طائفه سحابة الشمال
ظلَّ الحجر أمامهم مفتوحًا، لم يكن فتحًا بالمعنى الذي يعرفونه، لم ينكسر، ولم ينزلق جانبًا.
بل تشققت حافته عن خط أسود رفيع، ثم امتد الخط بهدوء حتى انقسم العمود الحجري إلى نصفين.
تحرك أحد النصفين إلى الأمام ببطء، كأن يدًا خفية تدفعه من الداخل،
ظهر وراءه ممر ضيق لا يشبه أي طريق رأوه من قبل.
— أليس هذا أفضل؟
كان مظلمًا في بدايته.
ليس ظلام الليل، ولا ظلام كهف، بل كان لونًا أسود كثيفًا، ساكنًا، حتى إن النظر إليه لوهلة جعل آزر يشعر بأن عينيه ترفضان فهم ما أمامهما.
لم يتحرك أحد.
حتى كايو، الذي كان يجد دائمًا شيئًا يقوله، لم يجد هذه المرة.
— فماذا يكون؟
— لن ندخل.
— لا شيء.
قال رين أخيرًا.
— جيد.
لم يجبه أحد، التفت إليهم واحدًا تلو الأخر، ثم أعاد النظر إلى الممر.
— طريق للخارج؟
— لا نعرف ما هذا.
ابتسم كايو.
قال ريو:
— في السابق كنت تقفز إلى الشيء لأنك تريد أن تعرفه. الآن بدأت تسأل ماذا تحتاج كي تصل إليه.
— وهذا صحيح.
— ربما.
ثم انحنى قرب الحجر، وأخذ يتفحص الحافة التي انفتحت.
مرر أصابعه على سطحها، ثم سحب يده بسرعة.
كانت أصابعه ترتجف قليلًا، ولاحظت نيرة ذلك.
أنزل آزر يده، وظل ينظر إلى الداخل، ثم سأل:
— ماذا حدث؟
— ربما.
نظر إلى يده.
كانت لحظة صغيرة. لكن نيرة لاحظتها. آزر لم يكن يطيع ريو خوفًا. ولم يتحده لمجرد التحدي. استمع. وأجّل رغبته. شيء بسيط. لكنه جديد.
— لا شيء.
وأشار إلى الأثر الأخير.
مدت نيرة يدها.
التفت آزر إليه.
— أرني.
قال ريو:
— قلت لا شيء.
— هذه إجابة أفضل.
أمسكت معصمه قبل أن يسحبه.
توقفت لحظة، كان جلد أصابعه أبرد من المعتاد.
قالت :
— وربما سبب كافٍ للدخول.
— أنت تكذب، وأنا لا أحب ذلك.
— أعرف.
— ماذا وجدت؟
كان مظلمًا في بدايته. ليس ظلام الليل، ولا ظلام كهف، بل كان لونًا أسود كثيفًا، ساكنًا، حتى إن النظر إليه لوهلة جعل آزر يشعر بأن عينيه ترفضان فهم ما أمامهما. لم يتحرك أحد. حتى كايو، الذي كان يجد دائمًا شيئًا يقوله، لم يجد هذه المرة.
ظل صامتًا، ثم قال:
— لم يكن طريقًا إلى الشمال. كان طريقًا إلى هنا.
— حرارة.
— لماذا تقولها إذن؟
اقترب كايو.
— شخص؟
— حرارة؟
انحنى الجميع. أشارت إلى أسفل العلامة مباشرة. خط صغير. شبه خدش. قالت :
— لا.
— قد يقود الي مخرج .
تردد ريو.
— صحيح.
— برودة… لكن ليست برودة.
نظر إليهم. قالت نيرة:
لم يعجب كايو الجواب.
— لكنه يخبرنا أننا لسنا أول من جاء.
— هذا لا يساعد.
لكن ريو تابع:
رفع ريو عينيه إليه.
— طائفة سحابة الشمال.
— أعرف.
— حين لمست الحجر… شعرت بشيء يتحرك إلى الداخل.
كان صوت ريو أكثر جدية من المعتاد.
— ماذا استنتجت؟
— الشيء الذي تحتنا لم يكن حجرًا.
— لا نعرف ما هذا.
ساد الصمت، قال رين:
— لا أعرف.
— ماذا تقصد؟
نظر ريو إليه.
— لا أعرف.
ضحكت نيرة رغمًا عنها. حتى رين ابتسم. لكن آزر بقي يراقب الخط. كان ضيقًا جدًا. يمتد من أسفل العلامة إلى الأرض. وكأنه شيء طويل سُحب على الحجر. قال فجأة
ضحك كايو ضحكة قصيرة، بلا مرح.
— لا أعرف لماذا شعرت بالراحة لأن الدم قديم.
— بدأت أشعر أن هذه الجملة أصبحت مرضًا معديًا.
لم يتفقوا. وهذه المرة لم يكن الأمر بسيطًا. رين يريد العودة. ريو يريد فهم المكان قبل اتخاذ القرار. نيرة تريد معرفة وظيفة القاعة. كايو يريد أن يعرف إن كان المكان يؤدي إلى الخارج. أما آزر… فكان يريد فتح الباب. قال رين:
لكن ريو لم يبتسم، بل كان ينظر إلى الممر.
ثم قال:
نظر إلى العلامة.
— حين لمست الحجر… شعرت بشيء يتحرك إلى الداخل.
— لهذا أريد أن أعرف.
— إلى أين؟
نظر آزر إلى النار. بقي يفكر في الإجابة. ربما كانت هذه هي الحياة. أن تعرف ما يجب فعله… ثم تفعله أحيانًا. وأحيانًا لا. أن تحب شخصًا رغم أنك قد لا تسمع نصيحته. أن تخاف، وتذهب رغم ذلك. أن تتردد. أن تخسر. ثم تستمر. لم يكن آزر يملك الكلمات لكل هذا. لكنه بدأ يشعر به. وهذا كان أخطر.
— لا أعرف.
كان كايو على وشك الاعتراض، لكنه رأى رين جادًا، فأغلق فمه.
— في جسمك؟
كانت هناك آثار خدوش على المقبض.
— لا.
— لن ندخل.
— في الحجر؟
— صحيح.
تردد.
نظر كايو إليه.
— ربما.
رفع كايو وجهه.
رفعت نيرة حاجبها.
— أرني.
— لا تستخدمها وأنت تسخر من كايو.
— بدأت أشعر أن هذه الجملة أصبحت مرضًا معديًا.
للمرة الأولى ابتسم ريو، ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها كانت كافية لتخفف شيئًا من التوتر.
— لأنني أقوى واحد هنا.
أما آزر فلم يسمع الكلمات الأخيرة، كان قد اقترب من المدخل، وقف على بعد خطوة.
من الداخل لم يأتِ صوت، لم تهب ريح، لا رائحة غريبة. فقط ذلك السكون.
مد يده.
— لأننا لا نعرف ماذا يحدث.
— لا تلمسه.
لم يجب الرجل مباشرة. نظر إلى الاتجاه الذي تقع فيه لين. ثم قال:
قالت نيرة ذلك بسرعة. .
— حرارة.
— توقف، لماذا؟
— لأنني أقوى واحد هنا.
— لا أعرف، وهذا يكفيني هذه المرة.
— هذا ليس طريقًا.
أنزل آزر يده، وظل ينظر إلى الداخل، ثم سأل:
— أربعة.
— ماذا لو كان هذا هو الطريق؟
— حرارة؟
أجاب رين فورًا:
— نعم.
— وماذا لو كان قبرًا؟
أنزل آزر يده، وظل ينظر إلى الداخل، ثم سأل:
التفت آزر إليه.
نظر ريو إلى الوادي.
— سنعرف إذا دخلنا.
قالت نيرة ذلك بسرعة. .
— وإذا لم نعرف إلا بعد أن نموت؟
— أليس هذا أفضل؟
لم يجب آزر.
— العبور مرة؟
قال رين:
سألته نيرة:
— لا أحد منا يعرف إلى أين يقود هذا الشيء.
— ماذا؟
لسنا في القرية الآن، لا يوجد سور نعود إليه، ولا شخص يعرف أين نحن.
صمت ريو. ثم ابتسم بمرارة.
قال ريو:
— لم أعرف. فقط فكرت.
— وهذا سبب كافٍ لعدم الدخول.
توقف. ثم حاول تنظيف التراب. ظهرت بقية الجملة.
ثم صمت.
نصبوا مخيمهم قبل حلول الظلام. لم يكن المكان آمنًا تمامًا، لكنه أفضل من الجرف. أشعل رين النار. كانت ألسنة اللهب ضعيفة في البداية، ثم استقرت. جلس كايو وهو يمد ساقيه.
نظر إلى آزر.
فتحوا. لم يحدث شيء. وراء الباب ممر قصير. وفي نهايته ضوء. ضوء حقيقي. قريب. قال كايو
— وربما سبب كافٍ للدخول.
— لن أفعل.
رفع كايو رأسه.
— حديث؟
— قرروا أولًا أي جملة منكم تريدون تصديقها.
— هل عبر أحد؟
جلس على الأرض.
وجد ريو درجًا حجريًا يصعد إلى جانب القاعة. تقدموا. كل خطوة كانت أكثر صعوبة من السابقة. كان المكان جافًا، والهواء أثقل. في منتصف الدرج وجدوا بابًا. خشبيًا. قديمًا. ومحترقًا من طرفه. فوقه علامة أخرى. هذه المرة كانت واضحة. دائرة. وفي أعلاها فراغ. وقف رين.
— أنا شخصيًا أفضّل أن نقرر بعد أن نتناول شيئًا.
نظر ريو إليه. فهم شيئًا صغيرًا. آزر لم يكن يختار الموت. ولم يكن يحتقر الحياة. كان فقط مستعدًا للمخاطرة بهما من أجل شيء أكبر في رأسه. وهذا فرق مهم.
نظرت إليه نيرة.
ابتسمت نيرة.
— أنت جائع دائمًا.
— لا أعرف.
— لأنني حي.
اقترب آزر. كان هناك شيء مكتوب تحتها. كلمات قليلة. بعضها محو. قال ريو بصوت منخفض:
— هذه حجة غريبة.
— لكنها حقيقية.
هز ريو رأسه.
قال رين وهو يزفر:
رد ريو بحدة:
— خمس دقائق، سنجلس خمس دقائق نفكر، ثم نقرر.
— جديد؟ كم مضي عليه
كان كايو على وشك الاعتراض، لكنه رأى رين جادًا، فأغلق فمه.
— أنا شخصيًا أفضّل أن نقرر بعد أن نتناول شيئًا.
جلسوا، وبقي آزر واقفًا.
— لا أظن.
كانت الشمس قد تحركت قليلًا في السماء. شعاعها دخل بين أغصان الأشجار، وسقط على العمود الحجري،
فبدت العلامة المنحوتة عليه أوضح من قبل. دائرة وفراغ في أعلاها. حدق آزر فيها. تذكر القرية. الشجرة. الحجر الأسود. الطرق، والخشبة التي كانت في يد سورا. لم يعرف كيف، لكن الأشياء التي بدت متفرقة من قبل بدأت تتقارب في ذهنه.
— كيف عرفت؟
ليس كإجابة. بل كخط. خط طويل، لم يرَ منه سوى عدة نقاط.
— لا أعرف أين هي الآن. لكن لو كانت حية…
— أنت تفكر فيها كثيرًا.
— لا تستخدمها وأنت تسخر من كايو.
قال ريو، ونظر إليه آزر.
وقفوا على جرف صخري. كانت الشمس في الخارج تميل إلى الغروب. أمامهم وادٍ هائل. وفي وسطه، على مسافة بعيدة، ارتفعت أبنية ضخمة خلف أسوار شاهقة. قال رين
— في ماذا؟
— أعدك.
— العلامة.
صمت آزر. للمرة الأولى، لم يجد جوابًا فوريًا. نظر إلى الباب. ثم إلى رين. كان رين غاضبًا فعلًا. ليس بسبب الباب وحده. كان مرهقًا. خائفًا. مسؤولًا عن ثلاثة أشخاص آخرين، رغم أن أحدًا لم يطلب منه رسميًا أن يكون كذلك. قال آزر
— نعم.
— أربعة.
— ماذا استنتجت؟
نظر ريو إليه. فهم شيئًا صغيرًا. آزر لم يكن يختار الموت. ولم يكن يحتقر الحياة. كان فقط مستعدًا للمخاطرة بهما من أجل شيء أكبر في رأسه. وهذا فرق مهم.
— لا شيء.
رفعت نيرة حاجبها.
نظر إليه ريو للحظات، ثم قال:
جلس على الأرض.
— غريب، لأنك عادة لا تتوقف عند «لا شيء».
— لا. قديم جدًا.
— هذه المرة لا يوجد شيء كافٍ لأفكر فيه.
— ربما.
ابتسم ريو.
— لأنني أقوى واحد هنا.
— هذه إجابة أفضل.
— لا أعرف.
اقتربت نيرة من الحجر.
لم يرد ريو. اقترب آزر من الجدار. مرر كفه عليه. حجر. فقط حجر. لكن عندما رفع يده، شعر بذلك الإحساس ذاته الذي شعر به مع الحجر الرمادي.
— هناك شيء.
— وهذا صحيح.
انحنى الجميع. أشارت إلى أسفل العلامة مباشرة.
خط صغير. شبه خدش. قالت :
في قاعة الاختبار، عندما أخبره الرجل أن هناك شيئًا غريبًا فيه، كان يريد إجابة. الآن بدأ يفهم شيئًا. ليس كل باب يُفتح لك لأنه يريد أن يعطيك جوابًا. بعض الأبواب تُفتح… لترى ما مدي السعر الذي أنت مستعد لدفعه. رفع رأسه. نظر إلى النيران البعيدة. إلى رين النائم قربها. وإلى كايو الذي كان يتحدث في نومه. إلى نيرة التي وضعت حقيبتها تحت رأسها. ظل ينظر إليهم. للحظة، شعر بشيء يشبه الخوف. ليس على نفسه. بل عليهم. فكرة غريبة. لم يحبها. لأن الخوف على النفس مفهوم. لكن الخوف على الآخرين يجعل القرار أصعب. وبدا له أن هذا هو الجزء الذي لم يفهمه بعد. إذا كان عليه أن يختار يومًا بين هدفه… وبين حياة شخص آخر… فماذا سيفعل؟ ظل السؤال أمامه. لم يجب. لم يكن يريد أن يكذب على نفسه بإجابة جميلة. أغلق يده على الحجر. وقال بصوت خافت
— هذا ليس من النحت الأصلي.
— هل رأوها؟
مرر ريو إصبعه عليه.
ساد الصمت. ثم قال آزر:
— لا.
— لا أعرف لماذا شعرت بالراحة لأن الدم قديم.
— متى حدث؟
— هناك شيء مرّ من هنا.
— جديد.
— هذا ليس أثر قدم. ولا أثر سلاح.
رفع كايو وجهه.
لم يتفقوا. وهذه المرة لم يكن الأمر بسيطًا. رين يريد العودة. ريو يريد فهم المكان قبل اتخاذ القرار. نيرة تريد معرفة وظيفة القاعة. كايو يريد أن يعرف إن كان المكان يؤدي إلى الخارج. أما آزر… فكان يريد فتح الباب. قال رين:
— جديد؟ كم مضي عليه
كانت الشمس قد تحركت قليلًا في السماء. شعاعها دخل بين أغصان الأشجار، وسقط على العمود الحجري، فبدت العلامة المنحوتة عليه أوضح من قبل. دائرة وفراغ في أعلاها. حدق آزر فيها. تذكر القرية. الشجرة. الحجر الأسود. الطرق، والخشبة التي كانت في يد سورا. لم يعرف كيف، لكن الأشياء التي بدت متفرقة من قبل بدأت تتقارب في ذهنه.
— لا أعرف.
قالت نيرة ذلك بسرعة. .
نظر إليها كايو.
— لكنني أشتاق لأمي.
— أخيرًا.
هز ريو رأسه.
رمقته بنظرة. لكن قبل أن يقول شيئًا، قال ريو:
وجد ريو درجًا حجريًا يصعد إلى جانب القاعة. تقدموا. كل خطوة كانت أكثر صعوبة من السابقة. كان المكان جافًا، والهواء أثقل. في منتصف الدرج وجدوا بابًا. خشبيًا. قديمًا. ومحترقًا من طرفه. فوقه علامة أخرى. هذه المرة كانت واضحة. دائرة. وفي أعلاها فراغ. وقف رين.
— ليس هذا المهم.
ابتعد رين عن الباب.
أشار إلى الخط.
ضحكت نيرة رغمًا عنها. حتى رين ابتسم. لكن آزر بقي يراقب الخط. كان ضيقًا جدًا. يمتد من أسفل العلامة إلى الأرض. وكأنه شيء طويل سُحب على الحجر. قال فجأة
— هناك شيء مرّ من هنا.
نظر كايو إلى السماء.
— شخص؟
مشى رين خطوة. ثم توقف. كان الضوء قادمًا من فتحة واسعة. اقتربوا جميعًا. وخرجوا.
— ربما.
ابتسم ريو.
قال كايو:
— قد يكون المقصود أن هذا الباب لا يُفتح إلا مرة واحدة.
— لا تبدأ أنت أيضًا.
نظر إليه آزر.
لكن ريو تابع:
ساد الصمت، قال رين:
— هذا ليس أثر قدم. ولا أثر سلاح.
— إذن… لقد بدأ.
— فماذا يكون؟
— لكنه مفيد. كان آزر بعيدًا عنهم. اقترب من الحوض. وجد شيئًا في داخله. قطعة معدنية. رفعها. كان عليها نصف دائرة محفورة. لكن على الطرف الآخر كان هناك شيء يشبه فراغًا. ليست العلامة. لكنها قريبة. قال ريو
انحنى أكثر.
— ماذا لو كان هذا هو الطريق؟
— لا أعرف.
— هل عبر أحد؟
نظر كايو إلى السماء.
— لا.
— يا أبي…
صمت الطرف الآخر طويلًا. ثم جاءه صوت هادئ:
ضحكت نيرة رغمًا عنها. حتى رين ابتسم. لكن آزر بقي يراقب الخط. كان ضيقًا جدًا. يمتد من أسفل العلامة إلى الأرض. وكأنه شيء طويل سُحب على الحجر. قال فجأة
— «العبور…»
— لم يدخل أحد.
ظل صامتًا، ثم قال:
التفتوا إليه.
لم يجب الرجل مباشرة. نظر إلى الاتجاه الذي تقع فيه لين. ثم قال:
— ماذا؟
نظر كايو إلى آزر.
أشار إلى الأثر.
— لأنك أحيانًا تتحدث وكأن الموت فكرة تخص الآخرين.
— انظروا. الأثر يبدأ من داخل الطريق.
ابتسم كايو.
صمت الجميع. نظر ريو إليه طويلًا. ثم عاد بنظره إلى الممر.
— لماذا؟
— صحيح.
رمقته بنظرة. لكن قبل أن يقول شيئًا، قال ريو:
— هذا لا يثبت شيئًا.
ابتسم ريو.
— لا. لكنه يعني أن شيئًا خرج.
مرر ريو إصبعه عليه.
كان القرار أسهل بعد ذلك. لم يرغب رين في الدخول. لكن لم يرغب أيضًا في ترك شيء مجهول خلفهم. أصر على أن يعبروا واحدًا بعد الآخر، وأن يبقى آخرهم في الخارج حتى يتأكد أن العودة ممكنة. قال كايو:
رمقه ريو بنظرة. فضحكت نيرة. حتى آزر ابتسم. ابتسامة صغيرة. سريعة. لكنها كانت موجودة.
— سأبقى الأخير.
نظر ريو إليه.
نظر إليه رين.
لم يعجب كايو الجواب.
— لماذا؟
— جديد.
هز كايو كتفيه.
— لا. لكنه يعني أن شيئًا خرج.
— لأنني أقوى واحد هنا.
رد ريو بحدة:
نظر ريو إليه.
— هل كنت ستستمع إليها؟
— أنت فاشل في اختبار المدد.
— سنعرف إذا دخلنا.
— لم أقل الأفضل في المدد. قلت الأقوى.
وقفوا على جرف صخري. كانت الشمس في الخارج تميل إلى الغروب. أمامهم وادٍ هائل. وفي وسطه، على مسافة بعيدة، ارتفعت أبنية ضخمة خلف أسوار شاهقة. قال رين
ابتسمت نيرة.
صمت الجميع. نظر ريو إليه طويلًا. ثم عاد بنظره إلى الممر.
— لا أحد قال لك إنك يجب أن تكون أقل عنادًا.
رمقته بنظرة. لكن قبل أن يقول شيئًا، قال ريو:
رفع كايو كتفه.
— هذا لا يثبت شيئًا.
— إذا كنت أخاف، أفضّل أن أمزح.
ساد الصمت. ثم جاء السؤال:
— أعرف.
أشار إلى الأثر.
لم يضحك هذه المرة. فقط نظر إليها لحظة، ثم أشاح بوجهه. كان الأمر واضحًا. حين بدأ الخوف يظهر، كان كايو يرفع صوته. وحين يقترب منه شيء لا يستطيع فهمه، يبحث عن شيء يضحك عليه. ربما حتى لا يتذكر شعورًا آخر. شعور قديم. شعور الوقوف أمام النهر وعدم القدرة على فعل شيء.
أما آزر فلم يسمع الكلمات الأخيرة، كان قد اقترب من المدخل، وقف على بعد خطوة. من الداخل لم يأتِ صوت، لم تهب ريح، لا رائحة غريبة. فقط ذلك السكون. مد يده.
دخل رين أولًا.
لم يحدث شيء. ظل واقفًا عند أول المنعطف، ثم أشار لهم أن يتبعوه.
توقف ريو عند المدخل لحظة.
التفت خلفه. كانت الغابة كما هي. الشمس. الأشجار. الجسر. كل شيء. لكن عندما دخل،
انغلق الحجر خلفه. استدار. اختفت الفتحة. قال رين:
— لم أقل الأفضل في المدد. قلت الأقوى.
— لا تلمسه.
نظر إليه رين. هذه المرة لم يقل شيئًا. أما ريو فظل يحدق فيه. قال:
لم يرد ريو.
اقترب آزر من الجدار. مرر كفه عليه. حجر. فقط حجر. لكن عندما رفع يده، شعر بذلك الإحساس ذاته الذي شعر به مع الحجر الرمادي.
— لا أعرف.
سألته نيرة:
انحنى الجميع. أشارت إلى أسفل العلامة مباشرة. خط صغير. شبه خدش. قالت :
— ماذا؟
— هل تريد أن تقول إننا سنلاحقه؟
— لا شيء.
قال ريو:
هذه المرة لم تصحح له. فقد فهمت أن «لا شيء» عند آزر ليست دائمًا جهلًا. أحيانًا تعني أنه لم يجد كلمة بعد.
صمت آزر. للمرة الأولى، لم يجد جوابًا فوريًا. نظر إلى الباب. ثم إلى رين. كان رين غاضبًا فعلًا. ليس بسبب الباب وحده. كان مرهقًا. خائفًا. مسؤولًا عن ثلاثة أشخاص آخرين، رغم أن أحدًا لم يطلب منه رسميًا أن يكون كذلك. قال آزر
كان الممر أضيق مما تصوروا. الجدران على الجانبين ملساء، بلا نباتات ولا رطوبة، رغم أن المكان بدا قديمًا. خطواتهم كانت تصدر صدى ضعيفًا. كل صوت يعود إليهم متأخرًا بمقدار بسيط. خطوة. صدى. خطوة. صدى. ثم، بعد مسافة قصيرة، حدث شيء غريب. توقف صدى خطوات كايو. خطا كايو خطوة أخرى. هذه المرة لم يعد الصوت. توقف. خطا رين. عاد صدى خطوته. خطت نيرة. عاد. التفت كايو إلى ريو.
— سأبقى الأخير.
— لماذا اختفى صوتي؟
— منطقك مؤسف.
— لا أعرف.
— هل تريد أن تقول إننا سنلاحقه؟
— أنت تستمتع بهذا الآن، أليس كذلك؟
— لا أعرف.
— لا.
لم يرد أحد. هذه المرة لم يضحك. كانت النار تتأوه بهدوء. قال كايو
— كاذب.
— عاد الطريق إلى العمل.
لكن ريو لم يرد. اقترب من الحائط. رفع يده.
— لا أعرف.
— هنا.
— هذا لا يساعد.
كانت هناك طبقة رقيقة جدًا من الغبار على الحجر. مسحها.
ظهر نقش صغير. هذه المرة لم يكن دائرة وفراغًا. بل خطان متوازيان. وفوقهما نقطة. قالت نيرة:
— ماذا؟
— هل له علاقة بالعلامة؟
— أعدك.
— لا أعرف.
— أحدهم خرج.
كان آزر ينظر إلى النقش. ثم قال:
— هل له علاقة بالعلامة؟
— ربما ليس له علاقة بالعلامة.
التفت آزر إليه.
ربما العلامة تشير إلى الطريق… وهذه تشير إلى شيء آخر.
— لن تفعل.
— كيف عرفت؟
عَدَّها. ثم نظر إليهم.
— لم أعرف. فقط فكرت.
ابتعد رين عن الباب.
نظر ريو إليه للحظة. كان في عينيه شيء قريب من الرضا. لم يمدحه. لكن آزر شعر بذلك.
رد ريو بحدة:
بعد مسافة أطول، انتهى الممر. خرجوا إلى مساحة واسعة تحت الأرض. توقفت أنفاس كايو. كانت قاعة هائلة. سقفها مرتفع جدًا حتى اختفى في الظلام. وعلى الجدران عشرات النقوش. دوائر. خطوط. أشكال بشرية. وبعضها بدا كأنه جُرح في الحجر بدل أن يُنحت فيه. وفي الوسط… كان هناك حوض حجري فارغ. حول الحوض سبعة أعمدة. أربعة منها سليمة. ثلاثة مكسورة. قال رين:
لسنا في القرية الآن، لا يوجد سور نعود إليه، ولا شخص يعرف أين نحن.
— هذا ليس طريقًا.
لم يجبه أحد، التفت إليهم واحدًا تلو الأخر، ثم أعاد النظر إلى الممر.
قال ريو:
— العبور مرة؟
— لا. هذا مكان.
قال ريو:
كانت نيرة تنظر إلى الأرض. ثم أشارت.
— لا أعرف لماذا شعرت بالراحة لأن الدم قديم.
— هناك دم.
بعد مسافة أطول، انتهى الممر. خرجوا إلى مساحة واسعة تحت الأرض. توقفت أنفاس كايو. كانت قاعة هائلة. سقفها مرتفع جدًا حتى اختفى في الظلام. وعلى الجدران عشرات النقوش. دوائر. خطوط. أشكال بشرية. وبعضها بدا كأنه جُرح في الحجر بدل أن يُنحت فيه. وفي الوسط… كان هناك حوض حجري فارغ. حول الحوض سبعة أعمدة. أربعة منها سليمة. ثلاثة مكسورة. قال رين:
توقف كايو.
أجاب رين فورًا:
— حديث؟
— قلت لا شيء.
انحنت. لمست البقعة بطرف إصبعها.
ثم رفعت يدها.
— هناك شيء مرّ من هنا.
— لا. قديم جدًا.
— بدأت تتغير.
تنفس كايو براحة.
— إلى أين؟
— جيد.
نظر إليه رين.
— لا أعرف لماذا شعرت بالراحة لأن الدم قديم.
لم يجب ريو. كان ينظر إلى المسافة. ثم قال:
— لأن الدم الحديث عادة يحمل مشكلة.
— لماذا؟
— منطقك مؤسف.
رفع رين صوته قليلًا.
— لكنه مفيد.
كان آزر بعيدًا عنهم. اقترب من الحوض. وجد شيئًا في داخله. قطعة معدنية. رفعها. كان عليها نصف دائرة محفورة. لكن على الطرف الآخر كان هناك شيء يشبه فراغًا. ليست العلامة. لكنها قريبة. قال ريو
نظرت إليه نيرة.
— لا تلمس شيئًا آخر.
— وماذا لو كان قبرًا؟
توقف آزر. نظر إليه.
صمت الجميع. نظر ريو إليه طويلًا. ثم عاد بنظره إلى الممر.
— لماذا؟
رفع عينيه إليها.
— لأننا لا نعرف ماذا يحدث.
لكن ريو لم يرد. اقترب من الحائط. رفع يده.
وضع آزر القطعة في يده.
نظر إلى آزر.
— لهذا أريد أن أعرف.
ظلَّ الحجر أمامهم مفتوحًا، لم يكن فتحًا بالمعنى الذي يعرفونه، لم ينكسر، ولم ينزلق جانبًا. بل تشققت حافته عن خط أسود رفيع، ثم امتد الخط بهدوء حتى انقسم العمود الحجري إلى نصفين. تحرك أحد النصفين إلى الأمام ببطء، كأن يدًا خفية تدفعه من الداخل، ظهر وراءه ممر ضيق لا يشبه أي طريق رأوه من قبل.
رد ريو بحدة:
نظر ريو إليه للحظة. كان في عينيه شيء قريب من الرضا. لم يمدحه. لكن آزر شعر بذلك.
— المعرفة لا تعني أن تضع يدك على كل شيء.
وقفوا على جرف صخري. كانت الشمس في الخارج تميل إلى الغروب. أمامهم وادٍ هائل. وفي وسطه، على مسافة بعيدة، ارتفعت أبنية ضخمة خلف أسوار شاهقة. قال رين
نظر آزر إليه. وللحظة، بدا أن شيئًا ما سيحدث بينهما.
ثم أنزل آزر القطعة.
— هذا أسوأ .
— حسنًا.
— العلامة. .
كانت لحظة صغيرة. لكن نيرة لاحظتها. آزر لم يكن يطيع ريو خوفًا. ولم يتحده لمجرد التحدي.
استمع. وأجّل رغبته. شيء بسيط. لكنه جديد.
ظل آزر ينظر إلى الأثر. ثم إلى الطائفة البعيدة. ثم إلى الوادي. في القرية، كان يرى الأشياء من خلال ما يستطيع فعله. إذا استطاع إنقاذ شخص، حاول. إذا عجز، بقي عاجزًا. لكن شيئًا ما تغيّر منذ ذلك الحين. لم يعد يرى العجز على أنه نهاية السؤال. بل صار يراه سببًا للبحث عن شيء آخر. قال:
وجد ريو درجًا حجريًا يصعد إلى جانب القاعة. تقدموا. كل خطوة كانت أكثر صعوبة من السابقة. كان المكان جافًا، والهواء أثقل. في منتصف الدرج وجدوا بابًا. خشبيًا. قديمًا. ومحترقًا من طرفه. فوقه علامة أخرى. هذه المرة كانت واضحة. دائرة. وفي أعلاها فراغ. وقف رين.
أشار إلى الأثر.
— لا.
— أربعة.
— ماذا؟
— ربما.
— العلامة. .
لم يجب ريو. كان ينظر إلى المسافة. ثم قال:
قال ريو:
نظر إليه ريو للحظات، ثم قال:
— نعم.
— لماذا؟
اقترب آزر. كان هناك شيء مكتوب تحتها. كلمات قليلة. بعضها محو. قال ريو بصوت منخفض:
— عدني.
— «العبور…»
— صحيح.
توقف. ثم حاول تنظيف التراب. ظهرت بقية الجملة.
— وهذا يجعلني أكثر رغبة في المغادرة.
— «… مرة.»
— أنت فاشل في اختبار المدد.
نظر إليهم. قالت نيرة:
ثم صمت.
— العبور مرة؟
كانت البصمة ضيقة. طويلة. تشبه القدم البشرية… لكن أطول بقليل. ثم توقفت عند حافة الجرف. لا أثر للسقوط. ولا أثر للعودة. قالت نيرة:
— ربما.
— لا تلمسه.
قال كايو:
ساد الصمت. ثم قال آزر:
— لا تبدأ.
— هذا أسوأ .
ابتسم ريو هذه المرة. ثم نظر إلى الباب.
— لكنني أشتاق لأمي.
— قد يكون المقصود أن هذا الباب لا يُفتح إلا مرة واحدة.
قال ريو:
— إذن لا نفتحه.
— حرارة.
لكن آزر كان ينظر إلى شيء آخر.
— هل رأوها؟
كانت هناك آثار خدوش على المقبض.
— هل كنت ستستمع إليها؟
— أحدهم خرج.
— نعم.
ساد الصمت. قال ريو:
— حرارة؟
— نعم. لكن متى؟
— لا تبدأ.
— لا نعرف.
— هذا ليس طريقًا.
— وهذا لا يجيب شيئًا.
صمت الطرف الآخر طويلًا. ثم جاءه صوت هادئ:
— لكنه يخبرنا أننا لسنا أول من جاء.
— وهذا صحيح.
ابتعد رين عن الباب.
— يبدو أن الشيخ كان يعرف أكثر مما قال.
— وهذا يجعلني أكثر رغبة في المغادرة.
— ماذا؟
لم يتفقوا. وهذه المرة لم يكن الأمر بسيطًا.
رين يريد العودة.
ريو يريد فهم المكان قبل اتخاذ القرار.
نيرة تريد معرفة وظيفة القاعة.
كايو يريد أن يعرف إن كان المكان يؤدي إلى الخارج.
أما آزر… فكان يريد فتح الباب. قال رين:
— لا تلمس شيئًا آخر.
— قلت لا.
لكن آزر كان ينظر إلى شيء آخر.
نظر إليه آزر.
— الشيء الذي تحتنا لم يكن حجرًا.
— لماذا؟
— أنا شخصيًا أفضّل أن نقرر بعد أن نتناول شيئًا.
— لأننا لا نعرف ما ورائه.
— كان هنا شخص. ثم اختفى؟
— قد يقود الي مخرج .
— أعرف.
— وقد يقود الي القبر.
— هناك شيء مرّ من هنا.
— صحيح.
— لا.
رفع رين صوته قليلًا.
هز ريو رأسه.
— إذن لماذا تتحدث كأن الأمر لا يهم؟
— جيد.
صمت آزر. للمرة الأولى، لم يجد جوابًا فوريًا.
نظر إلى الباب. ثم إلى رين.
كان رين غاضبًا فعلًا.
ليس بسبب الباب وحده. كان مرهقًا. خائفًا. مسؤولًا عن ثلاثة أشخاص آخرين، رغم أن أحدًا لم يطلب منه رسميًا أن يكون كذلك. قال آزر
— لا تستخدمها وأنت تسخر من كايو.
— يهمني.
— هل عبر أحد؟
— لا يبدو ذلك.
— هذا لا يساعد.
جلس آزر على الدرج. ظل يفكر. ثم قال:
— لا شيء.
— أنا لا أريد أن أموت هنا.
— عندما نفتحه، لا تتقدم وحدك.
صمت الجميع. كانت جملة عادية. ربما أول جملة عادية جدًا قالها آزر منذ زمن.
قالت نيرة
— هذه المرة لا يوجد شيء كافٍ لأفكر فيه.
— جيد.
رفع ريو عينيه إليه.
رفع عينيه إليها.
انحنى الجميع. أشارت إلى أسفل العلامة مباشرة. خط صغير. شبه خدش. قالت :
— لماذا؟
— لا.
— لأنك أحيانًا تتحدث وكأن الموت فكرة تخص الآخرين.
عَدَّها. ثم نظر إليهم.
لم يجب. خفض عينيه.
لم يعجبه كلامها. لكنه لم يغضب. فقط بقي صامتًا. بعد قليل قال
— لأننا لا نعرف ما ورائه.
— لا أريد أن أموت. لكنني لا أريد أن أعود أيضًا.
كانت هناك آثار خدوش على المقبض.
نظر ريو إليه. فهم شيئًا صغيرًا.
آزر لم يكن يختار الموت. ولم يكن يحتقر الحياة. كان فقط مستعدًا للمخاطرة بهما من أجل شيء أكبر في رأسه. وهذا فرق مهم.
ساد الصمت. قال ريو:
فتحوا الباب.
هذه المرة لأنهم اتفقوا. وضع ريو يده على الجانب. طلب من رين أن يبقى خلفهم. نيرة جهزت أدواتها. كايو أمسك سلاحه. أما آزر فوقف أمام الباب. قال ريو
— في السابق كنت تقفز إلى الشيء لأنك تريد أن تعرفه. الآن بدأت تسأل ماذا تحتاج كي تصل إليه.
— عندما نفتحه، لا تتقدم وحدك.
— لماذا؟
— لن أفعل.
كانت البصمة ضيقة. طويلة. تشبه القدم البشرية… لكن أطول بقليل. ثم توقفت عند حافة الجرف. لا أثر للسقوط. ولا أثر للعودة. قالت نيرة:
— عدني.
— أعترف أنني أشتاق للطعام أكثر مما أشتاق للقرية.
تردد آزر. ثم قال:
— لا شيء.
— أعدك.
لسنا في القرية الآن، لا يوجد سور نعود إليه، ولا شخص يعرف أين نحن.
فتحوا. لم يحدث شيء.
وراء الباب ممر قصير. وفي نهايته ضوء. ضوء حقيقي. قريب. قال كايو
كانت لحظة صغيرة. لكن نيرة لاحظتها. آزر لم يكن يطيع ريو خوفًا. ولم يتحده لمجرد التحدي. استمع. وأجّل رغبته. شيء بسيط. لكنه جديد.
— طريق للخارج؟
ثم صمت.
مشى رين خطوة. ثم توقف. كان الضوء قادمًا من فتحة واسعة. اقتربوا جميعًا.
وخرجوا.
— كاذب.
وقفوا على جرف صخري.
كانت الشمس في الخارج تميل إلى الغروب. أمامهم وادٍ هائل. وفي وسطه، على مسافة بعيدة، ارتفعت أبنية ضخمة خلف أسوار شاهقة. قال رين
— هذا ليس حذاءً.
— مدينة أخرى؟
صمت ريو. ثم ابتسم بمرارة.
هز ريو رأسه.
نظر إلى آزر.
— لا أظن.
— جيد.
في الجهة المقابلة للواد، ارتفع جبل طويل. وعلى سفحه ظهر مبنى هائل، أبيض الجدران، يحمل في أعلاه راية فضية. عرفها ريو فورًا. قال بهدوء
تردد ريو. ثم قال:
— طائفة سحابة الشمال.
— لا.
التفت كايو.
لم يرد أحد. هذه المرة لم يضحك. كانت النار تتأوه بهدوء. قال كايو
— ماذا؟
— لم أقل الأفضل في المدد. قلت الأقوى.
لم يجب ريو. كان ينظر إلى المسافة. ثم قال:
— انظروا.
— الطريق الذي قال عنه الشيخ…
نظر كايو إلى السماء.
أكمل آزر:
— وماذا لو كان قبرًا؟
— لم يكن طريقًا إلى الشمال. كان طريقًا إلى هنا.
— ربما.
صمت ريو. ثم ابتسم بمرارة.
— ربما.
— يبدو أن الشيخ كان يعرف أكثر مما قال.
— هناك شيء مرّ من هنا.
— هذه ليست صفة جديدة.
— هل رأوها؟
لكن نيرة لم تكن تنظر إلى الطائفة. كانت تنظر إلى الجرف. اقتربت من الحافة.
لم يجب آزر.
— انظروا.
— أنت فاشل في اختبار المدد.
جاءوا إليها. أسفلهم مباشرة، على الصخور،
كانت هناك آثار أقدام. أربعة أشخاص. واضحة. حديثة. سأل رين:
نظر إليه رين.
— لنا؟
ظل آزر ينظر إلى الأثر. ثم إلى الطائفة البعيدة. ثم إلى الوادي. في القرية، كان يرى الأشياء من خلال ما يستطيع فعله. إذا استطاع إنقاذ شخص، حاول. إذا عجز، بقي عاجزًا. لكن شيئًا ما تغيّر منذ ذلك الحين. لم يعد يرى العجز على أنه نهاية السؤال. بل صار يراه سببًا للبحث عن شيء آخر. قال:
— لا.
— غريب، لأنك عادة لا تتوقف عند «لا شيء».
عَدَّها. ثم نظر إليهم.
— لا. لكنها ستغضب فقط.
— نحن أربعة.
— غريب، لأنك عادة لا تتوقف عند «لا شيء».
صمت. ثم قال كايو:
— بدأت أشعر أن هذه الجملة أصبحت مرضًا معديًا.
— وهذه أربعة أيضًا.
ضحك كايو ضحكة قصيرة، بلا مرح.
هز ريو رأسه.
— إذن لا نفتحه.
— لا.
— قلت لا شيء.
وأشار إلى الأثر الأخير.
— حين لمست الحجر… شعرت بشيء يتحرك إلى الداخل.
— هذا ليس حذاءً.
— لا نعرف ما هذا.
كانت البصمة ضيقة. طويلة. تشبه القدم البشرية… لكن أطول بقليل. ثم توقفت عند حافة الجرف.
لا أثر للسقوط. ولا أثر للعودة. قالت نيرة:
— لا شيء.
— كان هنا شخص. ثم اختفى؟
— لهذا أريد أن أعرف.
— نعم.
— الشيء الذي تحتنا لم يكن حجرًا.
نظر كايو إلى آزر.
— لا أحد منا يعرف إلى أين يقود هذا الشيء.
— هل تريد أن تقول إننا سنلاحقه؟
اقتربت نيرة من الحجر.
ظل آزر ينظر إلى الأثر. ثم إلى الطائفة البعيدة. ثم إلى الوادي.
في القرية، كان يرى الأشياء من خلال ما يستطيع فعله. إذا استطاع إنقاذ شخص، حاول. إذا عجز، بقي عاجزًا. لكن شيئًا ما تغيّر منذ ذلك الحين. لم يعد يرى العجز على أنه نهاية السؤال. بل صار يراه سببًا للبحث عن شيء آخر. قال:
مرر ريو إصبعه عليه.
— لا. لن نلاحقه.
— أعلم.
نظر إليه رين. هذه المرة لم يقل شيئًا. أما ريو فظل يحدق فيه. قال:
— هنا.
— بدأت تتغير.
— يهمني.
التفت آزر إليه.
لكن ريو لم يبتسم، بل كان ينظر إلى الممر. ثم قال:
— كيف؟
اقتربت نيرة من الحجر.
تردد ريو. ثم قال:
— وهذا يجعلني أكثر رغبة في المغادرة.
— في السابق كنت تقفز إلى الشيء لأنك تريد أن تعرفه. الآن بدأت تسأل ماذا تحتاج كي تصل إليه.
هز ريو رأسه.
صمت آزر.
لم يعرف إن كان ذلك مدحًا أم تحذيرًا. قال:
— أعترف أنني أشتاق للطعام أكثر مما أشتاق للقرية.
— أليس هذا أفضل؟
انحنى أكثر.
نظر ريو إلى الوادي.
— نعم.
— ربما.
— طائفة سحابة الشمال.
ضحك كايو من بعيد.
— هل عبر أحد؟
— ها قد عادت.
— إذن لا نفتحه.
رمقه ريو بنظرة.
فضحكت نيرة. حتى آزر ابتسم.
ابتسامة صغيرة. سريعة. لكنها كانت موجودة.
قال ريو:
نصبوا مخيمهم قبل حلول الظلام.
لم يكن المكان آمنًا تمامًا، لكنه أفضل من الجرف. أشعل رين النار. كانت ألسنة اللهب ضعيفة في البداية، ثم استقرت. جلس كايو وهو يمد ساقيه.
— لا. لن نلاحقه.
— أريد أن أنام يومًا كاملًا.
قال ريو:
— لن تفعل.
— لكنه مفيد. كان آزر بعيدًا عنهم. اقترب من الحوض. وجد شيئًا في داخله. قطعة معدنية. رفعها. كان عليها نصف دائرة محفورة. لكن على الطرف الآخر كان هناك شيء يشبه فراغًا. ليست العلامة. لكنها قريبة. قال ريو
— أعلم.
التفتوا إليه.
— لماذا تقولها إذن؟
— نعم. لكن متى؟
— حتى أريح نفسي.
— وهذا لا يجيب شيئًا.
— هذا أسوأ .
— لهذا أريد أن أعرف.
نظر كايو إليه.
— لا أعرف.
— أعترف أنني أشتاق للطعام أكثر مما أشتاق للقرية.
فتحوا. لم يحدث شيء. وراء الباب ممر قصير. وفي نهايته ضوء. ضوء حقيقي. قريب. قال كايو
سكت للحظة. ثم أضاف:
أجاب رين فورًا:
— لكنني أشتاق لأمي.
— لا أريد أن أموت. لكنني لا أريد أن أعود أيضًا.
لم يرد أحد.
هذه المرة لم يضحك. كانت النار تتأوه بهدوء.
قال كايو
— سأبقى الأخير.
— لا أعرف أين هي الآن. لكن لو كانت حية…
أمسكت معصمه قبل أن يسحبه. توقفت لحظة، كان جلد أصابعه أبرد من المعتاد. قالت :
توقف. ثم ضحك بخفة.
نظر آزر إلى النار. بقي يفكر في الإجابة. ربما كانت هذه هي الحياة. أن تعرف ما يجب فعله… ثم تفعله أحيانًا. وأحيانًا لا. أن تحب شخصًا رغم أنك قد لا تسمع نصيحته. أن تخاف، وتذهب رغم ذلك. أن تتردد. أن تخسر. ثم تستمر. لم يكن آزر يملك الكلمات لكل هذا. لكنه بدأ يشعر به. وهذا كان أخطر.
— ستقول لي إنني كنت أحمق لأنني دخلت نفقًا لا أعرفه.
نظر ريو إليه. فهم شيئًا صغيرًا. آزر لم يكن يختار الموت. ولم يكن يحتقر الحياة. كان فقط مستعدًا للمخاطرة بهما من أجل شيء أكبر في رأسه. وهذا فرق مهم.
— ستقول شيئًا كهذا بالتأكيد.
— صحيح.
ابتسم كايو.
— حرارة.
— أجل.
— لماذا؟
ساد الصمت. ثم قال آزر:
— أربعة.
— هل كنت ستستمع إليها؟
— ماذا لو كان هذا هو الطريق؟
رفع كايو رأسه. فكر.
التفت كايو.
— لا. لكنها ستغضب فقط.
— أرني.
نظر آزر إلى النار. بقي يفكر في الإجابة. ربما كانت هذه هي الحياة. أن تعرف ما يجب فعله… ثم تفعله أحيانًا. وأحيانًا لا.
أن تحب شخصًا رغم أنك قد لا تسمع نصيحته.
أن تخاف، وتذهب رغم ذلك.
أن تتردد. أن تخسر. ثم تستمر.
لم يكن آزر يملك الكلمات لكل هذا. لكنه بدأ يشعر به. وهذا كان أخطر.
في الجهة المقابلة للواد، ارتفع جبل طويل. وعلى سفحه ظهر مبنى هائل، أبيض الجدران، يحمل في أعلاه راية فضية. عرفها ريو فورًا. قال بهدوء
في وقت متأخر من الليل، عندما نام الآخرون، بقي آزر مستيقظًا. أخرج الحجر الرمادي. وضعه أمامه. لم يعد باردًا كما كان. كان دافئًا قليلًا. قربه من النار. ثم أبعده.
لا فرق. تذكر سؤال الشيخ: «من قال لك إن المدد يخرج من اليد؟» نظر إلى أصابعه.
لم يكن يعرف كيف يزرع. لم يكن يعرف الرتب. ولا يعرف لماذا استطاع أن يشعر بالحجر.
لكن لأول مرة… لم يكن منزعجًا من ذلك.
ابتسم ريو هذه المرة. ثم نظر إلى الباب.
في قاعة الاختبار، عندما أخبره الرجل أن هناك شيئًا غريبًا فيه، كان يريد إجابة.
الآن بدأ يفهم شيئًا. ليس كل باب يُفتح لك لأنه يريد أن يعطيك جوابًا. بعض الأبواب تُفتح… لترى ما مدي السعر الذي أنت مستعد لدفعه.
رفع رأسه. نظر إلى النيران البعيدة.
إلى رين النائم قربها. وإلى كايو الذي كان يتحدث في نومه. إلى نيرة التي وضعت حقيبتها تحت رأسها. ظل ينظر إليهم.
للحظة، شعر بشيء يشبه الخوف. ليس على نفسه.
بل عليهم. فكرة غريبة. لم يحبها. لأن الخوف على النفس مفهوم. لكن الخوف على الآخرين يجعل القرار أصعب. وبدا له أن هذا هو الجزء الذي لم يفهمه بعد.
إذا كان عليه أن يختار يومًا بين هدفه… وبين حياة شخص آخر… فماذا سيفعل؟ ظل السؤال أمامه. لم يجب.
لم يكن يريد أن يكذب على نفسه بإجابة جميلة. أغلق يده على الحجر. وقال بصوت خافت
— لا تبدأ.
— لا أعرف.
— العلامة. .
ثم بقي ساكنًا.
وللمرة الأولى… لم يشعر بالخجل من ألا يعرف. فبعض الإجابات… لا ينبغي أن تُقال قبل أن يأتي اليوم التي تُختبر فيه.
— أعرف.
في مكان بعيد عن الوادي،
خلف الجبل الذي ظهرت عليه راية سحابة الشمال، كان رجل يسير في ممر حجري تحت الأرض.
توقف. رفع رأسه. توقف الضوء الأبيض فوقه للحظة. ثم جاء صوت خافت.
طرقة واحدة. اقترب الرجل من الجدار.
كانت عليه العلامة. دائرة. وفراغ في أعلاها. وضع يده عليها. قال بصوت منخفض:
كانت هناك آثار خدوش على المقبض.
— عاد الطريق إلى العمل.
— لماذا؟
جاءه صوت من الظلام:
— قلت لا.
— هل عبر أحد؟
فتحوا. لم يحدث شيء. وراء الباب ممر قصير. وفي نهايته ضوء. ضوء حقيقي. قريب. قال كايو
صمت الرجل. ثم أجاب:
— لا.
— أربعة.
لكن ريو لم يبتسم، بل كان ينظر إلى الممر. ثم قال:
— هل رأوها؟
— ماذا لو كان هذا هو الطريق؟
نظر إلى العلامة.
— لا أعرف.
— رأوا ما يكفي.
قال ريو:
ساد الصمت. ثم جاء السؤال:
— لنا؟
— ومن كان يحمل الحجر؟
— أنا لا أريد أن أموت هنا.
لم يجب الرجل مباشرة. نظر إلى الاتجاه الذي تقع فيه لين. ثم قال:
نظر إليه رين.
— الفتى.
هز كايو كتفيه.
صمت الطرف الآخر طويلًا. ثم جاءه صوت هادئ:
— إذن… لقد بدأ.
نظر آزر إلى النار. بقي يفكر في الإجابة. ربما كانت هذه هي الحياة. أن تعرف ما يجب فعله… ثم تفعله أحيانًا. وأحيانًا لا. أن تحب شخصًا رغم أنك قد لا تسمع نصيحته. أن تخاف، وتذهب رغم ذلك. أن تتردد. أن تخسر. ثم تستمر. لم يكن آزر يملك الكلمات لكل هذا. لكنه بدأ يشعر به. وهذا كان أخطر.
وانطفأ الضوء.
أما في الوادي،
فلم يكن آزر يعلم أن بعض الأبواب لا تُفتح لمن يبحث عنها…
بل… لمن يلفت انتباه من يقف خلفها
— جيد.
— أنت فاشل في اختبار المدد.
