طائفه سحابة الشمال
ظلَّ الحجر أمامهم مفتوحًا، لم يكن فتحًا بالمعنى الذي يعرفونه، لم ينكسر، ولم ينزلق جانبًا.
بل تشققت حافته عن خط أسود رفيع، ثم امتد الخط بهدوء حتى انقسم العمود الحجري إلى نصفين.
تحرك أحد النصفين إلى الأمام ببطء، كأن يدًا خفية تدفعه من الداخل،
ظهر وراءه ممر ضيق لا يشبه أي طريق رأوه من قبل.
— أنت تكذب، وأنا لا أحب ذلك.
كان مظلمًا في بدايته.
ليس ظلام الليل، ولا ظلام كهف، بل كان لونًا أسود كثيفًا، ساكنًا، حتى إن النظر إليه لوهلة جعل آزر يشعر بأن عينيه ترفضان فهم ما أمامهما.
لم يتحرك أحد.
حتى كايو، الذي كان يجد دائمًا شيئًا يقوله، لم يجد هذه المرة.
جاءه صوت من الظلام:
— لن ندخل.
كانت هناك آثار خدوش على المقبض.
قال رين أخيرًا.
لم يرد ريو. اقترب آزر من الجدار، ومرر كفه عليه. حجر، فقط حجر. لكن عندما رفع يده، شعر بذلك الإحساس ذاته الذي شعر به مع الحجر الرمادي.
لم يجبه أحد، التفت إليهم واحدًا تلو الأخر، ثم أعاد النظر إلى الممر.
— سنعرف إذا دخلنا.
— لا نعرف ما هذا.
— هنا.
قال ريو:
— لكنها حقيقية.
— وهذا صحيح.
— سنعرف إذا دخلنا.
ثم انحنى قرب الحجر، وأخذ يتفحص الحافة التي انفتحت.
مرر أصابعه على سطحها، ثم سحب يده بسرعة.
كانت أصابعه ترتجف قليلًا، ولاحظت نيرة ذلك.
فتحوا الباب. وهذه المرة لأنهم اتفقوا، وضع ريو يده على الجانب. طلب من رين أن يبقى خلفهم، نيرة جهزت أدواتها، وكايو أمسك سلاحه. أما آزر فوقف أمام الباب. قال ريو:
— ماذا حدث؟
— وهذا سبب كافٍ لعدم الدخول.
نظر إلى يده.
— منطقك مؤسف.
— لا شيء.
رفع كايو كتفه.
مدت نيرة يدها.
— لا تلمس شيئًا آخر.
— أرني.
— لماذا؟
— قلت لا شيء.
لم يجب آزر.
أمسكت معصمه قبل أن يسحبه.
توقفت لحظة، كان جلد أصابعه أبرد من المعتاد.
ثم قالت:
رفعت نيرة حاجبها.
— أنت تكذب، وأنا لا أحب ذلك.
— لا يبدو ذلك.
— ماذا وجدت؟
— لا تلمس شيئًا آخر.
ظل صامتًا، ثم قال:
— أعترف أنني أشتاق للطعام أكثر مما أشتاق للقرية.
— حرارة.
— لا.
اقترب كايو.
— سنعرف إذا دخلنا.
— حرارة؟
نصبوا مخيمهم قبل حلول الظلام. ولم يكن المكان آمنًا تمامًا، لكنه أفضل من الجرف. أشعل رين النار، كانت ألسنة اللهب ضعيفة في البداية، ثم استقرت. جلس كايو وهو يمد ساقيه.
— لا.
— إذا كنت أخاف، أفضّل أن أمزح.
تردد ريو.
— أخيرًا.
— برودة… لكن ليست أي برودة.
— قلت لا.
لم يعجب كايو الجواب.
— لا نعرف ما هذا.
— هذا لا يساعد.
— برودة… لكن ليست أي برودة.
رفع ريو عينيه إليه.
— لا، لكنها ستغضب فقط.
— أعرف.
— ماذا؟
كان صوت ريو أكثر جدية من المعتاد.
توقف، ثم حاول تنظيف التراب. وظهرت بقية الجملة.
— الشيء الذي تحتنا لم يكن حجرًا.
لكن ريو تابع:
ساد الصمت، وقال رين:
توقف كايو.
— ماذا تقصد؟
صمت الجميع، ونظر ريو إليه طويلًا، ثم عاد بنظره إلى الممر.
— لا أعرف.
قال ريو:
ضحك كايو ضحكة قصيرة، بلا مرح.
لم يجب الرجل مباشرة، وظر إلى الاتجاه الذي تقع فيه لين. ثم قال:
— بدأت أشعر أن هذه الجملة أصبحت مرضًا معديًا.
وقفوا على جرف صخري. كانت الشمس في الخارج تميل إلى الغروب. أمامهم وادٍ هائل، وفي وسطه، على مسافة بعيدة، ارتفعت أبنية ضخمة خلف أسوار شاهقة. قال رين:
لكن ريو لم يبتسم، بل كان ينظر إلى الممر.
ثم قال:
— لماذا؟
— حين لمست الحجر… شعرت بشيء يتحرك إلى الداخل.
نظر كايو إلى آزر.
— إلى أين؟
— أنا شخصيًا أفضّل أن نقرر بعد أن نتناول شيئًا.
— لا أعرف.
ثم صمت.
— في جسمك؟
— أرني.
— لا.
— هذا ليس طريقًا.
— في الحجر؟
جلس على الأرض.
تردد.
قال ريو، ونظر إليه آزر.
— ربما.
جلسوا، وبقي آزر واقفًا.
رفعت نيرة حاجبها.
ربما العلامة تشير إلى الطريق… وهذه تشير إلى شيء آخر.
— لا تستخدمها وأنت تسخر من كايو.
رمقته بنظرة، لكن قبل أن يقول شيئًا، قال ريو:
للمرة الأولى ابتسم ريو، ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها كانت كافية لتخفف شيئًا من التوتر.
رفع عينيه إليها.
أما آزر فلم يسمع الكلمات الأخيرة، كان قد اقترب من المدخل، ووقف على بعد خطوة.
من الداخل لم يأتِ صوت، لم تهب ريح، لا رائحة غريبة.
فقط ذلك السكون.
مد يده.
— لا، لكنه يعني أن شيئًا خرج.
— لا تلمسه.
— هذا ليس حذاءً.
قالت نيرة ذلك بسرعة.
— لا نعرف ما هذا.
— لماذا؟
هز ريو رأسه.
— لا أعرف، وهذا يكفيني هذه المرة.
تردد.
أنزل آزر يده، وظل ينظر إلى الداخل، ثم سأل:
— نعم.
— ماذا لو كان هذا هو الطريق؟
— وماذا لو كان قبرًا؟
أجاب رين فورًا:
ثم بقي ساكنًا. وللمرة الأولى… لم يشعر بالخجل من ألا يعرف. فبعض الإجابات… لا ينبغي أن تُقال قبل أن يأتي اليوم التي تُختبر فيه.
— وماذا لو كان قبرًا؟
بل… لمن يلفت انتباه من يقف خلفها
التفت آزر إليه.
— لا، هذا مكان.
— سنعرف إذا دخلنا.
لكن نيرة لم تكن تنظر إلى الطائفة، بل كانت تنظر إلى الجرف، واقتربت من الحافة.
— وإذا لم نعرف إلا بعد أن نموت؟
— قد يكون المقصود أن هذا الباب لا يُفتح إلا مرة واحدة.
لم يجب آزر.
— الطريق الذي قال عنه الشيخ…
قال رين:
اقتربت نيرة من الحجر.
— لا أحد منا يعرف إلى أين يقود هذا الشيء.
جلس على الأرض.
لسنا في القرية الآن، ولا يوجد سور نعود إليه، ولا شخص يعرف أين نحن.
ضحك كايو من بعيد.
قال ريو:
جلس على الأرض.
— وهذا سبب كافٍ لعدم الدخول.
— هل كنت ستستمع إليها؟
ثم صمت.
— لأنني حي.
نظر إلى آزر.
— قرروا أولًا أي جملة منكم تريدون تصديقها.
— وربما سبب كافٍ للدخول.
للمرة الأولى ابتسم ريو، ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها كانت كافية لتخفف شيئًا من التوتر.
رفع كايو رأسه.
— لماذا؟
— قرروا أولًا أي جملة منكم تريدون تصديقها.
— هذا لا يساعد.
جلس على الأرض.
— ستقول شيئًا كهذا بالتأكيد.
— أنا شخصيًا أفضّل أن نقرر بعد أن نتناول شيئًا.
اقترب آزر، وكان هناك شيء مكتوب تحتها. كلمات قليلة، بعضها تم محوه، ثم قال ريو بصوت منخفض:
نظرت إليه نيرة.
جلس على الأرض.
— أنت جائع دائمًا.
قال كايو:
— لأنني حي.
— سنعرف إذا دخلنا.
— هذه حجة غريبة.
سألته نيرة:
— لكنها حقيقية.
نظر ريو إليه.
قال رين وهو يزفر:
بل… لمن يلفت انتباه من يقف خلفها
— خمس دقائق، سنجلس خمس دقائق نفكر، ثم نقرر.
بل… لمن يلفت انتباه من يقف خلفها
كان كايو على وشك الاعتراض، لكنه رأى رين جادًا، فأغلق فمه.
— عاد الطريق إلى العمل.
جلسوا، وبقي آزر واقفًا.
— كاذب.
كانت الشمس قد تحركت قليلًا في السماء.
شعاعها دخل بين أغصان الأشجار، وسقط على العمود الحجري،
فبدت العلامة المنحوتة عليه أوضح من قبل، دائرة وفراغ في أعلاها.
حدق آزر فيها..
تذكر القرية، الشجرة، الحجر الأسود، الطرق، والخشبة التي كانت في يد سورا.
لم يعرف كيف، لكن الأشياء التي بدت متفرقة من قبل بدأت تتقارب في ذهنه.
قال ريو، ونظر إليه آزر.
ليس كإجابة، بل كخط.
خط طويل، لم يرَ منه سوى عدة نقاط.
وضع آزر القطعة في يده.
— أنت تفكر فيها كثيرًا.
— غريب، لأنك عادة لا تتوقف عند «لا شيء».
قال ريو، ونظر إليه آزر.
— إذا كنت أخاف، أفضّل أن أمزح.
— في ماذا؟
انحنى أكثر.
— العلامة.
— حتى أريح نفسي.
— نعم.
— لا أعرف.
— ماذا استنتجت؟
— لماذا؟
— لا شيء.
ثم صمت.
نظر إليه ريو للحظات، ثم قال:
— نعم.
— غريب، لأنك عادة لا تتوقف عند «لا شيء».
قال ريو:
— هذه المرة لا يوجد شيء كافٍ لأفكر فيه.
لم يجب آزر.
ابتسم ريو.
— أعدك.
— هذه إجابة أفضل.
— أعرف.
اقتربت نيرة من الحجر.
قال ريو:
— هناك شيء.
— ليس هذا المهم.
انحنى الجميع، وأشارت إلى أسفل العلامة مباشرة.
خط صغير، شبه خدش.
ثم قالت:
— أنا شخصيًا أفضّل أن نقرر بعد أن نتناول شيئًا.
— هذا ليس من النحت الأصلي.
— هناك شيء.
مرر ريو إصبعه عليه.
ربما العلامة تشير إلى الطريق… وهذه تشير إلى شيء آخر.
— لا.
لكن ريو لم يرد، اقترب من الحائط، ورفع يده.
— متى حدث؟
نظر إليه آزر.
— جديد.
— قد يقود الي مخرج.
رفع كايو وجهه.
كانت البصمة ضيقة، طويلة، وتشبه القدم البشرية… لكن أطول بقليل. ثم توقفت عند حافة الجرف. لا أثر للسقوط، ولا أثر للعودة. قالت نيرة:
— جديد؟ كم مضي عليه
— لا، لن نلاحقه.
— لا أعرف.
— ربما.
نظر إليها كايو.
— ليس هذا المهم.
— أخيرًا.
— خمس دقائق، سنجلس خمس دقائق نفكر، ثم نقرر.
رمقته بنظرة، لكن قبل أن يقول شيئًا، قال ريو:
اقترب آزر، وكان هناك شيء مكتوب تحتها. كلمات قليلة، بعضها تم محوه، ثم قال ريو بصوت منخفض:
— ليس هذا المهم.
— ماذا وجدت؟
أشار إلى الخط.
نظر ريو إلى الوادي.
— هناك شيء مرّ من هنا.
— الفتى.
— شخص؟
— أعدك.
— ربما.
وضع آزر القطعة في يده.
قال كايو:
— كان هنا شخص، ثم اختفى؟
— لا تبدأ أنت أيضًا.
لم يجب الرجل مباشرة، وظر إلى الاتجاه الذي تقع فيه لين. ثم قال:
لكن ريو تابع:
— لأنني حي.
— هذا ليس أثر قدم، ولا أثر سلاح.
عَدَّها، ثم نظر إليهم.
— فماذا يكون؟
— إلى أين؟
انحنى أكثر.
— جيد.
— لا أعرف.
— هل تريد أن تقول إننا سنلاحقه؟
نظر كايو إلى السماء.
ظل آزر ينظر إلى الأثر، ثم إلى الطائفة البعيدة، وأخيرا إلى الوادي. في القرية، كان يرى الأشياء من خلال ما يستطيع فعله. إذا استطاع إنقاذ شخص، حاول، وإذا عجز، بقي عاجزًا. لكن شيئًا ما تغيّر منذ ذلك الحين، لم يعد يرى العجز على أنه نهاية السؤال، بل صار يراه سببًا للبحث عن شيء آخر. ابتسم وقال:
— يا أبي…
رفع كايو وجهه.
ضحكت نيرة رغمًا عنها، وحتى رين ابتسم.
لكن آزر بقي يراقب الخط، كان ضيقًا جدًا، يمتد من أسفل العلامة إلى الأرض.
وكأنه شيء طويل سُحب على الحجر.
ثم قال فجأة:
— ربما ليس له علاقة بالعلامة.
— لم يدخل أحد.
— لم يدخل أحد.
التفتوا إليه.
وفي وقت متأخر من الليل، عندما نام الآخرون، بقي آزر مستيقظًا. أخرج الحجر الرمادي، ووضعه أمامه. لم يعد باردًا كما كان، لقد كان دافئًا قليلًا. قربه من النار، ثم أبعده. لا فرق. تذكر سؤال الشيخ: «من قال لك إن المدد يخرج من اليد؟» نظر إلى أصابعه. لم يكن يعرف كيف يزرع، ولم يكن يعرف الرتب، ولا حتى يعرف لماذا استطاع أن يشعر بالحجر. لكن لأول مرة… لم يكن منزعجًا من ذلك.
— ماذا؟
— لا نعرف ما هذا.
أشار إلى الأثر.
اقترب كايو.
— انظروا، الأثر يبدأ من داخل الطريق.
— إذن لا نفتحه.
صمت الجميع، ونظر ريو إليه طويلًا، ثم عاد بنظره إلى الممر.
كانت هناك طبقة رقيقة جدًا من الغبار على الحجر. مسحها. ظهر نقش صغير،و هذه المرة لم يكن دائرة وفراغًا. بل خطان متوازيان، وفوقهما نقطة. قالت نيرة:
— صحيح.
— ربما.
— هذا لا يثبت شيئًا.
ساد الصمت، وقال رين:
— لا، لكنه يعني أن شيئًا خرج.
— العلامة.
كان القرار أسهل بعد ذلك.
لم يرغب رين في الدخول، ولكن لم يرغب أيضًا في ترك شيء مجهول خلفهم.
أصر على أن يعبروا واحدًا تلو الآخر، وأن يبقى آخرهم في الخارج حتى يتأكد أن العودة ممكنة.
قال كايو:
توقف كايو.
— سأبقى الأخير.
— لأننا لا نعرف ماذا يحدث.
نظر إليه رين.
أمسكت معصمه قبل أن يسحبه. توقفت لحظة، كان جلد أصابعه أبرد من المعتاد. ثم قالت:
— لماذا؟
لم يتفقوا، وهذه المرة لم يكن الأمر بسيطًا. رين يريد العودة. ريو يريد فهم المكان قبل اتخاذ القرار. نيرة تريد معرفة وظيفة القاعة. كايو يريد أن يعرف إن كان المكان يؤدي إلى الخارج. أما آزر… فكان يريد فتح الباب. قال رين:
هز كايو كتفيه.
التفتوا إليه.
— لأنني أقوى واحد هنا.
نظر كايو إليه.
نظر ريو إليه.
— نعم.
— أنت فاشل في اختبار المدد.
— لا تستخدمها وأنت تسخر من كايو.
— لم أقل الأفضل في المدد، قلت الأقوى.
التفتوا إليه.
ابتسمت نيرة.
توقف، ثم حاول تنظيف التراب. وظهرت بقية الجملة.
— لا أحد قال لك إنك يجب أن تكون أقل عنادًا.
— يا أبي…
رفع كايو كتفه.
— هل تريد أن تقول إننا سنلاحقه؟
— إذا كنت أخاف، أفضّل أن أمزح.
— كيف؟
— أعرف.
— كاذب.
لم يضحك هذه المرة.
فقط نظر إليها للحظة، ثم أشاح بوجهه.
كان الأمر واضحًا، حين بدأ الخوف يظهر، كان كايو يرفع صوته، وحين يقترب منه شيء لا يستطيع فهمه، يبحث عن شيء يضحك عليه.
ربما حتى لا يتذكر شعورًا آخر، شعور قديم.
شعور الوقوف أمام النهر وعدم القدرة على فعل شيء.
— قد يكون المقصود أن هذا الباب لا يُفتح إلا مرة واحدة.
دخل رين أولًا.
ولم يحدث شيء.
ظل واقفًا عند أول المنعطف، ثم أشار لهم أن يتبعوه.
توقف ريو عند المدخل لحظة.
التفت خلفه، وكانت الغابة كما هي.
الشمس، الأشجار، الجسر، كل شيء.
لكن عندما دخل،
انغلق الحجر خلفه، استدار، واختفت الفتحة.
قال رين:
— العلامة.
— لا تلمسه.
تردد آزر، ثم قال:
لم يرد ريو.
اقترب آزر من الجدار، ومرر كفه عليه.
حجر، فقط حجر.
لكن عندما رفع يده، شعر بذلك الإحساس ذاته الذي شعر به مع الحجر الرمادي.
— ماذا حدث؟
سألته نيرة:
— بدأت أشعر أن هذه الجملة أصبحت مرضًا معديًا.
— ماذا؟
التفت آزر إليه.
— لا شيء.
كانت البصمة ضيقة، طويلة، وتشبه القدم البشرية… لكن أطول بقليل. ثم توقفت عند حافة الجرف. لا أثر للسقوط، ولا أثر للعودة. قالت نيرة:
هذه المرة لم تصحح له، فقد فهمت أن «لا شيء» عند آزر ليست دائمًا جهلًا.
أحيانًا تعني أنه لم يجد كلمة بعد.
— جيد.
كان الممر أضيق مما تصوروا.
الجدران على الجانبين ملساء، بلا نباتات ولا رطوبة، رغم أن المكان بدا قديمًا.
خطواتهم كانت تصدر صدى ضعيفًا، كل صوت يعود إليهم متأخرًا بمقدار بسيط.
خطوة، صدى، خطوة، صدى، ثم.. بعد مسافة قصيرة، حدث شيء غريب.
توقف صدى خطوات كايو، خطا كايو خطوة أخرى، وهذه المرة لم يعد الصوت.
توقف، وخطا رين، ثم عاد صدى خطوته.
خطت نيرة، وعاد.
التفت كايو إلى ريو.
— لا أظن.
— لماذا اختفى صوتي؟
نظر إليها كايو.
— لا أعرف.
— لماذا؟
— أنت تستمتع بهذا الآن، أليس كذلك؟
— وماذا لو كان قبرًا؟
— لا.
— لا تبدأ أنت أيضًا.
— كاذب.
— لن تفعل.
لكن ريو لم يرد، اقترب من الحائط، ورفع يده.
— قد يقود الي مخرج.
— هنا.
— نعم.
كانت هناك طبقة رقيقة جدًا من الغبار على الحجر.
مسحها.
ظهر نقش صغير،و هذه المرة لم يكن دائرة وفراغًا.
بل خطان متوازيان، وفوقهما نقطة.
قالت نيرة:
— نحن أربعة.
— هل له علاقة بالعلامة؟
نظر إلى العلامة.
— لا أعرف.
— هناك شيء.
كان آزر ينظر إلى النقش، ثم قال:
— متى حدث؟
— ربما ليس له علاقة بالعلامة.
— لا أحد منا يعرف إلى أين يقود هذا الشيء.
ربما العلامة تشير إلى الطريق… وهذه تشير إلى شيء آخر.
دخل رين أولًا. ولم يحدث شيء. ظل واقفًا عند أول المنعطف، ثم أشار لهم أن يتبعوه. توقف ريو عند المدخل لحظة. التفت خلفه، وكانت الغابة كما هي. الشمس، الأشجار، الجسر، كل شيء. لكن عندما دخل، انغلق الحجر خلفه، استدار، واختفت الفتحة. قال رين:
— كيف عرفت؟
نظر ريو إلى الوادي.
— لم أعرف، فقط فكرت.
— إلى أين؟
نظر ريو إليه للحظة، وكان في عينيه شيء قريب من الرضا.
لم يمدحه، ولكن آزر شعر بذلك.
— لأننا لا نعرف ماذا يحدث.
بعد مسافة أطول، انتهى الممر.
خرجوا إلى مساحة واسعة تحت الأرض، وتوقفت أنفاس كايو.
كانت قاعة هائلة، سقفها مرتفع جدًا حتى اختفى في الظلام، وعلى الجدران عشرات النقوش.
دوائر، خطوط، أشكال بشرية، وبعضها بدا كأنه جُرح في الحجر بدل أن يُنحت فيه.
وفي الوسط… كان هناك حوض حجري فارغ، وحوله سبعة أعمدة.
أربعة منها سليمة، وثلاثة مكسورة.
ثم قال رين:
— جديد؟ كم مضي عليه
— هذا ليس طريقًا.
نظر إليهم، وقالت نيرة:
قال ريو:
— لا تلمس شيئًا آخر.
— لا، هذا مكان.
كانت البصمة ضيقة، طويلة، وتشبه القدم البشرية… لكن أطول بقليل. ثم توقفت عند حافة الجرف. لا أثر للسقوط، ولا أثر للعودة. قالت نيرة:
كانت نيرة تنظر إلى الأرض، ثم أشارت.
— الطريق الذي قال عنه الشيخ…
— هناك دم.
نظر إليه ريو للحظات، ثم قال:
توقف كايو.
— حتى أريح نفسي.
— حديث؟
كان مظلمًا في بدايته. ليس ظلام الليل، ولا ظلام كهف، بل كان لونًا أسود كثيفًا، ساكنًا، حتى إن النظر إليه لوهلة جعل آزر يشعر بأن عينيه ترفضان فهم ما أمامهما. لم يتحرك أحد. حتى كايو، الذي كان يجد دائمًا شيئًا يقوله، لم يجد هذه المرة.
انحنت، ولمست البقعة بطرف إصبعها.
ثم رفعت يدها.
توقف آزر، ونظر إليه.
— لا، بل قديم جدًا.
— لا أريد أن أموت، لكنني لا أريد أن أعود أيضًا.
تنفس كايو براحة.
— أخيرًا.
— جيد.
— هذه ليست صفة جديدة.
— لا أعرف لماذا شعرت بالراحة لأن الدم قديم.
— جديد؟ كم مضي عليه
— لأن الدم الحديث عادة يحمل مشكلة.
رفع رين صوته قليلًا.
— منطقك مؤسف.
— هذه إجابة أفضل.
— لكنه مفيد.
كان آزر بعيدًا عنهم، اقترب من الحوض.
ووجد شيئًا في داخله، قطعة معدنية، رفعها، وكان عليها نصف دائرة محفورة.
لكن على الطرف الآخر كان هناك شيء يشبه فراغًا.
ليست العلامة، ولكنها قريبة.
قال ريو:
— طريق للخارج؟
— لا تلمس شيئًا آخر.
هز ريو رأسه.
توقف آزر، ونظر إليه.
— متى حدث؟
— لماذا؟
— ربما.
— لأننا لا نعرف ماذا يحدث.
— أخيرًا.
وضع آزر القطعة في يده.
رفعت نيرة حاجبها.
— لهذا أريد أن أعرف.
— أنت جائع دائمًا.
رد ريو بحدة:
— ماذا؟
— المعرفة لا تعني أن تضع يدك على كل شيء.
— لماذا؟
نظر آزر إليه، وللحظة، بدا أن شيئًا ما سيحدث بينهما.
ثم أنزل آزر القطعة.
— ربما ليس له علاقة بالعلامة.
— حسنًا.
— ليس هذا المهم.
كانت لحظة صغيرة، لكن نيرة لاحظتها.
آزر لم يكن يطيع ريو خوفًا، ولم يتحده لمجرد التحدي.
استمع، وأجّل رغبته، شيء بسيط، ولكنه جديد.
نظر كايو إليه.
وجد ريو درجًا حجريًا يصعد إلى جانب القاعة.
تقدموا، وفي كل خطوة كانت أكثر صعوبة من السابقة.
كان المكان جافًا، والهواء أثقل.
وفي منتصف الدرج وجدوا بابًا خشبيًا قديمًا، ومحترقًا من طرفه.
فوقه علامة أخرى، وهذه المرة كانت واضحة.
دائرة، وفي أعلاها فراغ.
وقف رين.
أكمل آزر:
— لا.
— في السابق كنت تقفز إلى الشيء لأنك تريد أن تعرفه، والآن.. بدأت تسأل ماذا تحتاج كي تصل إليه.
— ماذا؟
— وهذه أربعة أيضًا.
— العلامة.
نظر كايو إلى السماء.
قال ريو:
— لا أعرف.
— نعم.
— لم يدخل أحد.
اقترب آزر، وكان هناك شيء مكتوب تحتها.
كلمات قليلة، بعضها تم محوه، ثم قال ريو بصوت منخفض:
— لا.
— «العبور…»
— وقد يقود الي القبر.
توقف، ثم حاول تنظيف التراب.
وظهرت بقية الجملة.
— هذا ليس أثر قدم، ولا أثر سلاح.
— « مرة…»
رفعت نيرة حاجبها.
نظر إليهم، وقالت نيرة:
اقتربت نيرة من الحجر.
— العبور مرة؟
— لا شيء.
— ربما.
نصبوا مخيمهم قبل حلول الظلام. ولم يكن المكان آمنًا تمامًا، لكنه أفضل من الجرف. أشعل رين النار، كانت ألسنة اللهب ضعيفة في البداية، ثم استقرت. جلس كايو وهو يمد ساقيه.
قال كايو:
— لا أعرف.
— لا تبدأ.
— لا شيء.
ابتسم ريو، ثم نظر إلى الباب.
وفي مكان بعيد عن الوادي، خلف الجبل الذي ظهرت عليه راية سحابة الشمال، كان رجل يسير في ممر حجري تحت الأرض. توقف، ورفع رأسه، ثم توقف الضوء الأبيض فوقه للحظة. ثم جاء صوت خافت. طرقة واحدة. اقترب الرجل من الجدار. كانت عليه العلامة. دائرة، وفراغ في أعلاها. وضع يده عليها، وقال بصوت منخفض:
— قد يكون المقصود أن هذا الباب لا يُفتح إلا مرة واحدة.
رفع كايو رأسه.
— إذن لا نفتحه.
— طائفة سحابة الشمال.
لكن آزر كان ينظر إلى شيء آخر.
مشى رين خطوة، ثم توقف. كان الضوء قادمًا من فتحة واسعة، اقتربوا جميعًا. وخرجوا.
كانت هناك آثار خدوش على المقبض.
— ماذا؟
— أحدهم خرج.
— جيد.
ساد الصمت، ثم قال ريو:
— طائفة سحابة الشمال.
— نعم، لكن متى؟
أمسكت معصمه قبل أن يسحبه. توقفت لحظة، كان جلد أصابعه أبرد من المعتاد. ثم قالت:
— لا نعرف.
— لا أعرف، وهذا يكفيني هذه المرة.
— وهذا لا يجيب شيئًا.
— ماذا؟
— لكنه يخبرنا أننا لسنا أول من جاء.
نظر ريو إليه.
ابتعد رين عن الباب.
اقترب كايو.
— وهذا يجعلني أكثر رغبة في المغادرة.
— المعرفة لا تعني أن تضع يدك على كل شيء.
لم يتفقوا، وهذه المرة لم يكن الأمر بسيطًا.
رين يريد العودة.
ريو يريد فهم المكان قبل اتخاذ القرار.
نيرة تريد معرفة وظيفة القاعة.
كايو يريد أن يعرف إن كان المكان يؤدي إلى الخارج.
أما آزر… فكان يريد فتح الباب.
قال رين:
— لا، لكنها ستغضب فقط.
— قلت لا.
— هذا ليس طريقًا.
نظر إليه آزر.
— هناك شيء مرّ من هنا.
— لماذا؟
— لا أعرف.
— لأننا لا نعرف ما ورائه.
— المعرفة لا تعني أن تضع يدك على كل شيء.
— قد يقود الي مخرج.
— ماذا وجدت؟
— وقد يقود الي القبر.
قال رين أخيرًا.
— صحيح.
— لأنني حي.
رفع رين صوته قليلًا.
دخل رين أولًا. ولم يحدث شيء. ظل واقفًا عند أول المنعطف، ثم أشار لهم أن يتبعوه. توقف ريو عند المدخل لحظة. التفت خلفه، وكانت الغابة كما هي. الشمس، الأشجار، الجسر، كل شيء. لكن عندما دخل، انغلق الحجر خلفه، استدار، واختفت الفتحة. قال رين:
— إذن لماذا تتحدث كأن الأمر لا يهم؟
— لماذا؟
صمت آزر، وللمرة الأولى، لم يجد جوابًا فوريًا.
نظر إلى الباب، ثم إلى رين.
كان رين غاضبًا فعلًا.
ليس بسبب الباب وحده، كان مرهقًا، خائفًا، ومسؤولًا عن ثلاثة أشخاص آخرين، على الرغم أن أحدًا لم يطلب منه رسميًا أن يكون كذلك.
تابع آزر:
— ماذا؟
— يهمني.
كانت البصمة ضيقة، طويلة، وتشبه القدم البشرية… لكن أطول بقليل. ثم توقفت عند حافة الجرف. لا أثر للسقوط، ولا أثر للعودة. قالت نيرة:
— لا يبدو ذلك.
ابتسم ريو، ثم نظر إلى الباب.
جلس آزر على الدرج، وظل يفكر.
ثم قال:
— لا شيء.
— أنا لا أريد أن أموت هنا.
نصبوا مخيمهم قبل حلول الظلام. ولم يكن المكان آمنًا تمامًا، لكنه أفضل من الجرف. أشعل رين النار، كانت ألسنة اللهب ضعيفة في البداية، ثم استقرت. جلس كايو وهو يمد ساقيه.
صمت الجميع.
كانت جملة عادية، لربما حتى أول جملة عادية جدًا قالها آزر منذ زمن.
قالت نيرة
لم يجب آزر.
— جيد.
قال رين أخيرًا.
رفع عينيه إليها.
— ستقول شيئًا كهذا بالتأكيد.
— لماذا؟
وقفوا على جرف صخري. كانت الشمس في الخارج تميل إلى الغروب. أمامهم وادٍ هائل، وفي وسطه، على مسافة بعيدة، ارتفعت أبنية ضخمة خلف أسوار شاهقة. قال رين:
— لأنك أحيانًا تتحدث وكأن الموت فكرة تخص الآخرين.
— كاذب.
لم يجب، وخفض عينيه.
لم يعجبه كلامها.
لكنه لم يغضب، فقط بقي صامتًا.
وبعد قليل قال:
جلس على الأرض.
— لا أريد أن أموت، لكنني لا أريد أن أعود أيضًا.
— لكنه مفيد. كان آزر بعيدًا عنهم، اقترب من الحوض. ووجد شيئًا في داخله، قطعة معدنية، رفعها، وكان عليها نصف دائرة محفورة. لكن على الطرف الآخر كان هناك شيء يشبه فراغًا. ليست العلامة، ولكنها قريبة. قال ريو:
نظر ريو إليه، وفهم شيئًا صغيرًا.
آزر لم يكن يختار الموت. ولم يكن يحتقر الحياة، كان فقط مستعدًا للمخاطرة بهما من أجل شيء أكبر في رأسه.
وهذا فرق مهم.
— حتى أريح نفسي.
فتحوا الباب.
وهذه المرة لأنهم اتفقوا، وضع ريو يده على الجانب.
طلب من رين أن يبقى خلفهم، نيرة جهزت أدواتها، وكايو أمسك سلاحه.
أما آزر فوقف أمام الباب.
قال ريو:
— ماذا حدث؟
— عندما نفتحه، لا تتقدم وحدك.
— لهذا أريد أن أعرف.
— لن أفعل.
قال رين وهو يزفر:
— عدني.
صمت الطرف الآخر طويلًا، ثم جاءه صوت هادئ:
تردد آزر، ثم قال:
— وربما سبب كافٍ للدخول.
— أعدك.
لكن نيرة لم تكن تنظر إلى الطائفة، بل كانت تنظر إلى الجرف، واقتربت من الحافة.
فتحوا، ولم يحدث شيء.
وراء الباب ممر قصير، وفي نهايته ضوء.
ضوء حقيقي قريب.
قال كايو:
ظلَّ الحجر أمامهم مفتوحًا، لم يكن فتحًا بالمعنى الذي يعرفونه، لم ينكسر، ولم ينزلق جانبًا. بل تشققت حافته عن خط أسود رفيع، ثم امتد الخط بهدوء حتى انقسم العمود الحجري إلى نصفين. تحرك أحد النصفين إلى الأمام ببطء، كأن يدًا خفية تدفعه من الداخل، ظهر وراءه ممر ضيق لا يشبه أي طريق رأوه من قبل.
— طريق للخارج؟
وفي مكان بعيد عن الوادي، خلف الجبل الذي ظهرت عليه راية سحابة الشمال، كان رجل يسير في ممر حجري تحت الأرض. توقف، ورفع رأسه، ثم توقف الضوء الأبيض فوقه للحظة. ثم جاء صوت خافت. طرقة واحدة. اقترب الرجل من الجدار. كانت عليه العلامة. دائرة، وفراغ في أعلاها. وضع يده عليها، وقال بصوت منخفض:
مشى رين خطوة، ثم توقف.
كان الضوء قادمًا من فتحة واسعة، اقتربوا جميعًا.
وخرجوا.
— رأوا ما يكفي.
وقفوا على جرف صخري.
كانت الشمس في الخارج تميل إلى الغروب.
أمامهم وادٍ هائل، وفي وسطه، على مسافة بعيدة، ارتفعت أبنية ضخمة خلف أسوار شاهقة.
قال رين:
— إذا كنت أخاف، أفضّل أن أمزح.
— مدينة أخرى؟
— لا أعرف أين هي الآن، لكن لو كانت حية…
هز ريو رأسه.
— نحن أربعة.
— لا أظن.
— ماذا استنتجت؟
في الجهة المقابلة للواد، ارتفع جبل طويل، وعلى سفحه ظهر مبنى هائل، أبيض الجدران، يحمل في أعلاه راية فضية.
وقد عرفها ريو فورًا، ثم قال بهدوء:
وضع آزر القطعة في يده.
— طائفة سحابة الشمال.
— لا، لكنه يعني أن شيئًا خرج.
التفت كايو.
— أعلم.
— ماذا؟
رفع ريو عينيه إليه.
لم يجب ريو، كان ينظر إلى المسافة.
ثم قال:
— أعترف أنني أشتاق للطعام أكثر مما أشتاق للقرية.
— الطريق الذي قال عنه الشيخ…
كانت لحظة صغيرة، لكن نيرة لاحظتها. آزر لم يكن يطيع ريو خوفًا، ولم يتحده لمجرد التحدي. استمع، وأجّل رغبته، شيء بسيط، ولكنه جديد.
أكمل آزر:
— ماذا لو كان هذا هو الطريق؟
— لم يكن طريقًا إلى الشمال.. بل كان طريقًا إلى هنا.
— أنت تفكر فيها كثيرًا.
صمت ريو، ثم ابتسم بمرارة.
— إذن لا نفتحه.
— يبدو أن الشيخ كان يعرف أكثر مما قال.
— أعرف.
— هذه ليست صفة جديدة.
— جيد.
لكن نيرة لم تكن تنظر إلى الطائفة، بل كانت تنظر إلى الجرف، واقتربت من الحافة.
سكت للحظة، ثم أضاف:
— انظروا.
نظر كايو إلى آزر.
جاءوا إليها.
أسفلهم مباشرة، على الصخور،
كانت هناك آثار أقدام، أربعة أشخاص، واضحة، وحديثة.
سأل رين:
مشى رين خطوة، ثم توقف. كان الضوء قادمًا من فتحة واسعة، اقتربوا جميعًا. وخرجوا.
— لنا؟
ظل آزر ينظر إلى الأثر، ثم إلى الطائفة البعيدة، وأخيرا إلى الوادي. في القرية، كان يرى الأشياء من خلال ما يستطيع فعله. إذا استطاع إنقاذ شخص، حاول، وإذا عجز، بقي عاجزًا. لكن شيئًا ما تغيّر منذ ذلك الحين، لم يعد يرى العجز على أنه نهاية السؤال، بل صار يراه سببًا للبحث عن شيء آخر. ابتسم وقال:
— لا.
ساد الصمت، وقال رين:
عَدَّها، ثم نظر إليهم.
— هناك شيء.
— نحن أربعة.
— أعدك.
صمت، ثم قال كايو:
رفع كايو وجهه.
— وهذه أربعة أيضًا.
تردد ريو.
هز ريو رأسه.
أمسكت معصمه قبل أن يسحبه. توقفت لحظة، كان جلد أصابعه أبرد من المعتاد. ثم قالت:
— لا.
— ها قد عادت.
وأشار إلى الأثر الأخير.
تردد.
— هذا ليس حذاءً.
كانت البصمة ضيقة، طويلة، وتشبه القدم البشرية… لكن أطول بقليل.
ثم توقفت عند حافة الجرف.
لا أثر للسقوط، ولا أثر للعودة.
قالت نيرة:
رفع كايو رأسه.
— كان هنا شخص، ثم اختفى؟
وأشار إلى الأثر الأخير.
— نعم.
هز كايو كتفيه.
نظر كايو إلى آزر.
— قرروا أولًا أي جملة منكم تريدون تصديقها.
— هل تريد أن تقول إننا سنلاحقه؟
— لا نعرف ما هذا.
ظل آزر ينظر إلى الأثر، ثم إلى الطائفة البعيدة، وأخيرا إلى الوادي.
في القرية، كان يرى الأشياء من خلال ما يستطيع فعله.
إذا استطاع إنقاذ شخص، حاول، وإذا عجز، بقي عاجزًا.
لكن شيئًا ما تغيّر منذ ذلك الحين، لم يعد يرى العجز على أنه نهاية السؤال، بل صار يراه سببًا للبحث عن شيء آخر.
ابتسم وقال:
رد ريو بحدة:
— لا، لن نلاحقه.
كانت نيرة تنظر إلى الأرض، ثم أشارت.
نظر إليه رين، وهذه المرة لم يقل شيئًا.
أما ريو فظل يحدق فيه.
— لا تستخدمها وأنت تسخر من كايو.
— بدأت تتغير.
— أنا لا أريد أن أموت هنا.
التفت آزر إليه.
— لماذا؟
— كيف؟
— وربما سبب كافٍ للدخول.
تردد ريو، ثم قال:
كانت هناك طبقة رقيقة جدًا من الغبار على الحجر. مسحها. ظهر نقش صغير،و هذه المرة لم يكن دائرة وفراغًا. بل خطان متوازيان، وفوقهما نقطة. قالت نيرة:
— في السابق كنت تقفز إلى الشيء لأنك تريد أن تعرفه، والآن.. بدأت تسأل ماذا تحتاج كي تصل إليه.
— قد يكون المقصود أن هذا الباب لا يُفتح إلا مرة واحدة.
صمت آزر.
لم يعرف إن كان ذلك مدحًا أم تحذيرًا.
قال:
كانت لحظة صغيرة، لكن نيرة لاحظتها. آزر لم يكن يطيع ريو خوفًا، ولم يتحده لمجرد التحدي. استمع، وأجّل رغبته، شيء بسيط، ولكنه جديد.
— أليس هذا أفضل؟
— لا شيء.
نظر ريو إلى الوادي.
— هناك شيء.
— ربما.
لم يرد ريو. اقترب آزر من الجدار، ومرر كفه عليه. حجر، فقط حجر. لكن عندما رفع يده، شعر بذلك الإحساس ذاته الذي شعر به مع الحجر الرمادي.
ضحك كايو من بعيد.
— انظروا، الأثر يبدأ من داخل الطريق.
— ها قد عادت.
— لماذا؟
رمقه ريو بنظرة.
فضحكت نيرة، وحتى آزر ابتسم.
ابتسامة صغيرة، سريعة.
لكنها كانت موجودة.
— هل كنت ستستمع إليها؟
نصبوا مخيمهم قبل حلول الظلام.
ولم يكن المكان آمنًا تمامًا، لكنه أفضل من الجرف.
أشعل رين النار، كانت ألسنة اللهب ضعيفة في البداية، ثم استقرت.
جلس كايو وهو يمد ساقيه.
— هل عبر أحد؟
— أريد أن أنام يومًا كاملًا.
— فماذا يكون؟
— لن تفعل.
— العبور مرة؟
— أعلم.
لكن ريو لم يرد، اقترب من الحائط، ورفع يده.
— لماذا تقولها إذن؟
كان القرار أسهل بعد ذلك. لم يرغب رين في الدخول، ولكن لم يرغب أيضًا في ترك شيء مجهول خلفهم. أصر على أن يعبروا واحدًا تلو الآخر، وأن يبقى آخرهم في الخارج حتى يتأكد أن العودة ممكنة. قال كايو:
— حتى أريح نفسي.
لكن نيرة لم تكن تنظر إلى الطائفة، بل كانت تنظر إلى الجرف، واقتربت من الحافة.
— هذا أسوأ .
ابتعد رين عن الباب.
نظر كايو إليه.
— هذا لا يساعد.
— أعترف أنني أشتاق للطعام أكثر مما أشتاق للقرية.
نظر ريو إليه.
سكت للحظة، ثم أضاف:
— أجل.
— لكنني أشتاق لأمي.
— طريق للخارج؟
لم يرد أحد.
وهذه المرة لم يضحك.
كانت النار تتأوه بهدوء، وقال كايو:
— منطقك مؤسف.
— لا أعرف أين هي الآن، لكن لو كانت حية…
أكمل آزر:
توقف، ثم ضحك بخفة.
— ماذا استنتجت؟
— ستقول لي إنني كنت أحمق لأنني دخلت نفقًا لا أعرفه.
— ماذا؟
— ستقول شيئًا كهذا بالتأكيد.
في الجهة المقابلة للواد، ارتفع جبل طويل، وعلى سفحه ظهر مبنى هائل، أبيض الجدران، يحمل في أعلاه راية فضية. وقد عرفها ريو فورًا، ثم قال بهدوء:
ابتسم كايو.
لكن ريو لم يبتسم، بل كان ينظر إلى الممر. ثم قال:
— أجل.
ليس كإجابة، بل كخط. خط طويل، لم يرَ منه سوى عدة نقاط.
ساد الصمت، ثم قال آزر:
— حديث؟
— هل كنت ستستمع إليها؟
— لا أعرف، وهذا يكفيني هذه المرة.
رفع كايو رأسه، وفكر.
قال ريو:
— لا، لكنها ستغضب فقط.
— هذه إجابة أفضل.
نظر آزر إلى النار.
بقي يفكر في الإجابة، لربما كانت هذه هي الحياة.
أن تعرف ما يجب فعله… ثم تفعله أحيانًا، وأحيانًا لا.
أن تحب شخصًا رغم أنك قد لا تسمع نصيحته.
أن تخاف، وتذهب رغم ذلك.
أن تتردد، وأن تخسر، ثم تستمر.
لم يكن آزر يملك الكلمات لكل هذا.
لكنه بدأ يشعر به، وهذا كان أخطر.
— سنعرف إذا دخلنا.
وفي وقت متأخر من الليل، عندما نام الآخرون، بقي آزر مستيقظًا.
أخرج الحجر الرمادي، ووضعه أمامه.
لم يعد باردًا كما كان، لقد كان دافئًا قليلًا.
قربه من النار، ثم أبعده.
لا فرق.
تذكر سؤال الشيخ:
«من قال لك إن المدد يخرج من اليد؟»
نظر إلى أصابعه.
لم يكن يعرف كيف يزرع، ولم يكن يعرف الرتب، ولا حتى يعرف لماذا استطاع أن يشعر بالحجر.
لكن لأول مرة… لم يكن منزعجًا من ذلك.
— نعم.
في قاعة الاختبار، عندما أخبره الرجل أن هناك شيئًا غريبًا فيه، كان يريد إجابة.
الآن بدأ يفهم شيئًا.
ليس كل باب يُفتح لك لأنه يريد أن يعطيك جوابًا، فبعض الأبواب تُفتح… لترى ما مدي السعر الذي أنت مستعد لدفعه.
رفع رأسه، ونظر إلى النيران البعيدة.
ثم إلى رين النائم قربها، وإلى كايو الذي كان يتحدث في نومه، وأخيرا إلى نيرة التي وضعت حقيبتها تحت رأسها.
ظل ينظر إليهم..
للحظة، شعر بشيء يشبه الخوف، لكن ليس على نفسه.
بل عليهم.
فكرة غريبة، ولم يحبها.
لأن الخوف على النفس مفهوم، لكن الخوف على الآخرين يجعل القرار أصعب، وبدا له أن هذا هو الجزء الذي لم يفهمه بعد.
إذا كان عليه أن يختار يومًا بين هدفه… وبين حياة شخص آخر… فماذا سيفعل؟
ظل السؤال أمامه، ولم يجب.
لم يكن يريد أن يكذب على نفسه بإجابة جميلة.
أغلق يده على الحجر، وقال بصوت خافت:
— لماذا؟
— لا أعرف.
— لا شيء.
ثم بقي ساكنًا.
وللمرة الأولى… لم يشعر بالخجل من ألا يعرف.
فبعض الإجابات… لا ينبغي أن تُقال قبل أن يأتي اليوم التي تُختبر فيه.
— لماذا؟
وفي مكان بعيد عن الوادي،
خلف الجبل الذي ظهرت عليه راية سحابة الشمال، كان رجل يسير في ممر حجري تحت الأرض.
توقف، ورفع رأسه، ثم توقف الضوء الأبيض فوقه للحظة.
ثم جاء صوت خافت.
طرقة واحدة.
اقترب الرجل من الجدار.
كانت عليه العلامة.
دائرة، وفراغ في أعلاها.
وضع يده عليها، وقال بصوت منخفض:
— وماذا لو كان قبرًا؟
— عاد الطريق إلى العمل.
— نحن أربعة.
جاءه صوت من الظلام:
— لأنني أقوى واحد هنا.
— هل عبر أحد؟
لم يرد أحد. وهذه المرة لم يضحك. كانت النار تتأوه بهدوء، وقال كايو:
صمت الرجل، ثم أجاب:
— لم يكن طريقًا إلى الشمال.. بل كان طريقًا إلى هنا.
— أربعة.
تردد ريو.
— هل رأوها؟
— كيف عرفت؟
نظر إلى العلامة.
لم يجب، وخفض عينيه. لم يعجبه كلامها. لكنه لم يغضب، فقط بقي صامتًا. وبعد قليل قال:
— رأوا ما يكفي.
كان كايو على وشك الاعتراض، لكنه رأى رين جادًا، فأغلق فمه.
ساد الصمت، ثم جاء السؤال:
كانت نيرة تنظر إلى الأرض، ثم أشارت.
— ومن كان يحمل الحجر؟
— إذن لماذا تتحدث كأن الأمر لا يهم؟
لم يجب الرجل مباشرة، وظر إلى الاتجاه الذي تقع فيه لين.
ثم قال:
— لا أظن.
— الفتى.
ابتسمت نيرة.
صمت الطرف الآخر طويلًا، ثم جاءه صوت هادئ:
— ماذا حدث؟
— إذن… لقد بدأ.
فتحوا، ولم يحدث شيء. وراء الباب ممر قصير، وفي نهايته ضوء. ضوء حقيقي قريب. قال كايو:
وانطفأ الضوء.
أما في الوادي،
فلم يكن آزر يعلم أن بعض الأبواب لا تُفتح لمن يبحث عنها…
التفت آزر إليه.
بل… لمن يلفت انتباه من يقف خلفها
كانت البصمة ضيقة، طويلة، وتشبه القدم البشرية… لكن أطول بقليل. ثم توقفت عند حافة الجرف. لا أثر للسقوط، ولا أثر للعودة. قالت نيرة:
— لكنه يخبرنا أننا لسنا أول من جاء.
