Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

المُتَحَرِّر 4

الطرقة الرابعة
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الطرقة الرابعة

لم ينم كايو.

— هل نمت؟

كان مستلقيًا على ظهره في الغرفة الصغيرة التي فرش فيها ريو فراشًا قرب الجدار.
الباب مغلق، والمصباح الوحيد عند النافذة يوشك أن ينطفئ، نارٌ صغيرة ضعيفة داخله، وضوؤها المتقطع يجعل سقف الغرفة يتحرك فوق عينيه كلما رمش.

— تعال، اجلس هنا.

حاول أن يغلق أذنيه.
ضغط كفيه عليهما حتى آلمه رأسه.
لم يتغير شيء.
كان الصوت قد اختفى، وهذا ما أخافه أكثر.

طَق.

لو استمر الطرق، لاستطاع أن يقنع نفسه بأنه صوت حقيقي، شيء يأتي من مكان ما، ويتكرر لسبب ما، ويمكن البحث عنه.
لكن أن يأتي ثم يختفي، فقد ترك وراءه فراغًا لم يعرف كيف يملؤه.

— نعم.

رفع رأسه ونظر إلى ريو.
الرجل مستلقٍ إلى جوار الجدار، وعيناه مغمضتان.

— ماذا؟

— هل نمت؟

— نعم.

لم يفتح ريو عينيه.

ثلاث. أغلق كايو عينيه. كان يعرف ما سيأتي، لم يعرف كيف عرف. لكن جسده عرف قبله، مرت لحظات طويلة، طويلة جدًا، ولم تأتِ الرابعة.

— لا.

ابتسم كايو قليلًا، لكن الابتسامة لم تكتمل.

— كيف عرفت أنني لم أنم؟

— لا تجعلني أكره وجود أذنين لك.

— لأنك تتنفس كمن ينتظر شيئًا.

— تعال، اجلس هنا.

صمت كايو، بعد لحظات قال:

تأمل آزر الأرض. أربع طرقات، ثلاث متتابعة، ثم صمت، ثم الرابعة. لم يكن عددًا فقط، شعر أنه كان ترتيبًا.

— سمعتها أربع مرات.

نظر كايو إلى عينيه مباشرة.

فتح ريو عينيه، ولم يسأله ماذا سمع.
قال فقط:

— نعم.

— متأكد؟

توقف آزر.

— نعم.

لكن هذا الصباح كان مختلفًا، الأبواب فتحت ببطء. لم يقترب أحد من الشجرة، وحتى الأطفال الذين اعتادوا اللعب حولها مروا بعيدًا عنها وهم يلتفتون إليها خلسة.

جلس ريو ببطء، ووضع يده على صدره دون أن يشعر، موضع الجرح يؤلمه مع كل حركة، لكنه لم يلتفت إليه.

— لم أعرف له مكانًا.

— أخبرتَ أحدًا؟

كانت نيرة عند بيت ريو، وحين دخل آزر وجدها تفتح الضماد. قالت من دون أن تنظر إليه:

— لا.

اقترب آزر.

— جيد.

دخل البيت، لكنه لم ينم.

قطب كايو حاجبيه.

نظر رين إليه، ثم تنهد.

— لماذا جيد؟

لم يقل آزر شيئًا. كان هناك شيء في العبارة لا يعجبه. ليس لأنه مخيف، بل لأنه يعني أن الطرقات ربما لم تكن مجرد صوت. كانت قد تعرف شيئًا عن الشخص الذي يسمعها.

لم يجب ريو، نهض ومشى حتى النافذة، ثم توقف أمامها.
الليل خارجها ساكن، لا أحد في الطريق، ولا مصابيح في البيوت البعيدة، لا شيء سوى سواد السماء وخط الأشجار المتداخل في الأفق.

نظرت إليه.

— الثلاث الأولى أعرفها.

لم يتغير وجه آزر، لكن السؤال جاء فورًا:

التفت كايو إليه.

— لأنك تتنفس كمن ينتظر شيئًا.

— كيف؟

— لم أتحرك.

ظل ريو ينظر إلى الخارج.

ظل صامتًا، ثم قال:

— لأنني سمعتها من قبل.

لم يتحرك آزر، ولم يسأل فورًا. ظل ينظر إلى كايو. كان يرى خوفًا حقيقيًا في عينيه للمرة الأولى، ليس خوفًا مما يسمعه، بل خوفًا من أن يكون الصوت قد وجد مكانًا لا يحتاج بعده إلى أن يطرق أي باب.

— وأين؟

ابتسم ريو.

صمت.

— كم؟

— عند الحجر؟

— جيد.

— لا.

— سمعت شيئًا؟

— إذن أين؟

— ماذا؟

التفت إليه ريو.

جلس آزر جانبًا. كانت رائحة الأعشاب والزيت تملأ المكان. وضعت نيرة القماش جانبًا، ثم نظرت إلى الجرح. لم يتغير شيء للعين العادية، لكنها بقيت تحدق طويلًا.

— لا تجعلني أكره وجود أذنين لك.

— لا أظن.

ابتسم كايو قليلًا، لكن الابتسامة لم تكتمل.

— كيف عرفت أنني لم أنم؟

— والرابعة؟

— والمركز؟

لم يجب ريو، عاد إلى فراشه وقال:

— لأنني أعرفك.

— لا أعرف.

خفض كايو عينيه، قال ريو:

ظل كايو ينظر إليه، لم تعجبه الإجابة، لكن شيئًا فيه أخبره أن ريو لم يكذب، وهذا كان أسوأ.

— هناك.

مع أول خيط للنهار، كانت القرية قد نسيت تقريبًا ما حدث بالأمس.
الأخبار الكبيرة لا تعيش طويلًا في الأماكن الصغيرة، تتحول في ليلة واحدة من خوف إلى حكاية، ومن حكاية إلى تفسير، ومن تفسير إلى شيء يذكره الناس وهم يعملون، ثم ينتهي به الأمر إلى أن يصبح جزءًا من الماضي.

لم يقل أكثر. لاحظ آزر ذلك، سأله سورا:

لكن هذا الصباح كان مختلفًا، الأبواب فتحت ببطء.
لم يقترب أحد من الشجرة، وحتى الأطفال الذين اعتادوا اللعب حولها مروا بعيدًا عنها وهم يلتفتون إليها خلسة.

وفي تلك الليلة، لم يكن أكثر ما أخاف آزر هو أن هناك شيئًا يطرق. بل أن شيئًا ما قد يكون

خرج آزر من بيته.
الهواء بارد قليلًا، و أوقفه للحظة صوت الماء وهو يُرفع من البئر، ثم صوت الحبل وهو يحتك بالحافة الحجرية.
نظر إلى يد المرأة التي تسحب الدلو، إلى الماء، إلى الحبل، إلى الحركة نفسها التي تكررت آلاف المرات.
وفكر في شيء لم يقله لأحد: أغلب الأشياء التي يراها الإنسان كل يوم لا يعود إلى رؤيتها، وهذا ربما كان سببًا كافيًا لأن يخطئ.

ظل كايو ينظر إليه، لم تعجبه الإجابة، لكن شيئًا فيه أخبره أن ريو لم يكذب، وهذا كان أسوأ.

تجاوز البئر، وفي منتصف الطريق لمح كايو.
كان جالسًا على حجر أمام بيت ريو، وذراعاه فوق ركبتيه، لم يكن مثل كايو الذي عرفه خلال اليومين السابقين، لا ضحك، لا تعليق، لا حركة زائدة.

ثم حدث شيء لم يتوقعه، جاءت الطرقة الرابعة. لكنها لم تُسمع في أذنه هذه المرة. شعر بها.. اهتز صدره اهتزازًا خفيفًا، ووضع يده فوق قلبه.

اقترب آزر.

— هذا فقط؟

— هل نمت؟

— نعم.

رفع كايو رأسه.

في اللحظة نفسها…

— قليلًا.

— هذا لأن الحمى لم تخرج منك بعد.

جلس آزر أمامه وسأل:

— عندما كنت صغيرًا، حدث لك شيء عند النهر، أليس كذلك؟

— سمعت شيئًا؟

— لا أظن.

بقي كايو صامتًا، ثم قال:

— كيف؟

— نعم.

— هذا فقط؟

انتظر آزر.

— لم يخبرني بشيء.

— كم؟

— هذا جيد.

نظر كايو إلى عينيه مباشرة.

— القوة التي تريدها ليست حبًا للقوة، أنت فقط تريد ألا تكون عاجزًا.

— أربع.

نظرت إليه.

لم يتغير وجه آزر، لكن السؤال جاء فورًا:

— أعلم.

— هل كنت وحدك؟

لم يجب رين، تركه ومضى.

— نعم.

— نعم.

— هل كان الصوت من الخارج؟

— لا شيء جديد.

— لا أعرف.

نظر إليه كايو، وكان وجهه شاحبًا، ثم قال:

— من الأرض؟

صمت كايو، بعد لحظات قال:

— لا أعرف.

— ربما أقل.

— من داخل البيت؟

— نعم

— لا أعرف.

— نعم.

صمت آزر قليلًا، ثم قال:

جلس آزر جانبًا. كانت رائحة الأعشاب والزيت تملأ المكان. وضعت نيرة القماش جانبًا، ثم نظرت إلى الجرح. لم يتغير شيء للعين العادية، لكنها بقيت تحدق طويلًا.

— ما الذي تعرفه إذن؟

— ماذا تقصدين؟

فرك كايو إبهامه براحة يده.

— إذن لماذا قلت لا؟

— أنه كان طرقًا.

نظر ريو إليها، ثم إلى سورا، لم يقل أحد شيئًا، وأحس آزر للحظة أن الغرفة ضاقت، ليس بسبب الخوف، بل بسبب الأسرار. كل واحد منهم يحمل جزءًا من شيء لا يملكه الآخرون، وكان واضحًا له أن جمع الأجزاء لا يعني بالضرورة تكوين الحقيقة، بل ربما يؤدي أحيانًا إلى تكوين كذبة أكبر.

— هذا فقط؟

التفت ريو نحوه فورًا.

— وأن الرابعة لم تأتِ مثل البقية.

— هذا يعتمد على الشيء.

رفع آزر رأسه.

توقف، قال ريو:

— كيف؟

تجاوز البئر، وفي منتصف الطريق لمح كايو. كان جالسًا على حجر أمام بيت ريو، وذراعاه فوق ركبتيه، لم يكن مثل كايو الذي عرفه خلال اليومين السابقين، لا ضحك، لا تعليق، لا حركة زائدة.

قال كايو:

— لا.

— الثلاث الأولى جاءت بسرعة، وبعد الثالثة… انتظرت.

لم يجب ريو، عاد إلى فراشه وقال:

— ماذا انتظرت؟

— وهل يمكن لشيء أن يحدث في وقتين مختلفين؟

— لا أعرف.

— أنت ما زلت هنا.

— ثم؟

— وكيف تعرف أنه لا يوجد سؤال؟

— جاءت الرابعة.

— والمركز؟

تأمل آزر الأرض.
أربع طرقات، ثلاث متتابعة، ثم صمت، ثم الرابعة.
لم يكن عددًا فقط، شعر أنه كان ترتيبًا.

— كيف؟

— هل شعرت أن الصوت ينتظر شيئًا؟

— لا تقترب.

رفع كايو رأسه بسرعة.
نظر إلى آزر لثوانٍ، ثم قال:

— هل سمعت أحدًا يتكلم؟

— نعم.

وفي تلك الليلة، لم يكن أكثر ما أخاف آزر هو أن هناك شيئًا يطرق. بل أن شيئًا ما قد يكون

— ماذا؟

— ماذا سمعت؟

— أن أعدها.

فتح عينيه، وأشار إلى ناحية القرية، إلى أحد الأزقة، ثم تجمد.

لم يقل آزر شيئًا.
كان هناك شيء في العبارة لا يعجبه.
ليس لأنه مخيف، بل لأنه يعني أن الطرقات ربما لم تكن مجرد صوت.
كانت قد تعرف شيئًا عن الشخص الذي يسمعها.

تغير وجه كايو، نظر إلى ريو بسرعة.

— هل أخبرك ريو؟

— كم؟

— لا.

— لم أتحرك.

— إذن كيف

— الفرق بيننا أنني أريد أن أرى القرية غدًا كما أراها اليوم.

— لم يخبرني بشيء.

— لا أكرهها، أخاف منها.

نهض آزر.

— لا.

— أنت قلتها بنفسك.

— آزر على حق، بعض الأشياء لا تحتاج إلى مطاردة، يكفي أنها عرفت أنك سمعتها.

تبعته عينا كايو.

— لم يخبرني بشيء.

— قلت ماذا؟

— لا شيء.

— إنك لا تعرف، لكنك كل مرة تصف الشيء أكثر مما تظن.

— لكنه غير طبيعي.

مشى، وبقي كايو ينظر إلى ظهره.

اقترب آزر قليلًا.

وجد آزر رين قرب البيت القديم، كان يحمل سلة حطب، ويبدو عليه الضيق.
قال حين رأى آزر:

جلس آزر خارج بيته. والده في الداخل، وأصوات الحياة اليومية تأتيه من خلال الجدار، لم ينضم إليه أحد، وظل وحده يفكر في كايو.

— لا.

سأله آزر:

توقف آزر.

— الفرق بيننا أنني أريد أن أرى القرية غدًا كما أراها اليوم.

— لم أسأل شيئًا.

— أنت أيضًا لا تكثر من الأوامر.

— أعرف.

— والمركز؟

— إذن لماذا قلت لا؟

نظر إلى الباب.

— لأنني أعرفك.

— لا تقترب.

مر آزر من جانبه، قال رين:

— لا.

— سورا أمر الجميع ألا يقتربوا من الشجرة اليوم.

— لا.

— أعرف.

كانت تلك أول مرة يؤيد فيها سورا فكرة قالها آزر قبل أن يعارضها.

— وأنت ذاهب إلى هناك.

لم يجب ريو، عاد إلى فراشه وقال:

— نعم.

همس كايو:

— ولماذا أخبرتني؟

— إذن كيف

— لأنك ستعرف على أي حال.

— من الأرض؟

نظر رين إليه، ثم تنهد.

كانت تلك أول مرة يؤيد فيها سورا فكرة قالها آزر قبل أن يعارضها.

— أحيانًا أتساءل إن كنت تعرف طريقًا للشيء الصحيح دون المرور بالطريق الذي سيجعلني أندم على أنك عرفته.

— لا.

توقف آزر.

— لا أعرف.

— وأحيانًا أتساءل إن كنت تمنعني لأنك تعرف شيئًا، أم لأنك تخاف ألا تعرف.

— سمعتها أربع مرات.

ظل رين صامتًا، ثم قال:

كانت تلك أول مرة يؤيد فيها سورا فكرة قالها آزر قبل أن يعارضها.

— الفرق بيننا أنني أريد أن أرى القرية غدًا كما أراها اليوم.

خفض عينيه.

— وأنا أريد أن أعرف لماذا لا تكون كذلك.

— وأحيانًا أتساءل إن كنت تمنعني لأنك تعرف شيئًا، أم لأنك تخاف ألا تعرف.

تحرك رين ببطء.

— ماذا يتحرك؟

— وهذه هي مشكلتك.

— ماذا؟

— لماذا؟

— لأنه عندما اختفى الصوت، شعرت أنني يجب أن أكون أكثر خوفًا.

— لأنك لا ترى في الشيء إلا السؤال الذي خلفه.

لم يجب.

نظر آزر إلى القرية.
الناس يسيرون، الدخان يرتفع من المداخن، الخبز يخرج من الأفران، طفل يركض خلف آخر.
كل شيء حي.

جلس آزر خارج بيته. والده في الداخل، وأصوات الحياة اليومية تأتيه من خلال الجدار، لم ينضم إليه أحد، وظل وحده يفكر في كايو.

— والشيء الذي لا سؤال خلفه؟

— القوة التي تريدها ليست حبًا للقوة، أنت فقط تريد ألا تكون عاجزًا.

— نتركه يعيش.

— ماذا سمعت؟

— وكيف تعرف أنه لا يوجد سؤال؟

— ماذا حدث؟

لم يجب رين، تركه ومضى.

— الثلاث الأولى جاءت بسرعة، وبعد الثالثة… انتظرت.

كانت نيرة عند بيت ريو، وحين دخل آزر وجدها تفتح الضماد.
قالت من دون أن تنظر إليه:

لم ينم كايو.

— لا تقترب.

— ماذا؟

توقف، قال ريو:

— لأنها غالبًا ليست بسيطة.

— دعيه.

— لا.

رفعت نيرة عينيها.

— ولماذا أخبرتني؟

— أنت أيضًا لا تكثر من الأوامر.

التفت إليه ريو.

— لم أعد أخاف منك.

— لم أتحرك.

— هذا لأن الحمى لم تخرج منك بعد.

— عند الحجر؟

جلس آزر جانبًا.
كانت رائحة الأعشاب والزيت تملأ المكان.
وضعت نيرة القماش جانبًا، ثم نظرت إلى الجرح.
لم يتغير شيء للعين العادية، لكنها بقيت تحدق طويلًا.

رفع رأسه أكثر، ولم يعرف لماذا خطرت له الفكرة التالية: ربما يكون أكبر قيد في الإنسان ليس ما لا يستطيع فعله. بل ما لا يعرف أنه لا يستطيع رؤيته.

— ماذا؟

ظل صامتًا، ثم قال:

— لا يعجبني.

— الجرح عند حافته يتصرف كجرح مضى عليه عدة أيام، أما داخله، فبعضه لا يبدو أقدم من ساعات.

— هذه العبارة سمعتها أمس.

قال سورا بسرعة:

— وأنا لم أسمع جوابًا أفضل منذ الأمس.

لم يجب.

مدت يدها نحو حافة الجرح. تراجعت بسرعة.

— متأكد؟

— ماذا حدث؟

— الثلاث الأولى أعرفها.

— لا شيء.

ظل رين صامتًا، ثم قال:

— نيرة.

ظل كايو ينظر إليه، لم تعجبه الإجابة، لكن شيئًا فيه أخبره أن ريو لم يكذب، وهذا كان أسوأ.

— لا شيء جديد.

لم يجب ريو، عاد إلى فراشه وقال:

أخذت نفسًا بطيئًا.

تبعته عينا كايو.

— الأطراف تتحسن.

توقف، قال ريو:

سأل آزر:

— الثلاث الأولى جاءت بسرعة، وبعد الثالثة… انتظرت.

— والمركز؟

حاول أن يغلق أذنيه. ضغط كفيه عليهما حتى آلمه رأسه. لم يتغير شيء. كان الصوت قد اختفى، وهذا ما أخافه أكثر.

نظرت إليه.

فتح ريو عينيه، ولم يسأله ماذا سمع. قال فقط:

— لا.

— أحيانًا أتساءل إن كنت تعرف طريقًا للشيء الصحيح دون المرور بالطريق الذي سيجعلني أندم على أنك عرفته.

اقترب آزر قليلًا.

— نعم.

— كيف؟

— الفرق بيننا أنني أريد أن أرى القرية غدًا كما أراها اليوم.

— كأن جسدك لا يعرف أن الإصابة حدثت في وقت واحد.

نظر ريو إليها، ثم إلى سورا، لم يقل أحد شيئًا، وأحس آزر للحظة أن الغرفة ضاقت، ليس بسبب الخوف، بل بسبب الأسرار. كل واحد منهم يحمل جزءًا من شيء لا يملكه الآخرون، وكان واضحًا له أن جمع الأجزاء لا يعني بالضرورة تكوين الحقيقة، بل ربما يؤدي أحيانًا إلى تكوين كذبة أكبر.

نظر ريو إلى جرحه.

— أين؟

— وهذا ممكن؟

قال كايو:

— لم أقل إنه مستحيل.

مدت يدها نحو حافة الجرح. تراجعت بسرعة.

— لكنه غير طبيعي.

— هل رأيت شيئًا؟

— نعم.

مشى، وبقي كايو ينظر إلى ظهره.

— وهل يمكن لشيء أن يحدث في وقتين مختلفين؟

— لهذا أنت أخطر مما تظن.

توقفت نيرة لحظة، ثم قالت:

— لماذا جيد؟

— يمكن للشيء أن يبدأ في وقت، وتظهر نتيجته في وقت آخر.

— هل رأيت شيئًا؟

— هذا ليس ما أقصده.

بل لماذا لم يسمع آزر؟

— أعرف.

توقف، قال ريو:

ثم أعادت ربط الضماد.

— لماذا؟

— لكنك بدأت تبحث عن تفسير قبل أن تتأكد من السؤال.

— لا أكرهها، أخاف منها.

صمت آزر، قالت:

— جرح ريو يزداد غرابة.

— الجرح عند حافته يتصرف كجرح مضى عليه عدة أيام، أما داخله، فبعضه لا يبدو أقدم من ساعات.

لكن كايو وقف بعيدًا عنهم رفع رأسه، ثم قال:

نظر ريو إليها.

رفع كايو إصبعه، أشار إليه أن يصمت. اقترب آزر خطوة.

— ساعات؟

كان الفرق مهمًا. لأن آزر اعتاد أن ينظر إلى الأشياء من جهة السؤال، لكن كايو كان يرى شيئًا آخر، أو يسمعه. ربما الحقيقة ليست بابًا يقف الإنسان أمامه من الخارج، ربما هي مكان واسع، وكل شخص يدخل منه من جهة مختلفة. وقد يرى أحدهم ما لا يراه الآخر، فهل يعني ذلك أن أحدهما مخطئ؟ أم أن الاثنين يملكان جزءًا من شيء أكبر؟

— ربما أقل.

لم يتحرك آزر، ولم يسأل فورًا. ظل ينظر إلى كايو. كان يرى خوفًا حقيقيًا في عينيه للمرة الأولى، ليس خوفًا مما يسمعه، بل خوفًا من أن يكون الصوت قد وجد مكانًا لا يحتاج بعده إلى أن يطرق أي باب.

خفض عينيه.

— أعلم.

— هذا لا معنى له.

ابتسم سورا ابتسامة صغيرة.

— جيد.

— هل شعرت أن الصوت ينتظر شيئًا؟

رفع رأسه.

لكن هذا الصباح كان مختلفًا، الأبواب فتحت ببطء. لم يقترب أحد من الشجرة، وحتى الأطفال الذين اعتادوا اللعب حولها مروا بعيدًا عنها وهم يلتفتون إليها خلسة.

— جيد؟

— كيف؟

— نعم. حين لا يكون للشيء معنى، لا نضيف إليه معنى من عندنا.

توقف، لم يتحرك، مرت ثانية، ثم:

صمتت، ثم قالت:

— هل تسمعها؟

— العاقل لا ينكر ما لا يفهمه، لكنه لا يقدسه أيضًا.

ابتسم.

بقيت الجملة في الغرفة.
نظر آزر إلى الأرض، كان يحب الإجابات، لكنه بدأ يكتشف أن أسوأ إجابة يمكن أن يحصل عليها الإنسان ليست «لا أعرف». بل إجابة يصدقها قبل أن يعرف إن كانت تستحق التصديق.

— الأطراف تتحسن.

وصل سورا قبل الظهر بقليل.
لم يتحدث كثيرًا. وقف في وسط الساحة، وأسند عصاه إلى الأرض.
نظر إلى الجميع.

قال كايو:

— كايو.

— ما الذي تعرفه إذن؟

اقترب الشاب.

رفعت نيرة عينيها.

— ماذا سمعت؟

لم يفتح ريو عينيه.

أخبره بكل شيء. ثلاث طرقات. ثم الرابعة. والفاصل بينها. لم يقاطعه سورا. لكن حين انتهى، سأل:

— تكذب.

— هل سمعت أحدًا يتكلم؟

— ماذا إذن؟

— لا.

— لا أكرهها، أخاف منها.

— هل رأيت شيئًا؟

التفت إليها.

— لا.

— لأنك ستعرف على أي حال.

— هل تغير مكان الصوت؟

رفع آزر رأسه.

— لم أعرف له مكانًا.

نظرت إليه.

نظر سورا إلى ريو.

— ماذا حدث؟

— وأنت؟

— لم أعد أخاف منك.

— سمعت بعضه.

— من داخل البيت؟

لم يقل أكثر.
لاحظ آزر ذلك، سأله سورا:

توقف، لم يتحرك، مرت ثانية، ثم:

— أنت، ماذا تسمع؟

لم يقل آزر شيئًا. كان هناك شيء في العبارة لا يعجبه. ليس لأنه مخيف، بل لأنه يعني أن الطرقات ربما لم تكن مجرد صوت. كانت قد تعرف شيئًا عن الشخص الذي يسمعها.

— لا شيء.

تغير وجه كايو، نظر إلى ريو بسرعة.

لم يعلق أحد. لكن عيني ريو بقيتا عليه للحظة. قال سورا:

— لأنك تتنفس كمن ينتظر شيئًا.

— جيد.

همس كايو:

— لماذا جيد؟

ظل رين صامتًا، ثم قال:

— لأن عدم سماع الشيء أهون من أن تسمع ما لا تفهمه.

جلس آزر أمامه وسأل:

— هذا يعتمد على الشيء.

— كايو، لا تتحرك.

ابتسم سورا ابتسامة صغيرة.

— أخبرتَ أحدًا؟

— أنت لا تترك حتى الإجابات البسيطة وشأنها.

رفع رأسه ونظر إلى ريو. الرجل مستلقٍ إلى جوار الجدار، وعيناه مغمضتان.

— لأنها غالبًا ليست بسيطة.

— ما الذي تعرفه إذن؟

تدخلت نيرة:

— لا.

— يكفي، هناك شيء آخر.

— لم أقل إنه مستحيل.

التفت إليها.

— داخلي.

— جرح ريو يزداد غرابة.

— جاءت الرابعة.

شد سورا فكه قليلًا.

ظل رين صامتًا، ثم قال:

— ماذا تقصدين؟

نظر ريو إليها، ثم إلى سورا، لم يقل أحد شيئًا، وأحس آزر للحظة أن الغرفة ضاقت، ليس بسبب الخوف، بل بسبب الأسرار. كل واحد منهم يحمل جزءًا من شيء لا يملكه الآخرون، وكان واضحًا له أن جمع الأجزاء لا يعني بالضرورة تكوين الحقيقة، بل ربما يؤدي أحيانًا إلى تكوين كذبة أكبر.

— لا أعرف، وهذه المرة لا أقولها تهربًا.

نظر ريو إليها، ثم إلى سورا، لم يقل أحد شيئًا، وأحس آزر للحظة أن الغرفة ضاقت، ليس بسبب الخوف، بل بسبب الأسرار.
كل واحد منهم يحمل جزءًا من شيء لا يملكه الآخرون، وكان واضحًا له أن جمع الأجزاء لا يعني بالضرورة تكوين الحقيقة، بل ربما يؤدي أحيانًا إلى تكوين كذبة أكبر.

— من أين؟

بعد الظهر، عادوا إلى الشجرة.
لم يقتربوا منها، وقفوا على مسافة، بينما كان سورا ينظر إلى الجذع المشقوق.
كانت الدائرة السوداء ما تزال في موضعها، وحين نظر إليها آزر، لم ير فيها شيئًا جديدًا.

— وهذا خطير، لأن الرجل الذي يكره عجزه قد يقبل بأي قوة تجعله ينسى أنه كان عاجزًا.

لكن كايو وقف بعيدًا عنهم رفع رأسه، ثم قال:

لم ينم كايو.

— هناك شيء.

— نعم.

التفت ريو نحوه فورًا.

— لأنني أعرفك.

— ماذا؟

في المرة الأولى، كان السؤال: لماذا سمع؟ أما الآن، فقد تغير السؤال.

— ليس الطرق.

— أعرف.

— ماذا إذن؟

— لا، لكنني أعرف أنه لم يرحل.

أغمض كايو عينيه.

— هل تغير مكان الصوت؟

— شيء… مثل اهتزاز.

— والرابعة؟

— من أين؟

— يكفي، هناك شيء آخر.

فتح عينيه، وأشار إلى ناحية القرية، إلى أحد الأزقة، ثم تجمد.

— لم أقل إنه مستحيل.

— هناك.

— نعم.

نظر الجميع، لم يروا شيئًا.
قال رين:

خفض كايو عينيه، قال ريو:

— أين؟

— أنت أيضًا لا تكثر من الأوامر.

— لا أعرف. إنه يتحرك.

ثلاث. أغلق كايو عينيه. كان يعرف ما سيأتي، لم يعرف كيف عرف. لكن جسده عرف قبله، مرت لحظات طويلة، طويلة جدًا، ولم تأتِ الرابعة.

سأله آزر:

— وهل يمكن لشيء أن يحدث في وقتين مختلفين؟

— ماذا يتحرك؟

— لأنني سمعتها من قبل.

لم يجب كايو، كان وجهه قد تغير.
قال ريو:

— أربع.

— لا تتبعه.

— هناك شيء.

ضحك كايو بخفة مشوبة بالتوتر.

— اتسعت عيناه،كان الصوت أقرب، الثالثة لم تأتِ فورًا، انتظر. ثم..

— لم أتحرك.

— اتسعت عيناه،كان الصوت أقرب، الثالثة لم تأتِ فورًا، انتظر. ثم..

— بعد. لهذا قلتها قبل أن تفعل.

كانت نيرة عند بيت ريو، وحين دخل آزر وجدها تفتح الضماد. قالت من دون أن تنظر إليه:

التفت آزر إلى ريو.

قال كايو:

— لماذا تخاف منه؟

— كيف؟

— لأنك لا تستطيع أن تعرف الفرق بين الشيء الذي يتقدم نحوك، والشيء الذي يجعلك تتقدم نحوه.

— نعم.

نظر آزر إلى الطريق، ثم إلى كايو، ثم إلى الشجرة.
فهم شيئًا، الخطر ليس دائمًا أن يأتي شيء إليك.
أحيانًا يكون الخطر أن يجعلك تذهب إليه وأنت تظن أن القرار قرارك.

— الثلاث الأولى أعرفها.

— كايو، لا تتحرك.

سأل آزر:

قال سورا بسرعة:

رفع رأسه.

— آزر على حق، بعض الأشياء لا تحتاج إلى مطاردة، يكفي أنها عرفت أنك سمعتها.

— ماذا انتظرت؟

كانت تلك أول مرة يؤيد فيها سورا فكرة قالها آزر قبل أن يعارضها.

— وأن الرابعة لم تأتِ مثل البقية.

غابت الشمس قبل أن يقرر أحدهم العودة إلى بيوته.
القرية أصبحت أكثر هدوءًا من الليلة السابقة.
لكن الهدوء هذه المرة لم يكن مريحًا. كان أشبه بشيء يحاول أن يتنفس دون أن يُسمع.

نظر ريو إلى جرحه.

جلس آزر خارج بيته.
والده في الداخل، وأصوات الحياة اليومية تأتيه من خلال الجدار، لم ينضم إليه أحد، وظل وحده يفكر في كايو.

نظر آزر إلى السماء، ثم إلى كايو، ثم إلى الظلام الممتد وراء البيوت. ولأول مرة منذ بدأ يسأل عن الموت، وجد نفسه أمام شيء لا يستطيع حتى أن يبدأ بسؤاله بالطريقة المعتادة.

في المرة الأولى، كان السؤال:
لماذا سمع؟ أما الآن، فقد تغير السؤال.

بعد الظهر، عادوا إلى الشجرة. لم يقتربوا منها، وقفوا على مسافة، بينما كان سورا ينظر إلى الجذع المشقوق. كانت الدائرة السوداء ما تزال في موضعها، وحين نظر إليها آزر، لم ير فيها شيئًا جديدًا.

ليس: لماذا سمع كايو؟

همس كايو:

بل لماذا لم يسمع آزر؟

 وجد من يفتح له الباب..

كان الفرق مهمًا.
لأن آزر اعتاد أن ينظر إلى الأشياء من جهة السؤال، لكن كايو كان يرى شيئًا آخر، أو يسمعه.
ربما الحقيقة ليست بابًا يقف الإنسان أمامه من الخارج، ربما هي مكان واسع، وكل شخص يدخل منه من جهة مختلفة.
وقد يرى أحدهم ما لا يراه الآخر، فهل يعني ذلك أن أحدهما مخطئ؟ أم أن الاثنين يملكان جزءًا من شيء أكبر؟

جلس آزر جانبًا. كانت رائحة الأعشاب والزيت تملأ المكان. وضعت نيرة القماش جانبًا، ثم نظرت إلى الجرح. لم يتغير شيء للعين العادية، لكنها بقيت تحدق طويلًا.

رفع آزر عينيه إلى السماء.
كانت مظلمة تمامًا كما كانت كل ليالي القرية، ومع ذلك، لم يعد يستطيع النظر إليها بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها إليها قبل وصول ريو.

— جيد.

— لو رأى شخص البحر طوال حياته، فلن يصدق من يخبره أن الماء يخفي شيئًا في قاعه.
ليس لأن الرجل كاذب… بل لأن البحر الذي يعرفه لا يظهر ذلك.

رفع رأسه ونظر إلى ريو. الرجل مستلقٍ إلى جوار الجدار، وعيناه مغمضتان.

رفع رأسه أكثر، ولم يعرف لماذا خطرت له الفكرة التالية:
ربما يكون أكبر قيد في الإنسان ليس ما لا يستطيع فعله.
بل ما لا يعرف أنه لا يستطيع رؤيته.

نظر الجميع، لم يروا شيئًا. قال رين:

دخل البيت، لكنه لم ينم.

— لكنك بدأت تبحث عن تفسير قبل أن تتأكد من السؤال.

في بيت ريو، كانت نيرة تغير الضماد للمرة الأخيرة تلك الليلة.
جلس كايو بالقرب من الباب.

— هذا فقط؟

— أنت ما زلت هنا.

رفع كايو إصبعه، أشار إليه أن يصمت. اقترب آزر خطوة.

— نعم.

رفع رأسه ونظر إلى ريو. الرجل مستلقٍ إلى جوار الجدار، وعيناه مغمضتان.

— لماذا؟

همس كايو:

ابتسم.

خفض عينيه.

— لا أعرف.

صمتت، وقال ريو:

نظرت إليه.

بعد الظهر، عادوا إلى الشجرة. لم يقتربوا منها، وقفوا على مسافة، بينما كان سورا ينظر إلى الجذع المشقوق. كانت الدائرة السوداء ما تزال في موضعها، وحين نظر إليها آزر، لم ير فيها شيئًا جديدًا.

— تكذب.

توقف آزر.

— أعلم.

— نتركه يعيش.

ربطت الضماد. قالت:

— وكيف تعرف أنه لا يوجد سؤال؟

— هل ما زلت تسمع شيئًا؟

— نتركه يعيش.

— لا.

فتح عينيه. في الجهة الأخرى من الفناء كان آزر واقفًا. لم يكن يعرف ما الذي يفعله كايو، لم يسمع شيئًا.

— هذا جيد.

قطب كايو حاجبيه.

— لا أظن.

— لماذا؟

رفعت رأسها.

— نعم.

— لماذا؟

— لا.

نظر إلى الباب.

خفض عينيه.

— لأنه عندما اختفى الصوت، شعرت أنني يجب أن أكون أكثر خوفًا.

رفع كايو عينيه ببطء. ووضع يده على صدره.

صمتت، وقال ريو:

— لا، لكنني أعرف أنه لم يرحل.

— تعال، اجلس هنا.

ظل كايو ينظر إليه، لم تعجبه الإجابة، لكن شيئًا فيه أخبره أن ريو لم يكذب، وهذا كان أسوأ.

اقترب وجلس أمامه، تأمله ريو طويلًا، ثم قال:

— نعم. حين لا يكون للشيء معنى، لا نضيف إليه معنى من عندنا.

— عندما كنت صغيرًا، حدث لك شيء عند النهر، أليس كذلك؟

— لأنها غالبًا ليست بسيطة.

تغير وجه كايو، نظر إلى ريو بسرعة.

خرج آزر من بيته. الهواء بارد قليلًا، و أوقفه للحظة صوت الماء وهو يُرفع من البئر، ثم صوت الحبل وهو يحتك بالحافة الحجرية. نظر إلى يد المرأة التي تسحب الدلو، إلى الماء، إلى الحبل، إلى الحركة نفسها التي تكررت آلاف المرات. وفكر في شيء لم يقله لأحد: أغلب الأشياء التي يراها الإنسان كل يوم لا يعود إلى رؤيتها، وهذا ربما كان سببًا كافيًا لأن يخطئ.

— نعم

— ماذا يتحرك؟

— أنت لا تنظر إلى الماء بالطريقة التي ينظر بها الآخرون.

— لأنك لا ترى في الشيء إلا السؤال الذي خلفه.

خفض كايو عينيه، قال ريو:

— لم أقل إنه مستحيل.

— القوة التي تريدها ليست حبًا للقوة، أنت فقط تريد ألا تكون عاجزًا.

رفع كايو إصبعه، أشار إليه أن يصمت. اقترب آزر خطوة.

ظل صامتًا، ثم قال:

— إنك لا تعرف، لكنك كل مرة تصف الشيء أكثر مما تظن.

— نعم.

رفع رأسه.

— وهذا خطير، لأن الرجل الذي يكره عجزه قد يقبل بأي قوة تجعله ينسى أنه كان عاجزًا.

— هل نمت؟

— وأنت؟ لماذا تكره الأشياء التي لا تعرفها؟

— من أين إذن؟

أدار ريو وجهه نحو النافذة.

— لا أعرف.

— لا أكرهها، أخاف منها.

لم يجب ريو، عاد إلى فراشه وقال:

— ما الفرق؟

— وكيف تعرف أنه لا يوجد سؤال؟

— الكراهية تجعلك ترغب في التخلص من الشيء.
أما الخوف، فيجعلك تراقبه حتى لا يقع عليك.

— لماذا؟

بقي كايو صامتًا، ثم قال:

— بعد. لهذا قلتها قبل أن تفعل.

— وأحيانًا يجعلك تقترب منه.

— نعم.

ابتسم ريو.

— نعم.

— لهذا أنت أخطر مما تظن.

دخل البيت، لكنه لم ينم.

قبل منتصف الليل بقليل، كان كايو وحده في الفناء.
الهواء بارد.
رفع رأسه إلى السماء، لم يسمع شيئًا.
انتظر، لم يحدث شيء.
زفر، ثم استدار.

فتح عينيه. في الجهة الأخرى من الفناء كان آزر واقفًا. لم يكن يعرف ما الذي يفعله كايو، لم يسمع شيئًا.

في اللحظة نفسها…

— أنت، ماذا تسمع؟

طَق.

— لأن عدم سماع الشيء أهون من أن تسمع ما لا تفهمه.

توقف، لم يتحرك، مرت ثانية، ثم:

بل لماذا لم يسمع آزر؟

طَق.

— ربما أقل.

— اتسعت عيناه،كان الصوت أقرب، الثالثة لم تأتِ فورًا، انتظر.
ثم..

— أعرف.

طَق.

سأل آزر:

ثلاث. أغلق كايو عينيه.
كان يعرف ما سيأتي، لم يعرف كيف عرف.
لكن جسده عرف قبله، مرت لحظات طويلة، طويلة جدًا، ولم تأتِ الرابعة.

— لا أعرف.

فتح عينيه.
في الجهة الأخرى من الفناء كان آزر واقفًا.
لم يكن يعرف ما الذي يفعله كايو، لم يسمع شيئًا.

— لماذا تخاف منه؟

— كايو؟

— أنت لا تترك حتى الإجابات البسيطة وشأنها.

لم يجب.

بقي كايو صامتًا، ثم قال:

— ماذا هناك؟

تراجع آزر خطوة.

رفع كايو إصبعه، أشار إليه أن يصمت.
اقترب آزر خطوة.

خفض عينيه.

— هل تسمعها؟

نظر آزر إلى القرية. الناس يسيرون، الدخان يرتفع من المداخن، الخبز يخرج من الأفران، طفل يركض خلف آخر. كل شيء حي.

هز كايو رأسه، نعم.
انتظر آزر، مر الوقت، ثم قال:

— أنت لا تنظر إلى الماء بالطريقة التي ينظر بها الآخرون.

— كم؟

فتح عينيه. في الجهة الأخرى من الفناء كان آزر واقفًا. لم يكن يعرف ما الذي يفعله كايو، لم يسمع شيئًا.

همس كايو:

— لا.

— ثلاث.

— ثم؟

نظر آزر إلى الظلام، لم يسمع شيئًا.

— لا تتبعه.

— والرابعة؟

— هل أخبرك ريو؟

رفع كايو عينيه إليه، ولم يجب.
في مكان ما، بعيدًا عن الاثنين، سقطت قطرة ماء على حجر.
صوت صغير، لكن كايو لم يلتفت إليها.
كان ينتظر.

ابتسم كايو قليلًا، لكن الابتسامة لم تكتمل.

ثم حدث شيء لم يتوقعه، جاءت الطرقة الرابعة.
لكنها لم تُسمع في أذنه هذه المرة.
شعر بها.. اهتز صدره اهتزازًا خفيفًا، ووضع يده فوق قلبه.

— أنت لا تنظر إلى الماء بالطريقة التي ينظر بها الآخرون.

تراجع آزر خطوة.

— وأنت؟

— ماذا حدث؟

— ماذا سمعت؟

نظر إليه كايو، وكان وجهه شاحبًا، ثم قال:

— ثم؟

— هذه المرة… لم تكن من الخارج.

— أعرف.

— من أين إذن؟

هز كايو رأسه، نعم. انتظر آزر، مر الوقت، ثم قال:

رفع كايو عينيه ببطء. ووضع يده على صدره.

— قليلًا.

— داخلي.

— لكنه غير طبيعي.

لم يتحرك آزر، ولم يسأل فورًا.
ظل ينظر إلى كايو.
كان يرى خوفًا حقيقيًا في عينيه للمرة الأولى، ليس خوفًا مما يسمعه، بل خوفًا من أن يكون الصوت قد وجد مكانًا لا يحتاج بعده إلى أن يطرق أي باب.

بعد الظهر، عادوا إلى الشجرة. لم يقتربوا منها، وقفوا على مسافة، بينما كان سورا ينظر إلى الجذع المشقوق. كانت الدائرة السوداء ما تزال في موضعها، وحين نظر إليها آزر، لم ير فيها شيئًا جديدًا.

— هل تسمع شيئًا الآن؟

بعد الظهر، عادوا إلى الشجرة. لم يقتربوا منها، وقفوا على مسافة، بينما كان سورا ينظر إلى الجذع المشقوق. كانت الدائرة السوداء ما تزال في موضعها، وحين نظر إليها آزر، لم ير فيها شيئًا جديدًا.

هز كايو رأسه.

— لا أعرف.

— لا، لكنني أعرف أنه لم يرحل.

— هذا جيد.

نظر آزر إلى السماء، ثم إلى كايو، ثم إلى الظلام الممتد وراء البيوت.
ولأول مرة منذ بدأ يسأل عن الموت، وجد نفسه أمام شيء لا يستطيع حتى أن يبدأ بسؤاله بالطريقة المعتادة.

نظرت إليه.

لأنه لا يعرف بعد… هل كان كايو هو الذي سمع الطرقة؟ أم أن الطرقة هي التي وجدت كايو؟

خرج آزر من بيته. الهواء بارد قليلًا، و أوقفه للحظة صوت الماء وهو يُرفع من البئر، ثم صوت الحبل وهو يحتك بالحافة الحجرية. نظر إلى يد المرأة التي تسحب الدلو، إلى الماء، إلى الحبل، إلى الحركة نفسها التي تكررت آلاف المرات. وفكر في شيء لم يقله لأحد: أغلب الأشياء التي يراها الإنسان كل يوم لا يعود إلى رؤيتها، وهذا ربما كان سببًا كافيًا لأن يخطئ.

وفي تلك الليلة، لم يكن أكثر ما أخاف آزر هو أن هناك شيئًا يطرق.
بل أن شيئًا ما قد يكون

— أنت لا تترك حتى الإجابات البسيطة وشأنها.

 وجد من يفتح له الباب..

— الجرح عند حافته يتصرف كجرح مضى عليه عدة أيام، أما داخله، فبعضه لا يبدو أقدم من ساعات.

نظر ريو إليها.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط