصوت.
— سنرحل.
نظر إليه كايو.
نظر إليها. ثم قال:
— ماذا؟
— ظننت أنه يبحث عني.
— لا تحاول أن تسمعه.
— سأل سورا
ارتجف كايو.
رفع سورا عينيه إليه. للحظة، ظن آزر أنه سيغضب. لكن الشيخ قال فقط:
— لكنه موجود.
وضع يده على صدره. صرخ ريو:
— أعرف.
— لا أحد ينشرها.
— وأنت لا تسمعه.
— الطريق.
— أعرف.
تجمد كايو. رفع رأسه. كان الصوت مختلفًا عن السابق. أقرب. أوضح.
نظر كايو إليه. لم يفهم لماذا لم يكن آزر خائفًا.
لكن فالحقيقة كان آزر خائفًا . لكن خوفه لم يكن من الصوت. كان من السؤال الذي يقف خلفه. من يطرق؟ ولماذا ينتظر؟ والأهم… لماذا يريد أن يسمعه شخص بعينه؟
لم يجب. كان ريو ينظر إلى الخط. ثم إلى آزر. وقال:
اقترب كايو من آزر. قال:
التفت الجميع. خرج ريو. كان وجهه شاحبًا. وضغطت يده على الجرح. حين رأى الرجل، توقف. وسكن وجهه تمامًا. قال الرجل:
— ماذا أفعل؟
— أريد أن أعرف ما الذي يوجد هناك.
نظر آزر إلى صدره. ثم قال:
إذن؟
— لا أعرف.
— نعم.
ضحك كايو وسط خوفه.
سأل رجل:
— أخيرًا.
كانت الإجابة صريحة إلى درجة أربكته. قال آزر:
— ماذا؟
قال ريو:
— بدأت تشبهنا.
— ارجع.
لم يبتسم آزر. لكنه قال:
— ماذا تعرف؟
— لا. بدأت أفهم فقط أن عدم المعرفة أفضل من الكذب.
— إذن لماذا تضع يدك هناك؟
قبل أن يكمل، جاء صوت آخر. لكن ليس طرقة. كان صوت صخرة تسقط. التفت الجميع. ارتجفت الأرض. شق طويل ظهر في التراب أمام الشجرة. امتد كأنه يبحث عن طريق. ثم توقف عند قدمي آزر. نظر إلى الخط الأسود. مد يده. لم يلمسه. لكن شيئًا حدث. الشق لم يتقدم. بل انقسم. ممر ضيق من التراب ظهر بين قدميه. وعلى بعد خطوات، خرجت من الأرض قطعة سوداء صغيرة. كانت من الحجر نفسه الذي وجدوه تحت الشجرة.
ابتسم الرجل للمرة الأولى.
نظر ريو إليها. ثم قال:
— أن هذا ليس طبيعيًا.
— الآن فهمت.
لم يسمع آزر شيئًا. لم يتحرك. بقي واقفًا في الفناء، والليل من حولهما ساكنًا إلى درجة جعلت صوت أنفاسهما يبدو غريبًا. أما كايو، فكان يضع يده فوق صدره. لم يكن هناك ألم. وهذا ما جعله أكثر خوفًا.
— ماذا؟
— وأنا أكره الرجال الذين يدخلون قرية لا يعرفونها وكأنها ملكهم.
رفعت نيرة صوتها. رفع ريو القطعة. كان وجهه شاحبًا.
:في اللحظة التي قال فيها كايو
— لم يكن مدفونًا.
رفع الغريب يده مرة أخرى. لكن سورا ضرب الأرض بعصاه. صدر صوت مكتوم. ولحظتها تبدل شيء. ليس في الهواء. بل في الأرض. ظهرت خطوط دقيقة حول الشجرة. لم تكن جديدة. كانت موجودة منذ سنوات. لكن التراب أخفاها. نظر آزر إليها. ثم إلى سورا. فهم شيئًا واحدًا: الشيخ لم يكن يحاول حماية الشجرة فقط. بل كان يحاول :حماية القرية منها. قال سورا وصوته يرتجف
— سأل سورا
— وأنت أصلًا لا تسمع شيئًا.
إذن؟
ظهر عند مدخل القرية. شاب في أواخر العشرينيات، طويل القامة، نحيل الجسد، يرتدي ثوبًا رماديًا خاليًا من الزينة. شعره الأسود مربوط خلف رأسه، ووجهه هادئ بصورة جعلته يبدو أصغر من عمره. لكن الشيء الذي لفت النظر لم يكن ملابسه. كان ما يحمله. سيف. ليس كبيرًا. ولا مزخرفًا. سيف عادي، غمده أسود، مربوط إلى خصره. ومع ذلك، لم يحب رين وجوده.
نظر ريو إلى الشجرة.
طَق.
— كان ينتظر.
— لماذا؟
ساد صمت ثقيل. رفع الرجل الغريب يده. تقدم اثنان من أتباعه. قال ريو:
— سأستمع.
— إن كنتم تريدونها، خذوها.
ارتجفت الدائرة. ثم ساد الصمت. كان الجميع ينتظر. هذه المرة لم يكن كايو وحده. حتى آزر شعر بشيء. ليس صوتًا. بل انتظارًا. كأن المكان كله توقف ليرى ماذا سيحدث.
توقف آزر. نظر إليه.
طَق.
— ماذا تفعل؟
— كنت أعرف أنك أحمق.
— أحاول أن أجعلكم تعيشون.
— وأنت أصلًا لا تسمع شيئًا.
— لكنها ليست لك.
— كنت أعرف أنك أحمق.
نظر إليه ريو.
— إصابتك تمنعك من استخدام معظم قوتك.
— أعرف.
— هل هو قريب؟
أخذ الرجل الغريب خطوة. لكن كايو تحرك. وقف أمام آزر. قال:
لم يجب ريو. قال كايو:
— لن تأخذوها.
— بدأت تشبهنا.
نظر إليه الرجل.
اقترب كايو من آزر. قال:
— ولماذا؟
أجاب آزر:
ابتلع كايو ريقه. كانت يده ترتجف. لكنه لم يتحرك.
— ماذا بدأ؟
— لأنكم جئتم إلى قريتنا وأخفتم أهلها.
— نعم.
— هذا سبب؟
— لا…
— نعم.
رفع كايو رأسه.
ابتسم الرجل.
اقترب الرجل منه.
— الغضب لا يجعلك قويًا.
— لا أعرف.
رفع كايو عينيه.
— من أنت؟
— لم أقل إنني قوي. قلت إنني لا أريد أن أكون عاجزًا.
— لقد بدأ.
قال ريو:
— ماذا؟
— كايو، تراجع.
شد سورا على عصاه.
لكن كايو لم يتحرك. كان آزر ينظر إليه. رأى الخوف في وجهه. ورأى معه شيئًا آخر. ذكرى. لم يعرف ما هي. لكنه عرف أنها ليست مرتبطة بهذا المكان.
رفع الرجل يده قليلًا. لم يخرج السيف. لكن شيئًا في الهواء تغيّر. توقفت الريح. توقفت أصوات الناس. حتى الغبار الذي كان يتحرك عند أطراف الطريق بدا وكأنه علق في مكانه. شهق أحدهم. تراجع طفل. أما آزر، فبقي مكانه. لم يفهم ما الذي حدث. لكنه شعر بالهواء أثقل.
تقدم الرجل الغريب. وفي اللحظة التي رفع فيها يده— اندفع ريو. ليس بسرعة الرجل الغريب. بل بسرعة جعلت التراب ينهض خلفه. ضرب بقبضته. اصطدمت قبضته بكف الغريب. وانفجر الهواء بينهما. ارتد ريو عشرات الخطوات. سقط على الأرض. صرخت نيرة:
— لا!
— ريو!
اقترب ريو من النافذة.
حاول النهوض. فشل. ظهر الدم على شفتيه. لكن الغريب أيضًا لم يتحرك. للمرة الأولى، ظهر شيء من المفاجأة في وجهه. نظر إلى كفه. ثم قال:
— إن كنتم تريدونها، خذوها.
— ما زلت قادرًا.
— أنت لست مزارع.
أجابه ريو بصعوبة:
— امي أين الطيور؟
— على الأقل بما يكفي.
رفع أحد الرجال فوق السطح يده.
رفع الغريب يده مرة أخرى. لكن سورا ضرب الأرض بعصاه. صدر صوت مكتوم. ولحظتها تبدل شيء. ليس في الهواء. بل في الأرض. ظهرت خطوط دقيقة حول الشجرة. لم تكن جديدة. كانت موجودة منذ سنوات. لكن التراب أخفاها. نظر آزر إليها. ثم إلى سورا. فهم شيئًا واحدًا: الشيخ لم يكن يحاول حماية الشجرة فقط. بل كان يحاول :حماية القرية منها. قال سورا وصوته يرتجف
ارتجف كايو.
— الآن تعرفون لماذا قلت: اتركوها مدفونة.
— أنت خائف.
نظر آزر إلى الخطوط. ثم إلى الناس خلفه. إلى رين. نيرة. كايو. ريو الذي بالكاد يقف. وأخيرًا إلى الرجل الغريب ورجاله. وفهم شيئًا لم يكن متعلقًا بالشجرة. بل كان متعلقًا بنفسه. منذ بدأ كل شيء، كان يظن أن المشكلة هي أن الناس يخفون عنه الحقيقة. أما الآن… فقد أدرك أن الحقيقة أوسع من أن تكون سرًا يخفيه شخص واحد. هناك أسرار قد تكون أخطر من أن تُعرف في المكان الخطأ.
— وهذا لا يغيّر أنك تنزف.
صاح رجل فوق السطح:
لم يبتسم آزر. لكنه قال:
— سيدي!
— لا أعرف.
نظر إليه الغريب.
رفع إصبعه. وفوق سطح أحد البيوت ظهر رجل آخر. ثم ثالث. ثم رابع. لم يبدوا كبارًا. لكن مجرد ظهورهم جعل القرية أصغر. شعر رين بارتجاف في يده. أما كايو، فقد تراجع نصف خطوة. همس:
— ماذا؟
نظر ريو إليها. ثم قال:
— السماء.
— لا…
رفع الجميع رؤوسهم. لم يكن هناك شيء. السماء صافية. زرقاء. ساكنة. لكن فجأه ظهر خط أبيض بعيد. رفيع جدًا. كأنه شق في أعلى العالم.
: شعر ريو ببرودة تسري في وجهه. ثم قال
: قال آزر
— لا…
ظهر عند مدخل القرية. شاب في أواخر العشرينيات، طويل القامة، نحيل الجسد، يرتدي ثوبًا رماديًا خاليًا من الزينة. شعره الأسود مربوط خلف رأسه، ووجهه هادئ بصورة جعلته يبدو أصغر من عمره. لكن الشيء الذي لفت النظر لم يكن ملابسه. كان ما يحمله. سيف. ليس كبيرًا. ولا مزخرفًا. سيف عادي، غمده أسود، مربوط إلى خصره. ومع ذلك، لم يحب رين وجوده.
اقترب الرجل منه.
— لم أقل إنني قوي. قلت إنني لا أريد أن أكون عاجزًا.
— ماذا تعرف؟
— ماذا؟
لم يجب. كان ريو ينظر إلى الخط. ثم إلى آزر. وقال:
— كنت أعرف أنك أحمق.
— هربت من شيء.
نظر آزر إلى يده. ثم قال:
— ظننت أنه يبحث عني.
الرجل لم ينظر إليه. كانت عيناه تتحركان بين البيوت. ثم قال:
سكت لحظة.
— لا أحد ينشرها.
— كنت مخطئًا.
حاول النهوض. فشل. ظهر الدم على شفتيه. لكن الغريب أيضًا لم يتحرك. للمرة الأولى، ظهر شيء من المفاجأة في وجهه. نظر إلى كفه. ثم قال:
— سأل آزر
— على الأقل بما يكفي.
عن ماذا يبحث؟
— لماذا؟
رفع ريو عينيه إليه. كان يريد أن يجيب. لكن الكلمات لم تخرج. لأن الطرقة الرابعة جاءت.
نظر كايو إلى يده، كأنه انتبه إليها للمرة الأولى.
طَق.
— ظننت أنه يبحث عني.
هذه المرة لم يسمعها كايو وحده. التفت الجميع. لا أحد يعرف من أين جاء الصوت. لم يكن من الخشب. ولا من الحجر. ولا من الأرض.
بل كان من السماء. حدق آزر فيها. لم يسمع طرقًا. لكن للمرة الأولى… رأى شيئًا. الخط الأبيض في السماء اتسع. ثم ظهر خلفه شيء لا يشبه الغيم. ولا الضوء. ولا الظلام. مجرد دائرة بعيدة، سوداء تمامًا. فتحة. شيء يشبه العلامة. لكنها كانت في السماء. ولم يقل أحد شيئًا. حتى الرجل الذي جاء مسلحًا، تراجع. سقطت يده عن سيفه. أما سورا… فأغمض عينيه. كأنه عرف هذه اللحظة قبل الجميع. قال بصوت خافت:
— أنت تعرف.
— لقد بدأ.
— سمعت شيئًا.
سمعه آزر. التفت إليه.
— وأنا لا أستطيع التعامل معه طويلًا.
— ماذا بدأ؟
— لكنها ليست لك.
فتح سورا عينيه. نظر إلى آزر مباشرة. هذه المرة لم يكن في عينيه غضب. ولا رغبة في إخفاء شيء. كان هناك خوف فقط. وقال:
تحرك ريو فجأة. لم يتجه إلى الرجل. بل نحو الشجرة. صرخ سورا:
— الطريق.
لم يرد كايو. من خلفهما، تحركت نافذة بيت ريو مع الريح. التفت الاثنان. لم يكن هناك شيء. وعندما عاد كايو بنظره إلى آزر، كان قد اتخذ قرارًا لم يعلنه. إذا عاد الصوت… فلن يخفيه.
ثم التفت إلى ريو.
رفعت نيرة صوتها. رفع ريو القطعة. كان وجهه شاحبًا.
— خذهم وارحل.
لم يرد كايو. من خلفهما، تحركت نافذة بيت ريو مع الريح. التفت الاثنان. لم يكن هناك شيء. وعندما عاد كايو بنظره إلى آزر، كان قد اتخذ قرارًا لم يعلنه. إذا عاد الصوت… فلن يخفيه.
— إلى أين؟
نظر إليه آزر.
— إلى أي مكان. لكن لا تبقوا هنا.
قال ريو:
— ولماذا؟
التفت إليه.
— لأن القرية لم تعد مكانًا يجهلكم العالم فيه.
نظر الرجل إلى ريو. ثم عاد إلى آزر.
وسكت. ثم أضاف:
— أخبرني عندما يعود.
— والآن…
ضحك كايو ضحكة قصيرة، متعبة.
بدأت الدائرة في السماء بالاتساع.
نظر إليه الرجل.
— …بدأ العالم يعرف أنكم موجودون.
فتح سورا عينيه. نظر إلى آزر مباشرة. هذه المرة لم يكن في عينيه غضب. ولا رغبة في إخفاء شيء. كان هناك خوف فقط. وقال:
ظل آزر ينظر إليها. طوال حياته، كان يعتقد أن حدود عالمه هي ما يستطيع رؤيته. القرية. النهر. الجبال البعيدة. السماء. كل شيء كان ثابتًا. أما الآن، فقد ظهرت أمامه للمرة الأولى علامة تقول العكس. العالم أكبر. والسماء ليست بعيدة كما ظن. وربما… لم تكن السماء في الأعلى أصلًا.
— إن كنتم تريدونها، خذوها.
نظر إلى ريو. إلى كايو. إلى الطريق الممتد خلف القرية. ثم إلى الدائرة السوداء فوقهم. قال:
نظر كايو إلى يده، كأنه انتبه إليها للمرة الأولى.
— سنرحل.
— سمعت شيئًا.
نظر إليه ريو.
الرجل لم ينظر إليه. كانت عيناه تتحركان بين البيوت. ثم قال:
— لماذا؟
— لا تحاول أن تسمعه.
أجاب آزر:
— اجلس.
— لأنني أريد أن أعرف. لكن هذه المرة، لا أريد أن أعرف ما الذي يوجد هنا.
— سأل سورا
نظر إلى الطريق.
— ماذا؟
— أريد أن أعرف ما الذي يوجد هناك.
— إصابتك تمنعك من استخدام معظم قوتك.
ولأول مرة منذ بدأ كل شيء… لم يكن آزر ينظر إلى الموت.
— كنت أتمنى ألا أراك.
بل كان ينظر إلى الطريق الذي قد يقوده إليه. وراء القرية.
— لا تحاول أن تسمعه.
وراء الجبال. وراء كل شيء ظنه يومًا نهاية العالم.
وهناك،
في مكان لا يعرفه أحد منهم، كان شيء آخر قد بدأ يتحرك.
تقدم الرجل الغريب. وفي اللحظة التي رفع فيها يده— اندفع ريو. ليس بسرعة الرجل الغريب. بل بسرعة جعلت التراب ينهض خلفه. ضرب بقبضته. اصطدمت قبضته بكف الغريب. وانفجر الهواء بينهما. ارتد ريو عشرات الخطوات. سقط على الأرض. صرخت نيرة:
— لأنكم جئتم إلى قريتنا وأخفتم أهلها.
