أغنية القدماء
وما ينام ما زال باقياً.
كانت أصوات الانفجارات وهي تدوي في السماء تجعل المدينة أكثر بهجة رغم قتامة الجو؛ حيث كانت الأشرطة الملونة والفوانيس التي تشع بضوء خافت تزين الطرقات وأبواب المنازل الحجرية.
اليوم الأخير في العصر الثاني، سنة 999، اليوم الحادي والثلاثون من شهر ديسمبر.
كان صوت أقدام الخيول وهي ترتطم بالأسمنت يصنع تناغماً رتيباً يتداخل مع ضحكات الأطفال الصاخبة، وهم يركضون بهمة ومرح بين عربات الخيول الخشبية المارة. كان هذا اليوم استثنائياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فالمدينة بأكملها كانت تتزين وتتأهب للاحتفال بيوم المهرجان الكبير.
كانت الأمواج العاتية تجعل السفن تترنح وتتمايل في عرض البحر وكأنها تؤدي رقصة موت مهيبة. لم يكن هذا الاستنفار حكراً على تلك البقعة الفسيحة فحسب، بل كانت الأنظار كلها، وفي شتى أنحاء هذا البحر الشاسع المعروف ببحر “ريد بيل”، مصوبة نحو نفس الهدف، حيث تسابق الأساطيل الزمن في ملحمة بحرية كبرى نحو وجهة موحدة.
ولم يكن الشقاء حكراً على مجهودهم فحسب، بل كانت أقدامهم الحافية ترتطم بالأسمنت الخشن وهي تنزف دماً قانيا، تاركةً خلفها آثاراً حمراء داكنة تمسحها عجلات العربة الفاخرة. كان نومريس يمني النفس بالابتهاج ومشاركة الأطفال فرحتهم بهذا اليوم، لكن رؤية هذا المنظر المسحوق جعلته يغرق في ظلام دامس اجتاح وجدانه.
كانت أصوات الانفجارات وهي تدوي في السماء تجعل المدينة أكثر بهجة رغم قتامة الجو؛ حيث كانت الأشرطة الملونة والفوانيس التي تشع بضوء خافت تزين الطرقات وأبواب المنازل الحجرية.
أشاح روبي بنظره نحو الموكب الراحل، واختفت ابتسامته تدريجياً ليحل محلها طابع من الهدوء الموشح بالأسى، وقال: “كنت أريد إخراجك من حزنك فحسب.. لا أكثر”.
وفجأة، ركض الجنود بين الممرات يدفعون الحشود نحو الجانبين، معلنين عن اقتراب موكب مهيب.
نهض نومريس وهو يرمقه بنظرة عتاب حادة: “أنت تفعل هذا عن عمد.. أليس كذلك؟”.
“ابتعدوا! ابتعدوا!” صرخ أحد الجنود بكل قوته وهو يحمل سيفه الفضي، بينما يضرب بيده الأخرى درعه الصلب الذي لم يكن يختلف لونه اللامع عن لون سيفه.
أخفِ الاسم وأخفِ العلامة،
مر الموكب ببطء شديد تحت نظرات الأهالي المتراصين على الجوانب، والذين شاخوا ببصرهم نحو تلك العربة السوداء الفاخرة؛ ومن نافذتها المفتوحة، كانت هناك يد سمينة تلوح لعامة الناس ببرود وغرور.
راقب نومريس هذا الموكب من بعيد، ووقعت عيناه على مشهد شقّ صدره نصفين؛ فقد رأى رجالاً من بني جلدته وهم يُجرّون العربة الثقيلة بدلاً من الخيول التي كانت تسير خلفهم مباشرة كنوع من المهانة، دون أن يجرؤ أحد منهم على الاعتراض أو التذمر. كانت حالتهم يرثى لها، يتصببون عرقاً غزيراً في هذا الجو القارس الذي تجمّدت فيه الأطراف.
استمع الصديقان إلى الحوار بدقة قبل أن يغادرا المكان متوجهين نحو زاوية أخرى؛ التفت روبي نحو صديقه وقال بنبرة تهكمية خافتة: “إذاً، ذلك السمين سيلقي خطابه الليلة”.
ولم يكن الشقاء حكراً على مجهودهم فحسب، بل كانت أقدامهم الحافية ترتطم بالأسمنت الخشن وهي تنزف دماً قانيا، تاركةً خلفها آثاراً حمراء داكنة تمسحها عجلات العربة الفاخرة. كان نومريس يمني النفس بالابتهاج ومشاركة الأطفال فرحتهم بهذا اليوم، لكن رؤية هذا المنظر المسحوق جعلته يغرق في ظلام دامس اجتاح وجدانه.
اليوم الأخير في العصر الثاني، سنة 999، اليوم الحادي والثلاثون من شهر ديسمبر.
التفت إليه روبي متسائلاً بتوجس: “ألا تخشى أن يطردك من عملك نهائياً؟”.
وفجأة، ودون سابق إنذار، وُضعت يد ثقيلة فوق كتفه، فانخطف قلبه من مكانه رعباً، واختل توازنه ليسقط أرضاً متعثراً بين الركام.
سيعلو الغبار وتنشق البحار،
نظر إليه روبي مبتسماً، ومد يده لمساعدته وهو يقول بنبرة مازحة: “ما بك؟ هل أخفتُك إلى هذا الحد؟”.
نهض نومريس وهو يرمقه بنظرة عتاب حادة: “أنت تفعل هذا عن عمد.. أليس كذلك؟”.
أشاح روبي بنظره نحو الموكب الراحل، واختفت ابتسامته تدريجياً ليحل محلها طابع من الهدوء الموشح بالأسى، وقال: “كنت أريد إخراجك من حزنك فحسب.. لا أكثر”.
أشاح روبي بنظره نحو الموكب الراحل، واختفت ابتسامته تدريجياً ليحل محلها طابع من الهدوء الموشح بالأسى، وقال: “كنت أريد إخراجك من حزنك فحسب.. لا أكثر”.
نفض نومريس الغبار عن ثيابه البالية ببطء، ثم استدار بدوره نحو نفس الاتجاه، وعيناه تلاحقان الدماء المهدورة على الطريق، وسأل بنبرة مخنوقة ومريرة: “هل من أجل هذا خُلقنا؟”.
كان روبي على وشك الرد، عندما رُفع رأسه عالياً إثر دويّ انفجار هائل ومفاجئ هزّ سماء المدينة، مطلقاً حزمة من الأضواء الساطعة التي جعلت أعين الحشود تشرق انبهاراً بهذا المنظر البهيج.
كانت الأمواج العاتية تجعل السفن تترنح وتتمايل في عرض البحر وكأنها تؤدي رقصة موت مهيبة. لم يكن هذا الاستنفار حكراً على تلك البقعة الفسيحة فحسب، بل كانت الأنظار كلها، وفي شتى أنحاء هذا البحر الشاسع المعروف ببحر “ريد بيل”، مصوبة نحو نفس الهدف، حيث تسابق الأساطيل الزمن في ملحمة بحرية كبرى نحو وجهة موحدة.
سأل روبي، وعيناه ما زالتا معلقتين ببريق السماء: “هل سمح لك ذلك الرجل بالقدوم إلى المهرجان؟”.
أجابه نومريس وعلامات التمرد الخفي تلوح في نبرته: “لم أخبره أصلاً.. كنت أعلم أنه سيرفض، ولهذا فضلت عدم الذهاب إلى العمل اليوم”.
“لقد سمعتُ بذلك.. هل هذا صحيح حقاً؟” تساءل أحدهم بنبرة يشوبها الفضول.
وحينها، امتدت تلك اليد السمينة من نافذة العربة ممسكة بكيس بنيّ ممتلئ؛ لم ينطق صاحبها بكلمة، بل تقدم أحد الجنود مسرعاً، وركع على ركبته بأدب ليتسلم الكيس، ثم قدمه بوقار إلى الرجل الذي كان يغني.
التفت إليه روبي متسائلاً بتوجس: “ألا تخشى أن يطردك من عملك نهائياً؟”.
“ابتعدوا! ابتعدوا!” صرخ أحد الجنود بكل قوته وهو يحمل سيفه الفضي، بينما يضرب بيده الأخرى درعه الصلب الذي لم يكن يختلف لونه اللامع عن لون سيفه.
رد نومريس بنبرة لا مبالية: “لا بأس، لقد كنت أفكر بالفعل في عدم العودة إلى هناك مجدداً. الوقت يمر بسرعة، ولا أريد البقاء تحت جناح أحد بعد الآن.. أريد استقلاليتي. ما رأيك أن نصبح تجاراً؟”.
افترت شفتا روبي عن ابتسامة ساخرة ومريرة قبل أن يجيب: “تجار؟ نحن؟! أولا ترى ما يحدث أمامك؟” أشار روبي بيده نحو الموكب حيث يقبع بنو جلدتهم، وتابع بغصّة: “العالم يعتبرنا مجرد عبيد، فكيف تظن أنهم سيقبلون بالمتاجرة معنا؟”.
ولم يكن الشقاء حكراً على مجهودهم فحسب، بل كانت أقدامهم الحافية ترتطم بالأسمنت الخشن وهي تنزف دماً قانيا، تاركةً خلفها آثاراً حمراء داكنة تمسحها عجلات العربة الفاخرة. كان نومريس يمني النفس بالابتهاج ومشاركة الأطفال فرحتهم بهذا اليوم، لكن رؤية هذا المنظر المسحوق جعلته يغرق في ظلام دامس اجتاح وجدانه.
أطبق الصمت على شفتي نومريس، إذ أدرك ثقل الكلمات الحقيقية التي نطق بها صديقه، فآثر السكوت واكتفى بمراقبة الساحة.
أشاح روبي بنظره نحو الموكب الراحل، واختفت ابتسامته تدريجياً ليحل محلها طابع من الهدوء الموشح بالأسى، وقال: “كنت أريد إخراجك من حزنك فحسب.. لا أكثر”.
توقف الموكب الفاخر فجأة، بعد أن اعترضت مساره مجموعة من الراقصات اللواتي بدأن يعرضن رقصاتهن الاستعراضية تحت أنظار الجميع؛ كانت فساتينهن البراقة تخطف الأنظار من بعيد، في حين كان صوت أوتار الكمان ينساب في الفضاء، متداخلاً بعذوبة مع لحن بيانو خفيف وساحر.
عندما يُسمع الجرس الأخير،
وحينها، امتدت تلك اليد السمينة من نافذة العربة ممسكة بكيس بنيّ ممتلئ؛ لم ينطق صاحبها بكلمة، بل تقدم أحد الجنود مسرعاً، وركع على ركبته بأدب ليتسلم الكيس، ثم قدمه بوقار إلى الرجل الذي كان يغني.
وفجأة، بدأ صوت ثالث يرتفع في الهواء ممتصاً صخب الآلات الموسيقية؛ كان صوتاً بشرياً طبيعياً، دافئاً وعميقاً، يعود لرجل يغني بنبرة تحمل شجناً غامضاً:
“مضى خلف الضباب والحجر،
مضى حيث تجوب الظلال الصامتة.
مضى حيث تجوب الظلال الصامتة.
قد تمر الأعوام وتندثر العصور،
لكن الدين لم يُسدَّد بعد.
رد نومريس بنبرة لا مبالية: “لا بأس، لقد كنت أفكر بالفعل في عدم العودة إلى هناك مجدداً. الوقت يمر بسرعة، ولا أريد البقاء تحت جناح أحد بعد الآن.. أريد استقلاليتي. ما رأيك أن نصبح تجاراً؟”.
أخفِ الاسم وأخفِ العلامة،
راقب نومريس هذا الموكب من بعيد، ووقعت عيناه على مشهد شقّ صدره نصفين؛ فقد رأى رجالاً من بني جلدته وهم يُجرّون العربة الثقيلة بدلاً من الخيول التي كانت تسير خلفهم مباشرة كنوع من المهانة، دون أن يجرؤ أحد منهم على الاعتراض أو التذمر. كانت حالتهم يرثى لها، يتصببون عرقاً غزيراً في هذا الجو القارس الذي تجمّدت فيه الأطراف.
وادفن عميقًا ما كان يومًا يتألق.
“لقد سمعتُ بذلك.. هل هذا صحيح حقاً؟” تساءل أحدهم بنبرة يشوبها الفضول.
فما ضاع لم يختفِ بعد،
وما ينام ما زال باقياً.
عندما يُسمع الجرس الأخير،
استمع الصديقان إلى الحوار بدقة قبل أن يغادرا المكان متوجهين نحو زاوية أخرى؛ التفت روبي نحو صديقه وقال بنبرة تهكمية خافتة: “إذاً، ذلك السمين سيلقي خطابه الليلة”.
وعندما تضطرب السماء الصامتة،
فما ضاع لم يختفِ بعد،
سيعلو الغبار وتنشق البحار،
ربت روبي بكفه على ظهر نومريس محاولاً تبديد تشنجه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة: “معك حق.. لا شأن لنا بهم”.
ويبدأ القديم مسيرته من جديد.”
مع بداية الأغنية، خيّم صمت مطبق على الأرجاء؛ حتى الأطفال الذين كانوا يركضون ويضحكون بصوت صاخب تسمروا في أماكنهم مستمعين. ومع تلاشي النغمة الأخيرة، انفجرت الساحة بعاصفة من التصفيق الحار، وارتسمت الابتسامات على وجوه الحاضرين.
وفجأة، ودون سابق إنذار، وُضعت يد ثقيلة فوق كتفه، فانخطف قلبه من مكانه رعباً، واختل توازنه ليسقط أرضاً متعثراً بين الركام.
وحينها، امتدت تلك اليد السمينة من نافذة العربة ممسكة بكيس بنيّ ممتلئ؛ لم ينطق صاحبها بكلمة، بل تقدم أحد الجنود مسرعاً، وركع على ركبته بأدب ليتسلم الكيس، ثم قدمه بوقار إلى الرجل الذي كان يغني.
“أغنية رائعة، أليس كذلك؟” قال روبي وهو يصفق مع الحشود.
نفض نومريس الغبار عن ثيابه البالية ببطء، ثم استدار بدوره نحو نفس الاتجاه، وعيناه تلاحقان الدماء المهدورة على الطريق، وسأل بنبرة مخنوقة ومريرة: “هل من أجل هذا خُلقنا؟”.
أومأ نومريس برأسه، وعيناه غارقتان في شرود عميق: “نعم.. لم أسمع مثلها من قبل، أغنية القدماء.. إنها تحمل طبعا رائعة حقاً”.
نهاية الفصل
راقب نومريس هذا الموكب من بعيد، ووقعت عيناه على مشهد شقّ صدره نصفين؛ فقد رأى رجالاً من بني جلدته وهم يُجرّون العربة الثقيلة بدلاً من الخيول التي كانت تسير خلفهم مباشرة كنوع من المهانة، دون أن يجرؤ أحد منهم على الاعتراض أو التذمر. كانت حالتهم يرثى لها، يتصببون عرقاً غزيراً في هذا الجو القارس الذي تجمّدت فيه الأطراف.
مع اختفاء الموكب بعيداً، تناهى إلى مسامع نومريس حديث جانبي يدور بين بعض المارة؛ التفت بجسده قليلاً ليركز مع نبراتهم الحماسية.
“لقد سمعتُ بذلك.. هل هذا صحيح حقاً؟” تساءل أحدهم بنبرة يشوبها الفضول.
فما ضاع لم يختفِ بعد،
فرد عليه الآخر مؤكداً بثقة: “نعم، لقد سمعت ذلك بنفسي! اليوم سيلقي الملك خطابه العظيم. ألم ترَ الموكب؟ إنه يطوف في أرجاء المدينة بأكملها، وعندما يحدث هذا، فلا بد أنه سيلقي خطاباً مفصلياً، هكذا كانت العادة دوماً”.
عقّب رجل ثالث كان واقفاً بالقرب منهما: “لا بد أن تغييرات كبرى ستحدث في البلاد، تماماً كما فعل في المرات السابقة.. أظن أن هذه هي المرة الثالثة في تاريخ حكمه التي سيلقي فيها خطاباً مباشراً علينا”.
رد نومريس بنبرة لا مبالية: “لا بأس، لقد كنت أفكر بالفعل في عدم العودة إلى هناك مجدداً. الوقت يمر بسرعة، ولا أريد البقاء تحت جناح أحد بعد الآن.. أريد استقلاليتي. ما رأيك أن نصبح تجاراً؟”.
أخفِ الاسم وأخفِ العلامة،
تمتم الأول وهو يهز رأسه: “يا تُرى.. ما الذي سيقوله لنا في هذه الليلة التاريخية؟”.
“أغنية رائعة، أليس كذلك؟” قال روبي وهو يصفق مع الحشود.
استمع الصديقان إلى الحوار بدقة قبل أن يغادرا المكان متوجهين نحو زاوية أخرى؛ التفت روبي نحو صديقه وقال بنبرة تهكمية خافتة: “إذاً، ذلك السمين سيلقي خطابه الليلة”.
رد نومريس ببرود جاف وهو يشيح بنظره بعيداً: “لا يهم ما سيقوله.. فنحن لسنا معنيين بأي أمر يخصهم، أليس كذلك؟”.
وفي سفينة أخرى تبحر خلف تلك السفينة الضخمة مباشرة، كان هاربر ونيلام يقفان برفقة ليروين، يتلوهما أسطول بحري هائل يمتد على مد البصر؛ كانت الوجهة معلومة للجميع، والدافع وراء هذه المسيرة واضحاً لا لبس فيه.
ربت روبي بكفه على ظهر نومريس محاولاً تبديد تشنجه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة: “معك حق.. لا شأن لنا بهم”.
كانت الطرقات والساحات تعص بالحياة والبهجة، وكان أكثر ما يجذب الأنظار ويخطف الألباب هم أولئك المهرجون المنتشرون في كل زاوية، والذين كانوا يؤدون ألعاباً سحرية وحركات خفة مدهشة، يفرط لها عقد ذهول الحشود وتشرق بها أعين الأطفال الصغار.
أطبق الصمت على شفتي نومريس، إذ أدرك ثقل الكلمات الحقيقية التي نطق بها صديقه، فآثر السكوت واكتفى بمراقبة الساحة.
بينما كانت البهجة والسرور تغمران أرجاء العاصمة، كانت هناك سفينة ضخمة تشق طريقها بثبات نحو جزيرة إيرانور. كانت العيون القلقة مصوبة نحو الأفق الممتد في الأمام؛ وكان الفيلق يقف هناك، يجاوره ظلان غامضان حُجبت ملامحهما عن الرؤية.
توقف الموكب الفاخر فجأة، بعد أن اعترضت مساره مجموعة من الراقصات اللواتي بدأن يعرضن رقصاتهن الاستعراضية تحت أنظار الجميع؛ كانت فساتينهن البراقة تخطف الأنظار من بعيد، في حين كان صوت أوتار الكمان ينساب في الفضاء، متداخلاً بعذوبة مع لحن بيانو خفيف وساحر.
أومأ نومريس برأسه، وعيناه غارقتان في شرود عميق: “نعم.. لم أسمع مثلها من قبل، أغنية القدماء.. إنها تحمل طبعا رائعة حقاً”.
وفي سفينة أخرى تبحر خلف تلك السفينة الضخمة مباشرة، كان هاربر ونيلام يقفان برفقة ليروين، يتلوهما أسطول بحري هائل يمتد على مد البصر؛ كانت الوجهة معلومة للجميع، والدافع وراء هذه المسيرة واضحاً لا لبس فيه.
عقّب رجل ثالث كان واقفاً بالقرب منهما: “لا بد أن تغييرات كبرى ستحدث في البلاد، تماماً كما فعل في المرات السابقة.. أظن أن هذه هي المرة الثالثة في تاريخ حكمه التي سيلقي فيها خطاباً مباشراً علينا”.
كانت الأمواج العاتية تجعل السفن تترنح وتتمايل في عرض البحر وكأنها تؤدي رقصة موت مهيبة. لم يكن هذا الاستنفار حكراً على تلك البقعة الفسيحة فحسب، بل كانت الأنظار كلها، وفي شتى أنحاء هذا البحر الشاسع المعروف ببحر “ريد بيل”، مصوبة نحو نفس الهدف، حيث تسابق الأساطيل الزمن في ملحمة بحرية كبرى نحو وجهة موحدة.
نفض نومريس الغبار عن ثيابه البالية ببطء، ثم استدار بدوره نحو نفس الاتجاه، وعيناه تلاحقان الدماء المهدورة على الطريق، وسأل بنبرة مخنوقة ومريرة: “هل من أجل هذا خُلقنا؟”.
مر الموكب ببطء شديد تحت نظرات الأهالي المتراصين على الجوانب، والذين شاخوا ببصرهم نحو تلك العربة السوداء الفاخرة؛ ومن نافذتها المفتوحة، كانت هناك يد سمينة تلوح لعامة الناس ببرود وغرور.
وفي مقدمة السفينة، حيث كان رالرل يجلس متأملاً حركة الأمواج، التفت نحو الظلين القابعين بجواره وقال بنبرة يملؤها الحذر: “كنيسة اتحاد الأمم أرسلت بعض جنودها أيضاً.. الأمر يبدو غاية في الخطورة هذه المرة، وقد يصبح هذا الغزو بلا أي جدوى بعد تدخل الكنيسة”.
سيعلو الغبار وتنشق البحار،
نهاية الفصل
التفت إليه روبي متسائلاً بتوجس: “ألا تخشى أن يطردك من عملك نهائياً؟”.
