Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

المُتَحَرِّر 7

البوابة الشمالية
PDF

البوابة الشمالية

لم ينم آزر تلك الليلة. بقي جالسًا على سطح النُّزل، وظهره مستند إلى الجدار القصير، بينما كانت لين تمتد أمامه في الظلام.

— نحن في طريق مليء بالناس.

من هذا الارتفاع بدت المدينة مختلفة. الضجيج الذي ملأها نهارًا انخفض إلى همهمة بعيدة متقطعة.

سمعت نيرة صوته من خلفه.

أضواء المصابيح انتشرت بين البيوت كنجوم وُضعت على الأرض بدلا من السماء.

— خمسة أيام من هنا.

ومن ناحية السوق كان صوت عربة خشبية يجرها حصان يتردد في الشوارع

— أنت ظالم.

ومن مكان أبعد جاء نباح كلب، ثم ساد الصمت من جديد.

— لن أختاره لهذا السبب.

رفع آزر عينيه إلى السماء. لم يكن يعرف ماذا يوجد بعد هذا العالم. السؤال ظل عالقًا في رأسه منذ أن قاله. ثم تذكر الشيخ: «اذهب إلى البوابة الشمالية عند الشروق.» لم يقل لماذا. ولم يقل ماذا سيحدث هناك. فقط قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من هنا. نظر آزر إلى المدينة مرة أخيرة، ثم نهض.

— وكيف عرفتِ؟

كانت السماء قد بدأت تفتح لونها عندما نزل من سطح النُّزل. في الدرج مرّ بجانب ريو الذي كان جالسًا قرب النافذة الصغيرة في الطابق الثاني، ممسكًا بكوب لم يشرب منه. رفع ريو رأسه.

— هذه عادة سيئة.

— إلى أين؟

— لأن رجلًا طلب مني أن أذهب إليها.

توقف آزر لحظة.

رفعت حاجبًا.

— البوابة الشمالية.

تأخر جوابه.

ظل ريو ينظر إليه.

— إذن عليك أن تتعلم أولًا الفرق بين أن تعرف شيئًا… وأن تملك القدرة على تغييره.

— الآن؟

— لأنني لم أكن متأكدًا أنني رأيتها أصلًا.

— نعم.

ثم شد الرباط بقوة حتى كاد يقطعه.

وضع ريو الكوب على الأرض.

— وجدنا شخصًا أخيرًا يتحدث أكثر مما يتنفس.

— لماذا؟

ظل ريو ينظر إلى الأثر.

نظر آزر إليه.

مع أول ضوء استعدوا للمغادرة. كان الطريق أبرد في الصباح. وعندما خرجوا من مكان الاستراحة وجدوا الشيخ واقفًا عند البئر. كان كأنه لم يغادر أصلًا. توقف الجميع. : قال كايو

— لأن رجلًا طلب مني أن أذهب إليها.

— ربما سنعود يوما ما.

لم يتغير وجه ريو كثيرًا، لكن أصابعه توقفت عن الحركة.

— ليس من الماء. من تحت الطريق.

— أي رجل؟

— إذن لا تنظر إليّ هكذا.

— شيخ قابلته على السطح.

تبع آزر نظرته.

بقي الصمت بينهما لثوانٍ. ثم قال ريو:

ظل آزر ينظر إليه. لم يكن الجواب كافيًا. لاحظ الشيخ ذلك. قال:

— هل قال لك اسمه؟

— هل تتوقع أن نتبعك فقط لأنك قررت؟

— لا.

— لا تتبعوني.

أطلق ريو نفسًا بطيئًا، ونهض.

كانت السماء قد بدأت تفتح لونها عندما نزل من سطح النُّزل. في الدرج مرّ بجانب ريو الذي كان جالسًا قرب النافذة الصغيرة في الطابق الثاني، ممسكًا بكوب لم يشرب منه. رفع ريو رأسه.

— انتظرني.

— لن أختاره لهذا السبب.

استغرق الأمر دقائق قليلة حتى استيقظ الباقون. لم يكن كايو سعيدًا بفكرة الاستيقاظ قبل أن تشرق الشمس بالكامل. جلس على حافة السرير وهو يفرك وجهه.

ومن ناحية السوق كان صوت عربة خشبية يجرها حصان يتردد في الشوارع

— أقسم أنني كنت أحلم بأنني آكل.

— ما شأنك؟

قالت نيرة وهي تربط شعرها:

نظر إليها.

— كنت تتحدث في نومك.

— بدأت أكره الكلمة بسبب كايو.

— ماذا قلت؟

— لا شيء.

— قلت: «اتركوا الطبق لي».

— أبي كان يكره كلمة «ربما».

رفع كايو إصبعه محذرًا.

استغرق الأمر دقائق قليلة حتى استيقظ الباقون. لم يكن كايو سعيدًا بفكرة الاستيقاظ قبل أن تشرق الشمس بالكامل. جلس على حافة السرير وهو يفرك وجهه.

— هذا ليس كلامًا يُقال عنه نوم.

— وهذا لا يقودك إلى أي مكان يعرفه أهل لين.

ابتسمت نيرة للمرة الأولى منذ فترة قصيرة. أما رين فاكتفى بحمل حقيبته.

نظر ريو إلى الشيخ فجأة. أما آزر فلم يتحرك. بقي ممسكًا بالحجر. بعد لحظة قال:

— انتهيت؟

ضحك كايو بخفة.

— تقريبًا.

— أنا؟ لا شيء.

كان آزر واقفًا قرب الباب. راقب كايو وهو يربط رباط حذائه، ثم وقف فجأة.

قال رين بهدوء:

— أين والدتك الآن؟

— لا.

توقف كايو. لم يرفع رأسه.

— إذن أنت لا تعرف.

— لا أعرف.

— لا شيء.

كان الجواب عاديًا، لكن يده بقيت على الرباط أكثر مما ينبغي. قال آزر:

— لو متنا هنا، أريد أن أقول إنني كنت ضد الفكرة.

— ظننت أنك تعرف.

— أشياء كثيرة.

ضحك كايو ضحكة قصيرة.

تغيرت ملامح الشيخ قليلًا. هذه المرة لم يبتسم. نظر إلى آزر طويلًا، ثم قال:

— أتمني .

— قلت: «اتركوا الطبق لي».

ثم شد الرباط بقوة حتى كاد يقطعه.

— هذا أسوأ.

— هيا.

رمقه ريو بنظرة. قال كايو:

في الشوارع الأولى كانت لين تستيقظ. الباعة يفتحون أبواب محلاتهم، والنساء يرششن الماء أمام البيوت، ورائحة الخبز الساخن بدأت تخرج من المخابز الصغيرة. رجل عجوز كان يرفع مصراع متجره بصعوبة، وحين مرّ كايو بجواره أمسك الرجل بالمصراع وقال:

— أشياء كثيرة.

— ساعدني أيها الأحمق.

رفعت نيرة رأسها.

ضحك كايو.

— وهذا لا يقودك إلى أي مكان يعرفه أهل لين.

— صباح الخير لك أيضًا.

— لأنني لم أكن متأكدًا أنني رأيتها أصلًا.

أمسك المصراع ورفعه. قال الرجل:

— إذن عليك أن تتعلم أولًا الفرق بين أن تعرف شيئًا… وأن تملك القدرة على تغييره.

— أقوى مما تبدو.

— سمعتك!

تدخل ريو من خلفه:

نظر آزر إلى السماء.

— لا تمدحه كثيرًا، سيتعبنا طوال الطريق.

حدق فيه آزر. ضحك كايو.

— سمعتك!

— تكذب؟

خرجت ضحكة خافتة من نيرة، حتى رين ابتسم قليلًا. أما آزر فتابع السير. كان يراقب المدينة وهي تستيقظ. في الأمس رأى لين كمدينة ضخمة. اليوم بدأ يرى شيئًا آخر. كان لكل شارع رائحته. لكل منطقة أصوات مختلفة. كانت هناك أحياء يكثر فيها التجار، وأخرى يسكنها الحرفيون، وأماكن لم تبدُ من الأساس كأنها مخصصة للناس العاديين. مبانٍ مرتفعة ذات جدران حجرية داكنة، وبوابات عليها رموز لا يعرف معناها.

— هذه ليست نصيحة.

رأى رجالًا ونساءً يرتدون ملابس مختلفة عن أهل القرية. بعضهم كان يسير وحده. بعضهم تحيط به حاشية. وبعضهم لم يكن يحمل سلاحًا، ومع ذلك كان الناس يبتعدون عنه دون أن يُطلب منهم ذلك. نظر آزر إلى أحدهم طويلًا. لاحظ ريو ذلك.

— أهذا طبيعي عند الشيوخ؟

— مزارع.

— عن ماذا؟

التفت آزر إليه.

التفت الشيخ إليه. ثم ابتسم.

— ماذا؟

— الرجل الذي تنظر إليه.

— الرجل الذي تنظر إليه.

ثم استدار ومشى مبتعدًا عن البوابة. نظر كايو إلى آزر.

تبع آزر نظرته.

— بعض الناس لا يحتاجون إلى أن يكونوا قريبين.

— كيف عرفت؟

— لأن الشيخ قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من لين. وربما كان يقصد هذا.

ابتسم ريو دون أن يشرح.

نظر الجميع إليه. رفع ريو يده. إشارة إلى الصمت. جلسوا. انحنى. وضع أذنه قرب الأرض. بقي هكذا لحظات. ثم رفع رأسه.

— ستعرف.

— لا.

ثم أكمل السير.

— يعني على الأقل أنه ثقيل.

ظهرت البوابة الشمالية بعد وقت قصير. كانت أكبر من البوابات التي دخلوا منها إلى المدينة. جدرانها تمتد إلى الجانبين، فوقها أبراج حراسة، وعلى الطريق أمامها عشرات العربات تنتظر التفتيش. لكن آزر لم يهتم بالبوابة. كان يبحث عن شخص. مرّ نظره بين المسافرين. رجال من القرى القريبة. تجار يحملون صناديق. عائلة تجلس في عربة مغلقة. مزارع شاب يقف وحده قرب حصانه. ثم رآه.

— الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من بوابة المدينة. ولا يبدأ من الطائفة. لكنه يبدأ عندما تختار شيئًا لا يخدمك إلا لأنك تريد أن تعرف.

كان الشيخ واقفًا خارج البوابة، إلى جانب شجرة قديمة نمت جذورها بين شقوق الحجر. لم يكن يلفت الانتباه. ثياب بسيطة. شعر أبيض غير مرتب . عصا خشبية في يده. وكان يحمل في اليد الأخرى كيسًا صغيرًا من القماش. كأنه رجل خرج من بيته ليشتري شيئًا من السوق. توقف آزر. توقف ريو معه. قال كايو:

— كنت تتحدث في نومك.

— ماذا؟

نظرت نيرة إلى الجدول. ثم قالت:

وأشار آزر برأسه. نظر الجميع. قال رين:

— أن أعرف لماذا يموت كل شيء.

— هو؟

— أنا لا أنظر إليك.

— نعم.

— لا.

لم يتحرك الشيخ عندما اقتربوا. كان ينظر إلى العربات التي تمر من البوابة. وعندما وصل آزر إليه قال:

— لا أعرف.

— تأخرت.

نظر آزر إلى البوابة.

نظر آزر إلى السماء.

— لأننا غالبًا لا نذهب إلى الأماكن الآمنة.

— الشمس لم تشرق بعد.

— لماذا أتيت؟

التفت الشيخ إليه. ثم ابتسم.

— إذن لماذا أوقفته؟

— ولهذا قلت عند الشروق، لا قبل الشروق بساعة.

ابتسم الشاب.

تدخل كايو:

أما ريو فكان يراقب ظهر الشيخ.

— وجدنا شخصًا أخيرًا يتحدث أكثر مما يتنفس.

— لماذا؟

نظر الشيخ إليه.

وأشار إلى الشرق.

— وأنت؟ تبدو كمن يتحدث أكثر مما يفكر.

— لأنه أعطاك حجرًا وقال إنه لا يعرف فائدته.

فتح كايو فمه. ثم أغلقه. ضحكت نيرة بصوت منخفض. هز الشيخ رأسه وكأنه اقتنع بشيء. ثم نظر إلى ريو. استقرت عيناه عليه لثانية أطول. لم تعجب ريو تلك النظرة. قال:

— عن ماذا؟

— هل تعرفنا؟

— من ماذا؟

— لا.

هزت رأسها.

— إذن لا تنظر إليّ هكذا.

رفع الشيخ عينيه إليه.

— أنا لا أنظر إليك.

— أتفق.

— هذا أسوأ.

— نعم.

ضحك الشيخ. أما آزر فظل صامتًا. قال الشيخ:

نظر آزر إلى البوابة.

— لماذا أتيت؟

— هذا ليس كلامًا يُقال عنه نوم.

— أنت طلبت مني ذلك.

— لا شيء.

— لا. أنا طلبت منك أن تأتي. لم أسألك لماذا أتيت.

— وأنت تكرهها عندما لا تستطيع فعل شيء.

فكر آزر قليلًا.

كانت السماء قد بدأت تفتح لونها عندما نزل من سطح النُّزل. في الدرج مرّ بجانب ريو الذي كان جالسًا قرب النافذة الصغيرة في الطابق الثاني، ممسكًا بكوب لم يشرب منه. رفع ريو رأسه.

— لأنني أريد أن أعرف أين يبدأ الطريق.

— لأنك لو فعلت شيئًا، لاضطررت إلى تغيير ما كنت سأقوله.

تغيرت ملامح الشيخ قليلًا. هذه المرة لم يبتسم. نظر إلى آزر طويلًا، ثم قال:

تبع آزر نظرته.

— وأين ظننت أنه يبدأ؟

— هل ستقفون هنا طوال اليوم؟

— عند القوة.

— لا أعرف.

هز الشيخ رأسه.

— الرجل الذي تنظر إليه.

— كثيرون قالوا ذلك.

— لأنه لا توجد لدي إجابة عنه.

— وهم مخطئون؟

— لا شيء.

— بعضهم نعم. والبعض ماتوا قبل أن يكتشفوا.

بعض الكلمات ليست وصفًا. بعضها… يفعل شيئًا.

ظل آزر ينظر إليه. لم يكن الجواب كافيًا. لاحظ الشيخ ذلك. قال:

— أشياء لا تحب أن يقترب منها الناس.

— جيد.

— لا شيء. وهذا هو الأفضل أحيانًا.

— ماذا؟

ومن مكان أبعد جاء نباح كلب، ثم ساد الصمت من جديد.

— لم تقتنع.

وللمرة الأولى منذ خرجوا من القرية، أدرك آزر شيئًا بسيطًا. لم يكن الشيخ قد قادهم إلى الطريق. هو فقط… تركهم يختارون الطريق الذي سيقودهم إليه.

— لم تعطِني شيئًا أقتنع به.

تبع آزر نظرته.

ابتسم الشيخ.

— لأنها تعتمد على الباب الذي تقف أمامه.

— هذه عادة سيئة.

نظر ريو إلى الشيخ فجأة. أما آزر فلم يتحرك. بقي ممسكًا بالحجر. بعد لحظة قال:

— لماذا؟

— لا.

— لأنها تعتمد على الباب الذي تقف أمامه.

— لم أشرب ماءً بهذا الطعم منذ زمن.

نظر آزر إلى البوابة.

— لن نذهب إلى طريق لا نعرفه.

— وأي باب هذا؟

— الرجل الذي تنظر إليه.

: أجاب الشيخ بهدوء

— وكان نظيفًا.

— أنت لا تزال تسأل عن الأبواب، بينما لم تتعلم بعد كيف ترى الطريق.

— أن أعرف لماذا يموت كل شيء.

اقترب ريو خطوة.

— كنت تتحدث إليه؟

— ماذا تريد منه؟

— وهذا أسوأ سبب أعرفه.

رفع الشيخ عينيه إليه.

رفع الشيخ عينيه إليه.

— أنا؟ لا شيء.

— هو؟

— إذن لماذا أوقفته؟

نظر إليه آزر. خفض كايو عينيه.

— لم أوقفه.

نظر إليه آزر. خفض كايو عينيه.

نظر ريو إلى آزر. ثم إلى الشيخ.

— لا.

— أنت تعرف شيئًا.

— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.

— بالطبع.

— ما شأنك؟

— عن ماذا؟

وللمرة الأولى منذ خرجوا من القرية، أدرك آزر شيئًا بسيطًا. لم يكن الشيخ قد قادهم إلى الطريق. هو فقط… تركهم يختارون الطريق الذي سيقودهم إليه.

— أشياء كثيرة.

— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.

— ولن تقول؟

— لا.

— ليس الآن.

— ماذا؟

ظل ريو صامتًا. كان واضحًا أنه لم يعجبه الأمر. لكن لم يضغط أكثر. كانت هذه إحدى الأشياء التي بدأت نيرة تلاحظها فيه. ريو لم يكن يثق بسهولة. لكن حين يواجه شيئًا يعرف أن معلوماته عنه ناقصة، لا يتظاهر بأنه يفهمه. كان ينسحب خطوة. لا لأنه جبان. بل لأنه رأى ما يكفي من الأمور ليعرف أن الخطأ الواحد قد يكلف أكثر من حياة شخص.

بقي الصمت بينهما لثوانٍ. ثم قال ريو:

رفع الشيخ الكيس الصغير الذي في يده. ثم أخرج منه حجرًا. كان حجمه لا يتجاوز نصف كف. حجر عادي. رمادي. وضعه أمام آزر.

— نعم.

— خذه.

— احتفظ به.

أمسكه آزر. كان باردًا.

— وهذا ليس مديحًا.

— ماذا أفعل به؟

— لا أعرف.

— لا شيء.

— لا أعرف.

— لماذا أعطيتني إياه؟

— كان لون الماء فيه غريبًا.

— لا أعرف.

قالت نيرة من خلفهما:

حدق فيه آزر. ضحك كايو.

كان آزر واقفًا قرب الباب. راقب كايو وهو يربط رباط حذائه، ثم وقف فجأة.

— بدأنا.

كان آزر ينظر إلى الماء. سأل:

قال الشيخ:

مدت يدها.

— قلت لك «خذه»، ولم أقل «افهمه».

— يبدو أن السفر بدأ يؤثر عليك.

— ما فائدته؟

رفعت حاجبًا.

— لا أعرف.

— وأي باب هذا؟

نظر ريو إلى الشيخ فجأة. أما آزر فلم يتحرك. بقي ممسكًا بالحجر. بعد لحظة قال:

خفض كايو عينيه.

— إذن أنت لا تعرف.

— هل أنت خائف؟

— نعم، لكن هل عدم معرفتي يجعله بلا فائدة؟

— ماذا؟

: نظر آزر إلى الحجر مرة أخرى. لم يُجب. قال الشيخ

— صباح الخير لك أيضًا.

— احتفظ به.

ثم أكمل السير.

ثم استدار ومشى مبتعدًا عن البوابة. نظر كايو إلى آزر.

— لا شيء.

— هل هذا كل شيء؟

ثم شد الرباط بقوة حتى كاد يقطعه.

لكن الشيخ رفع يده دون أن يلتفت.

— سنعبر من هناك.

— لا تتبعوني.

هز الشيخ رأسه.

: قال رين.

— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.

— هذا الرجل أغرب من كل شيء حدث لنا.

أضواء المصابيح انتشرت بين البيوت كنجوم وُضعت على الأرض بدلا من السماء.

— وهذا ليس مديحًا.

— إذن أنت لا تعرف.

أما ريو فكان يراقب ظهر الشيخ.

— ليس الآن.

— لا. هو ليس غريبًا. الغريب هو أنني لا أعرف ماذا يريد. وهذا يزعجني أكثر.

أشار إلى الطريق الرئيسي.

لم يتحرك آزر. بقي ينظر إلى الحجر. كان باردًا، لكنه ليس ببرودة الصخر الذي وجدوه تحت القرية. ذلك الشيء كان باردًا بطريقة تجعل اليد تريد الابتعاد عنه. أما هذا فكان مجرد حجر. مع ذلك أعاده إلى كفه وشرع يحركه.
: لا أثر. لا علامة. لا شيء. قال كايو

هز الشاب كتفيه.

— ارمه.

تغير وجه ريو. أصغى. لثانية. ثانيتين. ثم قال:

نظر آزر إليه.

نظر الجميع إليه. رفع ريو يده. إشارة إلى الصمت. جلسوا. انحنى. وضع أذنه قرب الأرض. بقي هكذا لحظات. ثم رفع رأسه.

— لماذا؟

— وأين ظننت أنه يبدأ؟

— لأنه أعطاك حجرًا وقال إنه لا يعرف فائدته.

جلست نيرة قرب الماء وبدأت تملأ قنينة. لاحظت آزر واقفًا وحده على الجانب الآخر. كان ينظر إلى سطح الماء.

— هذا لا يعني أنه بلا فائدة.

— أنت تضحك، لكن هذا أفضل من اختراع أسباب معقدة لكل شيء.

— يعني على الأقل أنه ثقيل.

— ماذا تريد منه؟

قالت نيرة:

— لا أعرف.

— وزنه أقل مما كنت تشتكي منه عندما حملتني يوم إصابتي.

— ماذا سمعت؟

— كنت غاضبًا وقتها.

— بعض الناس لا يحتاجون إلى أن يكونوا قريبين.

— كنت مرهقًا.

— هذا ليس كلامًا يُقال عنه نوم.

— نفس الشيء.

— ما الموجود فيها؟

تدخل رين:

— رأيت مثلها.

— هل ستقفون هنا طوال اليوم؟

— أنا أيضًا.

بدأوا السير. لكن بعد بضع خطوات التفت آزر. الشيخ كان قد اختفى. لم يكن في الشارع. ولم يرَ أحد متى غادر.

— لأن رجلًا طلب مني أن أذهب إليها.

خارج لين تغير الطريق بسرعة. المباني اختفت. ثم اختفت الأسوار. وبعد مسافة قصيرة أصبحت المدينة خلفهم مجرد خط حجري في الأفق. الهواء كان أنظف. لكن الريح أقوى. امتدت الأراضي إلى الشمال، حقول واسعة تتخللها الأشجار والجداول الصغيرة، وفي أماكن بعيدة ظهرت تلال زرقاء تحت ضوء الصباح.

أجابه ريو:

كان الطريق الرئيسي ممتدًا أمامهم. عربات كثيرة تسير فيه. إلى جانبهم مرّ رجل على حصان، وثيابه تحمل شعارًا فضيًا. همس ريو

— لا تتبعوني.

— لا تنظروا كثيرًا.

ومن ناحية السوق كان صوت عربة خشبية يجرها حصان يتردد في الشوارع

خفض كايو عينيه.

توقف. كانت بقية الجملة مكسورة. لكن آزر، دون أن يعرف لماذا، مد يده نحو الحروف. توقفت أصابعه قبل أن تلمسها بقليل. قال:

— لماذا؟

— لا شيء.

— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.

— أنا؟ لا شيء.

ضحك كايو بخفة.

— لا شيء.

— نحن في طريق مليء بالناس.

ظل ريو ينظر إليه.

قال ريو:

— هل ستقفون هنا طوال اليوم؟

— بعض الناس لا يحتاجون إلى أن يكونوا قريبين.

— من أنك لا تعرف.

صمت كايو. بدأت حركته تصبح أبطأ. لم يكن رين قد قال شيئًا مخيفًا. لكن منذ أن خرجوا من القرية بدأ العالم نفسه يفرض عليهم نوعًا جديدًا من الحذر. في القرية كانوا يعرفون معظم الأشياء.
اما هنا كان كل شئ مجهولا وخطيرا، هذا الطريق . وكل وجه غريب. وكل شعار جديد. وكل شخص أقوى منهم.

— لا شيء.

قالت نيرة وهي تسير إلى جوار آزر:

— لا أعرف.

— ماذا تفعل بالحجر؟

ظل آزر ينظر إليه. لم يكن الجواب كافيًا. لاحظ الشيخ ذلك. قال:

— لا شيء.

صمت رين. ثم حمل حقيبته.

— منذ وقت طويل وأنت تمسكه.

قالت نيرة وهي تسير إلى جوار آزر:

نظر إلى يده. كان لا يزال يمسك الحجر.

ضحك كايو. ثم تابعوا.

— نسيت أن أضعه في الحقيبة.

ابتسمت نيرة للمرة الأولى منذ فترة قصيرة. أما رين فاكتفى بحمل حقيبته.

مدت يدها.

— لماذا لم تقل؟

— أعطني.

تدخل ريو من خلفه:

أعطاها إياه. قلبته بين أصابعها، ثم أعادته إليه.

ثم شد الرباط بقوة حتى كاد يقطعه.

— حجر.

— وهذا لا يقودك إلى أي مكان يعرفه أهل لين.

— كيف عرفت؟

— أنت لا تزال تسأل عن الأبواب، بينما لم تتعلم بعد كيف ترى الطريق.

رفعت حاجبًا.

تقدمت نيرة. ثم كايو. أما ريو فبقي واقفًا للحظة أطول. نظر إلى الشيخ.

— لأنني لم أفكر في أن الحجر سر كوني.

— لا شأن لي. لكن الطريق بعد هذا المكان ليس آمنًا.

ابتسم كايو.

— وربما لا.

— وأنتِ ماذا كنتِ تتوقعين؟

— هذا الرجل أغرب من كل شيء حدث لنا.

— لا شيء. وهذا هو الأفضل أحيانًا.

— وهذا أسوأ سبب أعرفه.

لم يفهم آزر ما قصدته. ولم يسأل.

نظر إليه رين.

بعد ساعتين توقفوا عند جدول صغير. كان الماء صافيًا، يجري فوق الحصى بهدوء. جلس كايو وشرب بيديه.
: ثم قال

لم يضحك أحد هذه المرة. قال رين:

— لم أشرب ماءً بهذا الطعم منذ زمن.

صمتوا. انتظروا. لا شيء. نظر كايو إلى النهر.

— هذا لأنك كنت تشرب من البرميل في النزل.

— أنا؟ لا شيء.

— وكان نظيفًا.

— لا بأس.

نظر إليه رين.

— هذا ليس كلامًا يُقال عنه نوم.

— كان لون الماء فيه غريبًا.

أمسكه آزر. كان باردًا.

— قليلًا.

— لا. هو ليس غريبًا. الغريب هو أنني لا أعرف ماذا يريد. وهذا يزعجني أكثر.

جلست نيرة قرب الماء وبدأت تملأ قنينة. لاحظت آزر واقفًا وحده على الجانب الآخر. كان ينظر إلى سطح الماء.

: ثم قالت بصوت متهدج مكسور… .

— ماذا ترى؟

— لا شيء.

— لا شيء.

— جيد.

— إذن لماذا تحدق؟

— وأنت تكرهها عندما لا تستطيع فعل شيء.

— الماء يتحرك دون أن أعرف لماذا.

— لم أشرب ماءً بهذا الطعم منذ زمن.

نظرت نيرة إلى الجدول. ثم قالت:

— لا أحب هذا.

— بسبب انحدار الأرض.

— جيد.

التفت إليها.

— هذه أقوى إجابة قالها أحد هنا اليوم.

— وكيف عرفتِ؟

قال رين بهدوء:

— لأنني عشت أكثر من ستة عشر عامًا.

ثم أشار إلى الطريق الفرعي.

قال كايو:

— لا.

— هذه أقوى إجابة قالها أحد هنا اليوم.

— لا شيء.

وضعت نيرة الماء في حقيبتها.

— هذا الرجل أغرب من كل شيء حدث لنا.

— أنت تضحك، لكن هذا أفضل من اختراع أسباب معقدة لكل شيء.

كان الطريق ضيقًا أكثر مما بدا من بعيد. في البداية لم يحدث شيء. فقط أشجار. تراب. وصوت حشرات. ثم بدأت أصوات لين تختفي وراءهم. بعد عشر دقائق لم يعد هناك شيء يدل على المدينة. ولا برج. ولا سور. ولا حتى دخان. كأنهم دخلوا عالمًا منفصلًا. : قال كايو

نظر آزر إلى الماء مرة أخرى. هذه المرة بسهولة. أضاف كايو:

— سمعتك!

— أنت تحب «ربما» عندما لا يكون هناك شيء آخر.

— أن أعرف لماذا يموت كل شيء.

أجابه ريو:

: قال رين.

— وأنت تكرهها عندما لا تستطيع فعل شيء.

ثم غادر. قال كايو:

تغير وجه كايو. ولم يرد. التفت نيرة إلى ريو. لكنه كان قد نظر بعيدًا. لم يعتذر. لم يعتذر كايو أيضًا. استمروا في السير. وبعد بضع خطوات قال كايو:

— كايو…

— أبي كان يكره كلمة «ربما».

— مرة أخرى.

نظر إليه آزر. خفض كايو عينيه.

— جيد. لأنني كذلك.

— كان يقول إن الإنسان إذا عرف الشيء يقوله. وإذا لم يعرفه يقول لا أعرف. «ربما» تجعل الناس ينتظرون.

رفعت نيرة رأسها.

سكت قليلًا. ثم ضحك.

أطلق ريو نفسًا بطيئًا، ونهض.

— ثم مات، وبقيت أنا أكره «لا أعرف» أيضًا.

ثم تابع السير.

لم يضحك أحد هذه المرة. قال رين:

— لم أقل إنها نصيحة.

— كايو…

كانت السماء قد بدأت تفتح لونها عندما نزل من سطح النُّزل. في الدرج مرّ بجانب ريو الذي كان جالسًا قرب النافذة الصغيرة في الطابق الثاني، ممسكًا بكوب لم يشرب منه. رفع ريو رأسه.

لكن كايو رفع يده.

— «إلى من يعبر…»

— لا بأس.

خرجت ضحكة خافتة من نيرة، حتى رين ابتسم قليلًا. أما آزر فتابع السير. كان يراقب المدينة وهي تستيقظ. في الأمس رأى لين كمدينة ضخمة. اليوم بدأ يرى شيئًا آخر. كان لكل شارع رائحته. لكل منطقة أصوات مختلفة. كانت هناك أحياء يكثر فيها التجار، وأخرى يسكنها الحرفيون، وأماكن لم تبدُ من الأساس كأنها مخصصة للناس العاديين. مبانٍ مرتفعة ذات جدران حجرية داكنة، وبوابات عليها رموز لا يعرف معناها.

ثم تابع السير.

نظرت إلى الحجر.

قبل الغروب بقليل وصلوا إلى مبنى صغير عند نهاية الطريق. كان أقرب إلى نقطة استراحة للقوافل. مظلة خشبية، وبئر، وطاولتان قديمتان. جلسوا لتناول الطعام. لم يكن كثيرًا. بعض الخبز، اللحم المجفف، والماء. بينما كانوا يأكلون اقترب منهم شاب في العشرين تقريبًا. كان يحمل عصا معدنية على ظهره، وعلى صدره شارة دائرية. قال:

التفت الشيخ إليه. ثم ابتسم.

— إلى أين أنتم ذاهبون؟

— لم تقل ذلك.

— شمالًا.

ثم أكمل السير.

— إلى أين؟

— ماذا أفعل به؟

تدخل ريو:

فكر.

— ما شأنك؟

— كنت أعرف أنك ستسألني هذا السؤال. وهذا يكفيني.

ابتسم الشاب.

— كيف عرفت؟

— لا شأن لي. لكن الطريق بعد هذا المكان ليس آمنًا.

هز الشيخ رأسه.

نظر كايو إلى الشارة.

— إذن لماذا أوقفته؟

— ما هذه؟

— كنت تتحدث في نومك.

— طائفة سحابة الشمال.

وضع ريو الكوب على الأرض.

قال رين بهدوء:

مع أول ضوء استعدوا للمغادرة. كان الطريق أبرد في الصباح. وعندما خرجوا من مكان الاستراحة وجدوا الشيخ واقفًا عند البئر. كان كأنه لم يغادر أصلًا. توقف الجميع. : قال كايو

— هل هي قريبة؟

— أنت ستذهب؟

— خمسة أيام من هنا.

وأشار إلى الشرق.

رفع ريو رأسه. كان هذا نفس الاتجاه الذي ذهب فيه الشيخ بالأمس. قال الشاب:

قال ريو:

— أنتم ذاهبون إليها؟

— قلت لك «خذه»، ولم أقل «افهمه».

— ربما.

— إذن ما فائدتك؟

ضحك.

— لا شيء.

— أنت ستذهب؟

— كايو…

نظر كايو إليه.

— لماذا؟

— لا تبدأ.

— هذا لأنك كنت تشرب من البرميل في النزل.

لكن الشاب لم يكن يقصد السخرية. قال:

: ثم قالت بصوت متهدج مكسور… .

— إذا كنتم ذاهبين إليها، فهناك طريق أسرع.

نظر إلى آزر.

وأشار إلى الشرق.

— لأنني لم أكن متأكدًا أنني رأيتها أصلًا.

— الغابة القديمة تختصر يومين، لكنني لا أنصح بها لمن ليس مزارعًا.

— لكنه يشبهه.

— ما الموجود فيها؟

— انتهيت؟

هز الشاب كتفيه.

— هذه أقوى إجابة قالها أحد هنا اليوم.

— أشياء لا تحب أن يقترب منها الناس.

— يبدو أن السفر بدأ يؤثر عليك.

ثم غادر. قال كايو:

هز الشاب كتفيه.

لماذا يبدو أن كل مكان في هذا العالم فيه شيء يريد قتلنا؟
: قال رين

— لا تنظروا كثيرًا.

— لأننا غالبًا لا نذهب إلى الأماكن الآمنة.

أمسك المصراع ورفعه. قال الرجل:

رفعت نيرة رأسها.

— هو؟

— ومن قال إننا نعرف أصلًا أين الآمن؟

— هل أنت خائف؟

لم يُجب أحد.

— إذن؟

بعد الطعام قرروا أن يناموا حتى الفجر. لكن قبل أن يستلقي آزر رأى شيئًا. على الأرض قرب البئر كانت هناك آثار أقدام. ثلاثة. حديثة. لكن الأغرب أن أحدها لم يكتمل. بدأت البصمة ثم انقطعت. اقترب. انحنى. لمس التراب. لم يكن هناك أثر بعد الموضع. كأن صاحب القدم وقف للحظة، ثم لم يعد موجودًا. جاء ريو خلفه. نظر إلى الأرض. ثم قال:

نهض ريو.

— رأيت مثلها.

— ليس الآن.

رفع آزر رأسه.

— قلت: «اتركوا الطبق لي».

— أين؟

— ماذا تريد منه؟

— في الطريق.

— لا.

— لماذا لم تقل؟

— ماذا؟

ظل ريو ينظر إلى الأثر.

— آزر. لا تختَر لأنك تريد مخالفة الجميع.

— لأنني لم أكن متأكدًا أنني رأيتها أصلًا.

أجابه ريو:

قالت نيرة من خلفهما:

— تكذب؟

— وماذا يعني ذلك؟

— لأنني عشت أكثر من ستة عشر عامًا.

— لا أعرف.

— إذن لا تنظر إليّ هكذا.

رفع كايو رأسه من مكانه.

— هل تتوقع أن نتبعك فقط لأنك قررت؟

— مرة أخرى.

لكن آزر كان لا يزال ينظر إلى الأثر. لم يشعر بالخوف. ولم يشعر بالفضول كما كان سابقًا. كان هناك شيء آخر. شيء لم يستطع تحديده. المسافة بين موضع القدم واختفائها كانت قصيرة جدًا. خطوة واحدة. فقط خطوة واحدة. ثم لا شيء.

رمقه ريو بنظرة. قال كايو:

تقدمت نيرة. ثم كايو. أما ريو فبقي واقفًا للحظة أطول. نظر إلى الشيخ.

— ماذا؟

— من أنك لا تعرف.

— لا شيء.

ظل ريو ينظر إلى الأثر.

لكن آزر كان لا يزال ينظر إلى الأثر. لم يشعر بالخوف. ولم يشعر بالفضول كما كان سابقًا. كان هناك شيء آخر. شيء لم يستطع تحديده. المسافة بين موضع القدم واختفائها كانت قصيرة جدًا. خطوة واحدة. فقط خطوة واحدة. ثم لا شيء.

— لا شيء.

في منتصف الليل استيقظ آزر. لم يكن هناك صوت. فقط إحساس غريب.
فتح عينيه.
كان الحجر الرمادي الذي أعطاه إياه الشيخ داخل حقيبته.
نهض و أخرج الحجر. تأمل سطحه. شيء ما تغيّر. ليس في الحجر. في يده. كانت هناك حرارة خفيفة في أطراف أصابعه. وكلما وضع يده على الحجر شعر بشيء يمر من داخله. لم يكن ضوءًا. ولا طاقة واضحة. كان أقرب إلى تيار ضعيف.
سحب يده. اختفى الإحساس. أعادها. عاد. نظر إلى أصابعه. ثم إلى الحجر. لم يقل شيئًا. جلس على الأرض وأغمض عينيه. حاول أن يتذكر ما قاله الشيخ: «من قال لك إن المدد يخرج من اليد؟» في الأمس لم يفهم السؤال. الآن تذكر ما قاله الشخص الذي اختبره في قاعة الفحص: «هناك شيء ما.» شيء ما… لكن ماذا؟

— في الطريق.

فتح عينيه. أخذ نفسًا بطيئًا. ثم وضع الحجر على الأرض. مد يده نحوه. لم يحدث شيء. انتظر. لا شيء. ضحك بخفة.

— نسيت أن أضعه في الحقيبة.

— سخيف.

— إلى أين أنتم ذاهبون؟

سمعت نيرة صوته من خلفه.

قالت نيرة وهي تسير إلى جوار آزر:

— ما هو السخيف؟

— وزنه أقل مما كنت تشتكي منه عندما حملتني يوم إصابتي.

التفت. كانت واقفة عند مدخل المكان.

رفع آزر رأسه.

— لا شيء.

كان آزر واقفًا قرب الباب. راقب كايو وهو يربط رباط حذائه، ثم وقف فجأة.

نظرت إلى الحجر.

تغيرت ملامح الشيخ قليلًا. هذه المرة لم يبتسم. نظر إلى آزر طويلًا، ثم قال:

— كنت تتحدث إليه؟

— أين والدتك الآن؟

— أحاول.

— هذا يقودك إلى طائفة سحابة الشمال.

— الحجر؟

رفع كايو إصبعه محذرًا.

— نعم.

لم يتغير وجه ريو كثيرًا، لكن أصابعه توقفت عن الحركة.

هزت رأسها.

— عند القوة.

— يبدو أن السفر بدأ يؤثر عليك.

— كثيرون قالوا ذلك.

جلس آزر. دخلت نيرة وجلست على مسافة منه. سألت:

تبع آزر نظرته.

— هل أنت خائف؟

— رأيت مثلها.

نظر إليها.

بعد الطعام قرروا أن يناموا حتى الفجر. لكن قبل أن يستلقي آزر رأى شيئًا. على الأرض قرب البئر كانت هناك آثار أقدام. ثلاثة. حديثة. لكن الأغرب أن أحدها لم يكتمل. بدأت البصمة ثم انقطعت. اقترب. انحنى. لمس التراب. لم يكن هناك أثر بعد الموضع. كأن صاحب القدم وقف للحظة، ثم لم يعد موجودًا. جاء ريو خلفه. نظر إلى الأرض. ثم قال:

— من ماذا؟

ظل ريو صامتًا. كان واضحًا أنه لم يعجبه الأمر. لكن لم يضغط أكثر. كانت هذه إحدى الأشياء التي بدأت نيرة تلاحظها فيه. ريو لم يكن يثق بسهولة. لكن حين يواجه شيئًا يعرف أن معلوماته عنه ناقصة، لا يتظاهر بأنه يفهمه. كان ينسحب خطوة. لا لأنه جبان. بل لأنه رأى ما يكفي من الأمور ليعرف أن الخطأ الواحد قد يكلف أكثر من حياة شخص.

— من أنك لا تعرف.

— إذا كنتم ذاهبين إليها، فهناك طريق أسرع.

فكر.

لم يُجب أحد.

— لا.

— لا شيء.

— جيد. لأنني كذلك.

— إذن ما فائدتك؟

نظر إليها. هذه المرة لم تجب هي نفسها عن السبب. استلقت على الأرض وأسندت رأسها إلى ذراعها.

— هذه عادة سيئة.

: ثم قالت بصوت متهدج مكسور… .

— أعطني.

— افتقد القرية كثيرا.

— الآن؟

— ربما سنعود يوما ما.

ضحك كايو. ثم تابعوا.

ابتسمت.

— ماذا أفعل به؟

— بدأت أكره الكلمة بسبب كايو.

— لأنك لو فعلت شيئًا، لاضطررت إلى تغيير ما كنت سأقوله.

مع أول ضوء استعدوا للمغادرة. كان الطريق أبرد في الصباح. وعندما خرجوا من مكان الاستراحة وجدوا الشيخ واقفًا عند البئر. كان كأنه لم يغادر أصلًا. توقف الجميع.
: قال كايو

— ارمه.

— أهذا طبيعي عند الشيوخ؟

بعد ساعتين توقفوا عند جدول صغير. كان الماء صافيًا، يجري فوق الحصى بهدوء. جلس كايو وشرب بيديه. : ثم قال

لم يجبه أحد. رفع الشيخ نظره إلى آزر.

— ماذا ترى؟

— ماذا فعلت بالحجر؟

— كنت أفكر فيها.

— لا شيء.

قالت نيرة وهي تربط شعرها:

— جيد.

ضحك الشيخ. أما آزر فظل صامتًا. قال الشيخ:

— لماذا؟

كان الطريق ضيقًا أكثر مما بدا من بعيد. في البداية لم يحدث شيء. فقط أشجار. تراب. وصوت حشرات. ثم بدأت أصوات لين تختفي وراءهم. بعد عشر دقائق لم يعد هناك شيء يدل على المدينة. ولا برج. ولا سور. ولا حتى دخان. كأنهم دخلوا عالمًا منفصلًا. : قال كايو

— لأنك لو فعلت شيئًا، لاضطررت إلى تغيير ما كنت سأقوله.

— لكنه يشبهه.

صمت آزر. تقدم الشيخ خطوة.

ابتسم كايو.

— أمامك ثلاثة طرق.

— لا. هو ليس غريبًا. الغريب هو أنني لا أعرف ماذا يريد. وهذا يزعجني أكثر.

أشار إلى الطريق الرئيسي.

لماذا يبدو أن كل مكان في هذا العالم فيه شيء يريد قتلنا؟ : قال رين

— هذا يقودك إلى طائفة سحابة الشمال.

ثم أكمل السير.

ثم أشار إلى الطريق الفرعي.

— أقوى مما تبدو.

— هذا يقودك إلى ممر شوان.

بدأوا السير. لكن بعد بضع خطوات التفت آزر. الشيخ كان قد اختفى. لم يكن في الشارع. ولم يرَ أحد متى غادر.

وأخيرًا أشار إلى أرض ترابية ضيقة بين الأشجار.

رمقه ريو بنظرة. قال كايو:

— وهذا لا يقودك إلى أي مكان يعرفه أهل لين.

التفت. كانت واقفة عند مدخل المكان.

نظر ريو إلى الطريق الثالث.

— إلى أين أنتم ذاهبون؟

— لماذا تعرض علينا ثلاثة؟

— صباح الخير لك أيضًا.

— لأنني أريد أن أرى أي واحد تختار.

كان الطريق ضيقًا أكثر مما بدا من بعيد. في البداية لم يحدث شيء. فقط أشجار. تراب. وصوت حشرات. ثم بدأت أصوات لين تختفي وراءهم. بعد عشر دقائق لم يعد هناك شيء يدل على المدينة. ولا برج. ولا سور. ولا حتى دخان. كأنهم دخلوا عالمًا منفصلًا. : قال كايو

— وهل تعرف ما يوجد في كل واحد؟

— لا. أنا طلبت منك أن تأتي. لم أسألك لماذا أتيت.

— إلى حد ما.

— جيد. لأنني كذلك.

— وما الذي تنصح به؟

بعد ساعتين توقفوا عند جدول صغير. كان الماء صافيًا، يجري فوق الحصى بهدوء. جلس كايو وشرب بيديه. : ثم قال

— لا شيء.

ابتسم ريو دون أن يشرح.

سكت رين. ثم قال:

— «إلى من يعبر…»

— إذن ما فائدتك؟

— لا.

ضحك الشيخ.

— أنت تعرف شيئًا.

— الآن أعجبتني.

— لأنك لا تعرف من يمكنه سماعك.

نظر إلى آزر.

قالت نيرة من خلفهما:

— الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من بوابة المدينة. ولا يبدأ من الطائفة. لكنه يبدأ عندما تختار شيئًا لا يخدمك إلا لأنك تريد أن تعرف.

— أين؟

— هذه ليست نصيحة.

— أعطني.

— لم أقل إنها نصيحة.

— إلى أين؟

ثم التفت إلى آزر.

— لا. هو ليس غريبًا. الغريب هو أنني لا أعرف ماذا يريد. وهذا يزعجني أكثر.

— ماذا تريد؟

صمت آزر. تقدم الشيخ خطوة.

— أن أعرف لماذا يموت كل شيء.

— لا شيء. وهذا هو الأفضل أحيانًا.

لم يضحك الشيخ. ولم يبدُ عليه الاستغراب. فقط نظر إليه للحظة طويلة. ثم قال:

— نفس الشيء.

— إذن عليك أن تتعلم أولًا الفرق بين أن تعرف شيئًا… وأن تملك القدرة على تغييره.

مع أول ضوء استعدوا للمغادرة. كان الطريق أبرد في الصباح. وعندما خرجوا من مكان الاستراحة وجدوا الشيخ واقفًا عند البئر. كان كأنه لم يغادر أصلًا. توقف الجميع. : قال كايو

خفض آزر عينيه إلى الطريق الثالث. كان ضيقًا. الأعشاب تغطي حوافه. لا توجد عليه آثار عربات. لا توجد لافتة. لا توجد أي علامة تخبرهم إلى أين يقود. قال رين فورًا:

— لا أعرف.

— لن نذهب إلى طريق لا نعرفه.

ومن ناحية السوق كان صوت عربة خشبية يجرها حصان يتردد في الشوارع

— أتفق.

لكن آزر كان لا يزال ينظر إلى الأثر. لم يشعر بالخوف. ولم يشعر بالفضول كما كان سابقًا. كان هناك شيء آخر. شيء لم يستطع تحديده. المسافة بين موضع القدم واختفائها كانت قصيرة جدًا. خطوة واحدة. فقط خطوة واحدة. ثم لا شيء.

— وأنا.

— إلى أين؟

نيرة نظرت إلى آزر. لم تتكلم. آزر بقي صامتًا. كان يستطيع أن يختار الطريق الرئيسي. طريق واضح. طريق تقوده طائفة. ومعلومات أكثر. وطعام. ومكان للنوم. والأمان النسبي. أما الطريق الآخر فلا شيء فيه. فقط أسئلة. قال ريو:

— ماذا فعلت بالحجر؟

— آزر. لا تختَر لأنك تريد مخالفة الجميع.

— لم أقل إنها نصيحة.

نظر آزر إلى الطريق. ثم إلى يده. إلى الحجر الرمادي. ثم قال:

— أنت كنت تعرف أننا سنفعل هذا.

— لن أختاره لهذا السبب.

— خذه.

— إذن لماذا؟

— جيد. لأنني كذلك.

تأخر جوابه.

: قال رين.

— لأنه لا توجد لدي إجابة عنه.

: نظر آزر إلى الحجر مرة أخرى. لم يُجب. قال الشيخ

نظر ريو إليه طويلًا. فهم المعنى. لم يكن آزر يعرف إن كان الطريق صحيحًا. ولهذا بالضبط أراد أن يراه. قالت نيرة:

— أنا أيضًا.

— وهذا أسوأ سبب أعرفه.

رفع ريو رأسه. كان هذا نفس الاتجاه الذي ذهب فيه الشيخ بالأمس. قال الشاب:

— لكنه يشبهه.

بقي الصمت بينهما لثوانٍ. ثم قال ريو:

اقترب آزر من الطريق. خطا خطوة. ثم ثانية. توقف. استدار. كان الثلاثة الآخرون لا يزالون في مكانهم. قال رين:

التفت. كانت واقفة عند مدخل المكان.

— هل تتوقع أن نتبعك فقط لأنك قررت؟

— لنعود.

— لا.

— ماذا تريد منه؟

صمت رين. ثم حمل حقيبته.

— خمسة أيام من هنا.

— جيد.

— لا شيء.

تقدمت نيرة. ثم كايو. أما ريو فبقي واقفًا للحظة أطول. نظر إلى الشيخ.

— لا أحب هذا.

— أنت كنت تعرف أننا سنفعل هذا.

— أتفق.

— لا.

— وما الذي تنصح به؟

— تكذب؟

نظر آزر إليه.

— لا.

لكن آزر كان لا يزال ينظر إلى الأثر. لم يشعر بالخوف. ولم يشعر بالفضول كما كان سابقًا. كان هناك شيء آخر. شيء لم يستطع تحديده. المسافة بين موضع القدم واختفائها كانت قصيرة جدًا. خطوة واحدة. فقط خطوة واحدة. ثم لا شيء.

— إذن؟

— مرة أخرى.

ابتسم الشيخ.

— نعم، لكن هل عدم معرفتي يجعله بلا فائدة؟

— كنت أعرف أنك ستسألني هذا السؤال. وهذا يكفيني.

بعض الكلمات ليست وصفًا. بعضها… يفعل شيئًا.

لم يرد ريو. استدار ولحق بالبقية.

ابتسم الشيخ.

كان الطريق ضيقًا أكثر مما بدا من بعيد. في البداية لم يحدث شيء. فقط أشجار. تراب. وصوت حشرات. ثم بدأت أصوات لين تختفي وراءهم. بعد عشر دقائق لم يعد هناك شيء يدل على المدينة. ولا برج. ولا سور. ولا حتى دخان. كأنهم دخلوا عالمًا منفصلًا.
: قال كايو

— رأيت مثلها.

— لو متنا هنا، أريد أن أقول إنني كنت ضد الفكرة.

— لا. أنا طلبت منك أن تأتي. لم أسألك لماذا أتيت.

— لم تقل ذلك.

— أين والدتك الآن؟

— كنت أفكر فيها.

— ماذا سمعت؟

— التفكير لا يُحتسب.

— أنت طلبت مني ذلك.

— أنت ظالم.

— خمسة أيام من هنا.

— أحمق.

— لأنها تعتمد على الباب الذي تقف أمامه.

ضحك كايو. ثم تابعوا.

لم يضحك الشيخ. ولم يبدُ عليه الاستغراب. فقط نظر إليه للحظة طويلة. ثم قال:

بعد ساعة وجدوا جسرًا حجريًا صغيرًا. كان نصفه مكسورًا. تحت الجسر نهر ضحل. أشار رين إلى الجانب الآخر.

لكن كايو رفع يده.

— سنعبر من هناك.

— عن ماذا؟

تقدم. لكن آزر لم يتحرك. قال ريو:

كان آزر واقفًا قرب الباب. راقب كايو وهو يربط رباط حذائه، ثم وقف فجأة.

— ماذا؟

— ستعرف.

كان آزر ينظر إلى الماء. سأل:

نظر آزر إليه.

— هل سمعتم ذلك؟

— ماذا تريد؟

صمتوا. انتظروا. لا شيء. نظر كايو إلى النهر.

— عند القوة.

— لا.

— لا شيء.

نيرة هزت رأسها.

خفض آزر عينيه إلى الطريق الثالث. كان ضيقًا. الأعشاب تغطي حوافه. لا توجد عليه آثار عربات. لا توجد لافتة. لا توجد أي علامة تخبرهم إلى أين يقود. قال رين فورًا:

— ماذا سمعت؟

— ماذا تريد منه؟

— طرقًا.

رفع آزر عينيه إلى السماء. لم يكن يعرف ماذا يوجد بعد هذا العالم. السؤال ظل عالقًا في رأسه منذ أن قاله. ثم تذكر الشيخ: «اذهب إلى البوابة الشمالية عند الشروق.» لم يقل لماذا. ولم يقل ماذا سيحدث هناك. فقط قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من هنا. نظر آزر إلى المدينة مرة أخيرة، ثم نهض.

تغير وجه ريو. أصغى. لثانية. ثانيتين. ثم قال:

— نفس الشيء.

— أنا أيضًا.

— رأيت مثلها.

نظر الجميع إليه. رفع ريو يده. إشارة إلى الصمت. جلسوا. انحنى. وضع أذنه قرب الأرض. بقي هكذا لحظات. ثم رفع رأسه.

— لا شيء.

— ليس من الماء. من تحت الطريق.

— لم أقل إنها نصيحة.

صمت آزر. تذكر الشجرة. والعلامة. والحجر الأسود. والطرقات. هذه المرة لم يسمع أحدهم ثلاثًا. ولا أربعًا. جاءت طرقة واحدة. ثم سكت كل شيء. قال كايو بهدوء:

ثم أكمل السير.

— لا أحب هذا.

— ماذا؟

— لنعود.

خفض آزر عينيه إلى الطريق الثالث. كان ضيقًا. الأعشاب تغطي حوافه. لا توجد عليه آثار عربات. لا توجد لافتة. لا توجد أي علامة تخبرهم إلى أين يقود. قال رين فورًا:

نهض ريو.

— هذا ليس كلامًا يُقال عنه نوم.

— انتظر.

— إذن عليك أن تتعلم أولًا الفرق بين أن تعرف شيئًا… وأن تملك القدرة على تغييره.

— لماذا؟

أطلق ريو نفسًا بطيئًا، ونهض.

نظر إلى آزر. ثم إلى الطريق.

— أين والدتك الآن؟

— لأن الشيخ قال إن الطريق الذي يبحث عنه لا يبدأ من لين. وربما كان يقصد هذا.

— نعم.

— وربما لا.

— هل قال لك اسمه؟

نظر ريو إليها. ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— نعم، لكن هل عدم معرفتي يجعله بلا فائدة؟

— لا تنظر إليّ هكذا. أنا فقط أعيد لك الكلمة.

: نظر آزر إلى الحجر مرة أخرى. لم يُجب. قال الشيخ

في مكان ما تحت أقدامهم… جاءت طرقة ثانية. لكنها هذه المرة لم تكن عميقة. كانت أقرب. وأبطأ. ثم جاء صوت لم يكن طرقًا. صوت حجر يحتك بالحجر. تراجع رين خطوة. كايو أمسك سلاحه. نيرة أغلقت حقيبتها. أما آزر… فبقي مكانه. لم يتقدم. ولم يتراجع. كان ينظر إلى التراب أمامه. إلى شق صغير لم يكن موجودًا قبل لحظات. امتد الشق تحت قدميه. ثم توقف. رفع آزر رأسه. في الجهة الأخرى من الطريق، بين الأشجار، ظهر شيء أبيض. شيء يشبه طرف طريق حجري قديم. اقترب ريو منه ببطء. مسح التراب عن الحجر. تجمدت يده.

تغيرت ملامح الشيخ قليلًا. هذه المرة لم يبتسم. نظر إلى آزر طويلًا، ثم قال:

— ماذا؟

— لا أحب هذا.

اقتربت نيرة. ثم كايو. ثم رين. كانت هناك علامة منحوتة على الحجر. دائرة… وفي أعلاها فراغ.
نفس العلامة. لكن هذه المرة لم تكن على شجرة. ولا على باب. ولا على حجر مدفون. كانت على عمود طريق. وتحتها مباشرة كلمات لم يرها آزر من قبل. مرّر ريو أصابعه فوقها.
: قرأ ببطء

— هل تعرفنا؟

— «إلى من يعبر…»

— إذن أنت لا تعرف.

توقف. كانت بقية الجملة مكسورة. لكن آزر، دون أن يعرف لماذا، مد يده نحو الحروف. توقفت أصابعه قبل أن تلمسها بقليل. قال:

— التفكير لا يُحتسب.

بعض الكلمات ليست وصفًا.
بعضها… يفعل شيئًا.

ظل آزر ينظر إليه. لم يكن الجواب كافيًا. لاحظ الشيخ ذلك. قال:

لم يجب أحد. وفي اللحظة نفسها… أصدر الحجر تحت أقدامهم صوتًا خافتًا.
ثم انفتح الشق. ليس نحو الأسفل. بل إلى الأمام. كما لو أن الطريق نفسه… كان يفتح عينه.

— لماذا لم تقل؟

وللمرة الأولى منذ خرجوا من القرية، أدرك آزر شيئًا بسيطًا. لم يكن الشيخ قد قادهم إلى الطريق.
هو فقط… تركهم يختارون الطريق الذي سيقودهم إليه.

— إذن لا تنظر إليّ هكذا.

— لا أحب هذا.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط