Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

المُتَحَرِّر 8

طائفه سحابة الشمال
PDF

طائفه سحابة الشمال

ظلَّ الحجر أمامهم مفتوحًا. لم يكن فتحًا بالمعنى الذي يعرفونه. لم ينكسر. ولم ينزلق جانبًا. بل تشققت حافته عن خط أسود رفيع، ثم امتد الخط بهدوء حتى انقسم العمود الحجري إلى نصفين. تحرك أحد النصفين إلى الأمام ببطء، كأن يدًا خفية تدفعه من الداخل،
ظهر وراءه ممر ضيق لا يشبه أي طريق رأوه من قبل.

صمت آزر. : لم يعرف إن كان ذلك مدحًا أم تحذيرًا. قال

كان مظلمًا في بدايته. ليس ظلام الليل، ولا ظلام كهف. كان لونًا أسود كثيفًا، ساكنًا، حتى إن النظر إليه لوهلة جعل آزر يشعر بأن عينيه ترفضان فهم ما أمامهما.
لم يتحرك أحد. حتى كايو، الذي كان يجد دائمًا شيئًا يقوله، لم يجد هذه المرة.

— يبدو أن الشيخ كان يعرف أكثر مما قال.

— لن ندخل.

— هل تريد أن تقول إننا سنلاحقه؟

قال رين أخيرًا.

— انظروا. الأثر يبدأ من داخل الطريق.

لم يجبه أحد. التفت إليهم واحدًا تلو الأخر، ثم أعاد النظر إلى الممر.

كان صوت ريو أكثر جدية من المعتاد.

— لا نعرف ما هذا.

— هذه المرة لا يوجد شيء كافٍ لأفكر فيه.

قال ريو:

جلس آزر على الدرج. ظل يفكر. ثم قال

— وهذا صحيح.

كان القرار أسهل بعد ذلك. لم يرغب رين في الدخول. لكن لم يرغب أيضًا في ترك شيء مجهول خلفهم. أصر على أن يعبروا واحدًا بعد الآخر، وأن يبقى آخرهم في الخارج حتى يتأكد أن العودة ممكنة. قال كايو:

ثم انحنى قرب الحجر، وأخذ يتفحص الحافة التي انفتحت.
مرر أصابعه على سطحها، ثم سحب يده بسرعة.
كانت أصابعه ترتجف قليلًا. لاحظت نيرة ذلك.

— ماذا حدث؟

— ماذا حدث؟

— حين لمست الحجر… شعرت بشيء يتحرك إلى الداخل.

نظر إلى يده.

— برودة… لكن ليست برودة.

— لا شيء.

انحنى أكثر.

مدت نيرة يدها.

قال ريو:

— أرني.

— هذه حجة غريبة.

— قلت لا شيء.

كانت لحظة صغيرة. لكن نيرة لاحظتها. آزر لم يكن يطيع ريو خوفًا. ولم يتحده لمجرد التحدي. استمع. وأجّل رغبته. شيء بسيط. لكنه جديد.

أمسكت معصمه قبل أن يسحبه.
: توقفت لحظة. كان جلد أصابعه أبرد من المعتاد. قالت

— لا تبدأ أنت أيضًا.

— أنت تكذب. وأنا لا أحب ذلك.

— بدأت تتغير.

— ماذا وجدت؟

— أعرف.

ظل صامتًا. ثم قال:

نظرت إليه نيرة.

— حرارة.

في الجهة المقابلة للواد، ارتفع جبل طويل. وعلى سفحه ظهر مبنى هائل، أبيض الجدران، يحمل في أعلاه راية فضية. عرفها ريو فورًا. قال بهدوء

اقترب كايو.

التفتوا إليه.

— حرارة؟

— وهذا لا يجيب شيئًا.

— لا.

كان القرار أسهل بعد ذلك. لم يرغب رين في الدخول. لكن لم يرغب أيضًا في ترك شيء مجهول خلفهم. أصر على أن يعبروا واحدًا بعد الآخر، وأن يبقى آخرهم في الخارج حتى يتأكد أن العودة ممكنة. قال كايو:

تردد ريو.

— هناك دم.

— برودة… لكن ليست برودة.

— ماذا وجدت؟

لم يعجب كايو الجواب.

— لا.

— هذا لا يساعد.

— لماذا تقولها إذن؟

رفع ريو عينيه إليه.

— لا. لكنها ستغضب فقط.

— أعرف.

— حرارة؟

كان صوت ريو أكثر جدية من المعتاد.

— لم أقل الأفضل في المدد. قلت الأقوى.

— الشيء الذي تحتنا لم يكن حجرًا.

— لا.

ساد الصمت. قال رين:

— لماذا؟

— ماذا تقصد؟

قال ريو:

— لا أعرف.

— ليس هذا المهم.

ضحك كايو ضحكة قصيرة، بلا مرح.

— عندما نفتحه، لا تتقدم وحدك.

— بدأت أشعر أن هذه الجملة أصبحت مرضًا معديًا.

هز كايو كتفيه.

لكن ريو لم يبتسم. كان ينظر إلى الممر. ثم قال:

— لماذا اختفى صوتي؟

— حين لمست الحجر… شعرت بشيء يتحرك إلى الداخل.

قال ريو:

— إلى أين؟

قال كايو:

— لا أعرف.

— ربما ليس له علاقة بالعلامة.

— في جسمك؟

نظر ريو إليه للحظة. كان في عينيه شيء قريب من الرضا. لم يمدحه. لكن آزر شعر بذلك.

— لا.

نظر إليهم. قالت نيرة:

— في الحجر؟

— هذا ليس حذاءً.

تردد.

هز ريو رأسه.

— ربما.

جاءوا إليها. أسفلهم مباشرة، على الصخور، : كانت هناك آثار أقدام. أربعة أشخاص. واضحة. حديثة. سأل رين

رفعت نيرة حاجبها.

— أحدهم خرج.

— لا تستخدمها وأنت تسخر من كايو.

— أنا شخصيًا أفضّل أن نقرر بعد أن نتناول شيئًا.

للمرة الأولى ابتسم ريو. ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها كانت كافية لتخفف شيئًا من التوتر.

نظر إلى يده.

أما آزر فلم يسمع الكلمات الأخيرة. كان قد اقترب من المدخل. وقف على بعد خطوة.
من الداخل لم يأتِ صوت. لم تهب ريح. لا رائحة غريبة. فقط ذلك السكون.
مد يده.

— في الحجر؟

— لا تلمسه.

— لكنها حقيقية.

قالت نيرة ذلك بسرعة. .

— أخيرًا.

— توقف. لماذا؟

— أنت فاشل في اختبار المدد.

— لا أعرف. وهذا يكفيني هذه المرة.

لم يعجب كايو الجواب.

أنزل آزر يده. ظل ينظر إلى الداخل. ثم سأل:

رمقه ريو بنظرة. فضحكت نيرة. حتى آزر ابتسم. ابتسامة صغيرة. سريعة. لكنها كانت موجودة.

— ماذا لو كان هذا هو الطريق؟

— المعرفة لا تعني أن تضع يدك على كل شيء.

أجاب رين فورًا:

— ماذا استنتجت؟

— وماذا لو كان قبرًا؟

— انظروا.

التفت آزر إليه.

رفع رين صوته قليلًا.

— سنعرف إذا دخلنا.

— حرارة.

— وإذا لم نعرف إلا بعد أن نموت؟

: نظر إليه رين. هذه المرة لم يقل شيئًا. أما ريو فظل يحدق فيه. قال

لم يجب آزر. قال رين:

— هذه ليست صفة جديدة.

— لا أحد منا يعرف إلى أين يقود هذا الشيء. لسنا في القرية الآن. لا يوجد سور نعود إليه، ولا شخص يعرف أين نحن.

— يا أبي…

قال ريو:

— خمس دقائق. سنجلس خمس دقائق. نفكر. ثم نقرر.

— وهذا سبب كافٍ لعدم الدخول.

— إذن لا نفتحه.

ثم صمت.

— لم أقل الأفضل في المدد. قلت الأقوى.

نظر إلى آزر.

قال ريو:

— وربما سبب كافٍ للدخول.

لكن نيرة لم تكن تنظر إلى الطائفة. كانت تنظر إلى الجرف. اقتربت من الحافة.

رفع كايو رأسه.

— ماذا؟

— قرروا أولًا أي جملة منكم تريدون تصديقها.

— أنا لا أريد أن أموت هنا.

جلس على الأرض.

— لأننا لا نعرف ماذا يحدث.

— أنا شخصيًا أفضّل أن نقرر بعد أن نتناول شيئًا.

— نعم. لكن متى؟

نظرت إليه نيرة.

— وهذه أربعة أيضًا.

— أنت جائع دائمًا.

نظر إليه ريو للحظات. ثم قال:

— لأنني حي.

لم يجب آزر. قال رين:

— هذه حجة غريبة.

هز ريو رأسه.

— لكنها حقيقية.

التفتوا إليه.

قال رين وهو يزفر:

لكن ريو لم يرد. اقترب من الحائط. رفع يده.

— خمس دقائق. سنجلس خمس دقائق. نفكر. ثم نقرر.

كانت هناك طبقة رقيقة جدًا من الغبار على الحجر. مسحها. : ظهر نقش صغير. هذه المرة لم يكن دائرة وفراغًا. بل خطان متوازيان. وفوقهما نقطة. قالت نيرة

كان كايو على وشك الاعتراض، لكنه رأى رين جادًا، فأغلق فمه. جلسوا. وبقي آزر واقفًا.

— لن تفعل.

كانت الشمس قد تحركت قليلًا في السماء. شعاعها دخل بين أغصان الأشجار، وسقط على العمود الحجري،
فبدت العلامة المنحوتة عليه أوضح من قبل. دائرة. وفراغ في أعلاها. حدق آزر فيها. تذكر القرية. الشجرة. الحجر الأسود. الطرق. الخشبة التي كانت في يد سورا. لم يعرف كيف، لكن الأشياء التي بدت متفرقة من قبل بدأت تتقارب في ذهنه. ليس كإجابة. بل كخط. خط طويل، لم يرَ منه سوى عدة نقاط.

ابتسم كايو.

— أنت تفكر فيها كثيرًا.

— هناك شيء مرّ من هنا.

قال ريو. نظر إليه آزر.

— قلت لا.

— في ماذا؟

مشى رين خطوة. ثم توقف. كان الضوء قادمًا من فتحة واسعة. اقتربوا جميعًا. وخرجوا.

— العلامة.

— لا.

— نعم.

قال ريو:

— ماذا استنتجت؟

— ماذا لو كان هذا هو الطريق؟

— لا شيء.

— صحيح.

نظر إليه ريو للحظات. ثم قال:

صمت الجميع. نظر ريو إليه طويلًا. ثم عاد بنظره إلى الممر.

— غريب. لأنك عادة لا تتوقف عند «لا شيء».

كانت لحظة صغيرة. لكن نيرة لاحظتها. آزر لم يكن يطيع ريو خوفًا. ولم يتحده لمجرد التحدي. استمع. وأجّل رغبته. شيء بسيط. لكنه جديد.

— هذه المرة لا يوجد شيء كافٍ لأفكر فيه.

— توقف. لماذا؟

ابتسم ريو.

قال ريو:

— هذه إجابة أفضل.

— عدني.

اقتربت نيرة من الحجر.

أشار إلى الخط.

— هناك شيء.

— أنت جائع دائمًا.

انحنى الجميع. أشارت إلى أسفل العلامة مباشرة.
: خط صغير. شبه خدش. قالت

— لماذا؟

— هذا ليس من النحت الأصلي.

بعد مسافة أطول، انتهى الممر. خرجوا إلى مساحة واسعة تحت الأرض. توقفت أنفاس كايو. كانت قاعة هائلة. سقفها مرتفع جدًا حتى اختفى في الظلام. وعلى الجدران عشرات النقوش. دوائر. خطوط. أشكال بشرية. وبعضها بدا كأنه جُرح في الحجر بدل أن يُنحت فيه. وفي الوسط… كان هناك حوض حجري فارغ. حول الحوض سبعة أعمدة. أربعة منها سليمة. ثلاثة مكسورة. قال رين:

مرر ريو إصبعه عليه.

— منطقك مؤسف.

— لا.

— وهذا سبب كافٍ لعدم الدخول.

— متى حدث؟

: سألته نيرة

— جديد.

— أريد أن أنام يومًا كاملًا.

رفع كايو وجهه.

كان مظلمًا في بدايته. ليس ظلام الليل، ولا ظلام كهف. كان لونًا أسود كثيفًا، ساكنًا، حتى إن النظر إليه لوهلة جعل آزر يشعر بأن عينيه ترفضان فهم ما أمامهما. لم يتحرك أحد. حتى كايو، الذي كان يجد دائمًا شيئًا يقوله، لم يجد هذه المرة.

— جديد؟ كم مضي عليه

مشى رين خطوة. ثم توقف. كان الضوء قادمًا من فتحة واسعة. اقتربوا جميعًا. وخرجوا.

— لا أعرف.

— لا أعرف لماذا شعرت بالراحة لأن الدم قديم.

نظر إليها كايو.

— فماذا يكون؟

— أخيرًا.

أشار إلى الأثر.

: رمقته بنظرة. لكن قبل أن يقول شيئًا، قال ريو

رد ريو بحدة:

— ليس هذا المهم.

نظر آزر إلى النار. بقي يفكر في الإجابة. ربما كانت هذه هي الحياة. أن تعرف ما يجب فعله… ثم تفعله أحيانًا. وأحيانًا لا. أن تحب شخصًا رغم أنك قد لا تسمع نصيحته. أن تخاف، وتذهب رغم ذلك. أن تتردد. أن تخسر. ثم تستمر. لم يكن آزر يملك الكلمات لكل هذا. لكنه بدأ يشعر به. وهذا كان أخطر.

أشار إلى الخط.

— ماذا لو كان هذا هو الطريق؟

— هناك شيء مرّ من هنا.

— أعرف.

— شخص؟

رد ريو بحدة:

— ربما.

قال رين وهو يزفر:

قال كايو:

تنفس كايو براحة.

— لا تبدأ أنت أيضًا.

: ساد الصمت. قال ريو

لكن ريو تابع:

— هذه إجابة أفضل.

— هذا ليس أثر قدم. ولا أثر سلاح.

— نعم.

— فماذا يكون؟

كانت هناك طبقة رقيقة جدًا من الغبار على الحجر. مسحها. : ظهر نقش صغير. هذه المرة لم يكن دائرة وفراغًا. بل خطان متوازيان. وفوقهما نقطة. قالت نيرة

انحنى أكثر.

— لا.

— لا أعرف.

— لا تستخدمها وأنت تسخر من كايو.

نظر كايو إلى السماء.

أكمل آزر:

— يا أبي…

— إذن لماذا تتحدث كأن الأمر لا يهم؟

ضحكت نيرة رغمًا عنها. حتى رين ابتسم. لكن آزر بقي يراقب الخط. كان ضيقًا جدًا. يمتد من أسفل العلامة إلى  الأرض. وكأنه شيء طويل سُحب على الحجر. قال فجأة

— ربما.

— لم يدخل أحد.

لم يجب ريو. كان ينظر إلى المسافة. ثم قال:

التفتوا إليه.

نظر إلى آزر.

— ماذا؟

— أعترف أنني أشتاق للطعام أكثر مما أشتاق للقرية.

أشار إلى الأثر.

— وهذا لا يجيب شيئًا.

— انظروا. الأثر يبدأ من داخل الطريق.

— ومن كان يحمل الحجر؟

صمت الجميع. نظر ريو إليه طويلًا. ثم عاد بنظره إلى الممر.

نظر إليهم. قالت نيرة:

— صحيح.

جاءه صوت من الظلام:

— هذا لا يثبت شيئًا.

— لا أعرف أين هي الآن. لكن لو كانت حية…

— لا. لكنه يعني أن شيئًا خرج.

— انظروا. الأثر يبدأ من داخل الطريق.

كان القرار أسهل بعد ذلك. لم يرغب رين في الدخول. لكن لم يرغب أيضًا في ترك شيء مجهول خلفهم. أصر على أن يعبروا واحدًا بعد الآخر، وأن يبقى آخرهم في الخارج حتى يتأكد أن العودة ممكنة. قال كايو:

نظر إليه ريو للحظات. ثم قال:

— سأبقى الأخير.

لكن آزر كان ينظر إلى شيء آخر.

نظر إليه رين.

— الطريق الذي قال عنه الشيخ…

— لماذا؟

صمت. ثم قال كايو:

هز كايو كتفيه.

هز ريو رأسه.

— لأنني أقوى واحد هنا.

— لا.

نظر ريو إليه.

— وربما سبب كافٍ للدخول.

— أنت فاشل في اختبار المدد.

التفت كايو.

— لم أقل الأفضل في المدد. قلت الأقوى.

صمت آزر. : لم يعرف إن كان ذلك مدحًا أم تحذيرًا. قال

ابتسمت نيرة.

: لم يجب الرجل مباشرة. نظر إلى الاتجاه الذي تقع فيه لين. ثم قال

— لا أحد قال لك إنك يجب أن تكون أقل عنادًا.

ثم صمت.

رفع كايو كتفه.

— لا. لكنها ستغضب فقط.

— إذا كنت أخاف، أفضّل أن أمزح.

— لماذا؟

— أعرف.

— لا أعرف.

لم يضحك هذه المرة. فقط نظر إليها لحظة، ثم أشاح بوجهه. كان الأمر واضحًا. حين بدأ الخوف يظهر، كان كايو يرفع صوته. وحين يقترب منه شيء لا يستطيع فهمه، يبحث عن شيء يضحك عليه. ربما حتى لا يتذكر شعورًا آخر. شعور قديم. شعور الوقوف أمام النهر وعدم القدرة على فعل شيء.

— وقد يقود الي القبر.

دخل رين أولًا.
لم يحدث شيء. ظل واقفًا عند أول المنعطف، ثم أشار لهم أن يتبعوه.
توقف ريو عند المدخل لحظة.
التفت خلفه. كانت الغابة كما هي. الشمس. الأشجار. الجسر. كل شيء. لكن عندما دخل،
انغلق الحجر خلفه. استدار. اختفت الفتحة. قال رين

— وهذه أربعة أيضًا.

— لا تلمسه.

— لماذا؟

لم يرد ريو.
اقترب آزر من الجدار. مرر كفه عليه. حجر. فقط حجر. لكن عندما رفع يده، شعر بذلك الإحساس ذاته  الذي شعر به مع الحجر الرمادي.

— في السابق كنت تقفز إلى الشيء لأنك تريد أن تعرفه. الآن بدأت تسأل ماذا تحتاج كي تصل إليه.

: سألته نيرة

— لم يكن طريقًا إلى الشمال. كان طريقًا إلى هنا.

— ماذا؟

— وماذا لو كان قبرًا؟

— لا شيء.

— لا. قديم جدًا.

هذه المرة لم تصحح له. فقد فهمت أن «لا شيء» عند آزر ليست دائمًا جهلًا. أحيانًا تعني أنه لم يجد كلمة بعد.

وأشار إلى الأثر الأخير.

كان الممر أضيق مما تصوروا. الجدران على الجانبين ملساء، بلا نباتات ولا رطوبة، رغم أن المكان بدا قديمًا. خطواتهم كانت تصدر صدى ضعيفًا. كل صوت يعود إليهم متأخرًا بمقدار بسيط. خطوة. صدى. خطوة. صدى. ثم، بعد مسافة قصيرة، حدث شيء غريب. توقف صدى خطوات كايو. خطا كايو خطوة أخرى. هذه المرة لم يعد الصوت. توقف. خطا رين. عاد صدى خطوته. خطت نيرة. عاد. التفت كايو إلى ريو.

أنزل آزر يده. ظل ينظر إلى الداخل. ثم سأل:

— لماذا اختفى صوتي؟

— وإذا لم نعرف إلا بعد أن نموت؟

— لا أعرف.

نظر إليهم. قالت نيرة:

— أنت تستمتع بهذا الآن، أليس كذلك؟

— لكنها حقيقية.

— لا.

— لا. لكنه يعني أن شيئًا خرج.

— كاذب.

انحنى الجميع. أشارت إلى أسفل العلامة مباشرة. : خط صغير. شبه خدش. قالت

لكن ريو لم يرد. اقترب من الحائط. رفع يده.

— العبور مرة؟

— هنا.

تردد.

كانت هناك طبقة رقيقة جدًا من الغبار على الحجر. مسحها.
: ظهر نقش صغير. هذه المرة لم يكن دائرة وفراغًا. بل خطان متوازيان. وفوقهما نقطة. قالت نيرة

أشار إلى الخط.

— هل له علاقة بالعلامة؟

— أنت تكذب. وأنا لا أحب ذلك.

— لا أعرف.

كانت هناك آثار خدوش على المقبض.

كان آزر ينظر إلى النقش. ثم قال:

رفع كايو كتفه.

— ربما ليس له علاقة بالعلامة.

نظر ريو إليه للحظة. كان في عينيه شيء قريب من الرضا. لم يمدحه. لكن آزر شعر بذلك.

ربما العلامة تشير إلى الطريق… وهذه تشير إلى شيء آخر.

— حسنًا.

— كيف عرفت؟

تردد.

— لم أعرف. فقط فكرت.

— سأبقى الأخير.

نظر ريو إليه للحظة. كان في عينيه شيء قريب من الرضا. لم يمدحه. لكن آزر شعر بذلك.

قال كايو:

بعد مسافة أطول، انتهى الممر. خرجوا إلى مساحة واسعة تحت الأرض. توقفت أنفاس كايو. كانت قاعة هائلة. سقفها مرتفع جدًا حتى اختفى في الظلام. وعلى الجدران عشرات النقوش. دوائر. خطوط. أشكال بشرية. وبعضها بدا كأنه جُرح في الحجر بدل أن يُنحت فيه. وفي الوسط… كان هناك حوض حجري فارغ. حول الحوض سبعة أعمدة. أربعة منها سليمة. ثلاثة مكسورة. قال رين:

— لم يكن طريقًا إلى الشمال. كان طريقًا إلى هنا.

— هذا ليس طريقًا.

— أعدك.

قال ريو:

كان صوت ريو أكثر جدية من المعتاد.

— لا. هذا مكان.

ساد الصمت. قال رين:

كانت نيرة تنظر إلى الأرض. ثم أشارت.

— لا أعرف أين هي الآن. لكن لو كانت حية…

— هناك دم.

— لا أعرف.

توقف كايو.

— العلامة.

— حديث؟

— نعم.

انحنت. لمست البقعة بطرف إصبعها.
ثم رفعت يدها.

— لن أفعل.

— لا. قديم جدًا.

— أرني.

تنفس كايو براحة.

— إذن لماذا تتحدث كأن الأمر لا يهم؟

— جيد.

— أحدهم خرج.

— لا أعرف لماذا شعرت بالراحة لأن الدم قديم.

لم يتفقوا. وهذه المرة لم يكن الأمر بسيطًا. رين يريد العودة. ريو يريد فهم المكان قبل اتخاذ القرار. نيرة تريد معرفة وظيفة القاعة. كايو يريد أن يعرف إن كان المكان يؤدي إلى الخارج. أما آزر… فكان يريد فتح الباب. قال رين:

— لأن الدم الحديث عادة يحمل مشكلة.

لم يرد أحد. هذه المرة لم يضحك. كانت النار تتأوه بهدوء. قال كايو

— منطقك مؤسف.

— العلامة. .

— لكنه مفيد.
كان آزر بعيدًا عنهم. اقترب من الحوض. وجد شيئًا في داخله. قطعة معدنية. رفعها. كان عليها نصف دائرة  محفورة. لكن على الطرف الآخر كان هناك شيء يشبه فراغًا. ليست العلامة. لكنها قريبة. قال ريو

— أنا لا أريد أن أموت هنا.

— لا تلمس شيئًا آخر.

قال رين وهو يزفر:

توقف آزر. نظر إليه.

— بدأت أشعر أن هذه الجملة أصبحت مرضًا معديًا.

— لماذا؟

— هل له علاقة بالعلامة؟

— لأننا لا نعرف ماذا يحدث.

أما آزر فلم يسمع الكلمات الأخيرة. كان قد اقترب من المدخل. وقف على بعد خطوة. من الداخل لم يأتِ صوت. لم تهب ريح. لا رائحة غريبة. فقط ذلك السكون. مد يده.

وضع آزر القطعة في يده.

— وهذا لا يجيب شيئًا.

— لهذا أريد أن أعرف.

— أحدهم خرج.

رد ريو بحدة:

نظر ريو إلى الوادي.

— المعرفة لا تعني أن تضع يدك على كل شيء.

— في السابق كنت تقفز إلى الشيء لأنك تريد أن تعرفه. الآن بدأت تسأل ماذا تحتاج كي تصل إليه.

نظر آزر إليه. وللحظة، بدا أن شيئًا ما سيحدث بينهما.
ثم أنزل آزر القطعة.

— هذه إجابة أفضل.

— حسنًا.

أمسكت معصمه قبل أن يسحبه. : توقفت لحظة. كان جلد أصابعه أبرد من المعتاد. قالت

كانت لحظة صغيرة. لكن نيرة لاحظتها. آزر لم يكن يطيع ريو خوفًا. ولم يتحده لمجرد التحدي.
استمع. وأجّل رغبته. شيء بسيط. لكنه جديد.

دخل رين أولًا. لم يحدث شيء. ظل واقفًا عند أول المنعطف، ثم أشار لهم أن يتبعوه. توقف ريو عند المدخل لحظة. التفت خلفه. كانت الغابة كما هي. الشمس. الأشجار. الجسر. كل شيء. لكن عندما دخل، انغلق الحجر خلفه. استدار. اختفت الفتحة. قال رين

وجد ريو درجًا حجريًا يصعد إلى جانب القاعة. تقدموا. كل خطوة كانت أكثر صعوبة من السابقة. كان المكان جافًا، والهواء أثقل. في منتصف الدرج وجدوا بابًا. خشبيًا. قديمًا. ومحترقًا من طرفه. فوقه علامة أخرى. هذه المرة كانت واضحة. دائرة. وفي أعلاها فراغ. وقف رين.

جاءه صوت من الظلام:

— لا.

جاءوا إليها. أسفلهم مباشرة، على الصخور، : كانت هناك آثار أقدام. أربعة أشخاص. واضحة. حديثة. سأل رين

— ماذا؟

ثم بقي ساكنًا. وللمرة الأولى… لم يشعر بالخجل من ألا يعرف. فبعض الإجابات… لا ينبغي أن تُقال قبل أن يأتي اليوم التي تُختبر فيه.

العلامة. .

— منطقك مؤسف.

قال ريو:

التفت آزر إليه.

— نعم.

لم يجب. خفض عينيه. لم يعجبه كلامها. لكنه لم يغضب. فقط بقي صامتًا. بعد قليل قال

اقترب آزر. كان هناك شيء مكتوب تحتها. كلمات قليلة. بعضها محو. قال ريو بصوت منخفض:

— خمس دقائق. سنجلس خمس دقائق. نفكر. ثم نقرر.

— «العبور…»

— أعلم.

توقف. ثم حاول تنظيف التراب. ظهرت بقية الجملة.

نظر إلى يده.

— «… مرة

ثم انحنى قرب الحجر، وأخذ يتفحص الحافة التي انفتحت. مرر أصابعه على سطحها، ثم سحب يده بسرعة. كانت أصابعه ترتجف قليلًا. لاحظت نيرة ذلك.

نظر إليهم. قالت نيرة:

— حرارة.

— العبور مرة؟

ربما العلامة تشير إلى الطريق… وهذه تشير إلى شيء آخر.

— ربما.

— لا أعرف.

قال كايو:

نظر إليها كايو.

— لا تبدأ.

ابتسم ريو.

ابتسم ريو هذه المرة. ثم نظر إلى الباب.

— هناك شيء.

— قد يكون المقصود أن هذا الباب لا يُفتح إلا مرة واحدة.

أمسكت معصمه قبل أن يسحبه. : توقفت لحظة. كان جلد أصابعه أبرد من المعتاد. قالت

— إذن لا نفتحه.

وأشار إلى الأثر الأخير.

لكن آزر كان ينظر إلى شيء آخر.

: صمت الرجل. ثم أجاب

كانت هناك آثار خدوش على المقبض.

صمت ريو. ثم ابتسم بمرارة.

— أحدهم خرج.

— بدأت تتغير.

: ساد الصمت. قال ريو

— لا أعرف.

— نعم. لكن متى؟

نظر كايو إلى آزر.

— لا نعرف.

نظر إليه رين.

— وهذا لا يجيب شيئًا.

— نعم. لكن متى؟

— لكنه يخبرنا أننا لسنا أول من جاء.

— ماذا حدث؟

ابتعد رين عن الباب.

— نحن أربعة.

— وهذا يجعلني أكثر رغبة في المغادرة.

مرر ريو إصبعه عليه.

لم يتفقوا. وهذه المرة لم يكن الأمر بسيطًا.
رين يريد العودة.
ريو يريد فهم المكان قبل اتخاذ القرار.
نيرة تريد معرفة وظيفة القاعة.
كايو يريد أن يعرف إن كان المكان يؤدي إلى الخارج.
أما آزر… فكان يريد فتح الباب. قال رين:

قال ريو:

— قلت لا.

— ماذا؟

نظر إليه آزر.

— لا أريد أن أموت. لكنني لا أريد أن أعود أيضًا.

— لماذا؟

— لا شيء.

— لأننا لا نعرف ما ورائه.

— لا تلمس شيئًا آخر.

— قد يقود الي مخرج .

— قد يكون المقصود أن هذا الباب لا يُفتح إلا مرة واحدة.

— وقد يقود الي القبر.

— صحيح.

رفع عينيه إليها.

رفع رين صوته قليلًا.

لم يجب. خفض عينيه. لم يعجبه كلامها. لكنه لم يغضب. فقط بقي صامتًا. بعد قليل قال

— إذن لماذا تتحدث كأن الأمر لا يهم؟

جلس على الأرض.

صمت آزر. للمرة الأولى، لم يجد جوابًا فوريًا.
نظر إلى الباب. ثم إلى رين.
كان رين غاضبًا فعلًا.
ليس بسبب الباب وحده. كان مرهقًا. خائفًا. مسؤولًا عن ثلاثة أشخاص آخرين، رغم أن أحدًا لم يطلب منه رسميًا أن يكون كذلك. قال آزر

اقتربت نيرة من الحجر.

— يهمني.

رفع كايو رأسه. فكر.

— لا يبدو ذلك.

لم يتفقوا. وهذه المرة لم يكن الأمر بسيطًا. رين يريد العودة. ريو يريد فهم المكان قبل اتخاذ القرار. نيرة تريد معرفة وظيفة القاعة. كايو يريد أن يعرف إن كان المكان يؤدي إلى الخارج. أما آزر… فكان يريد فتح الباب. قال رين:

جلس آزر على الدرج. ظل يفكر. ثم قال

وضع آزر القطعة في يده.

أنا لا أريد أن أموت هنا.

— ربما.

صمت الجميع. كانت جملة عادية. ربما أول جملة عادية جدًا قالها آزر منذ زمن.
قالت نيرة

— ماذا؟

— جيد.

— فماذا يكون؟

رفع عينيه إليها.

— لا أعرف.

— لماذا؟

انحنى الجميع. أشارت إلى أسفل العلامة مباشرة. : خط صغير. شبه خدش. قالت

— لأنك أحيانًا تتحدث وكأن الموت فكرة تخص الآخرين.

— ربما.

لم يجب. خفض عينيه.
لم يعجبه كلامها. لكنه لم يغضب. فقط بقي صامتًا. بعد قليل قال

لم يجبه أحد. التفت إليهم واحدًا تلو الأخر، ثم أعاد النظر إلى الممر.

— لا أريد أن أموت. لكنني لا أريد أن أعود أيضًا.

— لا أعرف أين هي الآن. لكن لو كانت حية…

نظر ريو إليه. فهم شيئًا صغيرًا.
آزر لم يكن يختار الموت. ولم يكن يحتقر الحياة. كان فقط مستعدًا للمخاطرة بهما من أجل شيء أكبر في رأسه. وهذا فرق مهم.

— لا أظن.

فتحوا الباب.
هذه المرة لأنهم اتفقوا. وضع ريو يده على الجانب. طلب من رين أن يبقى خلفهم. نيرة جهزت أدواتها. كايو أمسك سلاحه. أما آزر فوقف أمام الباب. قال ريو

— لا.

— عندما نفتحه، لا تتقدم وحدك.

— لماذا اختفى صوتي؟

— لن أفعل.

رفعت نيرة حاجبها.

— عدني.

— لا أعرف أين هي الآن. لكن لو كانت حية…

: تردد آزر. ثم قال

— ماذا وجدت؟

— أعدك.

التفت كايو.

فتحوا. لم يحدث شيء.
وراء الباب ممر قصير. وفي نهايته ضوء. ضوء حقيقي.  قريب. قال كايو

— كيف عرفت؟

— طريق للخارج؟

— هذه المرة لا يوجد شيء كافٍ لأفكر فيه.

مشى رين خطوة. ثم توقف. كان الضوء قادمًا من فتحة واسعة. اقتربوا جميعًا.
وخرجوا.

— هذا ليس من النحت الأصلي.

وقفوا على جرف صخري.
كانت الشمس في الخارج تميل إلى الغروب. أمامهم وادٍ هائل. وفي وسطه، على مسافة بعيدة، ارتفعت أبنية ضخمة خلف أسوار شاهقة. قال رين

— يا أبي…

— مدينة أخرى؟

— لا شيء.

هز ريو رأسه.

— هذه ليست صفة جديدة.

— لا أظن.

— أعرف.

في الجهة المقابلة للواد، ارتفع جبل طويل. وعلى سفحه ظهر مبنى هائل، أبيض الجدران، يحمل في أعلاه راية فضية. عرفها ريو فورًا. قال بهدوء

نظر آزر إلى النار. بقي يفكر في الإجابة. ربما كانت هذه هي الحياة. أن تعرف ما يجب فعله… ثم تفعله أحيانًا. وأحيانًا لا. أن تحب شخصًا رغم أنك قد لا تسمع نصيحته. أن تخاف، وتذهب رغم ذلك. أن تتردد. أن تخسر. ثم تستمر. لم يكن آزر يملك الكلمات لكل هذا. لكنه بدأ يشعر به. وهذا كان أخطر.

طائفة سحابة الشمال.

ابتسم ريو.

التفت كايو.

— هناك شيء مرّ من هنا.

— ماذا؟

— الفتى.

لم يجب ريو. كان ينظر إلى المسافة. ثم قال:

لكن آزر كان ينظر إلى شيء آخر.

— الطريق الذي قال عنه الشيخ…

— حرارة.

أكمل آزر:

— لكنني أشتاق لأمي.

— لم يكن طريقًا إلى الشمال. كان طريقًا إلى هنا.

— ربما.

صمت ريو. ثم ابتسم بمرارة.

: نظر إليه رين. هذه المرة لم يقل شيئًا. أما ريو فظل يحدق فيه. قال

— يبدو أن الشيخ كان يعرف أكثر مما قال.

نظر إليها كايو.

— هذه ليست صفة جديدة.

— لنا؟

لكن نيرة لم تكن تنظر إلى الطائفة. كانت تنظر إلى الجرف. اقتربت من الحافة.

— العبور مرة؟

— انظروا.

كانت نيرة تنظر إلى الأرض. ثم أشارت.

جاءوا إليها. أسفلهم مباشرة، على الصخور،
: كانت هناك آثار أقدام. أربعة أشخاص. واضحة. حديثة. سأل رين

— في ماذا؟

— لنا؟

نظر آزر إليه. وللحظة، بدا أن شيئًا ما سيحدث بينهما. ثم أنزل آزر القطعة.

— لا.

— أرني.

عَدَّها. ثم نظر إليهم.

في الجهة المقابلة للواد، ارتفع جبل طويل. وعلى سفحه ظهر مبنى هائل، أبيض الجدران، يحمل في أعلاه راية فضية. عرفها ريو فورًا. قال بهدوء

— نحن أربعة.

— لا أعرف.

صمت. ثم قال كايو:

— لا. لكنها ستغضب فقط.

— وهذه أربعة أيضًا.

قال ريو:

هز ريو رأسه.

— لا.

— لا.

جلس آزر على الدرج. ظل يفكر. ثم قال

وأشار إلى الأثر الأخير.

— أنا شخصيًا أفضّل أن نقرر بعد أن نتناول شيئًا.

— هذا ليس حذاءً.

صمت آزر. للمرة الأولى، لم يجد جوابًا فوريًا. نظر إلى الباب. ثم إلى رين. كان رين غاضبًا فعلًا. ليس بسبب الباب وحده. كان مرهقًا. خائفًا. مسؤولًا عن ثلاثة أشخاص آخرين، رغم أن أحدًا لم يطلب منه رسميًا أن يكون كذلك. قال آزر

كانت البصمة ضيقة. طويلة. تشبه القدم البشرية… لكن أطول بقليل. ثم توقفت عند حافة الجرف.
لا أثر للسقوط. ولا أثر للعودة. قالت نيرة:

— لا.

— كان هنا شخص. ثم اختفى؟

جلس آزر على الدرج. ظل يفكر. ثم قال

— نعم.

قال ريو:

نظر كايو إلى آزر.

سكت للحظة. ثم أضاف:

— هل تريد أن تقول إننا سنلاحقه؟

ظل آزر ينظر إلى الأثر. ثم إلى الطائفة البعيدة. ثم إلى الوادي.
في القرية، كان يرى الأشياء من خلال ما يستطيع فعله. إذا استطاع إنقاذ شخص، حاول. إذا عجز، بقي عاجزًا. لكن شيئًا ما تغيّر منذ ذلك الحين. لم يعد يرى العجز على أنه نهاية السؤال. بل صار يراه سببًا للبحث عن شيء آخر. قال:

رفع كايو رأسه.

— لا. لن نلاحقه.

— هناك شيء.

: نظر إليه رين. هذه المرة لم يقل شيئًا. أما ريو فظل يحدق فيه. قال

— لأنني أقوى واحد هنا.

— بدأت تتغير.

كانت نيرة تنظر إلى الأرض. ثم أشارت.

التفت آزر إليه.

— لأنني أقوى واحد هنا.

— كيف؟

— ليس هذا المهم.

: تردد ريو. ثم قال

رفع عينيه إليها.

— في السابق كنت تقفز إلى الشيء لأنك تريد أن تعرفه. الآن بدأت تسأل ماذا تحتاج كي تصل إليه.

— هذه إجابة أفضل.

صمت آزر.
: لم يعرف إن كان ذلك مدحًا أم تحذيرًا. قال

جاءه صوت من الظلام:

— أليس هذا أفضل؟

في الجهة المقابلة للواد، ارتفع جبل طويل. وعلى سفحه ظهر مبنى هائل، أبيض الجدران، يحمل في أعلاه راية فضية. عرفها ريو فورًا. قال بهدوء

نظر ريو إلى الوادي.

— لا أريد أن أموت. لكنني لا أريد أن أعود أيضًا.

— ربما.

نظر ريو إليه للحظة. كان في عينيه شيء قريب من الرضا. لم يمدحه. لكن آزر شعر بذلك.

ضحك كايو من بعيد.

— بدأت أشعر أن هذه الجملة أصبحت مرضًا معديًا.

— ها قد عادت.

— لا. لن نلاحقه.

رمقه ريو بنظرة.
فضحكت نيرة. حتى آزر ابتسم.
ابتسامة صغيرة. سريعة. لكنها كانت موجودة.

— هذه حجة غريبة.

نصبوا مخيمهم قبل حلول الظلام.
لم يكن المكان آمنًا تمامًا، لكنه أفضل من الجرف. أشعل رين النار. كانت ألسنة اللهب ضعيفة في البداية، ثم استقرت. جلس كايو وهو يمد ساقيه.

ثم بقي ساكنًا. وللمرة الأولى… لم يشعر بالخجل من ألا يعرف. فبعض الإجابات… لا ينبغي أن تُقال قبل أن يأتي اليوم التي تُختبر فيه.

— أريد أن أنام يومًا كاملًا.

لم يرد ريو. اقترب آزر من الجدار. مرر كفه عليه. حجر. فقط حجر. لكن عندما رفع يده، شعر بذلك الإحساس ذاته  الذي شعر به مع الحجر الرمادي.

— لن تفعل.

التفتوا إليه.

— أعلم.

— صحيح.

— لماذا تقولها إذن؟

— نعم.

— حتى أريح نفسي.

صمت آزر. : لم يعرف إن كان ذلك مدحًا أم تحذيرًا. قال

— هذا أسوأ .

انحنى الجميع. أشارت إلى أسفل العلامة مباشرة. : خط صغير. شبه خدش. قالت

نظر كايو إليه.

— سنعرف إذا دخلنا.

— أعترف أنني أشتاق للطعام أكثر مما أشتاق للقرية.

— العلامة.

سكت للحظة. ثم أضاف:

— طريق للخارج؟

— لكنني أشتاق لأمي.

لم يرد أحد.
هذه المرة لم يضحك. كانت النار تتأوه بهدوء.
قال كايو

— ماذا استنتجت؟

— لا أعرف أين هي الآن. لكن لو كانت حية…

— لم يكن طريقًا إلى الشمال. كان طريقًا إلى هنا.

توقف. ثم ضحك بخفة.

— حتى أريح نفسي.

— ستقول لي إنني كنت أحمق لأنني دخلت نفقًا لا أعرفه.

قال رين أخيرًا.

— ستقول شيئًا كهذا بالتأكيد.

قال ريو:

ابتسم كايو.

توقف كايو.

— أجل.

— قلت لا شيء.

: ساد الصمت. ثم قال آزر

— لأن الدم الحديث عادة يحمل مشكلة.

— هل كنت ستستمع إليها؟

ثم انحنى قرب الحجر، وأخذ يتفحص الحافة التي انفتحت. مرر أصابعه على سطحها، ثم سحب يده بسرعة. كانت أصابعه ترتجف قليلًا. لاحظت نيرة ذلك.

رفع كايو رأسه. فكر.

اقترب كايو.

— لا. لكنها ستغضب فقط.

— هذا ليس أثر قدم. ولا أثر سلاح.

نظر آزر إلى النار. بقي يفكر في الإجابة. ربما كانت هذه هي الحياة. أن تعرف ما يجب فعله… ثم تفعله أحيانًا. وأحيانًا لا.
أن تحب شخصًا رغم أنك قد لا تسمع نصيحته.
أن تخاف، وتذهب رغم ذلك.
أن تتردد. أن تخسر. ثم تستمر.
لم يكن آزر يملك الكلمات لكل هذا. لكنه بدأ يشعر به. وهذا كان أخطر.

— هذا ليس أثر قدم. ولا أثر سلاح.

في وقت متأخر من الليل، عندما نام الآخرون، بقي آزر مستيقظًا. أخرج الحجر الرمادي. وضعه أمامه. لم يعد باردًا كما كان. كان دافئًا قليلًا. قربه من النار. ثم أبعده.
لا فرق. تذكر سؤال الشيخ: «من قال لك إن المدد يخرج من اليد؟» نظر إلى أصابعه.
لم يكن يعرف كيف يزرع. لم يكن يعرف الرتب.  ولا يعرف لماذا استطاع أن يشعر بالحجر.
لكن لأول مرة… لم يكن منزعجًا من ذلك.

لكن ريو لم يرد. اقترب من الحائط. رفع يده.

في قاعة الاختبار، عندما أخبره الرجل أن هناك شيئًا غريبًا فيه، كان يريد إجابة.
الآن بدأ يفهم شيئًا. ليس كل باب يُفتح لك لأنه يريد أن يعطيك جوابًا. بعض الأبواب تُفتح… لترى ما مدي السعر الذي أنت مستعد لدفعه.
رفع رأسه. نظر إلى النيران البعيدة.
إلى رين النائم قربها. وإلى كايو الذي كان يتحدث في نومه. إلى نيرة التي وضعت حقيبتها تحت رأسها. ظل ينظر إليهم.
للحظة، شعر بشيء يشبه الخوف. ليس على نفسه.
بل عليهم. فكرة غريبة. لم يحبها. لأن الخوف على النفس مفهوم. لكن الخوف على الآخرين يجعل القرار أصعب. وبدا له أن هذا هو الجزء الذي لم يفهمه بعد.
إذا كان عليه أن يختار يومًا بين هدفه… وبين حياة شخص آخر… فماذا سيفعل؟ ظل السؤال أمامه. لم يجب.
لم يكن يريد أن يكذب على نفسه بإجابة جميلة. أغلق يده على الحجر. وقال بصوت خافت

صمت آزر. للمرة الأولى، لم يجد جوابًا فوريًا. نظر إلى الباب. ثم إلى رين. كان رين غاضبًا فعلًا. ليس بسبب الباب وحده. كان مرهقًا. خائفًا. مسؤولًا عن ثلاثة أشخاص آخرين، رغم أن أحدًا لم يطلب منه رسميًا أن يكون كذلك. قال آزر

لا أعرف.

ابتسم ريو هذه المرة. ثم نظر إلى الباب.

ثم بقي ساكنًا.
وللمرة الأولى… لم يشعر بالخجل من ألا يعرف. فبعض الإجابات… لا ينبغي أن تُقال قبل أن يأتي اليوم التي تُختبر فيه.

— جديد.

في مكان بعيد عن الوادي،
خلف الجبل الذي ظهرت عليه راية سحابة الشمال، كان رجل يسير في ممر حجري تحت الأرض.
توقف. رفع رأسه. توقف الضوء الأبيض فوقه للحظة. ثم جاء صوت خافت.
طرقة واحدة. اقترب الرجل من الجدار.
كانت عليه العلامة. دائرة. وفراغ في أعلاها. وضع يده عليها. قال بصوت منخفض:

كان القرار أسهل بعد ذلك. لم يرغب رين في الدخول. لكن لم يرغب أيضًا في ترك شيء مجهول خلفهم. أصر على أن يعبروا واحدًا بعد الآخر، وأن يبقى آخرهم في الخارج حتى يتأكد أن العودة ممكنة. قال كايو:

عاد الطريق إلى العمل.

جاءه صوت من الظلام:

جاءه صوت من الظلام:

— هناك شيء مرّ من هنا.

— هل عبر أحد؟

لكن نيرة لم تكن تنظر إلى الطائفة. كانت تنظر إلى الجرف. اقتربت من الحافة.

: صمت الرجل. ثم أجاب

— لا أحد قال لك إنك يجب أن تكون أقل عنادًا.

— أربعة.

— لماذا؟

— هل رأوها؟

وانطفأ الضوء. أما في الوادي، فلم يكن آزر يعلم أن بعض الأبواب لا تُفتح لمن يبحث عنها… بل… لمن يلفت انتباه من يقف خلفها

نظر إلى العلامة.

— لا تبدأ أنت أيضًا.

— رأوا ما يكفي.

— لماذا؟

: ساد الصمت. ثم جاء السؤال

— في الحجر؟

— ومن كان يحمل الحجر؟

— أعترف أنني أشتاق للطعام أكثر مما أشتاق للقرية.

: لم يجب الرجل مباشرة. نظر إلى الاتجاه الذي تقع فيه لين. ثم قال

— لكنني أشتاق لأمي.

— الفتى.

دخل رين أولًا. لم يحدث شيء. ظل واقفًا عند أول المنعطف، ثم أشار لهم أن يتبعوه. توقف ريو عند المدخل لحظة. التفت خلفه. كانت الغابة كما هي. الشمس. الأشجار. الجسر. كل شيء. لكن عندما دخل، انغلق الحجر خلفه. استدار. اختفت الفتحة. قال رين

صمت الطرف الآخر طويلًا. ثم جاءه صوت هادئ:

— أنا لا أريد أن أموت هنا.

— إذن… لقد بدأ.

— الشيء الذي تحتنا لم يكن حجرًا.

وانطفأ الضوء.
أما في الوادي،
فلم يكن آزر يعلم أن بعض الأبواب لا تُفتح لمن يبحث عنها…
بل… لمن يلفت انتباه من يقف خلفها

— قد يكون المقصود أن هذا الباب لا يُفتح إلا مرة واحدة.

بعد مسافة أطول، انتهى الممر. خرجوا إلى مساحة واسعة تحت الأرض. توقفت أنفاس كايو. كانت قاعة هائلة. سقفها مرتفع جدًا حتى اختفى في الظلام. وعلى الجدران عشرات النقوش. دوائر. خطوط. أشكال بشرية. وبعضها بدا كأنه جُرح في الحجر بدل أن يُنحت فيه. وفي الوسط… كان هناك حوض حجري فارغ. حول الحوض سبعة أعمدة. أربعة منها سليمة. ثلاثة مكسورة. قال رين:

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط